Ibn 'AshurAt‑Tahrim · 66:1–3

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

التحريم

At-Tahrim

The Prohibition · Medinan · 12 ayahs

66:1Page 560

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١

O Prophet, why do you prohibit [yourself from] what Allāh has made lawful for you, seeking the approval of your wives? And Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿يا أيُّها النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

صفحة ٣٤٦

افْتِتاحُ السُّورَةِ بِخِطابِ النَّبِيءِ ﷺ بِالنِّداءِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ مِمّا يَهْتَمُّ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ والأُمَّةُ ولِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ كانَ مِن عَلائِقِهِ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا يُوجَدُ ما يَدْعُو إلى أنْ تُحَرِّمَ عَلى نَفْسِكَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ، ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا التَزَمَ عَدَمَ العَوْدِ إلى ما صَدَرَ مِنهُ التِزامًا بِيَمِينٍ أوْ بِدُونِ يَمِينٍ أرادَ الِامْتِناعَ مِنهُ في المُسْتَقْبَلِ قاصِدًا بِذَلِكَ تَطْمِينَ أزْواجِهِ اللّائِي تَمالَأْنَ عَلَيْهِ لِفَرْطِ غَيْرَتِهِنَّ، أيْ لَيْسَتْ غَيْرَتُهُنَّ مِمّا تَجِبُ مُراعاتُهُ في المُعاشَرَةِ إنْ كانَتْ فِيما لا هَضْمَ فِيهِ لِحُقُوقِهِمْ، ولا هي مِن إكْرامِ إحْداهِنَّ لِزَوْجِها إنْ كانَتِ الأُخْرى لَمْ تَتَمَكَّنْ مِن إكْرامِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الإكْرامِ في بَعْضِ الأيّامِ.

وهَذا يُومِئُ إلى ضَبْطِ ما يُراعى مِنَ الغَيْرَةِ وما لا يُراعى.

وفِعْلُ (تُحَرِّمُ) مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى: تَجْعَلُ ما أُحِلَّ لَكَ حَرامًا، أيْ تُحَرِّمُهُ عَلى نَفْسِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]) وقَرِينَتُهُ قَوْلُهُ هُنا (﴿ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾) .

ولَيْسَ مَعْنى التَّحْرِيمِ هُنا نِسْبَةَ الفِعْلِ إلى كَوْنِهِ حَرامًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢])، وقَوْلِهِ (﴿يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ [التوبة: ٣٧])، فَإنَّ التَّفْعِيلَ يَأْتِي بِمَعْنى التَّصْبِيرِ كَما يُقالُ: وسِّعْ هَذا البابَ، ويَأْتِي بِمَعْنى إيجادِ الشَّيْءِ عَلى حالَةٍ مِثْلِ ما يُقالُ لِلْخَيّاطِ: وسِّعْ طَوْقَ الجُبَّةِ.

ولا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يَتَوَهَّمَ مِنهُ أنَّكَ غَيَّرْتَ إباحَتَهُ حَرامًا عَلى النّاسِ أوْ عَلَيْكَ. ومِنَ العَجِيبِ قَوْلُ الكَشّافِ: لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يُحَرِّمَ ما أحَلَّ اللَّهُ لِأنَّ اللَّهَ إنَّما أحَلَّهُ لِمَصْلَحَةٍ عَرَفَها في إحْلالِهِ إلَخْ.

وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ (﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾) لِأنَّهُ أوْقَعَ تَحْرِيمًا مُتَجَدِّدًا.

فَجُمْلَةُ (تَبْتَغِي) حالٌ مِن ضَمِيرِ (تُحَرِّمُ) . فالتَّعْجِيبُ واقِعٌ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ مِثْلَ قَوْلِهِ (﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]) وفي الإتْيانِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ (﴿ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾) لِما في الصِّلَةِ مِنَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ الحُكْمِ هو أنَّ ما أحَلَّهُ اللَّهُ لِعَبْدِهِ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَمَتَّعَ بِهِ ما لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ما

صفحة ٣٤٧

يُوجِبُ قَطْعَهُ مِن ضُرٍّ أوْ مَرَضٍ لِأنَّ تَناوُلَهُ شُكْرٌ لِلَّهِ واعْتِرافٌ بِنِعْمَتِهِ والحاجَةِ إلَيْهِ.

وفِي قَوْلِهِ (﴿تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ﴾) عُذْرٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ فِيما فَعَلَهُ مِن أنَّهُ أرادَ بِهِ خَيْرًا وهو جَلْبُ رِضا الأزْواجِ لِأنَّهُ أهْوَنُ عَلى مُعاشَرَتِهِ مَعَ الإشْعارِ بِأنَّ مِثْلَ هَذِهِ المَرْضاةِ لا يَعْبَأُ بِها لِأنَّ الغَيْرَةَ نَشَأتْ عَنْ مُجَرَّدِ مُعاكَسَةِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا وذَلِكَ مِمّا يَخْتَلُّ بِهِ حُسْنُ المُعاشَرَةِ بَيْنَهُنَّ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ أنَّ هَذا الِاجْتِهادَ مُعارَضٌ بِأنَّ تَحْرِيمَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ يُفْضِي إلى قَطْعِ كَثِيرٍ مِن أسْبابِ شُكْرِ اللَّهِ عِنْدَ تَناوُلِ نِعَمَهُ وأنَّ ذَلِكَ يَنْبَغِي إبْطالُهُ في سِيرَةِ الأُمَّةِ.

وذُيِّلَ بِجُمْلَةِ (﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) اسْتِئْناسًا لِلنَّبِيءِ ﷺ مِن وحْشَةِ هَذا المَلامِ، أيْ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَكَ مِثْلَ قَوْلِهِ (﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]) .

66:2Page 560

قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ وَٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٢

Allāh has already ordained for you [Muslims] the dissolution of your oaths.1 And Allāh is your protector, and He is the Knowing, the Wise.

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم واللَّهُ مَوْلاكم وهْوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بَيَّنَ اللَّهُ بِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ أنَّ لَهُ سِعَةً في التَّحَلُّلِ مِمّا التَزَمَ تَحْرِيمَهُ عَلى نَفْسِهِ، وذَلِكَ فِيما شَرَعَ اللَّهُ مِن كَفّارَةِ اليَمِينِ فَأفْتاهُ اللَّهُ بِأنْ يَأْخُذَ بِرُخْصَتِهِ في كَفّارَةِ اليَمِينِ المَشْرُوعَةِ لِلْأُمَّةِ كُلِّها ومِن آثارِ حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ ما قالَهُ النَّبِيءُ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ بَعْدَ أنِ اسْتَحْمَلُوهُ وحَلَفَ أنْ لا يَحْمِلَهم إذْ لَيْسَ عِنْدَهُ ما يَحْمِلُهم عَلَيْهِ، فَجاءَهُ ذَوْدٌ مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ فَقالَ لَهم: «وإنِّي واللَّهِ لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وفَعَلْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ» .

وافْتِتاحُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ النَّبِيءِ ﷺ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ فَرَضَ تَحِلَّةَ الأيْمانِ بِآيَةِ الكَفّارَةِ بِناءً عَلى أنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ بِالرُّخْصَةِ تَعْظِيمًا لِلْقَسَمِ. فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ الأخْذَ بِالكَفّارَةِ لا تَقْصِيرَ عَلَيْهِ فِيهِ فَإنَّ في الكَفّارَةِ ما يَكْفِي لِلْوَفاءِ بِتَعْظِيمِ اليَمِينِ بِاللهِ إلى شَيْءٍ، هَذا قَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ أيُّوبَ (﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]) كَما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِها و(فَرَضَ) عَيَّنَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]) . وقالَ: فَرَضَ لَهُ في العَطاءِ والمَعْنى: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكم.

واعْلَمْ أنَّهُ إنْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ لَمْ يَصْدُرْ مِنهُ في تِلْكَ الحادِثَةِ إلّا أنَّهُ التَزَمَ أنْ لا

صفحة ٣٤٨

يَعُودَ لِشُرْبِ شَيْئًا عِنْدَ بَعْضِ أزْواجِهِ في غَيْرِ يَوْمِ نَوْبَتِها أوْ كانَ وعْدٌ أنْ يُحَرِّمَ مارِيَةَ عَلى نَفْسِهِ بِدُونِ يَمِينٍ عَلى الرِّوايَةِ الأُخْرى. كانَ ذَلِكَ غَيْرَ يَمِينٍ فَكانَ أمْرُ اللَّهِ إيّاهُ بِأنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ إمّا لِأنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى اليَمِينِ لِأنَّهُ إنَّما وعَدَ لِذَلِكَ تَطْمِينًا لِخاطِرِ أزْواجِهِ فَهو التِزامٌ لَهُنَّ فَكانَ بِذَلِكَ مُلْحَقًا بِاليَمِينِ وبِذَلِكَ أخَذَأبُو حَنِيفَةَ ولَمْ يَرَهُ مالِكٌ يَمِينًا ولا نَذْرًا فَقالَ في المُوَطَّأِ: ومَعْنى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلا يَعْصِهِ» أنْ يَنْذُرَ الرَّجُلُ أنْ يَمْشِيَ إلى الشّامِ أوْ إلى مِصْرَ مِمّا لَيْسَ لِلَّهِ بِطاعَةٍ إنْ كَلَّمَ فُلانًا، فَلَيْسَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ إنْ هو كَلَّمَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ في هَذِهِ الأشْياءِ طاعَةٌ فَإنْ حَلَفَ فَقالَ: (واللَّهِ لا آكُلُ هَذا الطَّعامَ ولا ألْبَسُ هَذا الثَّوْبَ فَإنَّما عَلَيْهِ كَفّارَةُ يَمِينٍ) اهـ.

وقَدِ اخْتُلِفَ هَلْ كَفَّرَ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ يَمِينِهِ تِلْكَ.

فالتَّحِلَّةُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ عِنْدَ مالِكٍ هي: جَعْلُ اللَّهِ مُلْتَزِمَ مِثْلِ هَذا في حِلٍّ مِنَ التِزامِ ما التَزَمَهُ. أيْ مُوجِبٌ التَّحَلُّلَ مِن يَمِينِهِ.

وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ هي ما شَرَعَهُ اللَّهُ مِنَ الخُرُوجِ مِنَ الأيْمانِ بِالكَفّاراتِ وإنْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ صَدَرَ مِنهُ يَمِينٌ عِنْدَ ذَلِكَ عَلى أنْ لا يَعُودَ فَتَحِلَّةُ اليَمِينِ هي الكَفّارَةُ عِنْدَ الجَمِيعِ.

وجُمْلَةُ (﴿واللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾) تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾) . والمَوْلى: الوَلِيُّ، وهو النّاصِرُ ومُتَوَلِّي تَدْبِيرِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الرَّءُوفِ والمُيَسِّرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) .

وعُطِفَ عَلَيْها جُمْلَةُ (﴿وهُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾) أيِ العَلِيمُ بِما يُصْلِحُكم فَيَحْمِلُكم عَلى الصَّوابِ والرُّشْدِ والسَّدادِ وهو الحَكِيمُ فِيما يَشْرَعُهُ، أيْ يُجْرِي أحْكامَهُ عَلى الحِكْمَةِ. وهي إعْطاءُ الأفْعالِ ما تَقْتَضِيهِ حَقائِقُها دُونَ الأوْهامِ والتَّخَيُّلاتِ.

واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الإسْلامِ فِيمَن حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمّا أحَلَّ اللَّهُ لَهُ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ أنْهاها القُرْطُبِيُّ إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ قَوْلًا وبَعْضُها مُتَداخِلٌ في بَعْضٍ بِاخْتِلافِ الشُّرُوطِ والنِّيّاتِ فَتَئُولُ إلى سَبْعَةٍ.

أحَدُها: لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ سَواءٌ كانَ المُحَرَّمُ زَوْجًا أوْ غَيْرَها. وهو قَوْلُ الشَّعْبِيُّ ومَسْرُوقٌ ورَبِيعَةُ مِنَ التّابِعَيْنِ وقالَهُ أصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ مِن أصْحابِ مالِكٍ.

صفحة ٣٤٩

الثّانِي: تَجِبُ كَفّارَةُ مِثْلُ كَفّارَةِ اليَمِينِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وبِهِ قالَ الأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ. وهَذا جارٍ عَلى ظاهِرِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ (﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾) .

الثّالِثُ: لا يَلْزَمُهُ في غَيْرِ الزَّوْجَةِ وأمّا الزَّوْجَةُ فَقِيلَ: إنْ كانَ دَخَلَ بِها كانَ التَّحْرِيمُ ثَلاثًا، وإنْ لَمْ يَدْخُلْ بِها يَنْوِ فِيما أرادَ وهو قَوْلُ الحَسَنِ والحَكَمِ ومالِكٍ في المَشْهُورِ. وقِيلَ هي ثَلاثُ تَطْلِيقاتٍ دَخَلَ بِها أمْ لَمْ يَدْخُلْ. ونُسِبَ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وأبِي هُرَيْرَةَ. وقالَهُ ابْنُ أبِي لَيْلى وهو عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ الماجْشُونِ في المَبْسُوطِ. وقِيلَ طَلْقَةٌ بائِنَةٌ. ونُسِبَ إلى زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وحَمّادِ بْنِ سُلَيْمانَ ونَسَبَهُ ابْنُ خُوَيْزَ مَندادَ إلى مالِكٍ وهو غَيْرُ المَشْهُورِ عَنْهُ. وقِيلَ: طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ في الزَّوْجَةِ مُطْلَقًا، ونُسِبَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فَيَكُونُ قَيْدًا لِما رُوِيَ عَنْهُ في القَوْلِ الثّانِي. وقالَهُ الزُّهْرِيُّ وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي سَلَمَةَ وابْنُ الماجْشُونِ، وقالَ الشّافِعِيُّ يَعْنِي في أحَدِ قَوْلَيْهِ إنْ نَوى الطَّلاقَ فَعَلَيْهِ ما نَوى مِن أعْدادِهِ وإلّا فَهي واحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وقِيلَ: هي ثَلاثٌ في المَدْخُولِ بِها وواحِدَةٌ في الَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِها دُونَ تَنْوِيَةٍ.

الرّابِعُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ إنْ نَوى بِالحَرامِ الظِّهارَ كانَ ما نَوى فَإنْ نَوى الطَّلاقَ فَواحِدَةٌ بائِنَةٌ إلّا أنْ يَكُونَ نَوى الثَّلاثَ. وإنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كانَتْ يَمِينًا وعَلَيْهِ كَفّارَةٌ فَإنْ أباها كانَ مُولِّيًا.

وتَحْرِيمُ النَّبِيءِ ﷺ سُرِّيَّتَهُ مارِيَةَ عَلى نَفْسِهِ هو أيْضًا مِن قَبِيلِ تَحْرِيمِ أحَدٍ شَيْئًا مِمّا أحَلَّ اللَّهُ لَهُ غَيْرَ الزَّوْجَةِ لِأنَّ مارِيَةَ لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً لَهُ بَلْ هي مَمْلُوكَتُهُ فَحُكْمُ قَوْلِهِ (﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾) جارٍ في قَضِيَّةِ تَحْرِيمِ مارِيَةَ بِيَمِينٍ أوْ بِغَيْرِ يَمِينٍ بِلا فَرْقٍ. و(تَحِلَّةَ) تَفْعِلَةٌ مِن حَلَّلَ جَعَلَ الفِعْلَ حَلالًا. وأصْلُهُ تَحِلْلَةَ فَأُدْغِمَ اللّامانِ وهو مَصْدَرٌ سَماعِيٌّ لِأنَّ الهاءَ في آخِرِهِ لَيْسَتْ بِقِياسٍ إذْ لَمْ يُحْذَفْ مِنهُ حَرْفٌ حَتّى يُعَوَّضَ عَنْهُ الهاءُ مِثْلَ تَزْكِيَةٍ ولَكِنَّهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ مِثْلُ تَعِلَّةٍ.

66:3Page 560

وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣

And [remember] when the Prophet confided to one of his wives a statement; and when she informed [another] of it and Allāh showed it to him, he made known part of it and ignored a part. And when he informed her about it, she said, "Who told you this?" He said, "I was informed by the Knowing, the Aware."

﴿وإذْ أسَرَّ النَّبِيءُ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾

صفحة ٣٥٠

هَذا تَذْكِيرٌ ومَوْعِظَةٌ بِما جَرى في خِلالِ تَيْنِكَ الحادِثَتَيْنِ ثُنِيَ إلَيْهِ عِنانُ الكَلامِ بَعْدَ أنْ قُضِيَ ما يُهِمُّ مِنَ التَّشْرِيعِ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِما حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ مِن جَرّائِهِما.

وهُوَ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿يا أيُّها النَّبِيءُ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]) بِتَقْدِيرِ واذْكُرْ.

وقَدْ أُعِيدَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ السّابِقَةُ ضِمْنًا بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ بِأُسْلُوبٍ آخَرَ لِيُبْنى عَلَيْهِ ما فِيهِ مِن عِبَرٍ ومَواعِظَ وأدَبٍ ومَكارِمَ وتَنْبِيهٍ وتَحْذِيرٍ.

فاشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى عِشْرِينَ مِن مَعانِي ذَلِكَ إحْداها ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (﴿إلى بَعْضِ أزْواجِهِ﴾) .

الثّانِي: قَوْلُهُ (﴿فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ﴾) .

الثّالِثُ: (﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾) .

الرّابِعُ: (﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾) .

الخامِسُ: (﴿وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾) .

السّادِسُ: (﴿قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا﴾) .

السّابِعُ: (﴿قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾) .

الثّامِنُ والتّاسِعُ والعاشِرُ: (﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤]) إلى (﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ﴾ [التحريم: ٤]) .

الحادِي عَشَرَ والثّانِي عَشَرَ والثّالِثَ عَشَرَ: (﴿وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ﴾ [التحريم: ٤]) .

الرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ: (﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا﴾ [التحريم: ٥]) .

السّادِسَ عَشَرَ: (﴿خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]) .

السّابِعَ عَشَرَ: (﴿مُسْلِماتٍ﴾ [التحريم: ٥]) إلَخْ.

الثّامِنَ عَشَرَ: (﴿سائِحاتٍ﴾ [التحريم: ٥]) .

التّاسِعَ عَشَرَ: (﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥])، وسَيَأْتِي بَيانُها عِنْدَ تَفْسِيرِ كُلِّ آيَةٍ مِنها.

صفحة ٣٥١

العِشْرُونَ: ما في ذِكْرِ حَفْصَةَ أوْ غَيْرِها بِعُنْوانِ (﴿بَعْضِ أزْواجِهِ﴾) دُونَ تَسْمِيَتِهِ مِنَ الِاكْتِفاءِ في المَلامِ بِذِكْرِ ما تَسْتَشْعِرُ بِهِ أنَّها المَقْصُودَةُ بِاللَّوْمِ.

وإنَّما نَبَّأها النَّبِيءُ ﷺ بِأنَّهُ عَلِمَ إفْشاءَها الحَدِيثَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ المَوْعِظَةَ والتَّأْدِيبَ فَإنَّ اللَّهَ ما أطْلَعَهُ عَلى إفْشائِها إلّا لِغَرَضٍ جَلِيلٍ.

والحَدِيثُ هو ما حَصَلَ مِنِ اخْتِلاءِ النَّبِيءِ ﷺ بِجارِيَتِهِ مارِيَةَ وما دارَ بَيْنَهُ وبَيْنَ حَفْصَةَ وقَوْلُهُ لِحَفْصَةَ هي عَلَيَّ حَرامٌ ولا تُخْبِرِي عائِشَةَ وكانَتا مُتَصافِيَتَيْنِ وأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيئَهُ ﷺ عَلى أنَّ حَفْصَةَ أخْبَرَتْ عائِشَةَ بِما أسَرَّ إلَيْها.

والواوُ عاطِفَةٌ قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ لِأنَّ قِصَّةَ إفْشاءِ حَفْصَةَ السِّرَّ غَيْرُ قِصَّةِ تَحْرِيمِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى نَفْسِهِ بَعْضَ ما أُحِلَّ لَهُ.

ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ في أنَّ الَّتِي أسَرَّ إلَيْها النَّبِيءُ ﷺ الحَدِيثَ هي حَفْصَةُ ويَأْتِي أنَّ الَّتِي نَبَّأتْها حَفْصَةُ هي عائِشَةُ. وفي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَكَثْتُ سَنَةً وأنا أُرِيدُ أنْ أسْألَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ عَنْ آيَةٍ فَما أسْتَطِيعُ أنْ أسْألَهُ هَيْبَةً لَهُ حَتّى خَرَجَ حاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ فَلَمّا رَجَعَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ مَنِ اللَّتانِ تَظاهَرَتا عَلى رَسُولِ اللَّهِ مِن أزْواجِهِ ؟ فَقالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وعائِشَةُ وساقَ القِصَّةَ بِطُولِها.

وأصْلُ إطْلاقِ الحَدِيثِ عَلى الكَلامِ مَجازٌ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الحَدَثانِ فالَّذِي حَدَثَ هو الفِعْلُ ونَحْوَهُ شاعَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً في الخَبَرِ عَنْهُ وصارَ إطْلاقُهُ عَلى الحادِثَةِ هو المَجازُ فانْقَلَبَ حالُ وضْعِهِ واسْتِعْمالِهِ.

و(أسَرَّ) أخْبَرَ بِما يُرادُ كِتْمانُهُ عَنْ غَيْرِ المُخْبِرِ أوْ سَألَهُ عَدَمَ إفْشاءِ شَيْءٍ وقَعَ بَيْنَهُما وإنْ لَمْ يَكُنْ إخْبارًا وذَلِكَ إذا كانَ الخَبَرُ أوِ الفِعْلُ يُرادُ عَدَمُ فَشَوِّهِ فَيَقُولُهُ صاحِبُهُ سِرًّا والسِّرُّ ضِدُّ الجَهْرِ، قالَ تَعالى (﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [التغابن: ٤]) فَصارَ (أسَرَّ) يُطْلَقُ بِمَعْنى الوِصايَةِ بِعَدَمِ الإفْشاءِ، أيْ عَدَمِ الإظْهارِ قالَ تَعالى (﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ [يوسف: ٧٧]) .

وأسَرَّ: فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ السِّرِّ فَإنَّ الهَمْزَةَ فِيهِ لِلْجَعْلِ، أيْ جَعَلَهُ ذا سِرًّ، يُقالُ: أسَرَّ في نَفْسِهِ، إذا كَتَمَ سِرَّهُ. ويُقالُ: أسَرَّ إلَيْهِ، إذا حَدَّثَهُ بِسِرٍّ فَكَأنَّهُ

صفحة ٣٥٢

أنْهاهُ إلَيْهِ، ويُقالُ: أسَرَّ لَهُ إذا أسَرَّ أمْرًا لِأجْلِهِ، وذَلِكَ في إضْمارِ الشَّرِّ غالِبًا وأسَرَّ بِكَذا، أيْ أخْبَرَ بِخَبَرٍ سِرٍّ، إذا وضَعَ شَيْئًا خَفِيًّا. وفي المَثَلِ: (يُسِرُّ حَسْوًا في ارْتِغاءِ) .

و(﴿بَعْضِ أزْواجِهِ﴾) هي حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وعَدَلَ عَنْ ذِكْرِ اسْمِها تَرَفُّعًا عَنْ أنْ يَكُونَ القَصْدُ مَعْرِفَةَ الأعْيانِ وإنَّما المُرادُ العِلْمُ بِمَغْزى القِصَّةِ وما فِيها مِمّا يُجْتَنَبُ مِثْلُهُ أوْ يُقْتَدى بِهِ. وكَذَلِكَ طَيُّ تَعْيِينِ المُنَبَّأةِ بِالحَدِيثِ وهي عائِشَةُ.

وذُكِرَتْ حَفْصَةُ بِعُنْوانِ أزْواجِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ النَّبِيءَ ﷺ وضَعَ سِرَّهُ في مَوْضِعِهِ لِأنَّ أوْلى النّاسِ بِمَعْرِفَةِ سِرِّ الرَّجُلِ زَوْجُهُ. وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِمَلامِها عَلى إفْشاءِ سِرِّهِ لِأنَّ واجِبَ المَرْأةِ أنْ تَحْفَظَ سِرَّ زَوْجِها إذا أمَرَها بِحِفْظِهِ أوْ كانَ مِثْلُهُ مِمّا يُحِبُّ حِفْظَهُ.

وهَذا المَعْنى الأوَّلُ مِنَ المَعانِي التَّهْذِيبِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا.

ونَبَّأ: بِالتَّضْعِيفِ مُرادِفُ أنْبَأ بِالهَمْزِ ومَعْناهُما: أخْبَرَ، وقَدْ جَمَعَهُما قَوْلُهُ (﴿فَلَمّا نَبَّأها بِهِ قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾) .

وقَدْ قِيلَ: السِّرُّ أمانَةٌ، أيْ وإفْشاؤُهُ خِيانَةٌ.

وفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ مِن آدابِهِمُ العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ «قالَتِ الحادِيَةَ عَشْرَةَ: جارِيَةُ أبِي زَرْعٍ فَما جارِيَةُ أبِي زَرْعٍ لا تَبُثُّ حَدِيثَنا تَبْثِيثًا ولا تَنْفِثُ مِيرَثَنا تَنْفِيثًا» .

وكَلامُ الحُكَماءِ والشُّعَراءِ في السِّرِّ وحِفْظِهِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى. وهو المَعْنى الثّانِي مِنَ المَعانِي التَّهْذِيبِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْناها.

ومَعْنى (﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾) أطْلَعَهُ عَلَيْهِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى التَّغَلُّبِ.

اسْتُعِيرَ الإظْهارُ إلى الإطْلاعِ لِأنَّ إطْلاعَ اللَّهِ نَبِيئَهُ ﷺ عَلى السِّرِّ الَّذِي بَيْنَ حَفْصَةَ وعائِشَةَ كانَ غَلَبَةً لَهُ عَلَيْهِما فِيما دَبَّرَتاهُ فَشُبِّهَتِ الحالَةُ الخاصَّةُ مِن تَآمُرِ حَفْصَةَ وعائِشَةَ عَلى مَعْرِفَةِ سِرِّ النَّبِيءِ ﷺ ومِن عِلْمِهِ بِذَلِكَ بِحالِ مَن يُغالِبُ

صفحة ٣٥٣

غَيْرَهُ فَيَغْلِبُهُ الغَيْرُ ويَكْشِفُ أمْرَهُ. فالإظْهارُ هُنا مِنَ الظُّهُورِ بِمَعْنى الِانْتِصارِ. ولَيْسَ هو مِنَ الظُّهُورِ ضِدَّ الخَفاءِ، لِأنَّهُ لا يَتَعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) .

وضَمِيرُ (عَلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الإنْباءِ المَأْخُوذِ مِن (نَبَّأتْ بِهِ) أوْ عَلى الحَدِيثِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (نَبَّأتْ بِهِ) تَقْدِيرُهُ: أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلى إفْشائِهِ.

وهَذا تَنْبِيهٌ إلى عِنايَةِ اللَّهِ بِرَسُولِهِ ﷺ وانْتِصارِهِ لَهُ لِأنَّ إطْلاعَهُ عَلى ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ مِمّا يُهِمُّهُ عِنايَةٌ ونُصْحٌ لَهُ.

وهَذا حاصِلُ المَعْنى الثّالِثِ مِنَ المَعانِي الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها الآياتُ وذَكَرْناها آنِفًا.

ومَفْعُولُ (عَرَّفَ) الأوَّلُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، أيْ عَرَّفَها بَعْضَهُ، أيْ بَعْضَ ما أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وأعْرَضَ عَنْ تَعْرِيفِها بِبَعْضِهِ. والحَدِيثُ يَحْتَوِي عَلى أشْياءَ: اخْتِلاءُ النَّبِيءِ بِسُرِّيَّتِهِ مارِيَةَ، وتَحْرِيمُها عَلى نَفْسِهِ، وتَناوُلُهُ العَسَلَ في بَيْتِ زَيْنَبَ، وتَحْرِيمُهُ العَوْدَةَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ، ورُبَّما قَدْ تَخَلَّلَ ذَلِكَ كَلامٌ في وصْفِ عُثُورِ حَفْصَةِ عَلى ذَلِكَ بَغْتَةً، أوْ في التَّطاوُلِ بِأنَّها اسْتَطاعَتْ أنْ تُرِيحَهُنَّ مِن مَيْلِهِ إلى مارِيَةَ. وإنَّما عَرَّفَها النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ لِيُوقِفُها عَلى مُخالَفَتِها واجِبَ الأدَبِ مِن حَفْظِ سِرِّ زَوْجِها.

وهَذا هو المَعْنى الرّابِعُ مِنَ المَعانِي الَّتِي سَبَقَتْ إشارَتِي إلَيْها.

وإعْراضُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ تَعْرِيفِ زَوْجِهِ بِبَعْضِ الحَدِيثِ الَّذِي أفْشَتْهُ مِن كَرَمِ خُلُقِهِ ﷺ في مُعاتَبَةِ المُفْشِيَةِ وتَأْدِيبِها إذْ يَحْصُلُ المَقْصُودُ بِأنْ يُعْلِمَ بَعْضَ ما أفْشَتْهُ فَتُوقِنَ أنَّ اللَّهَ يَغارُ عَلَيْهِ.

قالَ سُفْيانُ: ما زالَ التَّغافُلُ مِن فِعْلِ الكِرامِ، وقالَ الحَسَنُ: ما اسْتَقْصى كَرِيمٌ قَطُّ، وما زادَ عَلى المَقْصُودِ بِقَلْبِ العِتابِ مِن عِتابٍ إلى تَقْرِيعٍ.

وهَذا المَعْنى الخامِسُ مِن مَقاصِدِ ذِكْرِ هَذا الحَدِيثِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا.

وقَوْلُها (﴿مَن أنْبَأكَ هَذا﴾) يَدُلُّ عَلى ثِقَتِها بِأنَّ عائِشَةَ لا تُفْشِي سِرَّها وعَلِمَتْ أنَّهُ لا قِبَلَ لِلرَّسُولَ ﷺ بِعِلْمِ ذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ عائِشَةَ أوْ مِن طَرِيقِ الوَحْيِ فَرامَتِ التَّحَقُّقَ مِن أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ.

صفحة ٣٥٤

والِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيٌّ ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ لِلتَّعْجِيبِ مِن عِلْمِهِ بِذَلِكَ.

وفِي هَذا كِفايَةٌ مِن تَيَقُّظِها بِأنَّ إفْشاءَها سِرَّ زَوْجِها زَلَّةٌ خُلُقِيَّةٌ عَظِيمَةٌ حَجَبَها عَنْ مُراعاتِها شِدَّةُ الصَّفاءِ لِعائِشَةَ وفَرْطُ إعْجابِها بِتَحْرِيمِ مارِيَةَ لِأجْلِها، فَلَمْ تَتَمالَكْ عَنْ أنْ تُبَشِّرَ بِهِ خَلِيلَتَها ونَصِيرَتَها ولَوْ تَذَكَّرَتْ لَتَبَيَّنَ لَها أنَّ مُقْتَضى كَتْمِ سِرِّ زَوْجِها أقْوى مِن مُقْتَضى إعْلامِها خَلِيلَتَها فَإنَّ أواصِرَ الزَّوْجِيَّةِ أقْوى مِن أواصِرَ الخُلَّةِ وواجِبُ الإخْلاصِ لِرَسُولِ اللَّهِ أعْلى مِن فَضِيلَةِ الإخْلاصِ لِلْخَلائِلَ.

وهَذا هو الأدَبُ السّادِسُ مِن مَعانِي الآدابِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها القِصَّةُ وأجْمَلْنا ذِكْرَها آنِفًا.

وإيثارُ وصْفَيِّ (﴿العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾) هُنا دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ لِما فِيهِما مِنَ التَّذْكِيرِ بِما يَجِبُ أنْ يَعْلَمَهُ النّاسُ مِن إحاطَةِ اللَّهِ تَعالى عِلْمًا وخَبَرًا بِكُلِّ شَيْءٍ.

والعَلِيمُ: القَوِيُّ العِلْمِ وهو في أسْمائِهِ تَعالى دالٌّ عَلى أكْمَلِ العِلْمِ، أيِ العِلْمِ المُحِيطِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.

والخَبِيرُ: أخَصُّ مِنَ العَلِيمِ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن خَبِيرِ الشَّيْءِ إذا أحاطَ بِمَعانِيهِ ودَخائِلِهِ ولِذَلِكَ يُقالُ: خَبَرْتُهُ، أيْ بَلَوْتُهُ وتَطَلَّعْتُ بَواطِنَ أمْرِهِ، قالَ ابْنُ بُرُجّانَ بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ وبِجِيمٍ مُشَدَّدَةٍ في شَرْحِ الأسْماءِ: الفَرْقُ بَيْنَ الخُبْرِ والعِلْمِ وسائِرِ الأشْياءِ الدّالَّةِ عَلى صِفَةِ العِلْمِ أنْ تَتَعَرَّفَ حُصُولَ الفائِدَةِ مِن وجْهٍ، وأضِفْ ذَلِكَ إلى تِلْكَ الصِّفَةِ وسَمِّ الفائِدَةَ بِذَلِكَ الوَجْهِ الَّذِي عَنْهُ حَصَلَتْ فَمَتى حَصَلَتْ مِن مَوْضِعِ الحُضُورِ سُمِّيَتْ مُشاهَدَةً والمُتَّصِفُ بِها هو الشّاهِدُ والشَّهِيدُ. وكَذَلِكَ إنْ حَصَلْتَ مِن وجْهِ سَمْعٍ أوْ بَصَرٍ فالمُتَّصِفُ بِها سَمِيعٌ وبَصِيرٌ. وكَذَلِكَ إنْ حَصَلَتْ مِن عِلْمٍ أوْ عَلامَةٍ فَهو العِلْمُ والمُتَّصِفُ بِهِ العالِمُ والعَلِيمُ، وإنْ حَصَلَتْ عَنِ اسْتِكْشافِ ظاهِرِ المَخْبُورِ عَنْ باطِنِهِ بِبَلْوى أوِ امْتِحانٍ أوْ تَجْرِبَةٍ أوْ تَبْلِيغٍ فَهو الخَبَرُ. والمُسَمّى بِهِ الخَبِيرُ اهـ. وقالَ الغَزالِيُّ في المَقْصِدِ الأسْنى: العِلْمُ إذا أُضِيفَ إلى الخَفايا الباطِنَةِ سُمِّيَ خِبْرَةً وسُمِّيَ صاحِبُها خَبِيرًا اهـ.

فَيَتَّضِحُ أنَّ اتِّباعَ وصْفِ (العَلِيمِ) بِوَصْفِ الخَبِيرِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ عَلِمَ دَخِيلَةَ المُخاطَبَةِ وما قَصَدَتْهُ مِن إفْشاءِ السِّرِّ لِلْأُخْرى.

صفحة ٣٥٥

وقَدْ حَصَلَ مِن هَذا الجَوابِ تَعْلِيمُها بِأنَّ اللَّهَ يُطْلِعُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى ما غابَ إنْ شاءَ قالَ تَعالى (﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦] ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧]) وتَنْبِيهًا عَلى ما أبْطَنَتْهُ مِنَ الأمْرِ.

وهُوَ الأدَبُ السّابِعُ مَعَ آدابِ هَذِهِ الآياتِ.

واعْلَمْ أنَّ نَبَّأ وأنْبَأ مُتَرادِفانِ وهُما بِمَعْنى أخْبَرَ وأنَّ حَقَّهُما التَّعْدِيَةُ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ لِأجْلِ ما فِيهِما مِن هَمْزَةِ تَعْدِيَةٍ أوْ تَضْعِيفٍ. وإنْ كانَ لَمْ يُسْمَعْ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ لَهُما وهو مِمّا أُمِيتَ في كَلامِهِمُ اسْتِغْناءً بِفِعْلِ عَلِمَ. والأكْثَرُ أنْ يَتَعَدَّيا إلى ما زادَ عَلى المَفْعُولِ بِحَرْفِ جَرٍّ نَحْوَ: نَبَّأتُ بِهِ. وقَدْ يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ فَيُعَدَّيانِ إلى مَفْعُولَيْنِ، كَقَوْلِهِ هُنا (﴿مَن أنْبَأكَ هَذا﴾) أيْ بِهَذا، وقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

نُبِّئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بِالجَوِّ أصْبَحَتْ كِرامًا مَوالِيها لِآمًا ما صَمِيمُها

حَمَلَهُ سِيبَوَيْهِ عَلى حَذْفِ الحَرْفِ.

وقَدْ يُضَمَّنانِ مَعْنى: اعْلَمْ، فَيُعَدَّيانِ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

نَبِئْتُ زُرْعَةَ والسَّفاهَةُ كاسْمِها ∗∗∗ يُهْدِي إلَيَّ غَرائِبَ الأشْعارِ

ولِكَثْرَةِ هَذا الِاسْتِعْمالِ ظُنَّ أنَّهُ مَعْنًى لَهُما وأُغْفِلَ التَّضْمِينُ فَنُسِبَ إلْحاقُهُما بِ (اعْلَمْ) إلى سِيبَوَيْهِ والفارِسِيِّ والجُرْجانِيِّ وألْحَقَ الفَرّاءُ خَبَّرَ وأخْبَرَ، وألْحَقَ الكُوفِيُّونَ حَدَّثَ.

قالَ زَكَرِيّاءُ الأنْصارِيُّ: لَمْ تُسْمَعْ تَعْدِيَتُها إلى ثَلاثَةٍ في كَلامِ العَرَبِ إلّا إذا كانَتْ مَبْنِيَّةً إلى المَجْهُولِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ عَرَّفَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ (عَرَفَ) بِتَخْفِيفِ الرّاءِ، أيْ عَلِمَ بَعْضَهُ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ المُجازاةِ، أيْ جازى عَنْ بَعْضِهِ الَّتِي أفْشَتْهُ بِاللَّوْمِ أوْ بِالطَّلاقِ عَلى رِوايَةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ولَمْ يَصِحَّ وقَدْ يُكَنّى عَنِ التَّوَعُّدِ بِفِعْلِ العِلْمِ ونَحْوِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣]) . وقَوْلُ العَرَبِ لِلْمُسِيءِ: لَأعْرِفَنَّ لَكَ هَذا. وقَوْلُكَ: لَقَدْ عَرَفْتُ ما صَنَعْتَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском