Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Tahrim 66:7–11
66:7Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعۡتَذِرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧
O you who have disbelieved, make no excuses that Day. You will only be recompensed for what you used to do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
هُوَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عَلى النّارِ. وذِكْرُ هَذِهِ المَقالَةِ هُنا اسْتِطْرادٌ يُفِيدُ التَّنْفِيرَ مِن جَهَنَّمَ بِأنَّها دارُ أهْلِ الكُفْرِ كَما قالَ تَعالى (﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤])،
صفحة ٣٦٧
وإلّا فَإنَّ سِياقَ الآيَةِ تَحْذِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ المُوبِقاتِ في النّارِ.
ومَعْنى (﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾) مُماثِلُ (﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾)، وأفادَتْ (إنَّما) قَصْرَ الجَزاءِ عَلى مُماثَلَةِ العَمَلِ المُجْزى عَلَيْهِ قَصْرَ قَلْبٍ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَنِ اعْتَذَرَ وطَلَبَ أنْ يَكُونَ جَزاؤُهُ أهْوَنَ مِمّا شاهَدَهُ.
والِاعْتِذارُ: (افْتِعالٌ) مُشْتَقٌّ مِنَ العُذْرِ. ومادَّةُ الِافْتِعالِ فِيهِ دالَّةٌ عَلى تَكَلُّفِ الفِعْلِ مِثْلَ الِاكْتِسابِ والِاخْتِلاقِ، والعُذْرُ: الحُجَّةُ الَّتِي تُبْرِئُ صاحِبَها مِن تَبِعَةِ عَمَلٍ ما. ولَيْسَ لِمادَّةِ الِاعْتِذارِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ دالٌّ عَلى إيجادِ العُذْرِ وإنَّما المَوْجُودُ عَذَرَ بِمَعْنى قَبِلَ العُذْرَ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ [التوبة: ٩٠]) في سُورَةِ (بَراءَةٌ) .
66:8Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٨
O you who have believed, repent to Allāh with sincere repentance. Perhaps1 your Lord will remove from you your misdeeds and admit you into gardens beneath which rivers flow [on] the Day when Allāh will not disgrace the Prophet and those who believed with him. Their light will proceed before them and on their right; they will say, "Our Lord, perfect for us our light and forgive us. Indeed, You are over all things competent."
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ .
أُعِيدَ خِطابُ المُؤْمِنِينَ وأُعِيدَ نِداؤُهم وهو نِداءٌ ثالِثٌ في هَذِهِ السُّورَةِ. والَّذِي قَبْلَهُ نِداءٌ لِلْواعِظِينَ. وهَذا نِداءٌ لِلْمَوْعُوظِينَ وهَذا الأُسْلُوبُ مِن أسالِيبِ الإعْراضِ المُهْتَمِّ بِها.
أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ إذا تَلَبَّسُوا بِها لِأنَّ ذَلِكَ مِن إصْلاحِ أنْفُسِهِمْ بَعْدَ أنْ أُمِرُوا بِأنْ يُجَنِّبُوا أنْفُسَهم وأهْلِيَهم ما يَزُجُّ بِهِمْ في عَذابِ النّارِ، لِأنَّ اتِّقاءَ النّارِ يَتَحَقَّقُ بِاجْتِنابِ ما يَرْمِي بِهِمْ فِيها، وقَدْ يُذْهَلُونَ عَمّا فَرَطَ مِن سَيِّئاتِهِمْ فَهُدُوا إلى سَبِيلِ التَّوْبَةِ الَّتِي يَمْحُونَ بِها ما فَرَطَ مِن سَيِّئاتِهِمْ.
وهَذا ناظِرٌ إلى ما ذُكِرَ مِن مَوْعِظَةِ امْرَأتَيِ النَّبِيءِ ﷺ بِقَوْلِهِ (﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ﴾ [التحريم: ٤]) .
والتَّوْبَةُ: العَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلى العِصْيانِ مَعَ النَّدَمِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ فِيما مَضى. وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]) في
صفحة ٣٦٨
سُورَةِ البَقَرَةِ. وفي مَواضِعَ أُخْرى وخاصَّةً عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]) في سُورَةِ النِّساءِ. وتَعْدِيَتُها بِحَرْفِ (إلى) لِأنَّها في مَعْنى الرُّجُوعِ لِأنَّ تابَ أخُو ثابَ.
والنَّصُوحُ: ذُو النُّصْحِ.
والنُّصْحُ: الإخْلاصُ في العَمَلِ. والقَوْلُ، أيِ الصِّدْقُ في إرادَةِ النَّفْعِ بِذَلِكَ. ووَصْفُ التَّوْبَةِ بِالنَّصُوحِ مَجازٌ جُعِلَتِ التَّوْبَةُ الَّتِي لا تَرَدُّدُ فِيها ولا تُخالِطُها نِيَّةُ العَوْدَةِ إلى العَمَلِ المَتُوبِ مِنهُ بِمَنزِلَةِ النّاصِحِ لِغَيْرِهِ فَفي نَصُوحٍ اسْتِعارَةٌ ولَيْسَ مِنَ المَجازِ العَقْلِيِّ إذْ لَيْسَ المُرادُ نَصُوحًا صاحِبُها.
وإنَّما لَمْ تَلْحَقْ وصْفَ (نَصُوحٍ) هاءُ التَّأْنِيثِ المُناسِبَةِ لِتَأْنِيثِ المَوْصُوفِ بِهِ لِأنَّ فَعُولًا بِمَعْنى فاعِلٍ يُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَصُوحًا) بِفَتْحِ النُّونِ عَلى مَعْنى الوَصْفِ كَما عَلِمْتَ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ النُّونِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ نَصَحَ مِثْلَ: القُعُودِ مِن قَعَدَ. وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ الضَّمَّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ والقِراءَةَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ.
ومِن شُرُوطِ التَّوْبَةِ تَدارُكُ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ مِمّا وقَعَ التَّفْرِيطُ فِيهِ مِثْلَ المَظالِمِ لِلْقادِرِ عَلى رَدِّها. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَجْمَعُ التَّوْبَةَ سِتَّةُ أشْياءَ: النَّدامَةُ عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ، وإعادَةُ الفَرائِضِ. ورَدُّ المَظالِمِ، واسْتِحْلالُ الخُصُومِ، وأنْ تُذِيبَ نَفْسَكَ في طاعَةِ اللَّهِ كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ، وأنْ تُذِيقَها مَرارَةَ الطّاعاتِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعاصِي.
وتَقُومُ مَقامَ رَدِّ المَظالِمِ اسْتِحْلالُ المَظْلُومِ حَتّى يَعْفُوَ عَنْهُ.
ومِن تَمامِ التَّوْبَةِ تَمْكِينُ التّائِبِ مِن نَفْسِهِ أنْ يُنَفَّذَ عَلَيْها الحُدُودُ كالقَوْدِ والضَّرْبِ. قالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ: هَذا التَّمْكِينُ واجِبٌ خارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ التَّوْبَةِ لِأنَّ التّائِبَ إذا نَدِمَ ونَوى أنْ لا يَعُودَ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ وكانَ مَنعُهُ مِن تَمْكِينِ نَفْسِهِ مَعْصِيَةً مُتَجَدِّدَةً تَسْتَدْعِي تَوْبَةً.
وهُوَ كَلامٌ وجِيهٌ إذِ التَّمْكِينُ مِن تَنْفِيذِ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى النُّفُوسِ مَشَقَّةً عَظِيمَةً فَلَها عُذْرٌ في الإحْجامِ عَنِ التَّمْكِينِ مِنهُ.
صفحة ٣٦٩
وتَصِحُّ التَّوْبَةُ مِن ذَنْبٍ دُونَ ذَنْبٍ خِلافًا لِأبِي هاشِمٍ الجُبّائِيِّ المُعْتَزِلِيِّ، وذَلِكَ فِيما عَدا التَّوْبَةِ مِنَ الكُفْرِ.
وأمّا التَّوْبَةُ مِنَ الكُفْرِ بِالإيمانِ فَصَحِيحَةٌ في غُفْرانِ إثْمِ الكُفْرِ ولَوْ بَقِيَ مُتَلَبِّسًا بِبَعْضِ الكَبائِرِ بِإجْماعِ عُلَماءِ الإسْلامِ.
والذُّنُوبُ الَّتِي تَجِبُ مِنها التَّوْبَةُ هي الكَبائِرُ ابْتِداءً، وكَذَلِكَ الصَّغائِرُ وتَمْيِيزُ الكَبائِرِ مِنَ الصَّغائِرِ مَسْألَةٌ أُخْرى مَحَلُّها أُصُولُ الدِّينِ وأُصُولُ الفِقْهِ والفِقْهُ.
إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلى المُسْلِمِينَ فَغَفَرَ الصَّغائِرَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الكَبائِرَ، أُخِذَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى (﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]) وقَدْ مَضى القَوْلُ فِيهِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّجْمِ.
ولَوْ عادَ التّائِبُ إلى بَعْضِ الذُّنُوبِ أوْ جَمِيعِها ما عَدا الكُفْرَ اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَماءُ الأُمَّةِ فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ أنَّ التَّوْبَةَ تَنْتَقِضُ بِالعَوْدَةِ إلى بَعْضِ الذُّنُوبِ في خُصُوصِ الذَّنْبِ المَعُودِ إلَيْهِ ولا تَنْتَقِضُ فِيما سِواهُ. وأنَّ العَوْدَ مَعْصِيَةٌ تَجِبُ التَّوْبَةُ مِنها. وقالَ المُعْتَزِلَةُ، تَنْتَقِضُ بِالعَوْدَةِ إلى بَعْضِ الذُّنُوبِ فَتَعُودُ إلَيْهِ ذُنُوبُهُ ووافَقَهُمُ الباقِلّانِيُّ.
ولَيْسَ في أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ ما يَشْهَدُ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ.
والرَّجاءُ المُسْتَفادُ مِن فِعْلِ (عَسى) مُسْتَعْمَلٌ في الوَعْدِ الصّادِرِ عَنِ المُتَفَضِّلِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ وذَلِكَ التّائِبُ لا حَقَّ لَهُ في أنْ يُعْفى عَنْهُ ما اقْتَرَفَهُ لِأنَّ العِصْيانَ قَدْ حَصَلَ وإنَّما التَّوْبَةُ عَزْمٌ عَلى عَدَمِ العَوْدَةِ إلى الذَّنْبِ ولَكِنْ ما لِصاحِبِها مِنَ النَّدَمِ والخَوْفِ الَّذِي بَعَثَ عَلى العَزْمِ دَلَّ عَلى زَكاءِ النَّفْسِ فَجَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهُ أنْ يَمْحُوَ عَنْهُ ما سَلَفَ مِنَ الذُّنُوبِ تُفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ فَذَلِكَ مَعْنى الرَّجاءِ المُسْتَفادِ مِن (عَسى) .
وقَدْ أجْمَعَ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِنَ الكُفْرِ بِالإيمانِ مَقْبُولَةٌ قَطْعًا لِكَثْرَةِ أدِلَّةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، واخْتَلَفُوا في تَعَيُّنِ قَبُولِ تَوْبَةِ العاصِي مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ: قَبُولُها مَرْجُوٌّ غَيْرُ مَقْطُوعٍ ومِمَّنْ قالَ بِهِ الباقِلّانِيُّ وإمامُ الحَرَمَيْنِ. وعَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ سَمْعًا والمُعْتَزِلَةِ مَقْطُوعٌ بِهِ عَقْلًا.
وتَكْفِيرُ السَّيِّئاتِ: غُفْرانُها، وهو مُبالَغَةٌ في كَفَرَ المُخَفَّفِ المُتَعَدِّي الَّذِي هو مُشْتَقٌّ مِنَ الكَفْرِ بِفَتْحِ الكافِ، أيِ السَّتْرِ.
* * *
صفحة ٣٧٠
﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيءَ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
(يَوْمَ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ (يُدْخِلَكم جَنّاتٍ) وهو تَعْلِيقٌ تَخَلَّصَ إلى الثَّناءِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ. وهو يَوْمُ القِيامَةِ وهَذا الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِانْتِفاءِ خِزْيِ اللَّهِ عَنْهم تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا مَعَهُ يُخْزِيهِمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ وذِكْرُ النَّبِيءِ ﷺ مَعَ الَّذِينَ آمَنُوا لِتَشْرِيفِ المُؤْمِنِينَ ولا عَلاقَةَ لَهُ بِالتَّعْرِيضِ.
والخِزْيُ: هو عَذابُ النّارِ، وحَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْلَهُ (﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]) عَلى أنَّ انْتِفاءَ الخِزْيِ يَوْمَئِذٍ يَسْتَلْزِمُ الكَرامَةَ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما كَما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]) .
وفِي صِلَةِ (﴿الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [غافر: ٢٥]) إيذانٌ بِأنَّ سَبَبَ انْتِفاءِ الخِزْيِ عَنْهم هو إيمانُهم.
ومَعِيَّةُ المُؤْمِنِينَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ صُحْبَتُهُمُ النَّبِيءَ ﷺ .
و(مَعَ) يَجُوزُ تَعَلُّقُها بِمَحْذُوفٍ حالٍ مِنَ (﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾) أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مَعَ الشَّيْءِ في انْتِفاءِ خِزْيِ اللَّهِ عَنْهم فَيَكُونُ عُمُومُ (﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾) مَخْصُوصًا بِغَيْرِ الَّذِينَ يَتَحَقَّقُ فِيهِمْ خِزْيُ الكُفْرِ وهُمُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا وماتُوا عَلى الكُفْرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ .
ويَجُوزُ تَعَلُّقُ (مَعَ) بِفِعْلِ (آمَنُوا) أيِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وصَحِبُوهُ، فَيَكُونُ مُرادًا بِهِ أصْحابُ النَّبِيءِ ﷺ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ولَمْ يَرْتَدُّوا بَعْدَهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُؤْذِنَةً بِفَضِيلَةٍ لِلصَّحابَةِ.
وضَمِيرُ (نُورُهم) عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ.
وإضافَةُ (نُورُ) إلى ضَمِيرِ (هم) مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ إخْبارٌ عَنْهم بِنُورٍ لَهم لَيْسَتْ إضافَةَ تَعْرِيفٍ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ تَعْرِيفَ النُّورِ وتَعْيِينَهُ ولَكِنَّ الإضافَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ هُنا في لازِمِ
صفحة ٣٧١
مَعْناها وهو اخْتِصاصُ النُّورِ بِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِحَيْثُ يُمَيِّزُهُ النّاسُ مِن بَيْنِ الأنْوارِ يَوْمَئِذٍ.
وُسَعْيُ النُّورِ: امْتِدادُهُ وانْتِشارُهُ. شُبِّهَ ذَلِكَ بِاشْتِدادِ مَشْيِ الماشِي وذَلِكَ أنَّهُ يَحِفُّ بِهِمْ حَيْثُما انْتَقَلُوا تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ كَما تُنْشَرُ الأعْلامُ بَيْنَ يَدَيِ الأمِيرِ والقائِدِ وكَما تُساقُ الجِيادُ بَيْنَ يَدَيِ الخَلِيفَةِ.
وإنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ مِنَ الجِهاتِ الأمامُ واليَمِينُ لِأنَّ النُّورَ إذا كانَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ تَمَتَّعُوا بِمُشاهَدَتِهِ وشَعَرُوا بِأنَّهُ كَرامَةٌ لَهم ولِأنَّ الأيْدِيَ هي الَّتِي تُمْسَكُ بِها الأُمُورُ النَّفِيسَةُ وبِها بايَعُوا النَّبِيءَ ﷺ عَلى الإيمانِ والنَّصْرِ. وهَذا النُّورُ نُورٌ حَقِيقِيٌّ يَجْعَلُهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى عَنْ.
وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في سُورَةِ الحَدِيدِ وما ذَكَرْناهُ هُنا أوْسَعُ.
وجُمْلَةُ (﴿يَقُولُونَ رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾) إلى آخِرِها حالٌ مِن ضَمِيرِ (نُورُهم)، وظاهِرُهُ أنْ يَكُونَ حالًا مُقارَنَةً، أيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ودُعاؤُهم طَلَبٌ لِلزِّيادَةِ مِن ذَلِكَ النُّورِ، فَيَكُونُ ضَمِيرُ (يَقُولُونَ) عائِدًا إلى جَمِيعِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، أوْ يَقُولُ ذَلِكَ مَن كانَ نُورُهُ أقَلَّ مِن نُورِ غَيْرِهِ مِمَّنْ هو أفْضَلُ مِنهُ يَوْمَئِذٍ فَيَكُونُ ضَمِيرُ (يَقُولُونَ) عَلى إرادَةِ التَّوْزِيعِ عَلى طَوائِفِ الَّذِينَ آمَنُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ.
وإتْمامُ النُّورِ إدامَتُهُ أوِ الزِّيادَةُ مِنهُ عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ آنِفًا وكَذَلِكَ الدُّعاءُ بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ لَهم هو لِطَلَبِ دَوامِ المَغْفِرَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ أدَبٌ مَعَ اللَّهِ وتَواضُعٌ لَهُ مِثْلَ ما قِيلَ في اسْتِغْفارِ النَّبِيءِ ﷺ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً.
ويَظْهَرُ بِذَلِكَ وجْهُ التَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِمْ (﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾) المُشْعِرُ بِتَعْلِيلِ الدُّعاءِ كِنايَةً عَنْ رَجاءِ إجابَتِهِ لَهم.
66:9Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٩
O Prophet, strive against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.
﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ .
لَما أبْلَغَ الكُفّارَ ما سَيَحِلُّ بِهِمْ في الآخِرَةِ تَصْرِيحًا بِقَوْلِهِ (﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ [التحريم: ٧])
صفحة ٣٧٢
وتَعْرِيضًا بِقَوْلِهِ (﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيءَ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨])، أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِمَسْمَعٍ مِنهم بِأنْ يُجاهِدَهم ويُجاهِدَ المُسْتَتِرِينَ لِكُفْرِهِمْ بِظاهِرِ الإيمانِ نِفاقًا، حَتّى إذا لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمُ المَوْعِظَةُ بِعِقابِ الآخِرَةِ يَخْشَوْنَ أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَذابَ السَّيْفِ في العاجِلَةِ فَيُقْلِعُوا عَنِ الكُفْرِ فَيُصْلِحُ نُفُوسَهم وإنَّما أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ تَألَّبُوا مَعَ المُنافِقِينَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ فاتَّخَذُوهم عُيُونًا لَهم وأيَدِيَ يَدُسُّونَ بِها الأذى لِلنَّبِيءِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ.
فَهَذا نِداءٌ ثانٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ يَأْمُرُهُ بِإقامَةِ صَلاحِ عُمُومِ الأُمَّةِ بِتَطْهِيرِها مِنَ الخُبَثاءِ بَعْدَ أنْ أمَرَهُ بِإفاقَةِ مَن عَلَيْهِما الغَفْلَةُ عَنْ شَيْءٍ مِن واجِبِ حُسْنِ المُعاشَرَةِ مَعَ الزَّوْجِ.
وجِهادُ الكُفْرِ ظاهِرٌ، وأمّا عَطْفُ (المُنافِقِينَ) عَلى (الكُفّارَ) المَفْعُولِ لِ (جاهِدِ) فَيَقْتَضِي أنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَأْمُورٌ بِجِهادِ المُنافِقِينَ وكانَ حالُ المُنافِقِينَ مُلْتَبِسًا إذْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ المُنافِقِينَ مُعْلِنًا بِالكُفْرِ ولا شُهِدَ عَلى أحَدٍ مِنهم بِذَلِكَ ولَمْ يُعَيِّنِ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ مُنافِقًا يُوقِنُ بِنِفاقِهِ وكُفْرِهِ أوْ أطْلَعَهُ إطْلاعًا خاصًّا ولَمْ يَأْمُرْهُ بِإعْلانِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ كَما يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِن أخْبارٍ كَثِيرَةٍ في الآثارِ.
فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلَ عَطْفِ (المُنافِقِينَ) عَلى (الكُفّارَ) إمّا بِأنْ يَكُونَ فِعْلُ (جاهِدِ) مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ وهُما الجِهادُ بِالسَّيْفِ والجِهادُ بِإقامَةِ الحُجَّةِ والتَّعْرِيضُ لِلْمُنافِقِ بِنِفاقِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الجِهادُ مَجازًا كَما في قَوْلِهِ ﷺ («رَجِعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» )، وقَوْلِهِ لِلَّذِي سَألَهُ الجِهادَ فَقالَ لَهُ: «ألَكَ أبَوانِ ؟ قالَ: نَعَمْ: قالَ: فَفِيهِما فَجاهِدْ» .
وعِنْدِي أنَّ الأقْرَبَ في تَأْوِيلِ هَذا العَطْفِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ إلْقاءَ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُنافِقِينَ لِيَشْعُرُوا بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِالمِرْصادِ مِنهم فَلَوْ بَدَتْ مِن أحَدِهِمْ بادِرَةٌ يُعْلَمُ مِنها نِفاقُهُ عُومِلَ مُعامَلَةَ الكافِرِ في الجِهادِ بِالقَتْلِ والأسْرِ فَيَحْذَرُوا ويَكُفُّوا عَنِ الكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ خَشْيَةَ الِافْتِضاحِ فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١]) .
صفحة ٣٧٣
والغِلْظَةُ: حَقِيقَتُها صَلابَةُ الشَّيْءِ وهي مُسْتَعارَةٌ هُنا لِلْمُعامَلَةِ بِالشِّدَّةِ بِدُونِ عَفْوٍ ولا تَسامُحٍ، أيْ كُنْ غَلِيظًا، أيْ شَدِيدًا في إقامَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أمْثالَهم. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]) في سُورَةِ (بَراءَةٌ)، وقَوْلِهِ (﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والمَأْوى: المَسْكَنُ، وهو مَفْعَلٌ مِن أوى إذا رَجَعَ لِأنَّ الإنْسانَ يَرْجِعُ إلى مَسْكَنِهِ.
66:10Page 561
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمۡرَأَتَ نُوحٖ وَٱمۡرَأَتَ لُوطٖۖ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَيۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَٰلِحَيۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ يُغۡنِيَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَقِيلَ ٱدۡخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ١٠
Allāh presents an example of those who disbelieved: the wife of Noah and the wife of Lot. They were under two of Our righteous servants but betrayed them,1 so they [i.e., those prophets] did not avail them from Allāh at all, and it was said, "Enter the Fire with those who enter."
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ .
أعْقَبَتْ جُمْلَةَ (﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التحريم: ٩])، الآيَةُ المَقْصُودُ مِنها تَهْدِيدُهم بِعَذابِ السَّيْفِ في الدُّنْيا وإنْذارُهم بِعَذابِ الآخِرَةِ وما قارَنَ ذَلِكَ مِن مُقابَلَةِ حالِهِمْ بِحالِ المُؤْمِنِينَ، بِأنْ ضَرَبَ مَثَلَيْنِ لِلْفَرِيقَيْنِ بِنَظِيرَيْنِ في حالَيْهِما لَتَزْدادَ المَوْعِظَةُ وُضُوحًا ويَزْدادَ التَّنْوِيهُ بِالمُؤْمِنِينَ اسْتِنارَةً. وقَدْ تَقَدَّمَتْ فائِدَةُ ذِكْرِ الأمْثالِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وضَرْبُ المَثَلِ: إلْقاؤُهُ وإيضاحُهُ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. وهَذا المَثَلُ لا يَخْلُو مِن تَعْرِيضٍ بِحَثِّ زَوْجَيِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى طاعَتِهِ وبِأنَّ رِضا اللَّهِ تَعالى يَتْبَعُ رِضا رُسُلِهِ. فَقَدْ كانَ الحَدِيثُ عَنْ زَوْجَتِي النَّبِيءِ ﷺ قَرِيبًا وكانَ عَمَلُهُما ما فِيهِ بارِقَةً مِن مُخالَفَةٍ، وكانَ في المَثَلَيْنِ ما فِيهِ إشْعارٌ بِالحالَيْنِ.
وتَعْدِيَةُ (ضَرَبَ) بِاللّامِ الدّالِّ عَلى العِلَّةِ تُفِيدُ أنَّ إلْقاءَ المَثَلِ لِأجْلِ مَدْخُولِ اللّامِ. فَمَعْنى: (﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾) أنَّهُ ألْقى هَذا التَّنْظِيرَ لِأجْلِهِمْ، أيِ اعْتِبارِهِمْ بِهِمْ وقِياسِ حالِهِمْ عَلى حالِ المُمَثَّلِ بِهِ، فَإذا قِيلَ: ضَرَبَ لِفُلانٍ مَثَلًا، كانَ المَعْنى: أنَّهُ قَصَدَهُ بِهِ وأعْلَمَهُ إيّاهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨])
صفحة ٣٧٤
(﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨]) . ونَحْوِ ذَلِكَ وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ بِاللّامِ عَلى المَفْعُولَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِإيقاظِ الَّذِينَ كَفَرُوا.
فَمَعْنى (﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ﴾)، أنَّ اللَّهَ جَعَلَ حالَةَ هاتَيْنِ المَرْأتَيْنِ عِظَةً وتَنْبِيهًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ لِيُذَكِرَهم بِأنَّ اللَّهَ لا يَصْرِفُهُ عَنْ وعِيدِهِ صارِفٌ فَلا يَحْسَبُوا أنَّ لَهم شُفَعاءَ عِنْدَ اللَّهِ، ولا أنَّ مَكانَهم مِن جِوارِ بَيْتِهِ وعِمارَةِ مَسْجِدِهِ وسِقايَةِ حَجِيجِهِ تَصْرِفُ غَضَبَ اللَّهِ عَنْهم، فَإنْ هم أقْلَعُوا عَنْ هَذا الحُسْبانِ أقْبَلُوا عَلى التَّدَبُّرِ في النَّجاةِ مِن وعِيدِهِ بِالنَّظَرِ في دَلائِلِ دَعْوَةِ القُرْآنِ وصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فَلَوْ كانَ صارِفٌ يَصْرِفُ اللَّهَ عَنْ غَضَبِهِ لَكانَ أوْلى الأشْياءِ بِذَلِكَ مَكانَةَ هاتَيْنِ المَرْأتَيْنِ مِن زَوْجَيْهِما رَسُولَيْ رَبِّ العالَمِينَ.
ومُناسِبَةُ ضَرْبِ المَثَلِ بِامْرَأةِ لُوطٍ دُونَ غَيْرِها مِن قُرابَةِ الأنْبِياءِ نَحْوَ أبِي إبْراهِيمَ وابْنِ نُوحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ ذِكْرَ هاتَيْنِ المَرْأتَيْنِ لَمْ يَتَقَدَّمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أبِي إبْراهِيمَ وابْنُ نُوحٍ، لِتَكُونَ في ذِكْرِهِما فائِدَةٌ مُسْتَجَدَّةٌ، ولِيَكُونَ في ذِكْرِهِما عَقِبَ ما سَبَقَ مِن تَمالُؤِ أُمَّيِ المُؤْمِنِينَ عَلى زَوْجِها ﷺ تَعْرِيضٌ لَطِيفٌ بِالتَّحْذِيرِ مِن خاطِرِ الِاعْتِزازِ بِغِناءِ الصِّلَةِ الشَّرِيفَةِ عَنْهُما في الوَفاءِ بِحَقِّ ما يَجِبُ مِنَ الإخْلاصِ لِلنَّبِيءِ ﷺ لِيَكُونَ الشَّبَهُ في التَّمْثِيلِ أقْوى. فَعَنْ مُقاتِلٍ يَقُولُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِعائِشَةَ وحَفْصَةَ لا تَكُونا بِمَنزِلَةِ امْرَأةِ نُوحٍ وامْرَأةِ لُوطٍ في المَعْصِيَةِ وكُونا بِمَنزِلَةِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ ومَرْيَمَ. ووَضَّحَهُ في الكَشّافِ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ التَّعْرِيضِ. ومَنَعَهُ الفَخْرُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ بَعْضُ النّاسِ: في المَثَلَيْنِ عِبْرَةٌ لِزَوْجاتِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ تَقَدَّمَ عِتابُهُنَّ. وفي هَذا بُعْدٌ لِأنَّ النَّصَّ أنَّهُ لِلْكُفّارِ يُبْعِدُ هَذا اهـ.
ويَدْفَعُ اسْتِبْعادَهُ أنَّ دَلالَةَ التَّعْرِيضِ لا تُنافِي اللَّفْظَ الصَّرِيحَ، ومِن لَطائِفِ التَّقَيُّدِ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾) أنَّ المَقْصِدَ الأصْلِيَّ هو ضَرْبُ المَثَلِ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وذَلِكَ مِنَ الِاحْتِراسِ مِن أنْ تَحْمِلَ التَّمْثِيلَ عَلى المُشابَهَةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، والِاحْتِراسُ بِكَثْرَةِ التَّشْبِيهاتِ ومِنهُ تَجْرِيدُ الِاسْتِعارَةِ.
وقِصَّةُ امْرَأةِ نُوحٍ لَمْ تَذْكُرْ في القُرْآنِ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّها خانَتْ زَوْجَها بَعْدَ الطُّوفانِ وأنَّ نُوحًا لَمْ يَعْلَمْ بِخَوْنِها لِأنَّ اللَّهَ سَمّى عَمَلَها خِيانَةً.
وقَدْ ورَدَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْراةِ ذِكْرُ امْرَأةِ نُوحٍ مَعَ الَّذِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ
صفحة ٣٧٥
وذِكْرُ خُرُوجِها مِنَ السَّفِينَةِ بَعْدَ الطُّوفانِ ثُمَّ طُوِيَ ذِكْرُها لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ بَرَكَتَهُ نُوحًا وبَنِيهِ ومِيثاقَهُ مَعَهم فَلَمْ تُذْكَرْ مَعَهم زَوْجُهُ. فَلَعَلَّها كَفَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أوْ لَعَلَّ نُوحًا تَزَوَّجَ امْرَأةً أُخْرى بَعْدَ الطُّوفانِ لَمْ تُذْكَرْ في التَّوْراةِ.
ووَصَفَ اللَّهُ فِعْلَ امْرَأةِ نُوحٍ بِخِيانَةِ زَوْجِها، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هي خِيانَةٌ في الدِّينِ، أيْ كانَتْ كافِرَةً مُسِرَّةً الكُفْرَ، فَلَعَلَّ الكُفْرَ حَدَثَ مَرَّةً أُخْرى في قَوْمِ نُوحٍ بَعْدَ الطُّوفانِ ولَمْ يُذْكَرْ في القُرْآنِ.
وأمّا حَدِيثُ امْرَأةِ لُوطٍ في القُرْآنِ مَرّاتٍ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ ويُقالُ: فُلانَةٌ كانَتْ تَحْتَ فُلانٍ، أيْ كانَتْ زَوْجًا لَهُ.
والتَّحْتِيَّةُ هُنا مَجازٌ في مَعْنى الصِّيانَةِ والعِصْمَةِ ومِنهُ قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في الحَدِيثِ المَرْوِيِّ في المُوَطَّأِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أُمِّ حَرامِ بِنْتِ مِلْحانَ وكانَتْ أُمُّ حَرامٍ تَحْتَ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ.
ومِن بَدائِعِ الأجْوِبَةِ أنَّ أحَدَ الأُمَراءِ مِنَ الشِّيعَةِ سَألَ أحَدَ عُلَماءِ السُّنَّةِ: مَن أفْضَلُ النّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَأجابَهُ: (الَّذِي كانَتِ ابْنَتُهُ تَحْتَهُ) فَظَنَّ أنَّهُ فَضَّلَ عَلِيًّا إذْ فَهِمَ أنَّ الضَّمِيرَ المُضافَ إلَيْهِ (ابْنَةُ) ضَمِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّ الضَّمِيرَ المُضافَ إلَيْهِ (تَحْتَ) ضَمِيرُ اسْمِ المَوْصُولِ، وإنَّما أرادَ السُّنِّيُّ العَكْسَ بِأنْ يَكُونَ ضَمِيرُ (ابْنَتُهُ) ضَمِيرَ المَوْصُولِ، (تَحْتَهُ) ضَمِيرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وذَلِكَ هو أبُو بَكْرٍ.
وقَدْ ظَهَرَ أنَّ المُرادَ بِالعَبْدَيْنِ نُوحٌ ولُوطٌ وإنَّما خُصّا بِوَصْفِ (عَبْدَيْنِ صالِحَيْنِ) مَعَ أنَّ وصْفَ النُّبُوَّةِ مِن وصْفِ الصَّلاحِ تَنْوِيهًا بِوَصْفِ الصَّلاحِ وإيماءً إلى أنَّ النُّبُوَّةَ صَلاحٌ لِيَعْظُمَ شَأْنُ الصّالِحِينَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢] . ولِتَكُونَ المَوْعِظَةُ سارِيَةً إلى نِساءِ المُسْلِمِينَ في مُعامَلَتِهِنَّ أزْواجَهُنَّ فَإنَّ وصْفَ النُّبُوَّةِ قَدِ انْتَهى بِالنَّسْبَةِ لِلْأُمَّةِ الإسْلامِيَّةِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَهْوِيلِ الأذى لِعَبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ وعِنايَةِ رَبِّهِمْ بِهِمْ ومُدافَعَتِهِ عَنْهم.
والخِيانَةُ والخَوْنُ ضِدُّ الأمانَةِ وضِدُّ الوَفاءِ، وذَلِكَ تَفْرِيطُ المَرْءِ ما اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ وما
صفحة ٣٧٦
عُهِدَ بِهِ إلَيْهِ. وقَدْ جَمَعَها قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] .
وانْتَصَبَ (شَيْئًا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِ (يُغْنِيا) لِأنَّ المَعْنى شَيْئًا مِنَ الغِنى، وتَنْكِيرُ شَيْئًا لِلتَّحْقِيرِ، أيْ أقَلَّ غِنًى وأجْحَفَهُ بَلْهَ الغِنى المُهِمِّ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية: ١٩]) في سُورَةِ الجاثِيَةِ.
وزِيادَةُ (﴿مَعَ الدّاخِلِينَ﴾) لِإفادَةِ مُساواتِها في العَذابِ لِغَيْرِهِما مِنَ الكَفَرَةِ الخَوَنَةِ. وذَلِكَ تَأْيِيسٌ لَها مِن أنْ يَنْتَفِعا مِن حُظْوَةِ زَوْجِيهِما كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] .
66:11Page 561
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمۡرَأَتَ فِرۡعَوۡنَ إِذۡ قَالَتۡ رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١١
And Allāh presents an example of those who believed: the wife of Pharaoh, when she said, "My Lord, build for me near You a house in Paradise and save me from Pharaoh and his deeds and save me from the wrongdoing people."
﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
لَمّا ضُرِبَ المَثَلُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أُعْقِبَ بِضَرْبِ مَثَلٍ لِلَّذِينَ آمَنُوا لِتَحْصُلَ المُقابَلَةُ فَيَتَّضِحَ مَقْصُودُ المَثَلَيْنِ مَعًا، وجَرَيا عَلى عادَةِ القُرْآنِ في إتْباعِ التَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ.
وجُعِلَ المَثَلُ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِحالِ امْرَأتَيْنِ لِتَحْصُلَ المُقابَلَةُ لِلْمَثَلَيْنِ السّابِقَيْنِ، فَهَذا مِن مُراعاةِ النَّظِيرِ في المَثَلَيْنِ.
وجاءَ أحَدُ المَثَلَيْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا لِإخْلاصِ الإيمانِ. والمَثَلُ الثّانِي لِشِّدَّةِ التَّقْوى.
فَكانَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ مَثَلًا لِمَتانَةِ المُؤْمِنِينَ ومَرْيَمُ مَثَلًا لِلْقانِتِينَ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ تَبَرَّءُوا مِن ذَوِي قَرابَتِهِمُ الَّذِينَ بَقَوْا عَلى الكُفْرِ بِمَكَّةَ.
وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ هَذِهِ هي امْرَأةُ فِرْعَوْنَ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْهِ مُوسى وهو مُنْفَطِحُ الثّالِثُ ولَيْسَتِ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ الَّتِي تَبَنَّتْ مُوسى حِينَ التَقَطَتْهُ مِنَ اليَمِّ، لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ في زَمَنِ فِرْعَوْنَ رَعَمْسِيسَ الثّانِي وكانَ بَيْنَ الزَّمَنَيْنِ ثَمانُونَ سَنَةً. ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهم عِلْمٌ بِدِينٍ قَبْلَ أنْ يُرْسَلَ إلَيْهِمْ مُوسى.
صفحة ٣٧٧
ولَعَلَّ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ كانَتْ مِن بَناتِ إسْرائِيلَ تَزَوَّجَها فِرْعَوْنُ فَكانَتْ مُؤْمِنَةً بِرِسالَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدْ حَكى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّها عَمَّةُ مُوسى أوْ تَكُونُ هَداها اللَّهُ إلى الإيمانِ كَما هَدى الرَّجُلَ المُؤْمِنَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ غافِرٍ. وسَمّاها النَّبِيءُ ﷺ آسِيَةَ في قَوْلِهِ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ» رَواهُ البُخارِيُّ.
وأرادَتْ بِعَمَلِ فِرْعَوْنَ ظُلْمَهُ، أيْ نَجِّنِي مِن تَبِعَةِ أعْمالِهِ فَيَكُونُ مَعْنى نَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ مِن صُحْبَتِهِ طَلَبَتْ لِنَفْسِها فَرَجًا وهو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ.
ومَعْنى (قالَتْ) أنَّها أعْلَنَتْ بِهِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ اطَّلَعَ عَلَيْها وأعْلَنَ ذَلِكَ لِقَوْمِهِ وأمَرَ بِتَعْذِيبِها فَماتَتْ في تَعْذِيبِهِ ولَمْ تَحُسَّ ألَمًا.
والقَوْمُ الظّالِمُونَ: هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ. وظُلْمُهم: إشْراكُهم بِاللهِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَها ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ مُؤْذِنٌ بِأنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ صَدُّوها عَنِ الإيمانِ بِهِ وزَيَّنُوا لَها أنَّها إنْ آمَنَتْ بِمُوسى تُضَيِّعْ مُلْكًا عَظِيمًا وقَصْرًا فَخِيمًا أوْ أنَّ فِرْعَوْنَ وعَظَها بِأنَّها إنْ أصَرَّتْ عَلى ذَلِكَ تُقْتَلْ، فَلا يَكُونُ مَدْفَنُها الهَرَمَ الَّذِي بَناهُ فِرْعَوْنُ لِنَفْسِهِ لِدَفْنِهِ في بادِئِ المُلُوكِ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما رَواهُ المُفَسِّرُونَ أنَّ بَيْتَها في الجَنَّةِ مِن دُرَّةٍ واحِدَةٍ فَتَكُونُ مُشابِهَةَ الهَرَمِ الَّذِي كانَ مُعَدًّا لِحَفْظِ جُثَّتِها بَعْدَ مَوْتِها وزَوْجِها. فَقَوْلُها ذَلِكَ كَقَوْلِ السَّحَرَةِ الَّذِينَ آمَنُوا جَوابًا عَنْ تَهْدِيدِ فِرْعَوْنَ (﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾ [طه: ٧٢]) الآيَةَ في سُورَةِ طَهَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences