Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Mulk 67:24–30
67:24Page 563
قُلۡ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤
Say, "It is He who has multiplied you throughout the earth, and to Him you will be gathered."
﴿قُلْ هو الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
صفحة ٤٨
إعادَةُ فِعْلِ (قُلْ) مِن قَبِيلِ التَّكْرِيرِ المُشْعِرِ بِالاهْتِمامِ بِالغَرَضِ المَسُوقَةِ فِيهِ تِلْكَ الأقْوالِ.
والذَّرْءُ: الإكْثارُ مِنَ المَوْجُودِ، فَهَذا أخَصُّ مِن قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ [الملك: ٢٣] أيْ هو الَّذِي كَثَرَّكم عَلى الأرْضِ كَقَوْلِهِ ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها﴾ [هود: ٦١] أيْ أعْمَرَكم إيّاها.
والقَوْلُ في صِيغَةِ القَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ مِثْلُ القَوْلِ في قَوْلِهِ (﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ [الملك: ٢٣]) الآيَةَ.
وقَوْلُهُ ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ أكْثَرَكم في الأرْضِ فَهو يُزِيلُكم بِمَوْتِ الأجْيالِ فَكُنِّيَ عَنِ المَوْتِ بِالحَشْرِ لِأنَّهم قَدْ عَلِمُواْ أنَّ الحَشْرَ الَّذِي أُنْذِرُواْ بِهِ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ البَعْثِ والبَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، فالكِنايَةُ عَنِ المَوْتِ بِالحَشْرِ بِمَرْتَبَتَيْنِ مِنَ المُلازَمَةِ، وقَدْ أُدْمِجَ في ذَلِكَ تَذْكِيرُهم بِالمَوْتِ الَّذِي قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ، وإنْذارُهم بِالبَعْثِ والحَشْرِ.
فَتَقْدِيمُ المَعْمُولِ في (وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ) لِلْاهْتِمامِ والرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ، ولَيْسَ لِلْاخْتِصاصِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُواْ يَدَّعُونَ الحَشْرَ أصْلًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَدَّعُوهُ لِغَيْرِ اللَّهِ.
67:25–26Page 563
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٥
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٢٦
Say, "The knowledge is only with Allāh, and I am only a clear warner."
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما العَلَمُ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لَمّا لَمْ تَكُنْ لَهم مُعارَضَةٌ لِلْحُجَّةِ الَّتِي في قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ [الملك: ٢٣] إلى ﴿هُوَ الَّذِي ذَرَأكم في الأرْضِ﴾ [الملك: ٢٤] انْحَصَرَ عِنادُهم في مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الملك: ٢٤] فَإنَّهم قَدْ جَحَدُوا البَعْثَ وأعْلَنُواْ بِجَحْدِهِ وتَعَجَّبُواْ مِن إنْذارِ القُرْآنِ بِهِ، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] ﴿افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨] وكانُواْ يَقُولُونَ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ واسْتَمَرُّواْ عَلى قَوْلِهِ، فَلِذَلِكَ حَكاهُ اللَّهُ عَنْهم بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّكْرِيرِ.
والوَعْدُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ مَتى هَذا الوَعْدُ ؟ فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الحَشْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ (وإلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فالإشارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (هَذا) ظاهِرَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ وعْدٌ آخَرَ بِنَصْرِ المُسْلِمِينَ، فالإشارَةُ إلى وعِيدٍ سَمِعُوهُ.
صفحة ٤٩
والاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ لِأنَّ مِن عادَتِهِمْ أنْ يَسْتَهْزِئُواْ بِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١] .
وأتَوْا بِلَفْظِ الوَعْدِ اسْتِنْجازًا لَهُ؛ لِأنَّ شَأْنَ الوَعْدِ الوَفاءُ.
وضَمِيرُ الخِطابِ في ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ لِأنَّهم يَلْهَجُونَ بِإنْذارِهِمْ بِيَوْمِ الحَشْرِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ سَبَإٍ
وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ سُؤالَهم بِجُمْلَةٍ عَلى خِلافِ مُرادِهِمْ بَلْ عَلى ظاهِرِ الاسْتِفْهامِ عَنْ وقْتِ الوَعْدِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، بِأنَّ وقْتَ هَذا الوَعْدِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، فَقَوْلُهُ (قُلْ) هُنا أمْرٌ بِقَوْلٍ يَخْتَصُّ بِجَوابِ كَلامِهِمْ وفُصِلَ دُونَ عَطْفٍ يُجْرِيانِ المَقُولَ في سِياقِ المُحاوَرَةِ، ولَمْ يُعْطَفْ فِعْلُ (قُلْ) بِالفاءِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ أمْثالِهِ الواقِعَةِ في المُجاوَبَةِ والمُحاوَرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في نَظائِرِهِ الكَثِيرَةِ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ولامُ التَّعْرِيفِ في (العِلْمُ) لِلْعَهْدِ، أيِ العِلْمُ بِوَقْتِ هَذا الوَعْدِ. وهَذِهِ هي اللّامُ الَّتِي تُسَمّى عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. وهَذا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ.
﴿وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ ما أنا إلّا نَذِيرٌ بِوُقُوعِ هَذا الوَعْدِ لا أتَجاوَزُ ذَلِكَ إلى كَوْنِي عالِمًا بِوَقْتِهِ.
والمُبِينُ: اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ المُتَعَدِّي، أيْ مُبَيِّنٌ لِما أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِهِ.
67:27Page 564
فَلَمَّا رَأَوۡهُ زُلۡفَةٗ سِيٓـَٔتۡ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَدَّعُونَ ٢٧
But when they see it1 approaching, the faces of those who disbelieve will be distressed, and it will be said, "This is that for which you used to call."2
﴿فَلَمّا رَأوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وقِيلَ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ (لَمّا) حَرْفُ تَوْقِيتٍ، أيْ سِيئَتْ وُجُوهُهم في وقْتِ رُؤْيَتِهِمُ الوَعْدَ.
والفاءُ فَصِيحَةٌ؛ لِأنَّها اقْتَضَتْ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً تَقْدِيرُها: فَحَلَّ بِهِمُ الوَعْدُ فَلَمّا رَأوْهُ إلَخْ، أيْ رَأوُا المَوْعِدَ بِهِ.
وفُعِلَ (رَأوْهُ) مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَقْبَلِ، وجِيءَ بِهِ بِصِيغَةِ الماضِي لِشَبَهِهِ بِالماضِي في تَحَقُّقِ الوُقُوعِ مِثْلُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] لِأنَّهُ صادِرٌ عَمَّنْ لا إخْلافَ في أخْبارِهِ فَإنَّ
صفحة ٥٠
هَذا الوَعْدَ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَصَلَ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ بِمَكَّةَ سَواءٌ أُرِيدَ بِالوَعْدِ الوَعْدُ بِالبَعْثِ كَما هو مُقْتَضى السِّياقِ أمْ أُرِيدَ بِهِ وعْدُ النَّصْرِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [الملك: ٢٥] فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهم يَقُولُونَهُ في الحالِ وأنَّ الوَعْدَ غَيْرُ حاصِلٍ حِينَ قَوْلِهِمْ لِأنَّهم يَسْألُونَ عَنْهُ بِ (مَتى) .
ونَظِيرُ هَذا الاسْتِعْمالِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] في سُورَةِ النِّساءِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ﴾ [النحل: ٨٩] في سُورَةِ النَّحْلِ إذْ جَمَعَ في الآيَتَيْنِ بَيْنَ فِعْلِ (نَبْعَثُ) مُضارِعًا وفِعْلِ (جِئْنا) ماضِيًا.
وأصْلُ المَعْنى: فَإذا يَرَوْنَهُ تُساءُ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَخْ، فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى صَوْغِ الوَعِيدِ في صُورَةِ الإخْبارِ عَنْ أمْرٍ وقَعَ فَجِيءَ بِالأفْعالِ الماضِيَةِ.
وضَمِيرُ (رَأوْهُ) عائِدٌ إلى الوَعْدِ بِمَعْنى: رَأوُا المَوْعُودَ بِهِ.
والزُّلْفَةُ بِضَمِّ الزّايِ: اسْمُ مَصْدَرِ زَلَفَ إذا قَرُبَ وهو مِن بابِ تَعِبَ. وهَذا إخْبارٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ رَأوْهُ شَدِيدَ القُرْبِ مِنهم، أيْ أخَذَ يَنالُهم.
و(سِيئَتْ) بُنِيَ لِلنّائِبِ، أيْ ساءَ وُجُوهَهم ذَلِكَ الوَعْدُ بِمَعْنى المَوْعُودِ. وأُسْنِدَ حُصُولُ السُّوءِ إلى الوُجُوهِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى كَلَحَتْ، أيْ سُوءٍ شَدِيدٍ تَظْهَرُ آثارُ الانْفِعالِ مِنهُ عَلى الوُجُوهِ، كَما أُسْنِدَ الخَوْفُ إلى الأعْيُنِ في قَوْلِ الأعْشى: وأقْدِمُ إذا ما أعْيُنُ النّاسِ تَفْرَقُ و(قِيلَ) أيْ لَهم.
و(تَدَّعُونَ) بِتَشْدِيدِ الدّالِ مُضارِعُ ادَّعى. وقَدْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الملك: ٢٥]، أيْ تَدَّعُونَ أنَّهُ لا يَكُونُ.
و(بِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِ (تَدَّعُونَ) لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى (تُكَذِّبُونَ) فَإنَّهُ إذا ضُمِّنَ عامِلٌ مَعْنى عامِلٍ آخَرَ يُحْذَفُ مَعْمُولُ العامِلِ المَذْكُورِ ويُذْكَرُ مَعْمُولُ ضِمْنِهِ لِيَدُلَّ المَذْكُورُ عَلى المَحْذُوفِ. وذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الإيجازِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى العامِلِ لِلْاهْتِمامِ بِإخْطارِهِ ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ. والقائِلُ لَهم
صفحة ٥١
﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ مَلائِكَةُ المَحْشَرِ أوْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ، فَعَدَلَ عَنْ تَعْيِينِ القائِلِ، إذِ المَقْصُودُ المَقُولُ دُونَ القائِلِ فَحَذْفُ القائِلِ مِنَ الإيجازِ.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ جُزْأيِ الإسْنادِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّهم مِن شِدَّةِ جُحُودِهِمْ بِمَنزِلَةِ مَن إذا رَأوُا الوَعْدَ حَسِبُوهُ شَيْئًا آخَرَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ سِيئَتْ بِكَسْرَةِ السِّينِ خالِصَةً. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ ونافِعٌ بِإشْمامِ الكَسْرَةِ ضَمَّةً، وهُما لُغَتانِ في فاءِ كُلِّ ثُلاثِيٍّ مُعْتَلِ العَيْنِ إذا بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَدَّعُونَ) بِفَتْحِ الدّالِ المُشَدَّدَةِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِسُكُونِ الدّالِ مِنَ الدُّعاءِ، أيِ الَّذِي كُنْتُمْ تَدْعُونَ اللَّهَ أنْ يُصِيبَكم بِهِ تَهَكُّمًا وعِنادًا كَما قالُوا ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] .
67:28Page 564
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَهۡلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوۡ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ٢٨
Say, [O Muḥammad], "Have you considered:1 whether Allāh should cause my death and those with me or have mercy upon us, who can protect the disbelievers from a painful punishment?"
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ أوْ رَحِمَنا فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ هَذا تَكْرِيرٌ ثانٍ لِفِعْلِ ﴿هُوَ الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ [الملك: ٢٣] .
كانَ مِن بَذاءَةِ المُشْرِكِينَ أنْ يَجْهَرُوا بِتَمَنِّي هَلاكِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهَلاكِ مَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقَدْ حَكى القُرْآنُ عَنْهم ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ [التوبة: ٩٨]، وكانُوا يَتَآمَرُونَ عَلى قَتْلِهِ، قالَ تَعالى ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يُعَرِّفَهم حَقِيقَةً تَدْحَضُ أمانِيِّهِمْ، وهي أنَّ مَوْتَ أحَدٍ أوْ حَياتَهُ لا يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ ما جَرَّهُ إلَيْهِ عَمَلُهُ، وقَدْ جَرَّتْ إلَيْهِمْ أعْمالُهم غَضَبَ اللَّهِ ووَعِيدَهُ فَهو نائِلُهم حَيِيَ الرَّسُولُ ﷺ أوْ بادَرَهُ المَنُونُ، قالَ تَعالى ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢] وقالَ ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وقالَ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] أيِ المُشْرِكِينَ، وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا المَعْنى وما يُقارِبُهُ في القُرْآنِ ويُنْسَبُ إلى الشّافِعِيِّ:
تَمَنّى رِجالٌ أنْ أمُوتَ فَإنْ أمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيها بِأوْحَـدِ
صفحة ٥٢
فَقَدْ يَكُونُ نُزُولُ هَذِهِ الآياتِ السّابِقَةِ صادَفَ مَقالَةً مِن مَقالاتِهِمْ هَذِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في أثْنائِها وقَدْ يَكُونُ نُزُولُها لِمُناسَبَةِ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [الملك: ٢٥] بِأنْ قارَنَهُ كَلامٌ بَذِيءٌ، مِثْلُ أنْ يَقُولُوا: أبْعَدَ هَلاكِكَ يَأْتِي الوَعْدُ.
والإهْلاكُ: الإماتَةُ، ومُقابَلَةُ (أهْلَكَنِيَ) بِ (رَحِمْنا) يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ: أوْ رَحِمْنا بِالحَياةِ، فَيُفِيدُ أنَّ الحَياةَ رَحْمَةٌ، وأنَّ تَأْخِيرَ الأجَلَ مِنَ النِّعَمِ، وإنَّما لَمْ يُؤَخِّرِ اللَّهُ أجْلَ نَبِيئَهِ ﷺ مَعَ أنَّهُ أشْرَفُ الرُّسُلِ لِحِكَمٍ أرادَها كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ («حَياتِي خَيْرٌ لَكم ومَوْتِي خَيْرٌ لَكم» )، ولَعَلَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أكْمَلَ الدِّينَ الَّذِي أرادَ إبْلاغَهُ فَكانَ إكْمالُهُ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ مِن سَنَةِ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ مِنَ البَعْثَةِ، وكانَ اسْتِمْرارُ نُزُولِ الوَحْيِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ خِصِّيصِيَّةً خَصَّهُ اللَّهُ بِها مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ، فَلَمّا أتَمَّ اللَّهُ دِينَهُ رَبا بِرَسُولِهِ ﷺ أنْ يَبْقى غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِنُزُولِ الوَحْيِ فَنَقَلَهُ اللَّهُ إلى الِاتِّصالِ بِالرَّفِيقِ الأعْلى مُباشَرَةً بِلا واسِطَةٍ، وقَدْ أشارَتْ إلى هَذا سُورَةُ ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر: ١] مِن قَوْلِهِ ﴿ورَأيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا﴾ [النصر: ٢] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣] ولِلَّهِ دَرُّ عَبَدِ بَنِيِ الحَسْحاسِ في عَبْرَتِهِ بِقَوْلِهِ:
رَأيْتُ المَنايا لَمْ يَدَعْنَ مُحَمَّـدًا ∗∗∗ ولا باقِيًا إلّا لَهُ المَوْتُ مُرْصَدًا
وقَدْ عَوَّضَهُ اللَّهُ تَعالى بِحَياةٍ أعْلى وأجَلَّ، إذْ قالَ ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]، وبِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ العاجِلَةِ وهي أنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ رُوحَهُ الزَّكِيَّةَ كُلَّما سَلَّمَ عَلَيْهِ أحَدٌ فَيَرُدُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما ثَبَتَ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وإنَّما سَمّى الحَياةَ رَحْمَةً لَهُ ولِمَن مَعَهُ؛ لِأنَّ في حَياتِهِ نِعْمَةً لَهُ ولِلنّاسِ ما دامَ اللَّهُ مُقَدِّرًا حَياتَهُ، وحَياةُ المُؤْمِنِ رَحْمَةٌ لِأنَّهُ تَكْثُرُ لَهُ فِيها بَرَكَةُ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.
والاسْتِفْهامُ في (أرَأيْتُمْ) إنْكارِيٌّ أنْكَرَ انْدِفاعَهم إلى أُمْنِياتٍ ورَغائِبَ لا يَجْتَنُونَ مِنها نَفْعًا ولَكِنَّها مِمّا تُمْلِيهِ عَلَيْهِمُ النُّفُوسُ الخَبِيثَةُ مِنَ الحِقْدِ والحَسَدِ.
والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وفِعْلُهُا مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَرِدْ بَعْدَهُ مَفْعُولاهُ، وهو مُعَلَّقٌ بِالاسْتِفْهامِ الَّذِي هو في جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: أرَأيْتُمْ أنْفُسَكم ناجِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ إنْ هَلَكَتُ وهَلَكَ مَن مَعِي، فَهَلاكُنا لا يَدْفَعُ عَنْكُمُ العَذابَ المُعَدَّ لِلْكافِرِينَ.
صفحة ٥٣
وأُقْحِمُ الشَّرْطُ بَيْنَ فِعْلِ الرُّؤْيا وما سَدَّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن يَأْتِيكُمْ﴾ [الملك: ٣٠] رابِطَةٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ لِأنَّهُ لَمّا وقَعَ بَعْدَ ما أصْلُهُ المُبْتَدَأُ والخَبَرُ وهو المَفْعُولانِ المُقَدَّرانِ رَجَحَ جانِبُ الشَّرْطِ.
والمَعِيَّةُ في قَوْلِهِ (﴿ومَن مَعِيَ﴾) مَعِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، وهي المُوافَقَةُ والمُشارَكَةُ في الاعْتِقادِ والدِّينِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾ [الفتح: ٢٩] الآيَةَ، أيِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، وقَوْلِهِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: ٨]، كَما أُطْلِقَتِ المُوافِقَةُ عَلى الرَّأْيِ والفَهْمِ في قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ أنا مَعَ ابْنِ أخِي يَعْنِي مُوافِقٌ لِأبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وذَلِكَ حِينَ اخْتَلَفَ أبُو سَلَمَةَ وابْنُ عَبّاسٍ في المُتَوَفّى عَنْها الحامِلِ إذا وضَعَتْ حَمْلَها قَبْلَ مُضِيِّ عِدَّةِ الوَفاةِ.
والاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ﴾ إلَخْ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يُجِيرُهم مِنهُ مُجِيرٌ، أيْ أظَنَنْتُمْ أنْ تَجِدُوا مُجِيرًا لَكم إذا هَلَكْنا فَذَلِكَ مُتَعَذِّرٌ فَماذا يَنْفَعُكم هَلاكُنا !
والعَذابُ المَذْكُورُ هُنا ما عَبَّرَ عَنْهُ بِالوَعْدِ في الآيَةِ قَبْلَها.
وتَنْكِيرُ عَذابٍ لِلتَّهْوِيلِ.
والمُرادُ بِ (الكافِرِينَ) جَمِيعُ الكافِرِينَ فَيَشْمَلُ المُخاطَبِينَ.
والكَلامُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ، وفِيهِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَن يُجِيرُكم مِن عَذابٍ فَإنَّكم كافِرُونَ ولا مُجِيرَ لِلْكافِرِينَ.
وذُكِرَ وصْفُ (الكافِرِينَ) لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ لِأنَّهُ وصْفٌ إذا عَلِقَ بِهِ حُكْمٌ أفادَ تَعْلِيلَ ما مِنهُ اشْتِقاقُ الوَصْفِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحَةٍ عَلى ياءِ (أهْلَكَنِيَ)، وقَرَأها حَمْزَةُ بِإسْكانِ الياءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ياءَ (مَعِيَ) بِفَتْحَةٍ. وقَرَأها أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيُّ بِسُكُونِ الياءِ.
67:29Page 564
قُلۡ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ءَامَنَّا بِهِۦ وَعَلَيۡهِ تَوَكَّلۡنَاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٩
Say, "He is the Most Merciful; we have believed in Him, and upon Him we have relied. And you will [come to] know who it is that is in clear error."
﴿قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾
صفحة ٥٤
هَذا تَكْرِيرٌ ثالِثٌ لِفِعْلِ (قُلْ) مِن قَوْلِهِ ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ [الملك: ٢٣] الآيَةَ.
وجاءَ هَذا الأمْرُ بِقَوْلٍ يَقُولُهُ لَهم بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ (﴿أوْ رَحِمَنا﴾ [الملك: ٢٨]) فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ سَوّى بَيْنَ فَرْضِ إهْلاكِ المُسْلِمِينَ وإحْيائِهِمْ في أنَّ أيَّ الحالَيْنِ فُرِضَ لا يُجِيرُهم مَعَهُ أحَدٌ مِنَ العَذابِ، أعْقَبَهُ بِأنَّ المُسْلِمِينَ آمَنُوا بِالرَّحْمانِ، فَهم مَظِنَّةُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِمْ هَذِهِ الصِّفَةُ فَيَرْحَمَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَيَعْلَمُ المُشْرِكُونَ عِلْمَ اليَقِينِ أيَّ الفَرِيقَيْنِ في ضَلالٍ حِينَ يَرَوْنَ أثَرَ الرَّحْمَةِ عَلى المُسْلِمِينَ وانْتِفاءَهُ عَنِ المُشْرِكِينَ في الدُّنْيا وخاصَّةً في الآخِرَةِ.
وضَمِيرُ (هو) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى الواقِعُ في الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، أيِ اللَّهُ هو الَّذِي وصْفُهُ (الرَّحْمانُ) فَهو يَرْحَمُنا، وأنَّكم أنْكَرْتُمْ هَذا الاسْمَ فَأنْتُمْ أحْرِياءُ بِأنْ تُحْرَمُوا آثارَ رَحْمَتِهِ. ونَحْنُ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، وأنْتُمْ غَرَّكم عِزُّكم وجَعَلْتُمُ الأصْنامَ مُعْتَمَدَكم ووُكَلاءَكم.
وبِهَذِهِ التَّوْطِئَةِ يَقَعُ الإيماءُ إلى الجانِبِ المُهْتَدِي والجانِبِ الضّالِّ مِن قَوْلِهِ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن هو في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لِأنَّهُ يُظْهِرُ بادِئَ تَأمُّلٍ أنَّ الَّذِينَ في ضَلالٍ مُبِينٍ هُمُ الَّذِينَ جَحَدُوا وصْفَ الرَّحْمَنِ وتَوَكَّلُوا عَلى الأوْثانِ.
و(مَن) مَوْصُولَةٌ، وماصْدَقُ (مَن) فَرِيقٌ مُبْهَمٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ ﴿إنْ أهْلَكَنِيَ اللَّهُ ومَن مَعِيَ﴾ [الملك: ٢٨] وقَوْلُهُ ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ﴾ [الملك: ٢٨]، فَأحَدُ الفَرِيقَيْنِ فَرِيقُ النَّبِيءِ ﷺ ومَن مَعَهُ، والآخَرُ فَرِيقُ الكافِرِينَ، أيْ فَسَتَعْلَمُونَ اتِّضاحَ الفَرِيقِ الَّذِي هو في ضَلالٍ مُبِينٍ.
وتَقْدِيمُ مَعْمُولِ (تَوَكَّلْنا) عَلَيْهِ لِإفادَةِ الاخْتِصاصِ، أيْ تَوَكَّلْنا عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ تَعْرِيضًا بِمُخالَفَةِ حالِ المُشْرِكِينَ إذْ تَوَكَّلُوا عَلى أصْنامِهِمْ وأشْرَكُوا في التَّوَكُّلِ مَعَ اللَّهِ، أوْ نَسُوا التَّوَكُّلَ عَلى اللَّهِ بِاشْتِغالِ فَكْرَتِهِمْ بِالتَّوَجُّهِ إلى الأصْنامِ.
وإنَّما لَمْ يُقَدَّمْ مَعْمُولُ (آمَنّا) عَلَيْهِ فَلَمْ يَقُلْ: بِهِ آمَنّا، لِمُجَرَّدِ الاهْتِمامِ إلى الإخْبارِ عَنْ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ لِوُقُوعِهِ عَقِبَ وصْفِ الآخَرِينَ بِالكُفْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن يُجِيرُ الكافِرِينَ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الملك: ٢٨] فَإنَّ هَذا جَوابٌ آخَرُ عَلى تَمَنِّيهِمْ لَهُ الهَلاكَ وسُلِكَ بِهِ طَرِيقَ التَّبْكِيتِ، أيْ هو الرَّحْمَنُ يُجِيرُنا مِن سُوءٍ تَرُومُونَهُ لَنا لِأنَّنا آمَنّا بِهِ ولَمْ نَكْفُرْ بِهِ
صفحة ٥٥
كَما كَفَرْتُمْ، فَلَمْ يَكُنِ المَقْصُودُ في إيرادِهِ نَفْيَ الإشْراكِ وإثْباتَ التَّوْحِيدِ؛ إذِ الكَلامُ في الإهْلاكِ والإنْجاءِ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِ (رَحِمَنا)، فَجِيءَ بِجُمْلَةِ (آمَنّا) عَلى أصْلٍ مُجَرَّدٍ مَعْناها دُونَ قَصْدِ الاخْتِصاصِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ ﴿وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا﴾؛ لِأنَّ التَّوَكُّلَ يَقْتَضِي مُنْجِيًا وناصِرًا، والمُشْرِكُونَ مُتَوَكِّلُونَ عَلى أصْنامِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَقِيلَ: نَحْنُ لا نَتَّكِلُ عَلى ما أنْتُمْ مُتَوَكِّلُونَ عَلَيْهِ، بَلْ عَلى الرَّحْمَنِ وحْدَهُ تَوَكُّلُنا.
وفِعْلُ (فَسَتَعْلَمُونَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِمَجِيءِ الاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَسَتَعْلَمُونَ) بِتاءِ الخِطابِ عَلى أنَّهُ مِمّا أُمِرَ بِقَوْلِهِ الرَّسُولُ ﷺ . وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِياءِ الغائِبِ عَلى أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ بِأنَّهُ سَيُعاقِبُهم عِقابَ الضّالِّينَ.
67:30Page 564
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا فَمَن يَأۡتِيكُم بِمَآءٖ مَّعِينِۭ ٣٠
Say, "Have you considered: if your water was to become sunken [into the earth], then who could bring you flowing water?"
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ إيماءٌ إلى أنَّهم يَتَرَقَّبُهم عَذابُ الجُوعِ بِالقَحْطِ والجَفافِ فَإنَّ مَكَّةَ قَلِيلَةُ المِياهِ ولَمْ تَكُنْ بِها عُيُونٌ ولا آبارٌ قَبْلَ زَمْزَمَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ خَبَرُ تَعَجُّبِ القافِلَةِ مِن جُرْهُمَ الَّتِي مَرَّتْ بِمَوْضِعِ مَكَّةَ حِينَ أسْكَنَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هاجَرَ بِابْنِهِ إسْماعِيلَ فَفَجَّرَ اللَّهُ لَها زَمْزَمَ ولَمَحَتِ القافِلَةُ الطَّيْرَ تَحُومُ حَوْلَ مَكانِها فَقالُوا: ما عَهِدْنا بِهَذِهِ الأرْضِ ماءً، ثُمَّ حَفَرَ مَيْمُونُ بْنُ خالِدٍ الحَضْرَمِيُّ بِأعْلاها بِئْرًا تُسَمّى بِئْرُ مَيْمُونٍ في عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ قُبَيْلَ البَعْثَةِ، وكانَتْ بِها بِئْرٌ أُخْرى تُسَمّى الجَفْرُ بِالجِيمِ لِبَنِيِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةٍ، وبِئْرٍ تُسَمّى الجَمُّ ذَكَرَها ابْنُ عَطِيَّةَ وأهْمَلَها القامُوسُ وتاجُهُ، ولَعَلَّ هاتَيْنِ البِئْرَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ لَمْ تَكُونا في عَهْدِ النَّبِيءِ ﷺ .
فَماءُ هَذِهِ الآبارِ هو الماءُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ بِأنَّهُ يُصْبِحُ غَوْرًا، وهَذا الإنْذارُ نَظِيرُ الواقِعِ في سُورَةِ القَلَمِ ﴿إنّا بَلَوْناهم كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣] .
والغَوْرُ: مَصْدَرُ غارَتِ البِئْرُ، إذا نَزَحَ ماؤُها فَلَمْ تَنَلْهُ الدِّلاءُ.
والمُرادُ: ماءُ البِيرِ كَما في قَوْلِهِ ﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ [الكهف: ٤١] في ذِكْرِ جَنَّةِ سُورَةِ الكَهْفِ.
صفحة ٥٦
وأصْلُ الغَوْرِ: ذَهابُ الماءِ في الأرْضِ، مَصْدَرُ غارَ الماءُ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ. والإخْبارُ بِهِ عَنِ الماءِ مِن بابِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ: عَدْلٍ، ورِضًى. والمَعِينُ: الظّاهِرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، والبِئْرُ المَعِينَةُ: القَرِيبَةُ الماءِ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ.
والاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ﴾ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ لا يَأْتِيكم أحَدٌ بِماءٍ مَعِينٍ: أيْ غَيْرَ اللَّهِ، وأكْتَفِي عَنْ ذِكْرِهِ لِظُهُورِهِ مِن سِياقِ الكَلامِ ومِن قَوْلِهِ قَبْلَهُ ﴿أمَّنْ هَذا الَّذِي هو جُنْدٌ لَكم يَنْصُرُكم مِن دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك: ٢٠] الآيَتَيْنِ.
وقَدْ أُصِيبُوا بِقَحْطٍ شَدِيدٍ بَعْدَ خُرُوجِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وهو المُشارُ إلَيْهِ في سُورَةِ الدُّخانِ. ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ انْحِباسَ المَطَرِ يَتْبَعُهُ غَوْرُ مِياهِ الآبارِ لِأنَّ اسْتِمْدادَها مِنَ الماءِ النّازِلِ عَلى الأرْضِ، قالَ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١] وقالَ ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ﴾ [البقرة: ٧٤] .
ومِنَ النَّوادِرِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ ما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ مَعَ ما نُقِلَ عَنْهُ في بَيانِهِ، قالَ: وعَنْ بَعْضِ الشُطّارِ هو مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيّاءَ الطَّبِيبُ كَما بَيَّنَهُ المُصَنِّفُ فِيما نُقِلَ عَنْهُ أنَّها أيْ هَذِهِ الآيَةِ تُلِيَتْ عِنْدَهُ فَقالَ تَجِيءُ بِهِ (أيِ الماءِ) الفُئُوسُ والمَعاوِلُ فَذَهَبَ ماءُ عَيْنَيْهِ. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الجُرْأةِ عَلى اللَّهِ وعَلى آياتِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
صفحة ٥٧
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ القَلَمِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ (سُورَةَ ن والقَلَمِ) عَلى حِكايَةِ اللَّفْظَيْنِ الواقِعَيْنِ في أوَّلِها، أيْ سُورَةُ هَذا اللَّفْظِ.
وتَرْجَمَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ سُورَةَ (ن) بِالاقْتِصارِ عَلى الحَرْفِ المُفْرَدِ الَّذِي افْتُتِحَتْ بِهِ مِثْلُ ما سُمِّيَتْ سُورَةُ (ص) وسُورَةُ (ق) .
وفِي بَعْضِ المَصاحِفِ سُمِّيَتْ سُورَةُ القَلَمِ وكَذَلِكَ رَأيْتُ تَسْمِيَتَها في مُصْحَفٍ مَخْطُوطٍ بِالخَطِّ الكُوفِيِّ في القَرْنِ الخامِسِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ أهْلِ التَّأْوِيلِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ الماوَرْدِيِّ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا: أوَّلُها مَكِّيٌّ، إلى قَوْلِهِ ﴿عَلى الخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦]، ومِن قَوْلِهِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] إلى ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣] مَدَنِيٌّ، ومِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [القلم: ٣٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧] مَكِّيٌّ
صفحة ٥٨
ومِن قَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨] إلى قَوْلِهِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠] مَدَّنِيٌّ، ومِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [القلم: ٥١] إلى آخِرِ السُّورَةِ مَكِّيٌّ.
وفِي الإتْقانِ عَنِ السَّخاوِيِّ: أنَّ المَدَنِيَّ مِنها مِن قَوْلِهِ ﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ [القلم: ١٧] إلى ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣] ومِن قَوْلِهِ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨] إلى قَوْلِهِ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [القلم: ٥٠] فَلَمْ يَجْعَلْ قَوْلَهُ ﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [القلم: ٣٤] إلى قَوْلِهِ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧] مَدَنِيًّا خِلافًا لِما نَسَبَهُ الماوَرْدِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ.
وهَذِهِ السُّورَةُ عَدَّها جابِرُ بْنُ زَيْدٍ ثانِيَةَ السُّورِ نُزُولًا قالَ: نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] وبَعْدَها سُورَةُ المُزَّمِّلِ ثُمَّ سُورَةُ المُدَّثِّرِ، والأصَحُّ حَدِيثُ عائِشَةَ «أنَّ أوَّلَ ما أُنْزِلَ سُورَةُ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) ثُمَّ فَتَرَ الوَحْيُ ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ المُدَّثِّرِ» ( .
وما في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ سُورَةَ المُدَّثِّرِ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ يُحْمَلُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]) جَمْعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ: أنَّ مُعْظَمَ السُّورَةِ نَزَلَ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأبِي جَهْلٍ.
واتَّفَقَ العادُّونَ عَلى عَدِّ آيِها ثِنْتَيْنِ وخَمْسِينَ.
* * *
أغْراضُها جاءَ في هَذِهِ السُّورَةِ الإيماءُ بِالحَرْفِ الَّذِي في أوَّلِها إلى تَحَدِّي المُعانِدِينَ بِالتَّعْجِيزِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ سُوَرِ القُرْآنِ وهَذا أوَّلُ التَّحَدِّي الواقِعِ في القُرْآنِ؛ إذْ لَيْسَ في سُورَةِ العَلَقِ ولا في المُزَّمِّلِ ولا في المُدَّثِّرِ إشارَةٌ إلى التَّحَدِّي ولا تَصْرِيحٌ.
وفِيها إشارَةٌ إلى التَّحَدِّي بِمُعْجِزَةِ الأُمِّيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] .
وابْتُدِئَتْ بِخِطابِ النَّبِيءِ ﷺ تَأْنِيسًا لَهُ وتَسْلِيَةً عَمّا لَقِيَهُ مِن أذى المُشْرِكِينَ.
وإبْطالُ مَطاعِنِ المُشْرِكِينَ في النَّبِيءِ ﷺ .
وإثْباتُ كَمالاتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ وهَدْيِهِ وضَلالِ مُعانَدِيهِ وتَثْبِيتِهِ.
وأكَّدَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ بِما هو مِن مَظاهِرِ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في تَعْلِيمِ الإنْسانِ
صفحة ٥٩
الكِتابَةَ فَتَضَمَّنَ تَشْرِيفَ حُرُوفِ الهِجاءِ والكِتابَةِ والعِلْمِ لِتَهْيِئَةِ الأُمَّةِ لِخَلْعِ دِثارِ الأُمِّيَّةِ عَنْهم وإقْبالِهِمْ عَلى الكِتابَةِ والعِلْمِ لِتَكُونَ الكِتابَةُ والعِلْمُ سَبَبًا لِحِفْظِ القُرْآنِ.
ثُمَّ أنْحى عَلى زُعَماءِ المُشْرِكِينَ مَثْلِ أبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ بِمَذَمّاتٍ كَثِيرَةٍ وتَوَعَّدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ وبِبَلايا في الدُّنْيا بِأنْ ضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِمَن غَرَّهم عِزَّهم وثَراؤُهم، فَأزالَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم وأبادَ نِعْمَتَهم.
وقابَلَ ذَلِكَ بِحالِ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ وأنَّ اللَّهَ اجْتَباهم بِالإسْلامِ، وأنَّ آلِهَتَهم لا يُغْنُونَ عَنْهم شَيْئًا مِنَ العَذابِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ.
ووَعَظَهم بِأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ اسْتِدْراجٌ وإمْلاءٌ جَزاءَ كَيْدِهِمْ. وأنَّهم لا مَعْذِرَةَ لَهم فِيما قابَلُوا بِهِ دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ مِن طُغْيانِهِمْ ولا حَرَجَ عَلَيْهِمْ في الإنْصاتِ إلَيْها.
وأمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِالصَّبْرِ في تَبْلِيغِ الدَّعْوَةِ وتَلَقِّي أذى قَوْمِهِ، وأنْ لا يَضْجَرَ في ذَلِكَ ضَجَرًا عاتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences