Ibn 'AshurAl‑Mulk · 67:3–9

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mulk 67:3–9

67:3–4Page 562

ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ ٣

[And] who created seven heavens in layers.1 You do not see in the creation of the Most Merciful any inconsistency. So return [your] vision [to the sky]; do you see any breaks?

ثُمَّ ٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ كَرَّتَيۡنِ يَنقَلِبۡ إِلَيۡكَ ٱلۡبَصَرُ خَاسِئٗا وَهُوَ حَسِيرٞ ٤

Then return [your] vision twice again.1 [Your] vision will return to you humbled while it is fatigued.

﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهْوَ حَسِيرٌ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِلَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ، أُعْقِبَ التَّذْكِيرُ بِتَصَرُّفِ اللَّهِ بِخَلْقِ الإنْسانِ وأهَمِّ أعْراضِهِ بِذِكْرِ خَلْقِ أعْظَمِ المَوْجُوداتِ غَيْرِ الإنْسانِ وهي السَّماواتُ، ومُفِيدَةٌ وصْفًا مِن عَظِيمِ صِفاتِ الأفْعالِ الإلَهِيَّةِ ولِذَلِكَ أُعِيدَ فِيها اسْمُ المَوْصُولِ لِتَكُونَ الجُمَلُ الثَّلاثُ جارِيَةً عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ.

والسَّماواتُ تَكَرَّرَ ذِكْرُها في القُرْآنِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها الكَواكِبُ الَّتِي هي مَجْمُوعُ النِّظامِ الشَّمْسِيِّ ما عَدا الأرْضَ. كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ فَإنَّها هي المُشاهَدَةُ بِأعْيُنِ المُخاطَبِينَ، فالِاسْتِدْلالُ بِها اسْتِدْلالٌ بِالمَحْسُوسِ.

والطِّباقُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ طابَقَ وُصِفَتْ بِهِ السَّماواتُ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ شَدِيدَةُ المُطابَقَةِ، أيْ مُناسِبَةٌ بَعْضُها لِبَعْضٍ في النِّظامِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ طِباقًا جَمْعَ طَبَقٍ، والطَّبَقُ المُساوِي في حالَةٍ ما، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: ”وافَقَ شَنٌّ طَبَقَهُ“ .

والمَعْنى: أنَّها مُرْتَفِعٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ في الفَضاءِ السَّحِيقِ، أوِ المَعْنى: أنَّها مُتَماثِلَةٌ في بَعْضِ الصِّفاتِ مِثْلُ التَّكْوِيرِ والتَّحَرُّكِ المُنْتَظِمِ في أنْفُسِها وفي تَحَرُّكِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها بِالنِّسْبَةِ إلى تَحَرُّكِ بَقِيَّتِها بِحَيْثُ لا تَرْتَطِمُ ولا يَتَداخَلُ سَيْرُها.

ولَيْسَ في قَوْلِهِ طِباقًا ما يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَها مَظْرُوفٌ لِبَعْضٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن مُفادِ مادَّةِ الطِّباقِ ”فَلا تَكُنْ طَباقاءَ“ .

صفحة ١٧

وجاءَتْ جُمْلَةُ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ .

فَإنَّ نَفْيَ التَّفاوُتِ يُحَقِّقُ مَعْنى التَّطابُقِ، أيِ التَّماثُلِ. والمَعْنى: ما تَرى في خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ تَفاوُتًا. وأصْلُ الكَلامِ: ما تَرى فِيهِنَّ ولا في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ، فَعَبَّرَ بِخَلْقِ الرَّحْمَنِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾)؛ لِأنَّ انْتِفاءَ التَّفاوُتِ عَمّا خَلَقَهُ اللَّهُ مُتَحَقِّقٌ في خَلْقِ السَّماواتِ وغَيْرِها، أيْ كانَتِ السَّماواتُ طِباقًا؛ لِأنَّها مِن خَلْقِ الرَّحْمَنِ، ولَيْسَ فِيما خَلَقَ الرَّحْمَنُ مِن تَفاوَتٍ، ومِن ذَلِكَ نِظامُ السَّماواتِ.

والتَّفاوُتُ بِوَزْنِ التَّفاعُلِ: شِدَّةُ الفَوْتِ، والفَوْتُ: البُعْدُ، ولَيْسَتْ صِيغَةُ التَّفاعُلِ فِيهِ لِحُصُولِ فِعْلٍ مِن جانِبَيْنِ، ولَكِنَّها مُفِيدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ.

ويُقالُ: تَفَوَّتَ الأمْرُ أيْضًا، وقِيلَ: إنْ تَفَوَّتَ، بِمَعْنى حَصَلَ فِيهِ عَيْبٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿مِن تَفاوُتٍ﴾، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ (مِن تَفَوُّتٍ) بِتَشْدِيدِ الواوِ دُونَ ألِفٍ بَعْدَ الفاءِ، وهي مَرْسُومَةٌ في المُصْحَفِ بِدُونِ ألِفٍ كَما هو كَثِيرٌ في رَسْمِ الفَتَحاتِ المُشْبَعَةِ.

وهُوَ هُنا مُسْتَعارٌ لِلتَّخالُفِ وانْعِدامِ التَّناسُقِ؛ لِأنَّ عَدَمَ المُناسَبَةِ يُشَبِّهُ البُعْدَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ لا تَرى أيُّها الرّائِي تَفاوُتًا.

والمَقْصُودُ مِنهُ التَّعْرِيضُ بِأهْلِ الشِّرْكِ، إذْ أضاعُوا النَّظَرَ والاسْتِدْلالَ بِما يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِما تُشاهِدُهُ أبْصارُهم مِن نِظامِ الكَواكِبِ، وذَلِكَ مُمْكِنٌ لِكُلِّ مَن يُبْصِرُ، قالَ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] فَكَأنَّهُ قالَ: ما تَرَوْنَ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، ويُرادُ مِنهُ السَّماواتُ، والمَعْنى: ما تَرى في السَّماواتِ مِن تَفاوُتٍ، فَيَكُونُ العُدُولُ عَنِ الضَّمِيرِ لِتَتَأتّى الإضافَةُ إلى اسْمِهِ (الرَّحْمانِ) المُشْعِرِ بِأنَّ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ فِيها رَحْمَةٌ بِالنّاسِ كَما سَيَأْتِي.

صفحة ١٨

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (خَلْقِ) مَصْدَرًا فَيَشْمَلُ خَلْقَ السَّماواتِ وخَلْقَ غَيْرِها فَإنَّ صُنْعَ اللَّهِ رَحْمَةٌ لِلنّاسِ لَوِ اسْتَقامُوا كَما صَنَعَ لَهم وأوْصاهم، فَتُفِيدُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُفادَ التَّذْيِيلِ في أثْناءِ الكَلامِ عَلى وجْهِ الاعْتِراضِ، ولا يَكُونُ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ.

والتَّعْبِيرُ بِوَصْفِ (الرَّحْمانِ) دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذا النِّظامَ مِمّا اقْتَضَتْهُ رَحْمَتُهُ بِالنّاسِ لِتَجْرِيَ أُمُورُهم عَلى حالَةٍ تُلائِمُ نِظامَ عَيْشِهِمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ فِيما خَلَقَ اللَّهُ تَفاوُتٌ لَكانَ ذَلِكَ التَّفاوُتُ سَبَبًا لِاخْتِلالِ النِّظامِ فَيَتَعَرَّضُ النّاسُ بِذَلِكَ لِأهْوالٍ ومَشاقٍّ، قالَ تَعالى ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] وقالَ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥] .

وأيْضًا في ذَلِكَ الوَصْفِ تَوَرُّكٌ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ أنْكَرُوا اسْمَهُ تَعالى (الرَّحْمانِ) ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] .

وفُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿فارْجِعِ البَصَرَ﴾ إلْخَ. والتَّفْرِيعُ لِلتَّسَبُّبِ، أيِ انْتِفاءُ رُؤْيَةِ التَّفاوُتِ، جُعِلَ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِالنَّظَرِ لِيَكُونَ نَفْيُ التَّفاوُتِ مَعْلُومًا عَنْ يَقِينٍ دُونَ تَقْلِيدٍ لِلْمُخْبِرِ.

ورَجْعُ البَصَرِ: تَكْرِيرُهُ، والرَّجْعُ: العَوْدُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُجاءُ مِنهُ، وفِعْلُ: رَجَعَ يَكُونُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولٍ بِمَعْنى: أرْجَعَ، فارْجِعْ هُنا فِعْلُ أمْرٍ مِن رَجَّعَ المُتَعَدِّي.

والرَّجْعُ يَقْتَضِي سَبْقَ حُلُولٍ بِالمَوْضِعِ، فالمَعْنى: أعِدِ النَّظَرَ، وهو النَّظَرُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ أيْ أعِدْ رُؤْيَةَ السَّماواتِ وأنَّها لا تَفاوُتَ فِيها إعادَةَ تَحْقِيقٍ وتَبَصُّرٍ، كَما يُقالُ: أعِدْ نَظَرًا.

والخِطابُ في قَوْلِهِ (﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾) وقَوْلِهِ ﴿فارْجِعِ البَصَرَ﴾ إلْخَ. خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. وصِيغَةُ الأمْرِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإرْشادِ لِلْمُشْرِكِينَ مَعَ دَلالَتِهِ عَلى الوُجُوبِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإنَّ النَّظَرَ في أدِلَّةِ الصِّفاتِ واجِبٌ لِمَن عُرِضَ لَهُ داعٍ إلى الِاسْتِدْلالِ.

صفحة ١٩

والبَصَرُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ. والمُرادُ بِهِ البَصَرُ المَصْحُوبُ بِالتَّفَكُّرِ والاعْتِبارِ بِدَلالَةِ المَوْجُوداتِ عَلى مُوجِدِها.

وهَذا يَتَّصِلُ بِمَسْألَةِ إيمانِ المُقَلِّدِ وما اخْتَلَفَ فِيهِ مِنَ الرِّوايَةِ عَنِ الشَّيْخِ أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ.

والاسْتِفْهامُ في ﴿هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ تَقْرِيرِيٌّ ووَقَعَ بِ (هَلْ)؛ لِأنَّ هَلْ تُفِيدُ تَأْكِيدَ الِاسْتِفْهامَ؛ إذْ هي بِمَعْنى (قَدْ) في الاسْتِفْهامِ، وفي ذَلِكَ تَأْكِيدٌ وحَثٌّ عَلى التَّبَصُّرِ والتَّأمُّلِ، أيْ لا تَقْنَعْ بِنَظْرَةٍ ونَظْرَتَيْنِ، فَتَقُولُ: لَمْ أجِدْ فُطُورًا، بَلْ كَرِّرِ النَّظَرَ وعاوِدْهُ باحِثًا عَنْ مُصادَفَةِ فُطُورٍ لَعَلَّكَ تَجِدُهُ.

والفُطُورُ: جَمْعُ فَطْرٍ بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ الطّاءِ، وهو الشَّقُّ والصَّدْعُ، أيْ لا يَسَعُكَ إلّا أنْ تَعْتَرِفَ بِانْتِفاءِ الفُطُورِ في نِظامِ السَّماواتِ فَتَراها مُلْتَئِمَةً مَحْبُوكَةً لا تَرى في خِلالِها انْشِقاقًا، ولِذَلِكَ كانَ انْفِطارُ السَّماءِ وانْشِقاقُها عَلامَةً عَلى انْقِراضِ هَذا العالَمِ ونِظامِهِ الشَّمْسِيِّ، قالَ تَعالى ﴿وفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أبْوابًا﴾ [النبإ: ١٩] وقالَ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] .

وعَطْفُ ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ دالٌّ عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ كَما هو شَأْنُ (ثُمَّ) في عَطْفِ الجُمَلِ، فَإنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِ (ثُمَّ) هُنا أهَمُّ وأدْخَلُ في الغَرَضِ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها؛ لِأنَّ إعادَةَ النَّظَرِ تَزِيدُ العِلْمَ بِانْتِفاءِ التَّفاوُتِ في الخَلْقِ رُسُوخًا ويَقِينًا.

و(كَرَّتَيْنِ) تَثْنِيَةُ كَرَّةٍ. وهي المَرَّةُ، وعَبَّرَ عَنْها هُنا بِالكَرَّةِ مُشْتَقَّةً مِنَ الكَرِّ، وهو العَوْدُ؛ لِأنَّها عَوْدٌ إلى شَيْءٍ بَعْدَ الانْفِصالِ عَنْهُ كَكَرَّةِ المُقاتِلِ يَحْمِلُ عَلى العَدْوِ بَعْدَ أنْ يَفِرَّ فِرارًا مَصْنُوعًا. وإيثارُ لَفْظِ كَرَّتَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ دُونَ مُرادَفِهِ نَحْوِ مَرَّتَيْنِ وتارَتَيْنِ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ كَرَّةَ لَمْ يَغْلِبْ إطْلاقَها عَلى عَدَدِ الاثْنَيْنِ، فَكانَ إيثارُها في مَقامٍ لا يُرادُ فِيهِ اثْنَيْنِ أظْهَرَ في أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في مُطْلَقِ التَّكْرِيرِ

صفحة ٢٠

دُونَ عَدَدِ اثْنَيْنِ أوْ زَوْجٍ، وهَذا مِن خَصائِصِ الإعْجازِ، ألا تَرى أنَّ مَقامَ إرادَةِ عَدَدِ الزَّوْجِ كانَ مُقْتَضِيًا تَثْنِيَةَ مَرَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] لِأنَّهُ أظْهَرُ في إرادَةِ العَدَدِ؛ إذْ لَفْظُ مَرَّةٍ أكْثَرُ تَداوُلًا.

وتَثْنِيَةُ (كَرَّتَيْنِ) لَيْسَ المُرادُ بِها عَدَدَ الاثْنَيْنِ الَّذِي هو ضِعْفُ الواحِدِ، إذْ لا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ بِخُصُوصِ هَذا العَدَدِ، وإنَّما التَّثْنِيَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ كِنايَةً عَنْ مُطْلَقِ التَّكْرِيرِ فَإنَّ مِنِ اسْتِعْمالاتِ صِيغَةِ التَّثْنِيَةِ في الكَلامِ أنْ يُرادَ بِها التَّكْرِيرُ وذَلِكَ كَما في قَوْلِهِمْ: ( لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، يُرِيدُونَ تَلْبِيّاتٍ كَثِيرَةً وإسْعادًا كَثِيرًا، وقَوْلُهم: دَوالَيِكَ، ومِنهُ المَثَلُ: دُهْدُرَّيْنِ، سَعْدُ القَيْنِ، الدُّهْدُرُّ: الباطِلُ، أيْ: باطِلًا عَلى باطِلٍ، أيْ أتَيْتَ يا سَعْدُ القَيْنِ دُهْدُرَّيْنِ، وهو تَثْنِيَةُ دُهْدُرٍّ الدّالُ مُهْمَلَةٌ في أوَّلِهِ مَضْمُومَةٌ فَهاءٌ ساكِنَةٌ فَدالٌ مُهْمَلَةٌ مَضْمُومَةٌ فَراءٌ مُشَدَّدَةٌ. وأصْلُهُ كَلِمَةٌ فارِسِيَّةٌ نَقَلَها العَرَبُ وجَعَلُوها بِمَعْنى الباطِلِ. وسَبَبُ النَّقْلِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وتَثْنِيَتُهُ مُكَنًّى بِها عَنْ مُضاعَفَةِ الباطِلِ، وكانُوا يَقُولُونَ هَذا المَثَلَ عِنْدَ تَكْذِيبِ الرَّجُلِ صاحِبَهُ، وأمّا سَعْدُ القَيْنِ فَهو اسْمُ رَجُلٍ كانَ قَيْنًا، وكانَ يَمُرُّ عَلى الأحْياءِ لِصَقْلِ سُيُوفَهم وإصْلاحِ أسْلِحَتَهم، فَكانَ يُشِيعُ أنَّهُ راحِلٌ غَدًا لِيُسْرِعَ أهْلُ الحَيِّ بِجَلْبِ ما يَحْتاجُ لِلْإصْلاحِ، فَإذا أتَوْهُ بِها أقامَ ولَمْ يَرْحَلْ، فَضُرِبَ بِهِ المَثَلُ في الكَذِبِ فَكانَ هَذا المَثَلُ جامِعًا لِمَثَلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في المُسْتَقْصى، والمَيْدانِيُّ في مَجْمَعِ الأمْثالِ وأطالَ.

وأصْلُ اسْتِعْمالِ التَّثْنِيَةَ في مَعْنى التَّكْرِيرِ أنَّهُمُ اخْتَصَرُوا بِالتَّثْنِيَةِ تَعْدادَ ذِكْرِ الاسْمِ تَعْدادًا مُشِيرًا إلى التَّكْثِيرِ.

وقَرِيبٌ مِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهم: وقَعَ كَذا غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ مَرّاتٍ عَدِيدَةٍ.

فَمَعْنى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ عاوِدِ التَّأمُّلَ في خَلْقِ السَّماواتِ وغَيْرِها غَيْرَ مَرَّةٍ. والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ يُقالُ: انْقَلَبَ إلى أهْلِهِ، أيْ رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ قالَ تَعالى: ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] وإيثارُ فِعْلُ (يَنْقَلِبْ) هُنا دُونَ: يَرْجِعُ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِفِعْلِ (ارْجِعِ) المَذْكُورِ قَبْلَهُ. وهَذا مِن خَصائِصِ الإعْجازِ، نَظِيرُ إيثارِ كَلِمَةَ كَرَّتَيْنِ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا.

والخاسِئُ: الخائِبُ، أيِ الَّذِي لَمْ يَجِدْ ما يَطْلُبُهُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.

والحَسِيرُ: الكَلِيلُ، وهو كَلَلٌ ناشِئٌ عَنْ قُوَّةِ التَّأمُّلِ والتَّحْدِيقِ مَعَ التَّكْرِيرِ، أيْ يَرْجِعُ البَصَرُ غَيْرَ واجِدٍ ما أُغْرِيَ بِالحِرْصِ عَلى رُؤْيَتِهِ بَعْدَ أنْ أدامَ التَّأمُّلَ والفَحْصَ حَتّى عَيِيَ وكَّلَ، أيْ لا تَجِدْ بَعْدَ اللَّأْيِ فُطُورًا في خَلْقِ اللَّهِ.

67:5Page 562

وَلَقَدۡ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلۡنَٰهَا رُجُومٗا لِّلشَّيَٰطِينِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ٥

And We have certainly beautified the nearest heaven with lamps [i.e., stars] and have made [from] them what is thrown at the devils1 and have prepared for them the punishment of the Blaze.

﴿ولَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾

صفحة ٢١

انْتَقَلَ مِن دَلائِلَ انْتِفاءِ الخَلَلِ عَنْ خِلْقَةِ السَّماواتِ، إلى بَيانِ ما في إحْدى السَّماواتِ مِن إتْقانِ الصُّنْعِ، فَهو مِمّا شَمِلَهُ عُمُومُ الإتْقانِ في خَلْقِ السَّماواتِ السَّبْعِ، وذِكْرُهُ مِن ذِكْرِ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ كَذِكْرِ المِثالِ بَعْدَ القاعِدَةِ الكُلِّيَّةِ، فَدَقائِقُ السَّماءِ الدُّنْيا أوْضَحُ دَلالَةً عَلى إتْقانِ الصُّنْعِ؛ لِكَوْنِها نُصْبَ أعْيُنِ المُخاطَبِينَ؛ ولِأنَّ مِن بَعْضِها يَحْصُلُ تَخَلُّصٌ إلى التَّحْذِيرِ مِن حِيَلِ الشَّياطِينِ وسُوءِ عَواقِبِ أتْباعِهِمْ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ (قَدْ) لِأنَّهُ إلى أنَّهُ نَتِيجَةُ الاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المُؤَكَّدِ بِ (هَلْ) أُخْتُ (قَدْ) في الاسْتِفْهامِ.

والكَلامُ عَلى السَّماءِ الدُّنْيا، ولِماذا وُصِفَتْ بِالدُّنْيا، وعَنِ الكَواكِبِ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الصّافّاتِ.

وسُمِّيَتِ النُّجُومُ هُنا مَصابِيحَ عَلى التَّشْبِيهِ في حُسْنِ المَنظَرِ فَهو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ.

وذِكْرُ التَّزْيِينِ إدْماجٌ لِلْامْتِنانِ في أثْناءِ الاسْتِدْلالِ، أيْ زَيَّنّاها لَكم مِثْلُ الامْتِنانِ في قَوْلِهِ ﴿ولَكم فِيها جَمالٌ﴾ [النحل: ٦] في سُورَةِ النَّحْلِ.

والمَقْصِدُ: التَّخَلُّصُ إلى ذِكْرِ رَجْمِ الشَّياطِينَ لِيَتَخَلَّصَ مِنهُ إلى وعِيدِهِمْ ووَعِيدِ مُتَّبِعِيهِمْ.

وعَدَلَ عَنْ تَعْرِيفِ (مَصابِيحَ) بِاللّامِ إلى تَنْكِيرِهِ لِما يُفِيدُهُ التَّنْكِيرُ مِنَ التَّعْظِيمِ.

والرُّجُومُ: جَمْعُ رَجْمٍ وهو اسْمٌ لِما يُرْجَمُ بِهِ، أيْ ما يَرْمِي بِهِ الرّامِي مِن حَجَرٍ ونَحْوِهِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ مِثْلُ الخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] .

والَّذِي جُعِلَ رُجُومًا لِلشَّياطِينِ هو بَعْضُ النُّجُومِ الَّتِي تَبْدُو مُضِيئَةً ثُمَّ تَلُوحُ مُنْقَضَّةً، وتُسَمّى الشُّهُبُ ومَضى القَوْلُ عَلَيْها في سُورَةِ الصّافّاتِ.

وضَمِيرُ الغائِبَةِ في (جَعَلْناها) المُتَبادَرُ أنَّهُ عائِدٌ إلى المَصابِيحِ، أيْ أنَّ المَصابِيحَ رُجُومٌ لِلشَّياطِينِ.

ومَعْنى جَعْلِ المَصابِيحِ رُجُومًا جارٍ عَلى طَرِيقَةِ إسْنادِ عَمَلِ بَعْضِ الشَّيْءِ إلى جَمِيعِهِ مِثْلُ إسْنادِ الأعْمالِ إلى القَبائِلِ؛ لِأنَّ العامِلِينَ مِن أفْرادِ القَبِيلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى

صفحة ٢٢

﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] وقَوْلِ العَرَبِ: قَتَلَتْ هُذَيْلٌ رَضِيعَ بَنِي لَيْثٍ تَمّامَ بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ.

وجَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في (جَعَلْناها) عائِدًا إلى ﴿السَّماءَ الدُّنْيا﴾ عَلى تَقْدِيرِ: وجَعَلْنا مِنها رُجُومًا إمّا عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ. وإمّا عَلى تَنْزِيلِ المَكانِ الَّذِي صَدَرَ مِنهُ الرُّجُومُ مَنزِلَةَ نَفْسِ الرُّجُومِ فَهو مَجازٌ عَقْلِيٌّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ [البقرة: ٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ولَكِنَّها عَلى جَعْلِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ راجِعًا إلى القَرْيَةِ وإنْ لَمْ تُذْكَرْ في تِلْكَ الآيَةِ ولَكِنَّها ذُكِرَتْ في آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] وقِصَّتُها هي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾ [البقرة: ٦٥] فالتَّقْدِيرُ: فَجَعَلْنا مِنها، أيْ مِنَ القَرْيَةِ نَكالًا، وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ قِيلَ لَهم ﴿كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] .

والشَّياطِينُ هي الَّتِي تَسْتَرِقُ السَّمْعَ فَتَطْرُدُها الشُّهُبُ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الصّافّاتِ.

وأصْلُ (أعْتَدْنا) أعْدَدْنا أيْ هَيَّأْنا، قُلِبَتِ الدّالُ الأُولى تاءً لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما لِيَتَأْتَّيَ الإدْغامُ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ.

والسَّعِيرُ: اسْمٌ صِيغَ عَلى مِثالِ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن: سَعَّرَ النّارَ، إذا أوْقَدَها وهو لَهَبُ النّارِ، أيْ أعْدَدْنا لِلشَّياطِينِ عَذابَ طَبَقَةٍ أشَدُّ طَبَقاتِ النّارِ حَرارَةً وتَوَقُّدًا فَإنَّ جَهَنَّمَ طَبَقاتٍ.

وكانَ السَّعِيرُ عَذابًا لِشَياطِينِ الجِنِّ مَعَ كَوْنِهِمْ مِن عُنْصُرِ النّارِ؛ لِأنَّ نارَ جَهَنَّمَ أشَدُّ مِن نارِ طَبْعِهِمْ، فَإذا أصابَتْهم صارَتْ لَهم عَذابًا.

وتَسْمِيَةُ عَذابِهِمُ السَّعِيرَ دُونَ النّارِ، أوْ جَهَنَّمَ مُرادٌ لِهَذا المَعْنى ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى في عَذابِ الجِنِّ ﴿ومَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ [سبإ: ١٢] وقالَ ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦] يَعْنِي الشَّيْطانَ.

ومَعْنى الإعْدادِ يُحْتَمَلُ أنَّهُ إعْدادُ تَقْدِيرٍ وإيجادٍ فَلا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ جَهَنَّمُ مَخْلُوقَةً قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ إعْدادُ اسْتِعْمالٍ، فَتَكُونُ جَهَنَّمُ مَخْلُوقَةً حِينَ نُزُولِ

صفحة ٢٣

الآيَةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماؤُنا في أنَّ النّارَ مَوْجُودَةٌ أوْ تُوجَدُ يَوْمَ الجَزاءِ؛ إذْ لا دَلِيلَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ، وإنَّما دَعاهم إلى فَرْضِ هَذِهِ المَسْألَةِ تَأْوِيلُ بَعْضِ الآياتِ والأحادِيثِ.

67:6Page 562

وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٦

And for those who disbelieved in their Lord is the punishment of Hell, and wretched is the destination.

﴿ولِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ هَذا تَتْمِيمٌ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ العَذابَ أُعِدَّ لِلشَّياطِينِ خاصَّةً، والمَعْنى: ولِجَمِيعِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ عَذابُ جَهَنَّمَ فالمُرادُ عامَّةُ المُشْرِكِينَ ولِأجْلِ ما في الجُمْلَةِ مِن زِيادَةِ الفائِدَةِ غايَرَتِ الجُمْلَةَ الَّتِي قَبْلَها فَلِذَلِكَ عُطِفَتْ عَلَيْها.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِهِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ والمُبادَرَةِ بِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ حالٌ أوْ مُعْتَرِضَةٌ لِإنْشاءِ الذَّمِّ وحُذِفَ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ لِدَلالَةِ ما قَبْلَ (بِئْسَ) عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وبِئْسَ المَصِيرُ عَذابُ جَهَنَّمَ.

والمَعْنى: بِئْسَتْ جَهَنَّمُ مَصِيرًا لِلَّذِينِ كَفَرُوا.

67:7Page 562

إِذَآ أُلۡقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقٗا وَهِيَ تَفُورُ ٧

When they are thrown into it, they hear from it a [dreadful] inhaling while it boils up.

﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهْيَ تَفُورُ﴾ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِبَيانِ ذَمِّ مَصِيرِهِمْ في جَهَنَّمَ، أيْ مِن جُمْلَةِ مَذامِّ مَصِيرِهِمْ مَذَمَّةَ ما يَسْمَعُونَهُ فِيها مِن أصْواتٍ مُؤْلِمَةٍ مُخِيفَةٍ.

و(إذا) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِ (سَمِعُوا) يَدُلُّ عَلى الاقْتِرانِ بَيْنَ زَمَنِ الإلْقاءِ وزَمَنِ سَماعِ الشَّهِيقِ.

والشَّهِيقُ: تَرَدُّدُ الأنْفاسِ في الصَّدْرِ لا تَسْتَطِيعُ الصُّعُودَ لِبُكاءٍ ونَحْوِهِ أُطْلِقَ عَلى صَوْتِ التِهابِ نارِ جَهَنَّمَ الشَّهِيقُ تَفْظِيعًا لَهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿سَمِعُوا لَها﴾ يَقْتَضِي أنَّ الشَّهِيقَ شَهِيقُها؛ لِأنَّ أصْلَ اللّامِ أنْ تَكُونَ لِشِبْهِ المِلْكِ.

وجُمْلَةُ ﴿وهِيَ تَفُورُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (فِيها) وتَفُورُ: تَغْلِي وتَرْتَفِعُ ألْسِنَةُ لَهِيبِها.

صفحة ٢٤

والغَيْظُ أشَدُّ الغَضَبِ. وقَوْلُهُ ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] خَبَرٌ ثانٍ عَنْ ضَمِيرِ (وهي) مَثَّلَتْ حالَةَ فَوَرانِها وتَصاعُدِ ألْسِنَةِ لَهِيبِها ورَطْمِها ما فِيها والتِهامِ مَن يُلْقَوْنَ إلَيْها، بِحالِ مُغْتاظٍ شَدِيدِ الغَيْظِ لا يَتْرُكُ شَيْئًا مِمّا غاظَهُ إلّا سَلَّطَ عَلَيْهِ ما يَسْتَطِيعُ مِنَ الأضْرارِ.

واسْتُعْمِلَ المُرَكَّبُ الدّالُّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها مَعَ مُرادِفاتِهِ كَقَوْلِهِمْ: يَكادُ فُلانُ يَتَمَيَّزُ غَيْظًا ويَتَقَصَّفُ غَضَبًا، أيْ يَكادُ تَتَفَرَّقُ أجْزاؤُهُ فَيَتَمَيَّزُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ وهَذا مِنَ التَّمْثِيلِيَّةِ المَكْنِيَةِ وقَدْ وضَّحْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ونَظِيرُ هَذِهِ الاسْتِعارَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] في سُورَةِ الكَهْفِ إذْ مُثِّلَ الجِدارُ بِشَخْصٍ لَهُ إرادَةٌ.

و(تَمَيَّزُ) أصْلُهُ تَتَمَيَّزُ، أيْ تَنْفَصِلُ، أيْ تَتَجَزَّأُ أجْزاءً تَخْيِيلًا لِشِدَّةِ الاضْطِرابِ بِأنَّ أجْزاءَها قارَبَتْ أنْ تَتَقَطَّعَ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: غَضِبَ فُلانٌ فَطارَتْ مِنهُ شُقَّةٌ في الأرْضِ وشُقَّةٌ في السَّماءِ.

67:8–9Page 562

تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ ٨

It almost bursts with rage. Every time a company is thrown into it, its keepers ask them, "Did there not come to you a warner?"

قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ ٩

They will say, "Yes, a warner had come to us, but we denied and said, 'Allāh has not sent down anything. You are not but in great error.'"

﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ أُتْبِعَ وصْفُ ما يَجِدُهُ أهْلُ النّارِ عِنْدَ إلْقائِهِمْ فِيها مِن فَظائِعَ أهْوالِها بِوَصْفِ ما يَتَلَقّاهم بِهِ خَزَنَةُ النّارِ.

فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أثارَهُ وصْفُ النّارِ عِنْدَ إلْقاءِ أهْلِ النّارِ فِيها إذْ يَتَساءَلُ السّامِعُ عَنْ سَبَبِ وُقُوعِ أهْلِ النّارِ فِيها فَجاءَ بَيانُهُ بِأنَّهُ تَكْذِيبُهم رُسُلَ اللَّهِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ، مَعَ ما انْضَمَّ إلى ذَلِكَ مِن وصْفِ نَدامَةِ أهْلِ النّارِ عَلى ما فَرُطَ مِنهم مِن تَكْذِيبِ رُسُلِ اللَّهِ، وعَلى إهْمالِهِمُ النَّظَرَ في دَعْوَةِ الرُّسُلِ والتَّدَبُّرِ فِيما جاءَهم بِهِ.

و(كُلَّما) مُرَكَّبٌ مِن (كُلَّ) اسْمٌ دالٌّ عَلى الشُّمُولِ ومِن (ما) الظَّرْفِيَّةِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَرْفٌ يُؤَوَّلُ مَعَ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ بِمَصْدَرِهِ.

والتَّقْدِيرُ: في كُلِّ وقْتِ إلْقاءِ فَوْجٍ يَسْألُهم خَزَنَتُها الفَوْجَ.

صفحة ٢٥

وبِاتِّصالِ (كُلَّ) بِحَرْفِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ اكْتَسَبَ التَّرْكِيبُ مَعْنى الشَّرْطِ وشابَهَ أدَواتَ الشَّرْطِ في الاحْتِياجِ إلى جُمْلَتَيْنِ مُرَتَّبَةٌ إحْداهُما عَلى الأُخْرى.

وجِيءَ بِفِعْلَيْ (أُلْقِيَ) و(سَألَهم) ماضِيَيْنِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما يَقَعُ الفِعْلُ بَعْدُ (كُلَّما) أنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ المُضِيِّ بِأنَّها لَمّا شابَهَتِ الشَّرْطَ اسْتَوى الماضِي والمُضارِعُ مَعَها لِظُهُورِ أنَّهُ لِلزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ فَأُوثِرَ فِعْلُ المُضِيِّ؛ لِأنَّهُ أخَفُّ.

والفَوْجُ: الجَماعَةُ أيْ جَماعَةٌ مِمَّنْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الخُلُودُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ [النمل: ٨٣] في سُورَةِ النَّمْلِ.

وجِيءَ بِالضَّمائِرِ العائِدَةِ إلى الفَوْجِ ضَمائِرُ جَمْعٍ في قَوْلِهِ (سَألَهم) إلَخْ. لِتَأْوِيلِ الفَوْجِ بِجَماعَةِ أفْرادِهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] .

وخَزَنَةُ النّارِ: المَلائِكَةُ المُوكَّلُ إلَيْهِمْ أمْرُ جَهَنَّمَ وهو جَمْعُ خازِنٍ لِلْمُوَكَّلِ بِالحِفْظِ، وأصْلُ الخازِنِ: الَّذِي يُخَزِّنُ شَيْئًا، أيْ يَحْفَظُهُ في مَكانٍ حَصِينٍ، فَإطْلاقُهُ عَلى المُوَكَّلِينَ مَجازٌ مُرْسَلٌ.

وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ سَألَهم كَقَوْلِهِ ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ [طه: ١٢٠] .

والاسْتِفْهامُ في ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّنْدِيمِ لِيَزِيدَهم حَسْرَةً.

والنَّذِيرُ: المُنْذِرُ، أيْ رَسُولٌ مُنْذِرٌ بِعِقابِ اللَّهِ وهو مَصُوغٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما صِيغَ بِمَعْنى المُسْمِعُ السَّمِيعُ في قَوْلِعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبِ:

أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ

.

والمُرادُ أفْواجُ أهْلِ النّارِ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ الَّتِي أُرْسِلَتْ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ فَتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ إلَخْ بِمَعْنى التَّذْيِيلِ.

وجُمْلَةُ ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ كَلامِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ اعْتِراضًا يُشِيرُ إلى أنَّ الفَوْجَ قاطَعَ كَلامَ الخَزَنَةِ بِتَعْجِيلِ الاعْتِرافِ بِما وبَّخُوهم عَلَيْهِ وذَلِكَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ.

وفُصِلَتِ الجُمْلَةُ لِوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّها اعْتِراضٌ، ولِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ

صفحة ٢٦

جَوابُهم جَوابَ المُتَحَسِّرِ المُتَنَدِّمِ، فابْتَدَءُوا الجَوابَ دُفْعَةً بِحَرْفِ بَلى المُفِيدُ نَقِيضَ النَّفْيِ في الاسْتِفْهامِ فَهو مُفِيدٌ مَعْنى: جاءَنا نَذِيرٌ. ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهم ﴿قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ مُؤَكِّدًا لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ بَلى، وهو مِن تَكْرِيرِ الكَلامِ عِنْدَ التَّحَسُّرِ، مَعَ زِيادَةِ التَّحْقِيقِ بِ (قَدْ) وذَلِكَ التَّأْكِيدُ هو مَناطُ النَّدامَةِ والاعْتِرافِ بِالخَطَإ

وجُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ الأظْهَرُ أنَّها بَقِيَّةُ كَلامِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ فُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ ما سَبَقَها مِن كَلامِهِمُ اعْتِراضُ جَوابِ الفَوْجِ المُوَجَّهِ إلَيْهِمُ الاسْتِفْهامُ التَّوْبِيخِيُّ كَما ذَكَرْناهُ آنِفًا، ويُؤَيِّدُ هَذا إعادَةُ فِعْلِ القَوْلِ في حِكايَةِ بَقِيَّةِ كَلامِ الفَوْجِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ﴾ [الملك: ١٠] إلَخْ، لِانْقِطاعِهِ بِالاعْتِراضِ الواقِعِ خِلالَ حِكايَتِهِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ مِن تَمامِ كَلامِ كُلِّ فَوْجٍ لِنَذِيرِهِمْ. وأُتِيَ بِضَمِيرِ جَمْعِ المُخاطَبِينَ مَعَ أنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ رَسُولًا واحِدًا في الغالِبِ بِاسْتِثْناءِ مُوسى وهارُونَ وبِاسْتِثْناءِ رُسُلِ أصْحابِ القَرْيَةِ المَذْكُورَةِ في سُورَةِ يس، أمّا عَلى اعْتِبارِ الحِكايَةِ بِالمَعْنى بِأنْ جُمِعَ كَلامُ جَمِيعِ الأفْواجِ في عِبارَةٍ واحِدَةٍ فَجِيءَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ والمُرادُ التَّوْزِيعُ عَلى الأفْواجِ، أيْ قالَ جَمِيعُ الأفْواجِ: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ إلى قَوْلِهِ (﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾)، عَلى طَرِيقَةِ المِثالِ المَشْهُورِ ”رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم“، وأمّا عَلى إرادَةِ شُمُولِ الضَّمِيرِ لِلنَّذِيرِ وأتْباعِهِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما جاءَ بِهِ.

وعُمُومُ (شَيْءٍ) في قَوْلِهِ ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ والمُرادُ مِنهُ شَيْءٌ مِنَ التَّنْزِيلِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يُحِيلُونَ أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ وحْيًا عَلى بَشَرٍ، وهَذِهِ شَنْشَنَةُ أهْلِ الكُفْرِ قالَ تَعالى: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] قَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ الأنْعامِ.

ووَصْفُ الضَّلالِ بِ (كَبِيرٍ) مَعْناهُ شَدِيدٌ بالِغٌ غايَةَ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ جِنْسُهُ حَتّى كَأنَّهُ جِسْمٌ كَبِيرٌ.

ومَعْنى القَصْرِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّفْيِ والاسْتِثْناءِ في (﴿إنْ أنْتُمْ إلّا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾) قَصْرُ قَلْبٍ، أيْ ما حالُكُمُ الَّتِي أنْتُمْ مُتَلَبِّسُونَ بِها إلّا الضَّلالُ، ولَيْسَ الوَحْيُ الإلَهِيُّ والهُدى كَما تَزْعُمُونَ.

صفحة ٢٧

والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ لِتَشْبِيهِهِمْ تَمَحُّضَهم لِلضَّلالِ بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском