Ibn 'AshurAl‑Haqqah · 69:30–43

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Haqqah 69:30–43

69:30–37Page 567

خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ٣٠

[Allāh will say], "Seize him and shackle him.

ثُمَّ ٱلۡجَحِيمَ صَلُّوهُ ٣١

Then into Hellfire drive him.

ثُمَّ فِي سِلۡسِلَةٖ ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ذِرَاعٗا فَٱسۡلُكُوهُ ٣٢

Then into a chain whose length is seventy cubits insert him."

إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ ٱلۡعَظِيمِ ٣٣

Indeed, he did not used to believe in Allāh, the Most Great,

وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ٣٤

Nor did he encourage the feeding of the poor.

فَلَيۡسَ لَهُ ٱلۡيَوۡمَ هَٰهُنَا حَمِيمٞ ٣٥

So there is not for him here this Day any devoted friend

وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنۡ غِسۡلِينٖ ٣٦

Nor any food except from the discharge of wounds;

لَّا يَأۡكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡخَٰطِـُٔونَ ٣٧

None will eat it except the sinners.

﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ ﴿لا يَأْكُلُهُ إلّا الخاطِئُونَ﴾

صفحة ١٣٧

(خُذُوهُ) مَقُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ مَوْقِعِهِ في مَوْقِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، والتَّقْدِيرُ: يُقالُ: خُذُوهُ.

ومَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ أنَّ المَأْمُورِينَ بِأنْ يَأْخُذُوهُ هُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِسَوْقِ أهْلِ الحِسابِ إلى ما أُعِدَّ لَهم.

والأخْذُ: الإمْساكُ بِاليَدِ.

وغُلُّوهُ: أمْرٌ مِن غَلَّهُ إذا وضَعَهُ في الغُلِّ وهو القَيْدُ الَّذِي يُجْعَلُ في عُنُقِ الجانِي أوِ الأسِيرِ فَهو فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جامِدٍ، ولَمْ يُسْمَعْ إلّا ثُلاثِيًّا ولَعَلَّ قِياسَهُ أنْ يُقالَ غَلَّلَهُ بِلامَيْنِ؛ لِأنَّ الغُلَّ مُضاعَفُ اللّامِ، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ عَمَّمَ، إذا جُعِلَ لَهُ عِمامَةً، وأزَّرَ، إذا ألْبَسَهُ إزارًا، ودَرَّعَ الجارِيَةَ، إذا ألْبَسَها الدِّرْعَ، فَلَعَلَّهم قالُوا: غَلَّهُ تَخْفِيفًا، وعَطَفَ بِفاءٍ التَّعْقِيبِ لِإفادَةِ الإسْراعِ بِوَضْعِهِ في الأغْلالِ عَقِبَ أخْذِهِ.

و(ثُمَّ) في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ بِها أشَدُّ في العِقابِ مِن أخْذِهِ ووَضْعِهِ في الأغْلالِ.

وصَلّى: مُضاعَفُ تَضْعِيفَ تَعْدِيَةٍ؛ لِأنَّ صَلِيَ النّارِ مَعْناهُ أصابَهُ حَرْقُها أوْ تَدَفَّأ بِها، فَإذا عُدِّيَ قِيلَ: أصْلاهُ نارًا، وصَلّاهُ نارًا.

و(ثُمَّ) مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ قَبْلَها؛ لِأنَّ مَضْمُونَ ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ أعْظَمُ مِن مَضْمُونِ (فَغُلُّوهُ) .

ومَضْمُونُ (فاسْلُكُوهُ) دَلَّ عَلى إدْخالِهِ الجَحِيمَ فَكانَ إسْلاكُهُ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ أعْظَمَ مِن مُطْلَقِ إسْلاكِهِ الجَحِيمَ.

ومَعْنى (اسْلُكُوهُ): اجْعَلُوهُ سالِكًا، أيْ داخِلًا في السِّلْسِلَةِ وذَلِكَ بِأنْ تُلَفَّ عَلَيْهِ السِّلْسِلَةُ فَيَكُونُ في وسَطِها، ويُقالُ: سَلَكَهُ، إذا أدْخَلَهُ في شَيْءٍ، أيِ اجْعَلُوهُ في الجَحِيمِ مُكَبَّلًا في أغْلالِهِ.

صفحة ١٣٨

وتَقْدِيمُ (الجَحِيمَ) عَلى عامِلِهِ لِتَعْجِيلِ المَساءَةِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ ﴿فِي سِلْسِلَةٍ﴾ عَلى عامِلِهِ.

واقْتَرَنَ فِعْلُ اسْلُكُوهُ بِالفاءِ إمّا لِتَأْكِيدِ الفاءِ الَّتِي اقْتَرَنَتْ بِفِعْلِ (فَغُلُّوهُ)، وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ الفِعْلَ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ جَزاءِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، وهَذا الحَذْفُ يُشْعِرُ بِهِ تَقْدِيمُ المَعْمُولِ غالِبًا كَأنَّهُ قِيلَ: مَهْما فَعَلْتُمْ بِهِ شَيْئًا فاسْلُكُوهُ في سِلْسِلَةٍ، أوْ مَهْما يَكُنْ شَيْءٌ فاسْلُكُوهُ.

والمَقْصُودُ تَأْكِيدُ وُقُوعِ ذَلِكَ، والحَثُّ عَلى عَدَمِ التَّفْرِيطِ في الفِعْلِ وأنَّهُ لا يُرْجى لَهُ تَخْفِيفٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] في سُورَةِ يُونُسَ.

والسِّلْسِلَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ حِلَقٍ مِن حَدِيدٍ داخِلٍ بَعْضُ تِلْكَ الحِلَقِ في بَعْضٍ تُجْعَلُ لِوِثاقِ شَخْصٍ كَيْ لا يَزُولَ مِن مَكانِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾ [غافر: ٧١] في سُورَةِ غافِرٍ.

وجُمْلَةُ ﴿ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ صِفَةُ (سِلْسِلَةٍ) وهَذِهِ الصِّفَةُ وقَعَتْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ المَجْرُورِ ومُتَعَلَّقِهِ لِلتَّهْوِيلِ عَلى المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالقارِعَةِ، ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ مِمّا خُوطِبَ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِسَوْقِ المُجْرِمِينَ إلى العَذابِ، ولِذَلِكَ فَعَدَدُ السَّبْعِينَ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الكِنايَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] .

والذَّرْعُ: كَيْلُ طُولِ الجِسْمِ بِالذِّراعِ وهو مِقْدارٌ مِنَ الطُّولِ مُقَدَّرٌ بِذِراعِ الإنْسانِ، وكانُوا يُقَدِّرُونَ بِمَقادِيرِ الأعْضاءِ مِثْلُ الذِّراعِ، والأُصْبُعِ، والأُنْمُلَةِ، والقَدَمِ، وبِالأبْعادِ الَّتِي بَيْنَ الأعْضاءِ مِثْلُ الشِّبْرِ، والفِتْرِ، والرَّتَبِ - بِفَتْحِ الرّاءِ والتّاءِ -، والعَتَبِ، والبُصْمِ، والخُطْوَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ﴾ ﴿ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِلْأمْرِ بِأخْذِهِ وإصْلائِهِ الجَحِيمَ.

ووَصْفُ اللَّهِ بِالعَظِيمِ هُنا إيماءٌ إلى مُناسَبَةِ عِظَمِ العَذابِ لِلذَّنْبِ إذْ كانَ الذَّنْبُ كُفْرانًا بِعَظِيمٍ فَكانَ جَزاءً وفاقًا.

صفحة ١٣٩

والحَضُّ عَلى الشَّيْءِ: أنْ يَطْلُبَ مِن أحَدٍ فِعْلَ شَيْءٍ ويُلِحَّ في ذَلِكَ الطَّلَبِ.

ونَفْيُ حَضِّهِ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ يَقْتَضِي بِطَرِيقِ الفَحْوى أنَّهُ لا يُطْعِمُ المِسْكِينَ مِن مالِهِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ لا يَأْمُرُ غَيْرَهُ بِإطْعامِ المِسْكِينَ فَهو لا يُطْعِمُهُ مِن مالِهِ، فالمَعْنى لا يُطْعِمُ المِسْكِينَ ولا يَأْمُرُ بِإطْعامِهِ، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُطْعِمُونَ في الوَلائِمِ، والمَيْسِرِ، والأضْيافِ، والتَّحابُبِ، رِياءً وسُمْعَةً. ولا يُطْعِمُونَ الفَقِيرَ إلّا قَلِيلًا مِنهم. وقَدْ جُعِلَ عَدَمُ الحَضِّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ مُبالَغَةً في شُحِّ هَذا الشَّخْصِ عَنِ المَساكِينِ بِمالِ غَيْرِهِ وكِنايَةً عَنِ الشُّحِّ عَنْهم بِمالِهِ، كَما جُعِلَ الحِرْصُ عَلى إطْعامِ الضَّيْفِ كِنايَةً عَنِ الكَرَمِ في قَوْلِ زَيْنَبَ بِنْتِ الطَّثَرِيَّةِ تَرْثِي أخاها يَزِيدَ:

إذا نَزَلَ الأضْيافُ كانَ عَـذَوَّرًا عَلى الحَيِّ حَتّى تَسْتَقِلَّ مَراجِلُهُ

تُرِيدُ أنَّهُ يَحْضُرُ الحَيَّ ويَسْتَعْجِلُهم عَلى نِصْفِ القُدُورِ لِلْأضْيافِ حَتّى تُوضَعَ قُدُورُ الحَيِّ عَلى الأثافِي ويَشْرَعُوا في الطَّبْخِ، والعَذَوَّرُ بِعَيْنٍ مُهْمِلَةٍ وذالٍ مُعْجَمَةٍ كَعَمَلَّسٍ: الشَّكِسُ الخُلُقِ.

إلّا أنَّ كِنايَةَ ما في الآيَةِ عَنِ البُخْلِ أقْوى مِن كِنايَةِ ما في البَيْتِ عَنِ الكَرَمِ لِأنَّ المُلازِمَةَ في الآيَةِ حاصِلَةٌ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ بِخِلافِ البَيْتِ.

وإذْ قَدْ جُعِلَ عَدَمُ حَضِّهِ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ جُزْءُ عِلَّةٍ لِشِدَّةِ عَذابِهِ، عَلِمْنا مِن ذَلِكَ مَوْعِظَةً لِلْمُؤْمِنِينَ زاجِرَةً عَنْ مَنعِ المَساكِينِ حَقَّهم في الأمْوالِ وهو الحَقُّ المَعْرُوفُ في الزَّكاةِ والكَفّاراتِ وغَيْرِها.

وقَوْلُهُ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ﴾ مِن تَمامِ الكَلامِ الَّذِي ابْتُدِئَ بِقَوْلِهِ (خُذُوهُ)، وتَفْرِيعٌ عَلَيْهِ.

والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَسْمَعَهُ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَيْأسُ مِن أنْ يَجِدَ مُدافِعًا يَدْفَعُ عَنْهُ بِشَفاعَةٍ، وتَنْدِيمٌ لَهُ عَلى ما أضاعَهُ في حَياتِهِ مِنَ التَّزَلُّفِ إلى الأصْنامِ وسَدَنَتِها وتَمْوِيهِهِمْ عَلَيْهِ أنَّهُ يَجِدُهم عِنْدَ الشَّدائِدِ وإلْمامِ المَصائِبِ. وهَذا وجْهُ تَقْيِيدِ نَفِيِ الحَمِيمِ بِ (اليَوْمَ) تَعْرِيضًا بِأنَّ أحِمّاءَهم في الدُّنْيا لا يَنْفَعُونَهُمُ اليَوْمَ كَما قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] وقَوْلُهُ عَنْهم ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ [الأعراف: ٥٣] وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تَفُوقُ في آيِ القُرْآنِ.

صفحة ١٤٠

فَقَوْلُهُ (لَهُ) هو خَبَرُ (لَيْسَ) لِأنَّ المَجْرُورَ بِلامِ الاخْتِصاصِ هو مَحَطُّ الإخْبارِ دُونَ ظَرْفِ المَكانِ. وقَوْلُهُ (هاهُنا) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ المَنوِيِّ في الخَبَرِ بِحَرْفِ الجَرِّ. وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ (هاهُنا) خَبَرًا عَنْ (لَيْسَ) وجَعْلِ (لَهُ) صِفَةً لِ (حَمِيمٌ) إذْ لا حاجَةَ لِهَذا الوَصْفِ.

والحَمِيمُ: القَرِيبُ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ النَّصِيرِ إذِ المُتَعارَفُ عِنْدَ العَرَبِ أنَّ أنْصارَ المَرْءِ هم عَشِيرَتُهُ وقَبِيلَتُهُ.

﴿ولا طَعامٌ﴾ عَطْفٌ عَلى (حَمِيمٌ) .

والغِسْلِينُ: بِكَسْرِ الغَيْنِ ما يَدْخُلُ في أفْواهِ أهْلِ النّارِ مِنَ المَوادِّ السّائِلَةِ مِنَ الأجْسادِ وماءِ النّارِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ فَهو عَلَمٌ عَلى ذَلِكَ مِثْلُ سِجِّينٍ، وسِرْقِينٍ، وعِرْنِينٍ، فَقِيلَ إنَّهُ فِعْلِينَ مِنَ الغَسْلِ؛ لِأنَّهُ سالَ مِنَ الأبْدانِ فَكَأنَّهُ غُسِلَ عَنْها. ولا مُوجِبَ لِبَيانِ اشْتِقاقِهِ.

والخاطِئُونَ: أصْحابُ الخَطايا يُقالُ: خَطِئَ، إذا أذْنَبَ.

والمَعْنى: لا يَأْكُلُهُ إلّا هو وأمْثالُهُ مِنَ الخاطِئِينَ.

وتَعْرِيفُ (الخاطِئُونَ) لِلدَّلالَةِ عَلى الكَمالِ في الوَصْفِ، أيِ المُرْتَكِبُونَ أشَدَّ الخَطَأِ وهو الإشْراكُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (الخاطِئُونَ) بِإظْهارِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (الخاطُونَ) بِضَمِّ الطّاءِ بَعْدَها واوٌ عَلى حَذْفِ الهَمْزَةِ تَخْفِيفًا بَعْدَ إبْدالِها ياءً تَخْفِيفًا. وقالَ الطِّيبِيُّ: قَرَأ حَمْزَةُ عِنْدَ الوَقْفِ (الخاطِيُونَ) بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً ولَمْ يَذْكُرْهُ عَنْهُ غَيْرُ الطِّيبِيُّ.

69:38–43Page 568

فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَا تُبۡصِرُونَ ٣٨

So I swear by what you see

وَمَا لَا تُبۡصِرُونَ ٣٩

And what you do not see

إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ٤٠

[That] indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the word of a noble Messenger.

وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ ٤١

And it is not the word of a poet; little do you believe.

وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٤٢

Nor the word of a soothsayer; little do you remember.

تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٣

[It is] a revelation from the Lord of the worlds.

﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لِقَوْلِ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ الفاءُ هُنا لِتَفْرِيعِ إثْباتِ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ ونَفْيِ ما نَسَبَهُ المُشْرِكُونَ

صفحة ١٤١

إلَيْهِ، تَفْرِيعًا عَلى ما اقْتَضاهُ تَكْذِيبُهم بِالبَعْثِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِتَكْذِيبِ القُرْآنِ الَّذِي أخْبَرَ بِوُقُوعِهِ، وتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ القائِلَ إنَّهُ مُوحًى بِهِ إلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وابْتُدِئَ الكَلامُ بِالقَسَمِ تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِهِ عَلى طَرِيقَةِ الإقْسامِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] .

وضَمِيرُ (أُقْسِمُ) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى.

جَمَعَ اللَّهُ في هَذا القَسَمِ كُلَّ ما الشَّأْنُ أنْ يُقْسَمَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ مِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى ومِن مَخْلُوقاتِهِ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ إذْ يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ الصِّلَتانِ ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾، فَمِمّا يُبْصِرُونَ: الأرْضُ والجِبالُ والبِحارُ والنُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ والسَّماواتُ والكَواكِبُ، وما لا يُبْصِرُونَ: الأرْواحُ والمَلائِكَةُ وأُمُورُ الآخِرَةِ.

ولا أُقْسِمُ صِيغَةُ تَحْقِيقِ قِسْمٍ، وأصْلُها أنَّها امْتِناعٌ مِنَ القَسَمِ امْتِناعَ تَحَرُّجٍ مِن أنْ يَحْلِفَ بِالمُقْسَمِ بِهِ خَشْيَةَ الحِنْثِ، فَشاعَ اسْتِعْمالُ ذَلِكَ في كُلِّ قَسَمٍ يُرادُ تَحْقِيقُهُ، واعْتُبِرَ حَرْفُ (لا) كالمَزِيدِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ حَرْفُ (لا) في هَذا القَسَمِ إبْطالًا لِكَلامٍ سابِقٍ وأنَّ فِعْلَ (أُقْسِمُ) بَعْدَها مُسْتَأْنَفٌ، ونُقِضَ هَذا بِوُقُوعِ مِثْلِهِ في أوائِلِ السُّورِ مِثْلُ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] و﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] .

وضَمِيرُ (إنَّهُ) عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَفْهُومِ مَن ذِكْرِ الحَشْرِ والبَعْثِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا جاءَ بِهِ القُرْآنُ ومَجِيئُهُ بِذَلِكَ مِن أكْبَرِ أسْبابِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ، عَلى أنَّ إرادَةَ القُرْآنِ مِن ضَمائِرِ الغَيْبَةِ الَّتِي لا مَعادَ لَها قَدْ تَكَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ فِيهِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (إنَّ) واللّامِ لِلرَّدِّ عَلى الَّذِينَ كَذَّبُوا أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن كَلامِ اللَّهِ ونَسَبُوهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

والمُرادُ بِالرَّسُولِ الكَرِيمِ مُحَمَّدٌ ﷺ كَما يَقْتَضِيهِ عَطْفُ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤]، وهَذا كَما وُصِفَ مُوسى بِ ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ [الدخان: ١٧] .

وإضافَةُ (قَوْلُ) إلى (رَسُولٍ)؛ لِأنَّهُ الَّذِي بَلَّغَهُ فَهو قائِلُهُ، والإضافَةُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ وإلّا فالقُرْآنُ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى وأجْراهُ عَلى لِسانِ النَّبِيءِ ﷺ، كَما صَدَرَ مِن جِبْرِيلَ بِإيحائِهِ بِواسِطَتِهِ قالَ تَعالى ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] .

صفحة ١٤٢

رَوى مُقاتِلٌ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: إنَّ مُحَمَّدًا شاعِرٌ، وأنَّ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ قالَ: هو كاهِنٌ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ الآيَةَ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِ ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما أُرِيدَ بِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ؛ إذِ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنالِكَ جِبْرِيلُ كَما يَأْتِي.

وفِي لَفْظِ (رَسُولٍ) إيذانٌ بِأنَّ القَوْلَ قَوْلُ مُرْسِلِهِ، أيِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أُكِّدَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

ووَصْفُ الرَّسُولِ بِ (كَرِيمٍ)؛ لِأنَّهُ الكَرِيمُ في صِنْفِهِ، أيِ النَّفِيسُ الأفْضَلُ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.

وقَدْ أُثْبِتَ لِلرَّسُولِ ﷺ الفَضْلُ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ بِوَصْفِ (كَرِيمٍ)، ونَفْيِ أنْ يَكُونَ شاعِرًا أوْ كاهِنًا بِطَرِيقِ الكِنايَةِ عِنْدَ قَصْدِ رَدِّ أقْوالِهِمْ.

وعَطْفُ ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ﴾ عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ في قَوْلِهِ ﴿بِقَوْلِ شاعِرٍ﴾، و(لا) النّافِيَةُ تَأْكِيدٌ لِنَفْيِ (ما) .

وكُنِّيَ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ، أوْ قَوْلَ كاهِنٍ عَنْ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْ أنْ يَكُونَ شاعِرًا أوْ كاهِنًا، رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: هو شاعِرٌ أوْ هو كاهِنٌ.

وإنَّما خُصَّ هَذانِ بِالذِّكْرِ دُونَ قَوْلِهِمْ: افْتَراهُ، أوْ هو مَجْنُونٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ بِكَرِيمٍ كافٍ في نَفْيِ أنْ يَكُونَ مَجْنُونًا أوْ كاذِبًا إذْ لَيْسَ المَجْنُونُ ولا الكاذِبُ بِكَرِيمٍ، فَأمّا الشّاعِرُ والكاهِنُ فَقَدْ كانا مَعْدُودَيْنِ عِنْدَهم مِن أهْلِ الشَّرَفِ.

والمَعْنى: ما هو قَوْلُ شاعِرٍ ولا قَوْلُ كاهِنٍ تَلَقّاهُ مِن أحَدِهِما ونَسَبَهُ إلى اللَّهِ تَعالى.

وقَلِيلًا في قَوْلِهِ ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ مُرادٌ بِهِ انْتِفاءُ ذَلِكَ مِن أصْلِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْلِيحِ القَرِيبِ مِنَ التَّهَكُّمِ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]، وهو أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

أُنِيحَتْ ألْقَتْ بَلْدَةً فَوْقَ بَلْـدَةٍ قَلِيلٍ بِها الأصْواتُ إلّا بُغامُها

فَإنَّ اسْتِثْناءَ بُغامِ راحِلَتِهِ دالٌّ عَلى أنَّهُ أرادَ مِن ”قَلِيلٍ“ عَدَمَ الأصْواتِ.

صفحة ١٤٣

والمَعْنى: لا تُؤْمِنُونَ ولا تَذَكَّرُونَ، أيْ عِنْدَما تَقُولُونَ هو شاعِرٌ وهو مَجْنُونٌ، ولا نَظَرَ إلى إيمانِ مَن آمَنَ مِنهم مِن بَعْدُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ ﴿فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] .

وانْتَصَبَ (قَلِيلًا) في المَوْضِعَيْنِ عَلى الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تُؤْمِنُونَ) و(تَذَكَّرُونَ)، أيْ تُؤْمِنُونَ إيمانًا قَلِيلًا، وتَذَكَّرُونَ تَذَكُّرًا قَلِيلًا.

و(ما) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِ حاتِمٍ الطّائِيِّ:

قَلِيلًا بِهِ ما يَحْمَـدُنَّـكَ وارِثٌ ∗∗∗ إذا نالَ مِمّا كُنْتَ تَجْمَعُ مَغْنَمًا

وجَمُلَتا ﴿قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ مُعْتَرِضَتانِ، أيِ انْتَفى أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ، وانْتَفى أنْ يَكُونَ قَوْلَ كاهِنٍ، وهَذا الانْتِفاءُ لا يُحَصِّلُ إيمانَكم ولا تَذَكُّرَكم؛ لِأنَّكم أهْلُ عِنادٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ما تُؤْمِنُونَ﴾، و﴿ما تَذَكَّرُونَ﴾ كِلَيْهِما بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، وقَرَأهُما ابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ - واخْتَلَفَ الرُّواةُ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ - ويَعْقُوبُ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ كَوْنُهُما مُعْتَرِضَتَيْنِ.

وأُوثِرَ نَفْيُ الإيمانِ عَنْهم في جانِبِ انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ، ونَفْيُ التَّذَكُّرِ في جانِبِ انْتِفاءِ أنْ يَكُونَ قَوْلَ كاهِنٍ؛ لِأنَّ نَفْيَ كَوْنِ القُرْآنِ قَوْلَ شاعِرٍ بَدِيهِيٌّ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ ما يُشْبِهُ الشِّعْرَ مِنِ اتِّزانِ أجْزائِهِ في المُتَحَرِّكِ والسّاكِنِ والتَّقْفِيَةِ المُتَماثِلَةِ في جَمِيعِ أواخِرِ الأجْزاءِ، فادِّعاؤُهم أنَّهُ قَوْلُ شاعِرٍ بُهْتانٌ مُتَعَمَّدٌ يُنادِي عَلى أنَّهم لا يُرْجى إيمانُهم، وأمّا انْتِفاءُ كَوْنِ القُرْآنِ قَوْلَ كاهِنٍ فَمُحْتاجٌ إلى أدْنى تَأمُّلٍ إذْ قَدْ يَشْتَبِهُ في بادِئِ الرَّأْيِ عَلى السّامِعِ مِن حَيْثُ إنَّهُ كَلامٌ مَنثُورٌ مُؤَلَّفٌ عَلى فَواصِلَ، ويُؤَلَّفُ كَلامُ الكُهّانِ عَلى أسْجاعٍ مُثَنّاةٍ مُتَماثِلَةٍ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ، فَإذا تَأمَّلَ السّامِعُ فِيهِ بِأدْنى تَفَكُّرٍ في نَظْمِهِ ومَعانِيهِ عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِقَوْلِ كاهِنٍ، فَنَظَمُهُ مُخالِفٌ لِنَظْمِ كَلامِ الكُهّانِ؛ إذْ لَيْسَتْ فَقَراتُهُ قَصِيرَةً ولا فَواصِلُهُ مُزْدَوِجَةً مُلْتَزَمٌ فِيها السَّجْعُ، ومَعانِيهِ لَيْسَتْ مِن مَعانِي الكَهانَةِ الرّامِيَةِ إلى الإخْبارِ عَمّا يَحْدُثُ لِبَعْضِ النّاسِ مِن أحْداثٍ، أوْ ما يُلِمُّ بِقَوْمٍ مِن مَصائِبَ مُتَوَقَّعَةٍ لِيَحْذَرُوها، فَلِذَلِكَ كانَ المُخاطَبُونَ بِالآيَةِ مُنْتَفِيًا عَنْهُمُ التَّذَكُّرُ والتَّدَبُّرُ، وإذا بَطَلَ هَذا وذاكَ بَطَلَ مُدَعّاهم فَحَقَّ أنَّهُ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ كَما ادَّعاهُ الرَّسُولُ الكَرِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والتَّسْلِيمُ.

صفحة ١٤٤

وقَوْلُهُ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ (إنَّ) وهو تَصْرِيحٌ بَعْدَ الكِنايَةِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ جَرى حَذْفُهُ عَلى النَّوْعِ الَّذِي سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ بِمُتابَعَةِ الاسْتِعْمالِ في أمْثالِهِ وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ البَلِيغِ، وتَجْعَلَ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ القُرْآنَ لَمّا وصَفَ بِأنَّهُ ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ونَفى عَنْهُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ أوْ قَوْلَ كاهِنٍ، تَرَقَّبَ السّامِعُ مَعْرِفَةَ كُنْهِهِ، فَبَيَّنَ بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ عَلى الرَّسُولِ الكَرِيمِ لِيَقُولَهُ لِلنّاسِ ويَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ.

و(تَنْزِيلٌ) وصْفٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ.

والمَعْنى: إنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ عَلى الرَّسُولِ الكَرِيمِ.

وعَبَّرَ عَنِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ دُونَ اسْمِهِ العَلَمِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ رَبُّ المُخاطَبِينَ ورَبُّ الشُّعَراءِ والكُهّانِ الَّذِينَ كانُوا بِمَحَلِّ التَّعْظِيمِ والإعْجابِ عِنْدَهم نَظِيرَ قَوْلِ مُوسى لِفِرْعَوْنَ ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦] .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском