Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Haqqah 69:44–52
69:44–47Page 568
وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ ٤٤
And if he [i.e., Muḥammad] had made up about Us some [false] sayings,
لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ ٤٥
We would have seized him by the right hand;1
ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ ٤٦
Then We would have cut from him the aorta.1
فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ ٤٧
And there is no one of you who could prevent [Us] from him.
﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] فَهي مَشْمُولَةٌ لِما أفادَتْهُ الفاءُ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلى ما اقْتَضاهُ تَكْذِيبُهم بِالبَعْثِ مِن تَكْذِيبِهِمُ القُرْآنَ ومَن جاءَ بِهِ وقالَ: إنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
فَمُفادُ هَذِهِ الجُمْلَةِ اسْتِدْلالٌ ثانٍ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ المَذْهَبِ الكَلامِيِّ، بَعْدَ الاسْتِدْلالِ الأوَّلِ المُسْتَنِدِ إلى القَسَمِ والمُؤَكِّداتِ عَلى طَرِيقَةِ الاسْتِدْلالِ الخِطابِيِّ.
وهُوَ اسْتِدْلالٌ بِما هو مُقَرَّرٌ في الأذْهانِ مِن أنَّ اللَّهَ واسِعُ القُدْرَةِ، وأنَّهُ عَلِيمٌ فَلا يُقَرِّرُ أحَدًا عَلى أنْ يَقُولَ عَنْهُ كَلامًا لَمْ يَقُلْهُ، أيْ لَوْ لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِنا ومُحَمَّدٌ ادَّعى أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنّا، لَما أقْرَرْناهُ عَلى ذَلِكَ، ولَعَجَّلْنا بِإهْلاكِهِ. فَعَدَمُ هَلاكِهِ
صفحة ١٤٥
ﷺ دالٌّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَتَقَوَّلْهُ عَلى اللَّهِ، فَإنَّ (لَوْ) تَقْتَضِي انْتِفاءَ مَضْمُونِ شَرْطِها لِانْتِفاءِ مَضْمُونِ جَوابِها.
فَحَصَلَ مِن هَذا الكَلامِ غَرَضانِ مُهِمّانِ:
أحَدُهُما: يَعُودُ إلى ما تَقَدَّمَ أيْ زِيادَةِ إبْطالٍ لِمَزاعِمِ المُشْرِكِينَ أنَّ القُرْآنَ شِعْرٌ أوْ كَهانَةٌ إبْطالًا جامِعًا لِإبْطالِ النَّوْعَيْنِ، أيْ ويُوَضِّحُ مُخالَفَةَ القُرْآنِ لِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الكَلامِ أنَّ الآتِيَ بِهِ يَنْسُبُهُ إلى وحْيِ اللَّهِ وما عَلِمْتُمْ شاعِرًا ولا كاهِنًا يَزْعُمُ أنَّ كَلامَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وثانِيهُما: إبْطالُ زَعْمٍ لَهم لَمْ يَسْبِقِ التَّصْرِيحُ بِإبْطالِهِ وهو قَوْلُ فَرِيقٍ مِنهُمُ افْتَراهُ، أيْ نَسَبَهُ إلى اللَّهِ افْتِراءً وتَقَوَّلَهُ عَلى اللَّهِ قالَ تَعالى ﴿أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الطور: ٣٣] فَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ لَوِ افْتَرى عَلى اللَّهِ لَما أقَرَّهُ عَلى ذَلِكَ.
ثُمَّ إنَّ هَذا الغَرَضَ يَسْتَتْبِعُ غَرَضًا آخَرَ وهو تَأْيِيسُهم مِن أنْ يَأْتِيَ بِقُرْآنٍ لا يُخالِفُ دِينَهم ولا يُسَفِّهُ أحْلامَهم وأصْنامَهم، قالَ تَعالى (﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا آئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥]) وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَطْفَ اعْتِراضٍ فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً فَإنَّهُ لا مَعْنى لِلْواوِ الاعْتِراضِيَّةِ إلّا ذَلِكَ.
والتَّقَوُّلُ: نِسْبَةُ قَوْلٍ لِمَن لَمْ يَقُلْهُ، وهو تَفَعُّلٌ مِنَ القَوْلِ صِيغَتْ هَذِهِ الصِّيغَةَ الدّالَّةَ عَلى التَّكَلُّفِ؛ لِأنَّ الَّذِي يُنْسَبُ إلى غَيْرِهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ يَتَكَلَّفُ ويَخْتَلِقُ ذَلِكَ الكَلامَ، ولِكَوْنِهِ في مَعْنى كَذِبٍ عُدِّيَ بِ (عَلى) .
والمَعْنى: لَوْ كَذَبَ عَلَيْنا فَأخْبَرَ أنّا قُلْنا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ إلَخْ.
و(بَعْضَ) اسْمٌ يَدُلُّ عَلى مِقْدارٍ مِن نَوْعِ ما يُضافُ هو إلَيْهِ، وهو هُنا مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِ (تَقَوَّلَ) .
والأقاوِيلِ: جَمْعُ أقْوالٍ الَّذِي هو جَمْعُ قَوْلٍ، أيْ بَعْضًا مِن جِنْسِ الأقْوالِ الَّتِي هي كَثِيرَةٌ فَلِكَثْرَتِها جِيءَ لَها بِجَمْعِ الجَمْعِ الدّالِّ عَلى الكَثْرَةِ، أيْ ولَوْ نَسَبَ إلَيْنا قَلِيلًا مِن أقْوالٍ كَثِيرَةٍ صادِقَةٍ يَعْنِي لَوْ نَسَبَ إلَيْنا شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ القُرْآنِ لَمْ نُنْزِلْهُ لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ، إلى آخِرِهِ.
ومَعْنى ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ لَأخَذْناهُ بِقُوَّةٍ، أيْ دُونَ إمْهالٍ فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.
صفحة ١٤٦
واليَمِينُ: اليَدُ اليُمْنى كُنِّيَ بِها عَنِ الاهْتِمامِ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ المَأْخُوذِ؛ لِأنَّ اليَمِينَ أقْوى عَمَلًا مِنَ الشِّمالِ لِكَثْرَةِ اسْتِخْدامِها فَنِسْبَةُ التَّصَرُّفِ إلَيْها شَهِيرَةٌ.
وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في مَواضِعَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَوْلُهُ ﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلُهُ ﴿ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ.
وقالَ أبُو الغُولِ الطَّهَوِيُّ:
فَدَتْ نَفْسِي وما مَلَكَتْ يَمِينِي فَوارِسَ صَدَّقُوا فِيهِمْ ظُنُونِي
والمَعْنى: لَأخَذْناهُ أخْذًا عاجِلًا فَقَطَعْنا وتِينَهُ، وفي هَذا تَهْوِيلٌ لِصُورَةِ الأخْذِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى نَحْوِ: لَأهْلَكْناهُ.
و(مِنهُ) مُتَعَلِّقٌ بِ (أخَذْنا) تَعَلُّقَ المَفْعُولِ بِعامِلِهِ. و(مِن) زائِدَةٌ في الإثْباتِ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ وهو الرّاجِحُ. وقَدْ بَيَّنْتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا ومِنَ النَّخْلِ﴾ [الأنعام: ٩٩]، فَإنَّ (النَّخْلِ) مَعْطُوفٌ عَلى (خَضِرًا) بِزِيادَةِ (مِن) ولَوْلا اعْتِبارُ الزِّيادَةِ لَما اسْتَقامَ الإعْرابُ إلّا بِكُلْفَةٍ، وفائِدَةُ (مِن) الزّائِدَةِ في الكَلامِ أنَّ أصْلَها التَّبْعِيضُ المَجازِيُّ عَلى وجْهِ التَّمْلِيحِ كَأنَّهُ يَقُولُ: نَأْخُذُ بَعْضَهُ.
والوَتِينُ: عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بِهِ القَلْبُ ويُسَمّى النِّياطُ، وهو الَّذِي يَسْقِي الجَسَدَ بِالدَّمِ ولِذَلِكَ يُقالُ لَهُ: نَهْرُ الجَسَدِ، وهو إذا قُطِعَ ماتَ صاحِبُهُ وهو يُقْطَعُ عِنْدَ نَحْرِ الجَزُورِ.
فَقَطْعُ الوَتِينِ مِن أحْوالِ الجَزُورِ ونَحْرِها، فَشَبَّهَ عِقابَ مَن يُفْرَضُ تَقَوُّلُهُ عَلى اللَّهِ بِجَزُورٍ تُنْحَرُ فَيُقْطَعُ وتِينُها.
ولَمْ أقِفْ عَلى أنَّ العَرَبَ كانُوا يُكَنُّونَ عَنِ الإهْلاكِ بِقَطْعِ الوَتِينِ، فَهَذا مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ.
و(مِنهُ) صِفَةٌ لِلْوَتِينِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِ (قَطَعْنا) أيْ أزَلْناهُ مِنهُ.
وبَيْنَ (مِنهُ) الأُولى و(مِنهُ) الثّانِيَةِ مُحَسِّنُ الجِناسِ.
صفحة ١٤٧
وأمّا مَوْقِعُ تَفْرِيعِ قَوْلِهِ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ فَهو شَدِيدُ الاتِّصالِ بِما اسْتَتْبَعَهُ فَرْضُ التَّقَوُّلِ مِن تَأْيِيسِهِمْ مِن أنْ يَتَقَوَّلَ عَلى اللَّهِ كَلامًا لا يَسُوءُهم، فَفي تِلْكَ الحالَةِ مِن أحْوالِ التَّقَوُّلِ لَوْ أخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ فَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ، لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنكم أوْ مِن غَيْرِكم أنْ يَحْجِزَ عَنْهُ ذَلِكَ العِقابَ، وبِدُونِ هَذا الاتِّصالِ لا يَظْهَرُ مَعْنى تَعْجِيزِهِمْ عَنْ نَصْرِهِ؛ إذْ لَيْسُوا مِنَ الوَلاءِ لَهُ بِمَظِنَّةِ نَصْرِهِ، فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ يَحُومُ حَوْلَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذَنْ لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٣] ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٥] .
والخِطابُ في قَوْلِهِ مِنكم لِلْمُشْرِكِينَ.
وإنَّما أخْبَرَ عَنْ أحَدٍ وهو مُفْرَدٌ بِ (حاجِزِينَ) جَمْعًا لِأنَّ (أحَدٍ) هُنا وإنْ كانَ لَفْظُهُ مُفْرَدًا فَهو في مَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّ (أحَدٍ) إذا كانَ بِمَعْنى ذاتٍ أوْ شَخْصٍ لا يَقَعُ إلّا في سِياقِ النَّفْيِ مِثْلُ عَرِيبٍ، ودَيّارٍ ونَحْوِهِما مِنَ النَّكِراتِ الَّتِي لا تُسْتَعْمَلُ إلّا مَنفِيَّةً فَيُفِيدُ العُمُومَ، أيْ كُلُّ واحِدٍ لا يَسْتَطِيعُ الحَجْزَ عَنْهُ ويَسْتَوِي في لَفْظِهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ قالَ تَعالى ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقالَ ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . والمَعْنى: ما مِنكم أُناسٌ يَسْتَطِيعُونَ الحَجْزَ عَنْهُ.
والحَجْزُ: الدَّفْعُ والحَيْلُولَةُ، أيْ لا أحَدَ مِنكم يَحْجِزُنا عَنْهُ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى (رَسُولٍ كَرِيمٍ) .
و(مِن) في قَوْلِهِ مِن أحَدٍ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ ولِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ.
وذُكْرُ (مِنكم) مَعَ (عَنْهُ) تَجْنِيسٌ مُحَرَّفٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُبْقِي أحَدًا يَدَّعِي أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ كَلامًا يُبَلِّغُهُ إلى النّاسِ، وأنَّهُ يُعَجِّلُ بِهَلاكِهِ.
فَأمّا مَن يَدَّعِيِ النُّبُوَّةَ دُونَ ادِّعاءِ قَوْلٍ أُوحِيَ إلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ يُهْلِكُهُ بَعْدَ حِينٍ كَما كانَ في أمْرِ الأسْوَدِ العَنْسِيِّ الَّذِي ادَّعى النُّبُوَّةَ بِاليَمَنِ، ومُسَيْلَمَةَ الحَنَفِيِّ الَّذِي
صفحة ١٤٨
ادَّعى النُّبُوَّةَ في اليَمامَةِ، فَإنَّهُما لَمْ يَأْتِيا بِكَلامٍ يَنْسُبانِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَكانَ إهْلاكُهُما بَعْدَ مُدَّةِ، ومَثَلِهِما مَنِ ادَّعَوُا النُّبُوءَةَ في الإسْلامِ مِثْلِ (بابَكَ ومازِّيارَ) .
وقالَ الفَخْرُ: قِيلَ: اليَمِينُ بِمَعْنى القُوَّةِ والقُدْرَةِ، والمَعْنى: لَأخَذْنا مِنهُ اليَمِينَ، أيْ سَلَبْنا عَنْهُ القُوَّةَ، والباءُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ صِلَةٌ زائِدَةٌ. واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذا أنَّهُ لَوْ نَسَبَ إلَيْنا قَوْلًا لَمْ نَقُلْهُ لَمَنَعْناهُ عَنْ ذَلِكَ: إمّا بِواسِطَةِ إقامَةِ الحُجَّةِ فَإنّا نُقَيِّضُ لَهُ مَن يُعارِضُهُ فِيهِ وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لِلنّاسِ كَذِبُهُ فِيهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ إبْطالًا لِدَعْواهُ وهَدْمًا لِكَلامِهِ، وإمّا بِأنْ نَسْلُبَ عَنْهُ القُدْرَةَ عَلى التَّكَلُّمِ بِذَلِكَ القَوْلِ، وهَذا هو الواجِبُ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى لِئَلّا يُشْتَبَهَ الصّادِقُ بِالكاذِبِ اهـ. فَرَكَّبَ مِن تَفْسِيرِ اليَمِينِ بِمَعْنى القُوَّةِ، أنَّ المُرادَ قُوَّةُ المُتَقَوِّلِ لا قُوَّةُ اللَّهِ وانْتَزَعَ مِن ذَلِكَ تَأْوِيلَ الباءِ عَلى مَعْنى الزِّيادَةِ ولَمْ يَسْبِقْهُ بِهَذا التَّأْوِيلِ أحَدٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ولا تَبِعَهُ فِيهِ مَن بَعْدِهِ فِيما رَأيْنا. وفِيهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَبَيَّنَ بِما فَسَّرْنا بِهِ الآيَةَ عَدَمُ الاحْتِجاجِ إلى تَأْوِيلِ الفَخْرِ.
69:48Page 568
وَإِنَّهُۥ لَتَذۡكِرَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨
And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is a reminder for the righteous.
﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠]، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى القُرْآنِ الَّذِي تَقَدَّمَ ضَمِيرُهُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] فَلَمّا أبْطَلَ طَعَنَهم في القُرْآنِ بِأنَّهُ قَوْلُ شاعِرٍ، أوْ قَوْلُ كاهِنٍ أعْقَبَ بِبَيانِ شَرَفِهِ ونَفْعِهِ، إمْعانًا في إبْطالِ كَلامِهِمْ بِإظْهارِ الفَرْقِ البَيِّنِ بَيْنَهُ وبَيْنَ شِعْرِ الشُّعَراءِ وزَمْزَمَةِ الكُهّانِ؛ إذْ هو تَذْكِرَةٌ ولَيْسَ ما ألْحَقُوهُ بِهِ مِن أقْوالِ أُولَئِكَ مِنَ التَّذْكِيرِ في شَيْءٍ.
والتَّذْكِرَةُ: اسْمُ مَصْدَرِ التَّذْكِيرِ وهو التَّنْبِيهُ إلى مَغْفُولٍ عَنْهُ.
والإخْبارُ: بِ (إنَّهُ تَذْكِرَةٌ) إخْبارٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ. والمَعْنى: أنَّهُ مُذَكِّرٌ لِلنّاسِ بِما يَغْفُلُونَ عَنْهُ مِنَ العِلْمِ بِاللَّهِ وما يَلِيقُ بِجَلالِهِ لِيَنْتَشِلَهم مِن هُوَّةِ التَّمادِي في الغَفْلَةِ حَتّى يَفُوتَ الفَواتُ، فالقُرْآنُ في ذاتِهِ تَذْكِرَةٌ لِمَن يُرِيدُ أنْ يَتَذَكَّرَ سَواءٌ تَذَكَّرَ أمْ لَمْ يَتَذَكَّرْ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَسْمِيَةُ القُرْآنِ بِالذِّكْرِ والتَّذْكِيرِ في آياتٍ عَدِيدَةٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ طَهَ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٣] وقَوْلُهُ ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] في سُورَةِ الحِجْرِ.
والمُرادُ بِالمُتَّقِينَ المُؤْمِنُونَ فَإنَّهم المُتَّصِفُونَ بِتَقْوى اللَّهِ لِأنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ دُونَ المُشْرِكِينَ. فالقُرْآنُ كانَ هادِيًا إيّاهم لِلْإيمانِ كَما قالَ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]
صفحة ١٤٩
وكُلَّما نَزَلَ مِنهُ شَيْءٌ أوْ تَلَوْا مِنهُ شَيْئًا ذَكَّرَهم بِما عَلِمُوا؛ لِئَلّا تَعْتَرِيَهم غَفْلَةٌ أوْ نِسْيانٌ فالقُرْآنُ تَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ في الماضِي والحالِ والمُسْتَقْبَلِ، فَإنَّ الإخْبارَ عَنْهُ بِاسْمِ المَصْدَرِ يَتَحَمَّلُ الأزْمِنَةَ الثَّلاثَةَ؛ إذِ المَصْدَرُ لا إشْعارَ لَهُ بِوَقْتٍ بِخِلافِ الفِعْلِ وما أُشْبِهَهُ.
وإنَّما عُلِّقَ (لِلْمُتَّقِينَ) بِكَوْنِهِ تَذْكِرَةً؛ لِأنَّ المُتَّقِينَ هُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا مَزِيَّتَهُ.
69:49–50Page 568
وَإِنَّا لَنَعۡلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ ٤٩
And indeed, We know that among you are deniers.
وَإِنَّهُۥ لَحَسۡرَةٌ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠
And indeed, it will be [a cause of] regret upon the disbelievers.
﴿وإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ هاتانِ جُمْلَتانِ مُرْتَبِطَتانِ، وأُولاهُما تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ لِلثّانِيَةِ، وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الَّتِي قَبْلَها والَّتِي بَعْدَها، والثّانِيَةُ مِنهُما مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: ٤٨]، فَكانَ تَقْدِيمُ الجُمْلَةِ الأُولى عَلى الثّانِيَةِ اهْتِمامًا بِتَنْبِيهِ المُكَذِّبِينَ إلى حالِهِمْ وكانَتْ أيْضًا بِمَنزِلَةِ التَّتْمِيمِ لِجُمْلَةِ ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: ٤٨] .
والمَعْنى: إنّا بَعَثْنا إلَيْكُمُ الرَّسُولَ بِهَذا القُرْآنِ ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّهُ سَيَكُونُ مِنكم مُكَذِّبُونَ لَهُ وبِهِ، وعِلْمُنا بِذَلِكَ لَمْ يَصْرِفْنا عَنْ تَوْجِيهِ التَّذْكِيرِ إلَيْكم وإعادَتِهِ عَلَيْكم لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيّى عَنْ بَيِّنَةٍ، فَقُوبِلَتْ صِفَةُ القُرْآنِ الَّتِي تَنْفَعُ المُتَّقِينَ بِصِفَتِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِالكافِرِينَ عَلى طَرِيقَةِ التَّضادِّ، فَبَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.
والحَسْرَةُ: النَّدَمُ الشَّدِيدُ المُتَكَرِّرُ عَلى شَيْءٍ فائِتٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ، ويُقالُ لَها التَّلَهُّفُ، اشْتُقَّتْ مِنَ الحَسْرِ وهو الكَشْفُ؛ لِأنَّ سَبَبَها يَنْكَشِفُ لِصاحِبِها بَعْدَ فَواتِ إدْراكِهِ ولا يَزالُ يُعاوِدُهُ، فالقُرْآنُ حَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ أيْ سَبَبُ حَسْرَةٍ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَهو حَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ فَضَحَ تُرَّهاتِهِمْ ونَقَضَ عِمادَ دِينِهِمُ الباطِلِ وكَشَفَ حَقارَةَ أصْنامِهِمْ، وهو حَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهم يَجِدُونَ مُخالَفَتَهُ سَبَبَ عَذابِهِمْ، ويَقِفُونَ عَلى اليَقِينِ بِأنَّ ما كانَ يَدْعُوهم إلَيْهِ هو سَبَبُ النَّجاحِ لَوِ اتَّبَعُوهُ لا سِيَّما وقَدْ رَأوْا حُسْنَ عاقِبَةِ الَّذِينَ صَدَّقُوا بِهِ.
والمُكَذِّبُونَ: هُمُ الكافِرُونَ. وإنَّما عَدَلَ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِهِمْ إلى الاسْمِ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ الحَسْرَةَ تَعُمُّ المُكَذِّبِينَ يَوْمَئِذٍ والَّذِينَ سَيَكْفُرُونَ بِهِ مِن بَعْدُ.
صفحة ١٥٠
﴿وإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿وإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى القُرْآنِ؛ لِأنَّ هَذِهِ مِن صِفاتِ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ المَذْكُورَ وهو كَوْنُ القُرْآنِ حَسْرَةً عَلى الكافِرِينَ، أيْ أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لا مَحالَةَ أيْ هو جالِبٌ لِحَسْرَتِهِمْ في الدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ.
وإضافَةُ حَقٍّ إلى اليَقِينِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، أيْ إنَّهُ لَلْيَقِينُ الحَقُّ المَوْصُوفُ بِأنَّهُ يَقِينٌ لا يَشُكُّ في كَوْنِهِ حَقًّا إلّا مَن غُشِيَ عَلى بَصِيرَتِهِ وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ الإضافَةِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيْ لِلْيَقِينِ الحَقِّ، أيِ الَّذِي لا تَعْتَرِيهِ شُبْهَةٌ.
واعْلَمْ أنَّ حَقَّ اليَقِينِ، وعَيْنَ اليَقِينِ، وعِلْمَ اليَقِينِ وقَعَتْ في القُرْآنِ.
فَحَقُّ اليَقِينِ وقَعَ في هَذِهِ السُّورَةِ وفي آخِرِ سُورَةِ الواقِعَةِ. وعَلْمُ اليَقِينِ وعَيْنُ اليَقِينِ وقَعا في سُورَةِ التَّكاثُرِ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ إضافَتُها مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أوْ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ كَما ذَكَرْنا. ومَعْنى كُلِّ مُرَكَّبٍ مِنها هو مُحَصَّلُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ كَلِمَتاهُ وإضافَةُ إحْداهُما إلى الأُخْرى.
وقَدِ اصْطَلَحَ العُلَماءُ عَلى جَعْلِ كَلِمَةِ (عَلْمُ اليَقِينِ) اسْمًا اصْطِلاحِيًّا لِما أعْطاهُ الدَّلِيلُ بِتَصَوُّرِ الأُمُورِ عَلى ما هي عَلَيْهِ حَسَبَ كَلامِ السَّيِّدِ الجُرْجانِيِّ في كِتابِ التَّعْرِيفاتِ. ووَقَعَ في كَلامِ أبِي البَقاءِ في الكُلِّيّاتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ هَذِهِ المُرَكَّباتِ نُقِلَتْ في بَعْضِ الاصْطِلاحاتِ العِلْمِيَّةِ فَصارَتْ ألْقابًا لِمَعانٍ، وقالَ: عِلْمُ اليَقِينِ لِأصْحابِ البُرْهانِ، وعَيْنُ اليَقِينِ وحَقُّ اليَقِينِ أيْضًا لِأصْحابِ الكَشْفِ والعِيانِ كالأنْبِياءِ والأوْلِياءِ عَلى حَسَبِ تَفاوُتِهِمْ في المَراتِبِ، قالَ: وقَدْ حَقَّقَ المُحَقِّقُونَ مِنَ الحُكَماءِ بِأنَّ بَعْدَ المَراتِبِ الأرْبَعِ لِلنَّفْسِ - يَعْنِي مَراتِبَ تَحْصِيلِ العِلْمِ لِلنَّفْسِ المَذْكُورَةَ في المَنطِقِ الأوَّلِيّاتِ، والمُشاهَداتِ الباطِنِيَّةَ، والتَّجْرِيباتِ، والمُتَواتِراتِ - مَرْتَبَتَيْنِ:
إحْداهُما مَرْتَبَةُ عَيْنِ اليَقِينِ وهي أنْ تَصِيرَ النَّفْسُ بِحَيْثُ تُشاهِدُ المَعْقُولاتِ في المَعارِفِ الَّتِي تَفِيضُها النَّفْسُ كَما هي، والثّانِيَةُ مَرْتَبَةُ حَقِّ اليَقِينِ وهي أنْ تَصِيرَ النَّفْسُ بِحَيْثُ تَتَّصِلُ بِالمَعْقُولاتِ اتِّصالًا عَقْلِيًّا وتُلاقِي ذاتَها تَلاقِيًا رُوحانِيًّا. واصْطَلَحَ
صفحة ١٥١
عُلَماءُ التَّصَوُّفِ عَلى جَعْلِ كُلِّ مُرَكَّبٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ لَقَبًا لِمَعْنى مِنَ الانْكِشافِ العَقْلِيِّ وجَرَتْ في كِتابِ الفُتُوحاتِ المَكِّيَّةِ لِلشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ بْنِ عَرَبِيِّ.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن وصْفِ القُرْآنِ وتَنْزِيهِهِ عَلى المَطاعِنِ وتَنْزِيهِ النَّبِيءِ ﷺ عَمّا افْتَراهُ عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ، وعَلى ما أيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ مِن ضَرْبِ المَثَلِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِهِ بِالأُمَمِ الَّتِي كَذَّبَتِ الرُّسُلَ، فَأُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ تَسْبِيحَ ثَناءٍ وتَعْظِيمٍ شُكْرًا لَهُ عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِن نِعْمَةِ الرِّسالَةِ وإنْزالِ هَذا القُرْآنِ عَلَيْهِ.
واسْمُ اللَّهِ هو العَلَمُ الدّالُّ عَلى الذّاتِ.
والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ، أيْ سَبِّحِ اللَّهَ تَسْبِيحًا بِالقَوْلِ؛ لِأنَّهُ يَجْمَعُ اعْتِقادَ التَّنْزِيهِ والإقْرارَ بِهِ وإشاعَتَهُ.
والتَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ عَنِ النَّقائِصِ بِالاعْتِقادِ والعِبادَةِ والقَوْلِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَجْرِيَ في التَّسْبِيحِ القَوْلِيِ اسْمُ المُنَزَّهِ فَلِذَلِكَ قالَ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ فَسَبِّحْ رَبَّكَ العَظِيمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلى البَسْمَلَةِ وجْهُ إقْحامِ اسْمٍ في قَوْلِهِ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .
وتَسْبِيحُ المُنْعِمِ بِالاعْتِقادِ والقَوْلِ وهُما مُسْتَطاعُ شُكْرِ الشّاكِرِينَ إذْ لا يَبْلُغُ إلى شُكْرِهِ بِأقْصى مِن ذَلِكَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي ضِمْنِ ذَلِكَ اسْتِمْرارُ النَّبِيءِ ﷺ عَلى أداءِ رِسالَتِهِ وإبْلاغِها. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ «اجْعَلُوها في رُكُوعِكم» واسْتَحَبَّ التِزامَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وكَرِهَ مالِكٌ التِزامَ ذَلِكَ لِئَلّا يُعَدَّ واجِبًا فَرْضًا اهـ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في آخِرِ سُورَةِ الواقِعَةِ.
* * *
صفحة ١٥٢
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المَعارِجِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كُتُبِ السُّنَّةِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ، وفي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ وابْنِ كَثِيرٍ (سُورَةُ سَألَ سائِلٌ) . وكَذَلِكَ رَأيْتُها في بَعْضِ المَصاحِفِ المَخْطُوطَةِ بِالخَطِّ الكُوفِيِّ بِالقَيْرَوانِ في القَرْنِ الخامِسِ.
وسُمِّيَتْ في مُعْظَمِ المَصاحِفِ المَشْرِقِيَّةِ والمَغْرِبِيَّةِ وفي مُعْظَمِ التَّفاسِيرِ (سُورَةُ المَعارِجِ) . وذَكَرَ في الإتْقانِ أنَّها تُسَمّى (سُورَةُ الواقِعِ) .
وهَذِهِ الأسْماءُ الثَّلاثَةُ مُقْتَبَسَةٌ مِن كَلِماتٍ وقَعَتْ في أوَّلِها، وأخَصُّها بِها جُمْلَةُ (سَألَ سائِلٍ) لِأنَّها لَمْ يَرِدْ مِثْلُها في غَيْرِها مِن سُوَرِ القُرْآنِ إلّا أنَّها غَلَبَ عَلَيْها اسْمُ (سُورَةُ المَعارِجِ) لِأنَّهُ أخَفُّ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالاتِّفاقِ. وشَذَّ مَن ذَكَرَ أنَّ آيَةَ ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] مَدَنِيَّةٌ.
صفحة ١٥٣
وهِيَ السُّورَةُ الثّامِنَةُ والسَّبْعُونَ في عِدادِ نُزُولِ سُوَرِ القُرْآنِ، عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الحاقَّةِ وقَبْلَ سُورَةِ النَّبَأِ.
وعَدَّ جُمْهُورُ الأمْصارِ آيَها أرْبَعًا وأرْبَعِينَ. وعَدَّها أهْلُ الشّامِ ثَلاثًا وأرْبَعِينَ.
* * *
أغْراضُها:
حَوَتْ مِنَ الأغْراضِ تَهْدِيدَ الكافِرِينَ بِعَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ، وإثْباتَ ذَلِكَ اليَوْمِ ووَصْفَ أهْوالِهِ.
ووَصْفَ شَيْءٍ مِن جَلالِ اللَّهِ فِيهِ، وتَهْوِيلَ دارِ العَذابِ وهي جَهَنَّمُ. وذِكْرَ أسْبابِ اسْتِحْقاقِ عَذابِها.
ومُقابَلَةَ ذَلِكَ بِأعْمالِ المُؤْمِنِينَ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهم دارَ الكَرامَةِ وهي أضْدادُ صِفاتِ الكافِرِينَ.
وتَثْبِيتَ النَّبِيءِ ﷺ . وتَسْلِيَتَهُ عَلى ما يَلْقاهُ مِنَ المُشْرِكِينَ.
ووَصْفَ كَثِيرٍ مِن خِصالِ المُسْلِمِينَ الَّتِي بَثَّها الإسْلامُ فِيهِمْ، وتَحْذِيرَ المُشْرِكِينَ مِنِ اسْتِئْصالِهِمْ وتَبْدِيلِهِمْ بِخَيْرٍ مِنهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences