Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:100–102

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:100–102

7:100Page 163

أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَآ أَن لَّوۡ نَشَآءُ أَصَبۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠

Has it not become clear to those who inherited the earth after its [previous] people that if We willed, We could afflict them for their sins? But We seal over their hearts so they do not hear.1

صفحة ٢٦

﴿أوَلَمَ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾

عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ أفَأمِنَ أهْلُ القُرى لِاشْتِراكِ مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ في الِاسْتِفْهامِ التَّعْجِيبِيِّ، فانْتَقَلَ عَنِ التَّعْجِيبِ مِن حالِ الَّذِينَ مَضَوْا إلى التَّعْجِيبِ مِن حالِ الأُمَّةِ الحاضِرَةِ، وهي الأُمَّةُ العَرَبِيَّةُ الَّذِينَ ورِثُوا دِيارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَسَكَنُوها: مِثْلُ أهْلِ نَجْرانَ، وأهْلِ اليَمَنِ، ومَن سَكَنُوا دِيارَ ثَمُودَ مِثْلُ بَلِيٍّ، وكَعْبٍ، والضَّجاغِمِ، وبَهْراءَ، ومَن سَكَنُوا دِيارَ مَدْيَنَ مِثْلُ جُهَيْنَةَ، وجَرْمٍ، وكَذَلِكَ مَن صارُوا قَبائِلَ عَظِيمَةً فَنالُوا السِّيادَةَ عَلى القَبائِلِ: مِثْلُ قُرَيْشٍ، وطَيِّئٍ، وتَمِيمٍ، وهُذَيْلٍ، فالمَوْصُولُ بِمَنزِلَةِ لامِ التَّعْرِيفِ العَهْدِيِّ، وقَدْ يُقْصَدُ بِالَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ كُلُّ أُمَّةٍ خَلَفَتْ أُمَّةً قَبْلَها، فَيَشْمَلُ عادًا وثَمُودًا، فَقَدْ قالَ لِكُلٍّ نَبِيُّهم: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾ [الأعراف: ٦٩] إلَخْ ولَكِنَّ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ مَقْصُودُونَ في هَذا ابْتِداءً. فالمَوْصُولُ بِمَنزِلَةِ لامِ الجِنْسِ.

والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ أوَلَمْ يَهْدِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ، مِثْلُ الَّذِي في قَوْلِهِ أفَأمِنَ أهْلُ القُرى تَعْجِيبًا مِن شِدَّةِ ضَلالَتِهِمْ إذْ عُدِمُوا الِاهْتِداءَ والِاتِّعاظَ بِحالِ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، ونَسُوا أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى اسْتِئْصالِهِمْ إذا شاءَهُ.

والتَّعْرِيفُ في الأرْضِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ يَرِثُونَ أيَّ أرْضٍ كانَتْ مَنازِلَ لِقَوْمٍ قَبْلَهم، وهَذا إطْلاقٌ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، يَقُولُونَ هَذِهِ أرْضُ طَيِّءٍ، وفي حَدِيثِ الجِنازَةِ مِن أهْلِ الأرْضِ أيْ مِنَ السُّكّانِ القاطِنِينَ بِأرْضِهِمْ لا مِنَ المُسْلِمِينَ الفاتِحِينَ. فالأرْضُ بِهَذا المَعْنى اسْمُ جِنْسٍ صادِقٌ عَلى شائِعٍ مُتَعَدِّدٍ، فَتَعْرِيفُهُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وبِهَذا الإطْلاقِ جُمِعَتْ عَلى أرَضِينَ، فالمَعْنى: أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ أرْضًا مِن بَعْدِ أهْلِها.

والإرْثُ: مَصِيرُ مالِ المَيِّتِ إلى مَن هو أوْلى بِهِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى مُماثَلَةِ الحَيِّ مَيِّتًا في صِفاتٍ كانَتْ لَهُ، مِن عِزٍّ أوْ سِيادَةٍ، كَما فُسِّرَ بِهِ قَوْلُهُ - تَعالى - حِكايَةً عَنْ زَكَرِيّا ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ [مريم: ٥] ﴿يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٦] أيْ يَخْلُفُنِي في النُّبُوءَةِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى القَدْرِ

صفحة ٢٧

المُشْتَرَكِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ. وهو مُطْلَقُ خِلافَةِ المُنْقَرِضِ، وهو هُنا مُحْتَمِلٌ لِلْإطْلاقَيْنِ؛ لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالكَلامِ أهْلُ مَكَّةَ فالإرْثُ بِمَعْناهُ المَجازِيِّ، وإنْ أُرِيدَ أهْلُ مَكَّةَ والقَبائِلُ الَّتِي سَكَنَتْ بِلادَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَهو مُسْتَعْمَلٌ في القَدْرِ المُشْتَرَكِ، وهو كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] وأيًّا ما كانَ فَقَيْدُ مِن بَعْدِ أهْلِها تَأْكِيدٌ لِمَعْنى يَرِثُونَ، يُرادُ مِنهُ تَذْكِيرُ السّامِعِينَ بِما كانَ فِيهِ أهْلُ الأرْضِ المَوْرُوثَةِ مِن بُحْبُوحَةِ العَيْشِ، ثُمَّ ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ الهَلاكِ الشّامِلِ العاجِلِ، تَصْوِيرًا لِلْمَوْعِظَةِ بِأعْظَمِ صُورَةٍ فَهو كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] .

ومَعْنى لَمْ يَهْدِ: لَمْ يُرْشِدْ ويُبَيِّنْ لَهم، فالهِدايَةُ أصْلُها تَبْيِينُ الطَّرِيقِ لِلسّائِرِ، واشْتُهِرَ اسْتِعْمالُهم في مُطْلَقِ الإرْشادِ: مَجازًا أوِ اسْتِعارَةً كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] . وتَقَدَّمَ أنَّ فِعْلَها يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، وأنَّهُ يَتَعَدّى إلى الأوَّلِ مِنهُما بِنَفْسِهِ وإلى الثّانِي تارَةً بِنَفْسِهِ وأُخْرى بِالحَرْفِ: اللّامِ أوْ إلى، فَلِذَلِكَ كانَتْ تَعْدِيَتُهُ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ بِاللّامِ في هَذِهِ الآيَةِ إمّا لِتَضْمِينِهِ مَعْنى يُبَيِّنُ، وإمّا لِتَقْوِيَةِ تَعَلُّقِ مَعْنى الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِمْ: شَكَرْتُ لَهُ، وقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ [مريم: ٥]، ومِثْلِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ [طه: ١٢٨] في سُورَةِ طه.

و(أنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن ”أنَّ“ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وجُمْلَةُ لَوْ نَشاءُ خَبَرُها، ولَمّا كانَتْ أنَّ - المَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ - مِنَ الحُرُوفِ الَّتِي تُفِيدُ المَصْدَرِيَّةَ عَلى التَّحْقِيقِ؛ لِأنَّها مُرَكَّبَةٌ مِن إنِّ المَكْسُورَةِ المُشَدَّدَةِ، ومِن أنَّ المَفْتُوحَةِ المُخَفَّفَةِ المَصْدَرِيَّةِ لِذَلِكَ عُدَّتْ في المَوْصُولاتِ الحَرْفِيَّةِ وكانَ ما بَعْدَها مُؤَوَّلًا بِمَصْدَرٍ مُنْسَبِكٍ مِن لَفْظِ خَبَرِها إنْ كانَ مُفْرَدًا مُشْتَقًّا، أوْ مِنَ الكَوْنِ إنْ كانَ خَبَرُها جُمْلَةً. فَمَوْقِعُ أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم مَوْقِعُ فاعِلِ يَهْدِ، والمَعْنى: أوَلَمْ يُبَيَّنْ لِلَّذِينَ يَخْلُفُونَ في الأرْضِ بَعْدَ أهْلِها كَوْنُ الشَّأْنِ المُهِمِّ، وهو لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم.

وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ .

والإصابَةُ: نَوالُ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِتَمَكُّنٍ فِيهِ، فالمَعْنى: أنْ نَأْخُذَهم أخْذًا لا يُفْلِتُونَ مِنهُ. والباءُ في بِذُنُوبِهِمْ لِلسَّبَبِيَّةِ، ولَيْسَتْ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ أصَبْناهم.

صفحة ٢٨

وجُمْلَةُ أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ واقِعَةٌ مَوْقِعَ مُفْرَدٍ، هو فاعِلُ يَهْدِ، فَأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وهي مِن حُرُوفِ التَّأْكِيدِ والمَصْدَرِيَّةِ واسْمُها في حالَةِ التَّخْفِيفِ، ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٌ، وجُمْلَةُ شَرْطِ لَوْ وجَوابِهِ خَبَرُ أنْ.

ولَوْ حَرْفُ شَرْطٍ يُفِيدُ تَعْلِيقَ امْتِناعِ حُصُولِ جَوابِهِ لِأجْلِ امْتِناعِ حُصُولِ شَرْطِهِ: في الماضِي، أوْ في المُسْتَقْبَلِ، وإذْ قَدْ كانَ فِعْلُ الشَّرْطِ هُنا مُضارِعًا كانَ في مَعْنى الماضِي، إذْ لا يَجُوزُ اخْتِلافُ زَمَنَيْ فِعْلَيِ الشَّرْطِ والجَوابِ، وإنَّما يُخالَفُ بَيْنَهُما في الصُّورَةِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ كَراهِيَةَ تَكْرِيرِ الصُّورَةِ الواحِدَةِ، فَتَقْدِيرُ قَوْلِهِ ﴿لَوْ نَشاءُ أصَبْناهُمْ﴾ انْتَفى أخْذُنا إيّاهم في الماضِي بِذُنُوبِ تَكْذِيبِهِمْ، لِأجْلِ انْتِفاءِ مَشِيئَتِنا ذَلِكَ لِحِكْمَةِ إمْهالِهِمْ لا لِكَوْنِهِمْ أعَزَّ مِنَ الأُمَمِ البائِدَةِ أوْ أفْضَلَ حالًا مِنهم، كَما قالَ - تَعالى - ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ كانُوا هم أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [غافر: ٢١] الآيَةَ، وفي هَذا تَهْدِيدٌ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ يُصِيبُهم بِذُنُوبِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ، إذْ لا يَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ غالِبٌ، والمَعْنى: أغَرَّهم تَأخُّرُ العَذابِ مَعَ تَكْذِيبِهِمْ فَحَسِبُوا أنْفُسَهم في مَنَعَةٍ مِنهُ، ولَمْ يَهْتَدُوا إلى أنَّ انْتِفاءَ نُزُولِهِ بِهِمْ مُعَلَّقٌ عَلى انْتِفاءِ مَشِيئَتِنا وُقُوعَهَ لِحِكْمَةٍ، فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا أنْ نَشاءَ أخْذَهم. والمَصْدَرُ الَّذِي تُفِيدُهُ (أنْ) المُخَفَّفَةُ، إذا كانَ اسْمُها ضَمِيرَ شَأْنٍ، يُقَدِّرُ ثُبُوتًا مُتَصَيَّدًا مِمّا في أنْ وخَبَرِها مِنَ النِّسْبَةِ المُؤَكَّدَةِ، وهو فاعِلُ يَهْدِ فالتَّقْدِيرُ في الآيَةِ: أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها ثُبُوتُ هَذا الخَبَرِ المُهِمِّ وهو لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ.

والمَعْنى: أعَجِبُوا كَيْفَ لَمْ يَهْتَدُوا إلى أنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم هو بِمَحْضِ مَشِيئَتِنا وأنَّهُ يَحِقُّ عَلَيْهِمْ عِنْدَما نَشاؤُهُ.

وجُمْلَةُ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ لَيْسَتْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ أصَبْناهم حَتّى تَكُونَ في حُكْمِ جَوابِ لَوْ؛ لِأنَّ هَذا يُفْسِدُ المَعْنى، فَإنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ورِثُوا الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها قَدْ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلِذَلِكَ لَمْ تُجْدِ فِيهِمْ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ بُعِثَ إلى زَمَنِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَلَوْ كانَ جَوابًا لِـ لَوْ لَصارَ الطَّبْعُ عَلى قُلُوبِهِمْ

صفحة ٢٩

مُمْتَنِعًا وهَذا فاسِدٌ، فَتَعَيَّنَ: إمّا أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ونَطْبَعُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ بِرُمَّتِها فَلَها حُكْمُها مِنَ العَطْفِ عَلى أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ والحاضِرَةِ.

والتَّقْدِيرُ: وطَبَعْنا عَلى قُلُوبِهِمْ، ولَكِنَّهُ صِيغَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ هَذا الطَّبْعِ وازْدِيادِهِ آنًا فَآنًا، وإمّا أنْ تَجْعَلَ ”الواوَ“ لِلِاسْتِئْنافِ والجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةً، أيْ: ونَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ كَما طَبَعْنا عَلَيْها في الماضِي. ويُعْرَفُ الطَّبْعُ عَلَيْها في الماضِي بِأخْبارٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] الآيَةَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِتَنْهِيَةِ القِصَّةِ، ولَكِنْ مَوْقِعُ الواوِ في أوَّلِ الجُمْلَةِ يُرَجِّحُ الوَجْهَ الأوَّلَ، وكَأنَّ صاحِبَ المِفْتاحِ يَأْبى اعْتِبارَ الِاسْتِئْنافِ مِن مَعانِي الواوِ.

وجُمْلَةُ (﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾) مَعْطُوفَةٌ بِالفاءِ عَلى (نَطْبَعُ) مُتَفَرِّعًا عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالسَّماعِ فَهْمُ مَغْزى المَسْمُوعاتِ لا اسْتِكاكُ الآذانِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الطَّبْعِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] في سُورَةِ النِّساءِ.

7:101–102Page 163

تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠١

Those cities - We relate to you, [O Muḥammad], some of their news. And certainly did their messengers come to them with clear proofs, but they were not to believe in that which they had denied before.1 Thus does Allāh seal over the hearts of the disbelievers.

وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ ١٠٢

And We did not find for most of them any covenant;1 but indeed, We found most of them defiantly disobedient.

﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾

لَمّا تَكَرَّرَ ذِكْرُ القُرى الَّتِي كَذَّبَ أهْلُها رُسُلَ اللَّهِ بِالتَّعْيِينِ وبِالتَّعْمِيمِ، صارَتْ لِلسّامِعِينَ كالحاضِرَةِ المُشاهَدَةِ الصّالِحَةِ لِأنْ يُشارَ إلَيْها، فَجاءَ اسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ إحْضارِها في أذْهانِ السّامِعِينَ مِن قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِيَعْتَبِرُوا حالَهم بِحالِ أهْلِ القُرى، فَيَرَوْا أنَّهم سَواءٌ فَيَفِيئُوا إلى الحَقِّ.

وجُمْلَةُ تِلْكَ القُرى مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافَ الفَذْلَكَةِ لِما قَبْلَها مِنَ القَصَصِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] ثُمَّ قَوْلِهِ - تَعالى - (﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ﴾ [الأعراف: ٩٤]) الآيَةَ.

والقُرى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ لِأنَّ اسْتِحْضارَ القُرى في

صفحة ٣٠

الذِّهْنِ بِحَيْثُ صارَتْ كالمُشاهَدِ لِلسّامِعِ، فَكانَتِ الإشارَةُ إلَيْها إشارَةَ عِبْرَةٍ بِحالِها، وذَلِكَ مُفِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الإخْبارِ عَنْها بِاسْمِها لِمَن لا يَجْهَلُ الخَبَرَ كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] أيْ هَذا الَّذِي تُشاهِدُونَهُ تُكْوَوْنَ بِهِ هو كَنْزُكم، وهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ كَنْزُهم، وإنَّما أُرِيدَ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّهُ كَنْزُهم إظْهارُ خَطَأِ فِعْلِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القُرى بَيانًا لِاسْمِ الإشارَةِ.

وجُمْلَةُ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها إمّا حالٌ مِنَ القُرى عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ.

وفائِدَةُ هَذِهِ الحالِ الِامْتِنانُ بِذِكْرِ قَصَصِها، والِاسْتِدْلالُ عَلى نُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إذْ عَلَّمَهُ اللَّهُ مِن عِلْمِ الأوَّلِينَ ما لَمْ يَسْبِقْ لَهُ عِلْمُهُ، والوَعْدُ بِالزِّيادَةِ مِن ذَلِكَ، لِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ نَقُصُّ مِنَ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، والتَّعْرِيضُ بِالمُعْرِضِينَ عَنِ الِاتِّعاظِ بِأخْبارِها.

وإمّا خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَحْمِلِ قَوْلِهِ القُرى.

و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ لِأنَّ لَها أنْباءً غَيْرَ ما ذُكِرَ هُنا مِمّا ذُكِرَ بَعْضُهُ في آياتٍ أُخْرى وطُوِيَ ذِكْرُ بَعْضِهِ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ في التَّبْلِيغِ.

والأنْباءُ: الأخْبارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمُرادُ بِالقُرى وضَمِيرِ أنْبائِها: أهْلُها. كَما دَلَّ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ رُسُلُهم.

وجُمْلَةُ ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ تِلْكَ القُرى لِمُناسَبَةِ ما في كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مِن قَصْدِ التَّنْظِيرِ بِحالِ المُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .

وجَمْعُ البَيِّناتِ يُشِيرُ إلى تَكَرُّرِ البَيِّناتِ مَعَ كُلِّ رَسُولٍ، والبَيِّناتُ: الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى الصِّدْقِ وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٣] في قِصَّةِ ثَمُودَ في هَذِهِ السُّورَةِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ بِانْتِفاءِ إيمانِهِمْ عَنِ الإخْبارِ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ بِما مِن شَأْنِهِ أنْ يَحْمِلَهم عَلى الإيمانِ.

وصِيغَةُ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا تُفِيدُ مُبالَغَةَ النَّفْيِ بِلامِ الجُحُودِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ حُصُولَ الإيمانِ كانَ مُنافِيًا لِحالِهِمْ مِنَ التَّصَلُّبِ في الكُفْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ دَلالَةِ لامِ الجُحُودِ

صفحة ٣١

عَلى مُبالَغَةِ النَّفْيِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيَةَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والمَعْنى: فاسْتَمَرَّ عَدَمُ إيمانِهِمْ وتَمَكَّنَ مِنهُمُ الكُفْرُ في حِينِ كانَ الشَّأْنُ أنْ يُقْلِعُوا عَنْهُ.

وما كَذَّبُوا مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ وحُذِفُ العائِدُ المَجْرُورُ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ أمْثالِهِ إذا جُرَّ المَوْصُولُ بِمِثْلِ الحَرْفِ المَحْذُوفِ، ولا يُشْتَرَطُ اتِّحادُ مُتَعَلِّقَيِ الحَرْفَيْنِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ مِنهُمُ الرَّضِيُّ كَما في هَذِهِ الآيَةِ.

وماصَدَقَ ما المَوْصُولَةِ: ما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَذَّبُوا، أيْ: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ مِمّا دُعُوا إلى الإيمانِ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ. وشَأْنُ ما المَوْصُولَةِ أنْ يُرادَ بِها غَيْرُ العاقِلِ، فَلا يَكُونُ ماصَدَقَ ما هُنا الرُّسُلَ، بَلْ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، فَلِذَلِكَ كانَ فِعْلُ كَذَّبُوا هُنا مُقَدَّرًا مُتَعَلِّقُهُ لَفْظُ بِهِ كَما هو الفَرْقُ بَيْنَ كَذَّبَهُ وكَذَّبَ بِهِ، قالَ - تَعالى - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ﴾ [الأعراف: ٦٤] وقالَ ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] وحُذِفَ المُتَعَلِّقُ هُنا إيجازًا؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُ تَكْذِيبِ أهْلِ القُرى، ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ - تَعالى - (﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤]) وقَدْ سَبَقَ في ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] ولِهَذا لَمْ يُحْذَفْ مُتَعَلِّقُ فِعْلِ كَذَّبُوا في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ يُونُسَ.

والمَعْنى: ما أفادَتْهُمُ البَيِّناتُ أنْ يُؤْمِنُوا بِشَيْءٍ كانَ بَدَرَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ بِهِ في ابْتِداءِ الدَّعْوَةِ، فالمُضافُ المَحْذُوفُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ بِناءُ (قَبْلُ) عَلى الضَّمِّ تَقْدِيرُهُ: مِن قَبْلِ مَجِيءِ البَيِّناتِ.

وأُسْنِدَ نَفْيُ الإيمانِ إلى ضَمِيرِ جَمِيعِ أهْلِ القُرى بِاعْتِبارِ الغالِبِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ، وسَيَخْرُجُ المُؤْمِنُونَ مِنهم بِقَوْلِهِ وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ.

ومَعْنى قَوْلِهِ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ مِثْلُ ذَلِكَ الطَّبْعِ العَجِيبِ المُسْتَفادِ مِن حِكايَةِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، والمُؤْذِنُ بِهِ فِعْلُ يَطْبَعُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظائِرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وتَقَدَّمَ مَعْنى الطَّبْعِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] في سُورَةِ النِّساءِ

صفحة ٣٢

وإظْهارُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في جُمْلَةِ يَطْبَعُ اللَّهُ دُونَ الإضْمارِ: لِما في إسْنادِ الطَّبْعِ إلى الِاسْمِ العَلَمِ مِن صَراحَةِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ طَبْعٌ رَهِيبٌ لا يُغادِرُ لِلْهُدى مَنفَذًا إلى قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ - تَعالى - هَذا خَلْقُ اللَّهِ دُونَ أنْ يَقُولَ: هَذا خَلْقِي، ولِهَذا اخْتِيرَ لَهُ الفِعْلُ المُضارِعُ الدّالُّ عَلى اسْتِمْرارِ الخَتْمِ وتَجَدُّدِهِ.

والقُلُوبُ: العُقُولُ، والقَلْبُ في لِسانِ العَرَبِ: مِن أسْماءِ العَقْلِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والتَّعْرِيفُ في الكافِرِينَ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، مُفِيدٌ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ: جَمِيعُ الكافِرِينَ مِمَّنْ ذُكِرَ وغَيْرِهِمْ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّ ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ هو سُنَّةُ الرُّسُلِ السّابِقِينَ، وأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِتَقْصِيرٍ مِنهُ، ولا لِضَعْفِ آياتِهِ، ولَكِنَّهُ لِلْخَتْمِ عَلى قُلُوبِ كَثِيرٍ مِن قَوْمِهِ.

وعُطِفَتْ جُمْلَةُ وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ عَلى جُمْلَةِ ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم وما تَرَتَّبَ عَلَيْها مِن قَوْلِهِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ تَنْبِيهًا عَلى رُسُوخِ الكُفْرِ مِن نُفُوسِهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَقْلَعْهُ مِنهم لا ما شاهَدُوهُ مِنَ البَيِّناتِ، ولا ما وضَعَهُ اللَّهُ في فِطْرَةِ الإنْسانِ مِنَ اعْتِقادِ وُجُودِ إلَهٍ واحِدٍ وتَصْدِيقِ الرُّسُلِ الدّاعِينَ إلَيْهِ، ولا الوَفاءُ بِما عاهَدُوا عَلَيْهِ الرُّسُلَ عِنْدَ الدَّعْوَةِ: إنَّهم إنْ أتَوْهم بِالبَيِّناتِ يُؤْمِنُونَ بِها.

والوِجْدانُ في المَوْضِعَيْنِ مَجازٌ في العِلْمِ، فَصارَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ، ونَفْيُهُ في الأوَّلِ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ العَهْدِ بِالمَعْنى المَقْصُودِ، أيْ: وفائِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَعَلِمَهُ مَن شَأْنُهُ أنْ يَعْلَمَهُ ويَبْحَثَ عَنْهُ عِنْدَ طَلَبِ الوَفاءِ بِهِ، لا سِيَّما والمُتَكَلِّمُ هو الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ كَقَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ، أيْ لا مُحَرَّمَ إلّا ما ذُكِرَ، فَمَعْنى وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ ما لِأكْثَرِهِمْ عَهْدٌ.

والعَهْدُ: الِالتِزامُ والوَعْدُ المُؤَكَّدُ وُقُوعُهُ، والمُوَثَّقُ بِما يَمْنَعُ مِن إخْلافِهِ: مِن يَمِينٍ، أوْ ضَمانٍ، أوْ خَشْيَةِ مَسَبَّةٍ. وهو مُشْتَقٌّ مِن عَهِدَ الشَّيْءَ بِمَعْنى عَرَفَهُ؛ لِأنَّ الوَعْدَ المُؤَكَّدَ يَعْرِفُهُ مُلْتَزِمُهُ ويَحْرِصُ أنْ لا يَنْساهُ.

ويُسَمّى إيقاعُ ما التَزَمَهُ المُلْتَزِمُ مِن عَهْدِهِ الوَفاءَ بِالعَهْدِ، فالعَهْدُ هُنا يَجُوزُ أنْ يُرادَ

صفحة ٣٣

بِهِ الوَعْدُ الَّذِي حَقَّقَهُ الأُمَمُ لِرُسُلِهِمْ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ﴿فَأْتِنا بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الرحمن: ١٥٤]، فَإنَّ مَعْنى ذَلِكَ: إنْ أتَيْتَنا بِآيَةٍ صَدَّقْناكَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ وعْدٌ وثَّقَهُ أسْلافُ الأُمَمِ مِن عَهْدِ آدَمَ أنْ لا يَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ وهو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ [يس: ٦٠] الآيَةَ، فَكانَ لازِمًا لِأعْقابِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ ما وعَدَتْ بِهِ أرْواحُ البَشَرِ خالِقَها في الأزَلِ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمُ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ. وهو عِبارَةٌ عَنْ خَلْقِ اللَّهِ فِطْرَةَ البَشَرِيَّةِ مُعْتَقِدَةً وُجُودَ خالِقِها ووَحْدانِيَّتَهُ، ثُمَّ حَرَّفَتْها النَّزَعاتُ الوَثَنِيَّةُ والضَّلالاتُ الشَّيْطانِيَّةُ.

ووُقُوعُ اسْمِ هَذا الجِنْسِ في سِياقِ النَّفْيِ يَقْتَضِي انْتِفاءَهُ بِجَمِيعِ المَعانِي الصّادِقِ هو عَلَيْها.

ومَعْنى انْتِفاءِ وِجْدانِهِ، هو انْتِفاءُ الوَفاءِ بِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ الوَعْدِ ثابِتٌ مَوْجُودٌ، ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ تَحَقُّقُهُ لا يَظْهَرُ إلّا في المُسْتَقْبَلِ، وهو الوَفاءُ، جَعَلَ انْتِفاءَ الوَفاءِ بِمَنزِلَةِ انْتِفاءِ الوُقُوعِ، والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: ما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن وفاءِ عَهْدٍ.

وإنَّما عُدِّيَ عَدَمُ وِجْدانِ الوَفاءِ بِالعَهْدِ في أكْثَرِهِمْ لِلْإشارَةِ إلى إخْراجِ مُؤْمِنِي كُلِّ أُمَّةٍ مِن هَذا الذَّمِّ، والمُرادُ بِأكْثَرِهِمْ، أكْثَرُ كُلِّ أُمَّةٍ مِنهم، لا أُمَّةٌ واحِدَةٌ قَلِيلَةٌ مِن بَيْنِ جَمِيعِ الأُمَمِ.

وقَوْلُهُ ﴿وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ إخْبارٌ بِأنَّ عَدَمَ الوَفاءِ بِالعَهْدِ مِن أكْثَرِهِمْ كانَ مِنهم عَنْ عَمْدٍ ونَكْثٍ، ولِكَوْنِ ذَلِكَ مَعْنًى زائِدًا عَلى ما في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عُطِفَتْ ولَمْ تُجْعَلْ تَأْكِيدًا لِلَّتِي قَبْلَها أوْ بَيانًا؛ لِأنَّ الفِسْقَ هو عِصْيانُ الأمْرِ، وذَلِكَ أنَّهم كَذَّبُوا فِيما وعَدُوا عَنْ قَصْدٍ لِلْكُفْرِ.

و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وبَعْدَها مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْهُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ هَذا الخَبَرِ لِيَعْلَمَهُ السّامِعُونَ.

واللّامُ الدّاخِلَةُ في خَبَرِ وجَدْنا لامُ ابْتِداءٍ، بِاعْتِبارِ كَوْنِ ذَلِكَ الخَبَرِ خَبَرًا مِن جُمْلَةٍ هي خَبَرٌ عَنِ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ إنْ، وجُلِبَتِ اللّامُ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤] .

صفحة ٣٤

وأُسْنِدَ حُكْمُ النَّكْثِ إلى أكْثَرِ أهْلِ القُرى، تَبْيِينًا لِكَوْنِ ضَمِيرِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا جَرى عَلى التَّغْلِيبِ، ولَعَلَّ نُكْتَةَ هَذا التَّصْرِيحِ في خُصُوصِ هَذا الحُكْمِ أنَّهُ حُكْمُ مَذَمَّةٍ ومَسَبَّةٍ، فَناسَبَتْ مُحاشاةَ مَن لَمْ تَلْتَصِقْ بِهِ تِلْكَ المَسَبَّةُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском