Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:138–142

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:138–142

7:138–140Page 167

وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ١٣٨

And We took the Children of Israel across the sea; then they came upon a people intent in devotion to [some] idols of theirs. They [the Children of Israel] said, "O Moses, make for us a god just as they have gods." He said, "Indeed, you are a people behaving ignorantly.

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٩

Indeed, those [worshippers] - destroyed is that in which they are [engaged], and worthless is whatever they were doing."

قَالَ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ إِلَٰهٗا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٠

He said, "Is it other than Allāh I should desire for you as a god1 while He has preferred you over the worlds?"

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهْوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾

لَمّا تَمَّتِ العِبْرَةُ بِقِصَّةِ بَعْثِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، وكَيْفَ نَصَرَهُ اللَّهُ عَلى عَدُوِّهِ، ونَصَرَ قَوْمَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وأهْلَكَ عَدُوَّهم كَشَأْنِ سُنَّةِ اللَّهِ في نَصْرِ الحَقِّ عَلى الباطِلِ، اسْتُرْسِلَ الكَلامُ إلى وصْفِ تَكْوِينِ أُمَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وما يَحِقُّ أنْ يُعْتَبَرَ بِهِ مِنَ الأحْوالِ العارِضَةِ لَهم في خِلالِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ طُمَأْنِينَةُ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ في صالِحِ أعْمالِهِمْ، وتَحْذِيرُهم مِمّا يَرْمِي بِهِمْ إلى غَضَبِ اللَّهِ فِيما يُحَقِّرُونَ مِنَ المُخالَفاتِ، لِما في ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ التَّشابُهِ في تَدْبِيرِ اللَّهِ - تَعالى - أُمُورَ عَبِيدِهِ، وسُنَّتِهِ في تَأْيِيدِ رُسُلِهِ وأتْباعِهِمْ، وإيقاظِ نُفُوسِ الأُمَّةِ إلى مُراقَبَةِ خَواطِرِهِمْ ومُحاسَبَةِ نُفُوسِهِمْ في شُكْرِ النِّعْمَةِ ودَحْضِ الكُفْرانِ.

والمُجاوَزَةُ: البُعْدُ عَنِ المَكانِ عَقِبَ المُرُورِ فِيهِ، يُقالُ: جاوَزَ بِمَعْنى جازَ، كَما يُقالُ: عالى بِمَعْنى عَلا، وفِعْلُهُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ بِنَفْسِهِ وإلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالباءِ فَإذا قُلْتَ: جُزْتُ بِهِ، فَأصْلُ مَعْناهُ أنَّكَ جُزْتَهُ مُصاحِبًا في الجَوازِ بِهِ لِلْمَجْرُورِ بِالباءِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتِ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ يُقالُ: جُزْتُ بِهِ الطَّرِيقَ إذا سَهَّلْتَ لَهُ ذَلِكَ وإنْ لَمْ تَسِرْ مَعَهُ، فَهو

صفحة ٨٠

بِمَعْنى أجَزْتُهُ، كَما قالُوا: ذَهَبْتَ بِهِ بِمَعْنى أذْهَبْتَهُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ هُنا ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ قَدَّرْنا لَهم جَوازَهُ ويَسَّرْناهُ لَهم.

والبَحْرُ هو بَحْرُ القُلْزُمِ - المَعْرُوفُ اليَوْمَ بِالبَحْرِ الأحْمَرِ - وهو المُرادُ بِاليَمِّ في الآيَةِ السّابِقَةِ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ الحُضُورِيِّ، أيِ البَحْرَ المَذْكُورَ كَما هو شَأْنُ المَعْرِفَةِ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، واخْتِلافُ اللَّفْظِ تَفَنُّنٌ، تَجَنُّبًا لِلْإعادَةِ، والمَعْنى: أنَّهم قَطَعُوا البَحْرَ وخَرَجُوا عَلى شاطِئِهِ الشَّرْقِيِّ.

و(أتَوْا عَلى قَوْمٍ) مَعْناهُ أتَوْا قَوْمًا، ولَمّا ضُمِّنَ أتَوْا مَعْنى مَرُّوا عُدِّيَ بِعَلى، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا الإقامَةَ في القَوْمِ، ولَكِنَّهم ألْفَوْهم في طَرِيقِهِمْ.

والقَوْمُ هُمُ الكَنْعانِيُّونَ ويُقالُ لَهم عِنْدَ العَرَبِ العَمالِقَةُ ويُعْرَفُونَ عِنْدَ مُتَأخِّرِي المُؤَرِّخِينَ بِالفِنِيقِيِّينَ.

والأصْنامُ كانَتْ صُوَرَ البَقَرِ، وقَدْ كانَ البَقَرُ يُعْبَدُ عِنْدَ الكَنْعانِيِّينَ، أيِ الفِينِيقِيِّينَ باسِمِ (بَعْلَ) . وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ بِنِيَّةِ العِبادَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَعْدِيَةُ العُكُوفِ بِحَرْفِ (عَلى) لِما فِيهِ مِن مَعْنى النُّزُولِ وتَمَكُّنِهِ كَقَوْلِهِ قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ.

وقُرِئَ (يَعْكُفُونَ) . بِضَمِّ الكافِ لِلْجُمْهُورِ، وبِكَسْرِها لِحَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وخَلَفٍ، وهُما لُغَتانِ في مُضارِعِ عَكَفَ.

واخْتِيرَ طَرِيقُ التَّنْكِيرِ في أصْنامٍ ووَصْفُهُ بِأنَّها لَهم، أيِ القَوْمِ دُونَ طَرِيقِ الإضافَةِ لِيُتَوَصَّلَ بِالتَّنْكِيرِ إلى إرادَةِ تَحْقِيرِ الأصْنامِ وأنَّها مَجْهُولَةٌ؛ لِأنَّ التَّنْكِيرَ يَسْتَلْزِمُ خَفاءَ المَعْرِفَةِ.

وإنَّما وُصِفَتِ الأصْنامُ بِأنَّها لَهم ولَمْ يُقْتَصَرْ عَلى قَوْلِهِ (أصْنامٍ) قالَ ابْنُ عَرَفَةَ التُّونِسِيُّ ”عادَتُهم يُجِيبُونَ بِأنَّهُ زِيادَةُ تَشْنِيعٍ بِهِمْ وتَنْبِيهٌ عَلى جَهْلِهِمْ وغَوايَتِهِمْ في أنَّهم يَعْبُدُونَ ما هو مِلْكٌ لَهم فَيَجْعَلُونَ مَمْلُوكَهم إلاهَهَمْ“ .

صفحة ٨١

وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالُوا، فَلَمْ تُعْطَفْ بِالفاءِ: لِأنَّها لَمّا كانَتِ افْتِتاحَ مُحاوِرٍ، وكانَ شَأْنُ المُحاوَرَةِ أنْ تَكُونَ جُمَلُها مَفْصُولَةً شاعَ فَصْلُها، ولَوْ عُطِفَتْ بِالفاءِ لَجازَ أيْضًا.

ونِداؤُهم مُوسى وهو مَعَهم مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الإصْغاءِ لِما يَقُولُونَهُ، إظْهارًا لِرَغْبَتِهِمْ فِيما سَيَطْلُبُونَ، وسَمَّوُا الصَّنَمَ إلَهًا لِجَهْلِهِمْ، فَهم يَحْسَبُونَ أنَّ اتِّخاذَ الصَّنَمِ يُجْدِي صاحِبَهُ، كَما لَوْ كانَ إلاهُهُ مَعَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدِ انْخَلَعُوا في مُدَّةِ إقامَتِهِمْ بِمِصْرَ عَنْ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ وحَنِيفِيَّةِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ الَّتِي وصّى بِها في قَوْلِهِ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ لِأنَّهم لَمّا كانُوا في حالِ ذُلٍّ واسْتِعْبادٍ ذَهَبَ عِلْمُهم وتارِيخُ مَجْدِهِمْ وانْدَمَجُوا في دِيانَةِ الغالِبِينَ لَهم فَلَمْ تَبْقَ لَهم مَيْزَةٌ تُمَيِّزُهم إلّا أنَّهم خَدَمَةٌ وعَبِيدٌ.

والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ كَما لَهم آلِهَةٌ أرادُوا بِهِ حَضَّ مُوسى عَلى إجابَةِ سُؤالِهِمْ، وابْتِهاجًا بِما رَأوْا مِن حالِ القَوْمِ الَّذِينَ حَلُّوا بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ وكَفى بِالأُمَّةِ خِسَّةَ عُقُولٍ أنْ تَعُدَّ القَبِيحَ حَسَنًا، وأنْ تَتَّخِذَ المَظاهِرَ المُزَيَّنَةَ قُدْوَةً لَها، وأنْ تَنْخَلِعَ عَنْ كَمالِها في اتِّباعِ نَقائِصِ غَيْرِها.

و(ما) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةً وتَوْكِيدًا كافَّةَ عَمَلِ حَرْفِ التَّشْبِيهِ، ولِذَلِكَ صارَ كافُ التَّشْبِيهِ داخِلًا عَلى جُمْلَةٍ لا عَلى مُفْرَدٍ، وهي جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ ومُبْتَدَأٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً غَيْرَ زَمانِيَّةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ، والتَّقْدِيرُ كَوُجُودِ آلِهَةٍ لَهم، وإنْ كانَ الغالِبُ أنَّ (ما) المَصْدَرِيَّةَ لا تَدْخُلُ إلّا عَلى الفِعْلِ نَحْوَ قَوْلِهِ - تَعالى - ودُّوا ما عَنِتُّمْ فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ في قَوْلِهِ (لَهم) أوْ يُكْتَفى بِالِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ وُقُوعُ الخَبَرِ جارًّا ومَجْرُورًا، كَقَوْلِ نَهْشَلِ بْنِ جَرِيرِ التَّمِيمِيِّ:

كَما سَيْفُ عَمْرٍو لَمْ تَخُنْهُ مَضارِبُهُ

وفُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لِوُقُوعِها في جَوابِ المُحاوَرَةِ، أيْ: أجابَ مُوسى كَلامَهم، وكانَ جَوابُهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِحالِهِمْ.

صفحة ٨٢

والجَهْلُ: انْتِفاءُ العِلْمِ أوْ تَصَوُّرُ الشَّيْءِ عَلى خِلافِ حَقِيقَتِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧] في سُورَةِ النِّساءِ، والمُرادُ جَهْلُهم بِمَفاسِدِ عِبادَةِ الأصْنامِ، وكانَ وصْفُ مُوسى إيّاهم بِالجَهالَةِ مُؤَكِّدًا لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ مِن كَوْنِ الجَهالَةِ صِفَةً ثابِتَةً فِيهِمْ وراسِخَةً مِن نُفُوسِهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَكانَ لَهم في بادِئِ النَّظَرِ زاجِرٌ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ: الصَّرِيحِ والكِنايَةِ، مُكَنًّى بِهِ عَنِ التَّعَجُّبِ مِن فَداحَةِ جَهْلِهِمْ.

وفِي الإتْيانِ بِلَفْظِ (قَوْمٍ) جَعَلَ ما هو مَقْصُودٌ بِالإخْبارِ وصْفًا لِقَوْمٍ، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ وصْفَهم بِالجَهالَةِ كالمُتَحَقِّقِ المَعْلُومِ الدّاخِلِ في تَقْوِيمِ قَوْمِيَّتِهِمْ. وفي الحُكْمِ بِالجَهالَةِ عَلى القَوْمِ كُلِّهِمْ تَأْكِيدٌ لِلتَّعَجُّبِ مِن حالِ جَهالَتِهِمْ وعُمُومِها فِيهِمْ بِحَيْثُ لا يُوجَدُ فِيهِمْ مَن يَشِذُّ عَنْ هَذا الوَصْفِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ، ولِأجْلِ هَذِهِ الغَرابَةِ أُكِّدُّ الحُكْمُ (بِإنَّ) لِأنَّ شَأْنَهُ أنْ يَتَرَدَّدَ في ثُبُوتِهِ السّامِعُ.

وجُمْلَةُ إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنْها وقَدْ أُكِّدَتْ وجُعِلَتِ اسْمِيَّةً لِمِثْلِ الأغْراضِ الَّتِي ذُكِرَتْ في أُخْتِها، وقَدْ عُرِّفَ المُسْنَدُ إلَيْهِ بِالإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ بِتِلْكَ الحالَةِ الَّتِي هم مُتَلَبِّسُونَ بِها أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ وهي كَوْنُهم مُتَبَّرًا أمْرُهم وباطِلًا عَمَلُهم، وقُدِّمَ المُسْنَدُ وهو (مُتَبَّرٌ) عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو ما هم فِيهِ لِيُفِيدَ تَخْصِيصَهُ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ أيْ: هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ وأنَّهُ لا يَعْدُوهُمُ البَتَّةَ وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يُجْعَلَ مُتَبَّرٌ مُسْنَدًا إلَيْهِ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالإخْبارِ هو ما هم فِيهِ.

والمُتَبِّرُ: المُدَمِّرُ، والتَّبارُ - بِفَتْحِ التّاءِ - الهَلاكُ ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا. يُقالُ تَبَرَ الشَّيْءُ - كَضَرَبَ وتَعِبَ وقَتَلَ - وتَبَّرَهُ تَضْعِيفٌ لِلتَّعْدِيَةِ، أيْ أهْلَكَهُ، والتَّتْبِيرُ مُسْتَعارٌ هُنا لِفَسادِ الحالِ، فَيَبْقى اسْمُ المَفْعُولِ عَلى حَقِيقَتِهِ في أنَّهُ وصْفٌ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ في زَمَنِ الحالِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّتْبِيرُ مُسْتَعارًا لِسُوءِ العاقِبَةِ، شُبِّهَ حالُهُمُ المُزَخْرَفُ ظاهِرُهُ بِحالِ الشَّيْءِ البَهِيجِ الآيِلِ إلى الدَّمارِ والكَسْرِ فَيَكُونُ اسْمُ المَفْعُولِ مَجازًا في الِاسْتِقْبالِ، أيْ

صفحة ٨٣

صائِرٌ إلى السُّوءِ.

وما هم فِيهِ هو حالُهم، وهو عِبادَةُ الأصْنامِ وما تَقْتَضِيهِ مِنَ الضَّلالاتِ والسَّيِّئاتِ ولِذَلِكَ اخْتِيرَ في تَعْرِيفِها طَرِيقُ المَوْصُولِيَّةِ لِأنَّ الصِّلَةَ تُحِيطُ بِأحْوالِهِمُ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها المُتَكَلِّمُ ولا المُخاطَبُونَ.

والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ مُسْتَعارَةٌ لِلْمُلابَسَةِ، تَشْبِيهًا لِلتَّلَبُّسِ بِاحْتِواءِ الظَّرْفِ عَلى المَظْرُوفِ.

والباطِلُ اسْمٌ لِضِدِّ الحَقَّ، فالإخْبارُ بِهِ كالإخْبارِ بِالمَصْدَرِ يُفِيدُ مُبالَغَةً في بُطْلانِهِ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ التَّوْبِيخِ والمُبالَغَةِ في الإنْكارِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا مَعْنى الباطِلِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.

وفِي تَقْدِيمِ المُسْنَدِ، وهو (باطِلٌ) عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو ما كانُوا يَعْمَلُونَ ما في نَظِيرِهِ مِن قَوْلِهِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ.

وإعادَةُ لَفْظِ (قالَ) مُسْتَأْنَفًا في حِكايَةِ تَكْمِلَةِ جَوابِ مُوسى بِقَوْلِهِ - تَعالى - قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - قالَ اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا إلى قَوْلِهِ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.

والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ يُعادُ في حِكايَةِ الأقْوالِ إذا طالَ المَقُولُ، أوْ لِأنَّهُ انْتِقالٌ مِن غَرَضِ التَّوْبِيخِ عَلى سُؤالِهِمْ إلى غَرَضِ التَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وأنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ يَقْتَضِي زَجْرَهم عَنْ مُحاوَلَةِ عِبادَةِ غَيْرِ المُنْعِمِ، وهو مِنَ الِارْتِقاءِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى طَرِيقَةِ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ، أيْ: لَوْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الآلِهَةُ باطِلًا لَكانَ في اشْتِغالِكم بِعِبادَتِها والإعْراضِ عَنِ الإلَهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْكم كُفْرانٌ لِلنِّعْمَةِ ونِداءٌ عَلى الحَماقَةِ وتَنَزُّهٌ عَنْ أنْ يُشارِكَهم في حَماقَتِهِمْ.

والِاسْتِفْهامُ بِقَوْلِهِ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ مِن طَلَبِهِمْ أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ، وقَدْ أُولِيَ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ الهَمْزَةَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَحَلَّ الإنْكارِ هو اتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ إلَهًا، فَتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الثّانِي لِلِاخْتِصاصِ، لِلْمُبالَغَةِ في الإنْكارِ أيِ: اخْتِصاصِ الإنْكارِ بِبَغْيِ غَيْرِ اللَّهِ إلَهًا.

وهَمْزَةُ (أبْغِيكم) هَمْزَةُ المُتَكَلِّمِ لِلْفِعْلِ المُضارِعِ، وهو مُضارِعُ بَغى بِمَعْنى طَلَبَ. ومَصْدَرُهُ البُغاءُ - بِضَمِّ الباءِ - .

صفحة ٨٤

وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ومَفْعُولُهُ هو (غَيْرَ اللَّهِ) لِأنَّهُ هو الَّذِي يُنْكِرُ مُوسى أنْ يَكُونَ يَبْغِيهِ لِقَوْمِهِ.

وتَعْدِيَتُهُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ والإيصالِ، وأصْلُ الكَلامِ: أبْغِي لَكم و(إلَهًا) تَمْيِيزٌ لِـ (غَيْرَ) .

وجُمْلَةُ وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ في مَوْضِعِ الحالِ، وحِينَ كانَ عامِلُها مَحَلَّ إنْكارٍ بِاعْتِبارِ مَعْمُولِهِ، كانَتِ الحالُ أيْضًا داخِلَةً في حَيِّزِ الإنْكارِ، ومُقَرِّرَةً لِجِهَتِهِ.

وظاهِرُ صَوْغِ الكَلامِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ أنَّ تَفْضِيلَهم عَلى العالَمِينَ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَهم لِأنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِلْإنْكارِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ إعْلامَهم بِذَلِكَ وأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ.

ومَجِيءُ المُسْنَدِ فِعْلِيًّا: لِيُفِيدَ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَيْهِ تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ الخَبَرِ الفِعْلِيِّ أيْ: وهو فَضَّلَكم لَمْ تُفَضِّلْكُمُ الأصْنامُ، فَكانَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ تَحْمِيقًا لَهم في أنَّهم مَغْمُورُونَ في نِعْمَةِ اللَّهِ ويَطْلُبُونَ عِبادَةَ ما لا يُنْعِمُ.

والمُرادُ بِالعالَمِينَ: أُمَمُ عَصْرِهِمْ، وتَفْضِيلُهم عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ذُرِّيَّةُ رَسُولٍ وأنْبِياءَ، وبِأنَّ مِنهم رُسُلًا وأنْبِياءَ، وبِأنَّ اللَّهَ هَداهم إلى التَّوْحِيدِ والخَلاصِ مِن دِينِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ تَخَبَّطُوا فِيهِ، وبِأنَّهُ جَعَلَهم أحْرارًا بَعْدَ أنْ كانُوا عَبِيدًا، وساقَهم إلى امْتِلاكِ أرْضٍ مُبارَكَةٍ وأيَّدَهم بِنَصْرِهِ وآياتِهِ، وبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا لِيُقِيمَ لَهُمُ الشَّرِيعَةَ. وهَذِهِ الفَضائِلُ لَمْ تَجْتَمِعْ لِأُمَّةٍ غَيْرِهِمْ يَوْمَئِذٍ، ومِن جُمْلَةِ العالَمِينَ هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ أتَوْا عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ إنْكارِ طَلَبِهِمُ اتِّخاذَ أصْنامٍ مِثْلَهم؛ لِأنَّ شَأْنَ الفاضِلِ أنْ لا يُقَلِّدَ المَفْضُولَ؛ لِأنَّ اقْتِباسَ أحْوالِ الغَيْرِ يَتَضَمَّنُ اعْتِرافًا بِأنَّهُ أرْجَحُ رَأْيًا وأحْسَنُ حالًا، في تِلْكَ النّاحِيَةِ.

7:141Page 167

وَإِذۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ١٤١

And [recall, O Children of Israel], when We saved you from the people of Pharaoh, [who were] afflicting you with the worst torment - killing your sons and keeping your women alive. And in that was a great trial from your Lord.

﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يَقْتُلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾

مِن تَتِمَّةِ كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ ”وإذْ أنْجاكم“ والمَعْنى: أأبْتَغِي لَكم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ في حالِ أنَّهُ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ،

صفحة ٨٥

وفِي زَمانٍ أنْجاكم فِيهِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ بِواسِطَتِي فابْتِغاءُ إلَهٍ غَيْرِهِ كُفْرانٌ لِنِعْمَتِهِ. فَضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ يَعُودُ إلى اللَّهِ ومُوسى ومَعادُهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا امْتِنانًا مِنَ اللَّهِ اعْتَرَضَهُ بَيْنَ القِصَّةِ وعِدَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتِقالًا مِنَ الخَبَرِ والعِبْرَةِ إلى النِّعْمَةِ والمِنَّةِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ ضَمِيرَ تَعْظِيمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ أنْجَيْناكم بِنُونِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: ”وإذْ أنْجاكم“ عَلى إعادَةِ الضَّمِيرِ إلى اللَّهِ في قَوْلِهِ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا، وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في مُصْحَفِ الشّامِ فَيَكُونُ مِن كَلامِ مُوسى وبِمَجْمُوعِ القِراءَتَيْنِ يَحْصُلُ المَعْنَيانِ.

و(إذْ) اسْمُ زَمانٍ، وهو مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرُوا.

واخْتارَ الطَّبَرِيُّ وجَماعَةٌ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وإذْ أنْجَيْناكم خِطابًا لِلْيَهُودِ المَوْجُودِينَ في زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَيَكُونُ ابْتِداءَ خِطابٍ افْتُتِحَ بِكَلِمَةِ (إذْ)، والتَّعْرِيضُ بِتَذْكِيرِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ قَدِ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ وسُورَةُ الأعْرافِ مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَكُنْ في المَكِّيِّ مِنَ القُرْآنِ ما هو مُجادَلَةٌ مَعَ اليَهُودِ.

وقَوْلُهُ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ إلى آخِرِ الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مُشابِهَتِها في سُورَةِ البَقَرَةِ.

7:142Page 167

۞ وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤٢

And We made an appointment with Moses for thirty nights and perfected them by [the addition of] ten; so the term of his Lord was completed as forty nights. And Moses said to his brother Aaron, "Take my place among my people, do right [by them],1 and do not follow the way of the corrupters."

﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾

عَوْدٌ إلى بَقِيَّةِ حَوادِثِ بَنِي إسْرائِيلَ، بَعْدَ مُجاوَزَتِهِمُ البَحْرَ، فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] .

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى المُواعَدَةِ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”ووَعَدْنا“ . وحَذَفَ المَوْعُودَ بِهِ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ في قَوْلِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً إلَخْ. و(ثَلاثِينَ) مَنصُوبٌ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الظَّرْفِ؛ لِأنَّ تَمْيِيزَهُ ظَرْفٌ لِلْمُواعَدِ بِهِ وهو الحُضُورُ لِتَلَقِّي الشَّرِيعَةِ، ودَلَّ عَلَيْهِ (واعَدْنا) لِأنَّ المُواعَدَةَ لِلِقاءٍ فالعامِلُ واعَدْنا بِاعْتِبارِ المُقَدَّرِ، أيْ حُضُورًا مُدَّةَ ثَلاثِينَ لَيْلَةً.

وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ مُدَّةَ المُناجاةِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً تَيْسِيرًا عَلَيْهِ، فَلَمّا قَضاها وزادَتْ نَفْسُهُ الزَّكِيَّةُ

صفحة ٨٦

تَعَلُّقًا ورَغْبَةً في مُناجاةِ اللَّهِ وعِبادَتِهِ، زادَهُ اللَّهُ مِن هَذا الفَضْلِ عَشْرَ لَيالٍ، فَصارَتْ مُدَّةُ المُناجاةِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ قِصَّةً في سَبَبِ زِيادَةِ عَشْرِ لَيالٍ، لَمْ تَصِحَّ. ولَمْ يَزِدْهُ عَلى أرْبَعِينَ لَيْلَةً: إمّا لِأنَّهُ قَدْ بَلَغَ أقْصى ما تَحْتَمِلُهُ قُوَّتُهُ البَشَرِيَّةُ فَباعَدَهُ اللَّهُ مِن أنْ تَعْرِضَ لَهُ السَّآمَةُ في عِبادَةِ رَبِّهِ، وذَلِكَ يُجَنَّبُ عَنْهُ المُتَّقُونَ بَلَهَ الأنْبِياءُ، وقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «عَلَيْكم مِنَ الأعْمالِ بِما تُطِيقُونَ فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ حَتّى تَمَلُّوا»، وإمّا لِأنَّ زِيادَةَ مَغِيبِهِ عَنْ قَوْمِهِ تُفْضِي إلى إضْرارٍ، كَما قِيلَ: إنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ في العَشْرِ اللَّيالِي الأخِيرَةِ مِنَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وسُمِّيَتْ زِيادَةُ اللَّيالِي العَشْرِ إتْمامًا إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ - تَعالى - أرادَ أنْ تَكُونَ مُناجاةُ مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ولَكِنَّهُ لَمّا أمَرَهُ بِها أمَرَهُ بِها مُفَرَّقَةً إمّا لِحِكْمَةِ الِاسْتِيناسِ وإمّا لِتَكُونَ تِلْكَ العَشْرُ عِبادَةً أُخْرى فَيَتَكَرَّرَ الثَّوابُ، والمُرادُ اللَّيالِي بِأيّامِها فاقْتُصِرَ عَلى اللَّيالِي لِأنَّ المُواعَدَةَ كانَتْ لِأجْلِ الِانْقِطاعِ لِلْعِبادَةِ وتَلَقِّي المُناجاةِ، والنَّفْسُ في اللَّيْلِ أكْثَرُ تَجَرُّدًا لِلْكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ، والأحْوالِ المَلَكِيَّةِ، مِنها في النَّهارِ، إذْ قَدِ اعْتادَتِ النُّفُوسُ بِحَسَبِ أصْلِ التَّكْوِينِ الِاسْتِئْناسَ بِنُورِ الشَّمْسِ والنَّشاطَ بِهِ لِلشُّغْلِ، فَلا يُفارِقُها في النَّهارِ الِاشْتِغالُ بِالدُّنْيا ولَوْ بِالتَّفَكُّرِ وبِمُشاهَدَةِ المَوْجُوداتِ، وذَلِكَ يَنْحَطُّ في اللَّيْلِ والظُّلْمَةِ، وتَنْعَكِسُ تَفَكُّراتُ النَّفْسِ إلى داخِلِها، ولِذَلِكَ لَمْ تَزَلِ الشَّرِيعَةُ تُحَرِّضُ عَلى قِيامِ اللَّيْلِ وعَلى الِابْتِهالِ فِيهِ إلى اللَّهِ - تَعالى -، قالَ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] الآيَةَ. وقالَ ﴿وبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وفي الحَدِيثِ «يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا في ثُلُثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ فَيَقُولُ هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ فَأغْفِرَ لَهُ هَلْ مِن داعٍ فَأسْتَجِيبَ لَهُ»، ولَمْ يَزَلِ الشُّغْلُ في السَّهَرِ مِن شِعارِ الحُكَماءِ والمُرْتاضِينَ لِأنَّ السَّهَرَ يُلَطِّفُ سُلْطانَ القُوَّةِ الحَيَوانِيَّةِ كَما يُلَطِّفُها الصَّوْمُ قالَ في هَياكِلِ النُّورِ: النُّفُوسُ النّاطِقَةُ مِن عالَمِ المَلَكُوتِ وإنَّما شَغَلَها عَنْ عالَمِها القُوى البَدَنِيَّةُ ومُشاغَلَتُها فَإذا قَوِيَتِ النَّفْسُ بِالفَضائِلِ الرُّوحانِيَّةِ وضَعُفَ سُلْطانُ القُوى البَدَنِيَّةِ بِتَقْلِيلِ الطَّعامِ وتَكْثِيرِ السَّهَرِ تَتَخَلَّصُ أحْيانًا إلى عالَمِ القُدُسِ وتَتَّصِلُ بِرَبِّها وتَتَلَقّى مِنَ المَعارِفِ.

عَلى أنَّ الغالِبَ في الكَلامِ العَرَبِيِّ التَّوْقِيتُ بِاللَّيالِي، ويُرِيدُونَ أنَّها بِأيّامِها؛ لِأنَّ الأشْهُرَ العَرَبِيَّةَ تُبْتَدَأُ بِاللَّيالِي إذْ هي مَنُوطَةٌ بِظُهُورِ الأهِلَّةِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ فَذْلَكَةُ الحِسابِ كَما في قَوْلِهِ

صفحة ٨٧

﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ.

والتَّمامُ الَّذِي في قَوْلِهِ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى النَّماءِ والتَّفَوُّقِ فَكانَ مِيقاتًا أكْمَلَ وأفْضَلَ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] وقَوْلِهِ ﴿وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] إشارَةً إلى أنَّ زِيادَةَ العَشْرِ كانَتْ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ تَكُونُ مُدَّةُ الثَلاثِينَ بِدُونِها غَيْرَ بالِغَةٍ أقْصى الكَمالِ، وأنَّ اللَّهَ قَدَّرَ المُناجاةَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ولَكِنَّهُ أبْرَزَ الأمْرَ لِمُوسى مَفْرِقًا وتَيْسِيرًا عَلَيْهِ. لِيَكُونَ إقْبالُهُ عَلى إتْمامِ الأرْبَعِينَ بِاشْتِياقٍ وقُوَّةٍ.

وانْتَصَبَ (أرْبَعِينَ) عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ: بالِغًا أرْبَعِينَ.

والمِيقاتُ قِيلَ: مُرادِفٌ لِلْوَقْتِ، وقِيلَ هو وقْتٌ قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ ما، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإضافَتُهُ إلى رَبِّهِ لِلتَّشْرِيفِ، ولِلتَّعْرِيضِ بِتَحْمِيقِ بَعْضِ قَوْمِهِ حِينَ تَأخَّرَ مَغِيبُ مُوسى عَنْهم في المُناجاةِ بَعْدَ الثَّلاثِينَ، فَزَعَمُوا أنَّ مُوسى هَلَكَ في الجَبَلِ كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيحٍ، ويَشْهَدُ لِبَعْضِهِ كَلامُ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.

* * *

﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾

أيْ: قالَ مُوسى لِأخِيهِ عِنْدَ العَزْمِ عَلى الصُّعُودِ إلى الجَبَلِ لِلْمُناجاةِ فَإنَّهُ صَعِدَ وحْدَهُ ومَعَهُ غُلامُهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ.

ومَعْنى اخْلُفْنِي كُنْ خَلَفًا عَنِّي وخَلِيفَةً، وهو الَّذِي يَتَوَلّى عَمَلَ غَيْرِهِ عِنْدَ فَقْدِهِ فَتَنْتَهِي تِلْكَ الخِلافَةُ عِنْدِ حُضُورِ المُسْتَخْلِفِ، فالخِلافَةُ وكالَةٌ، وفِعْلُ خَلَفَ مُشْتَقٌّ مِنَ الخَلْفِ بِسُكُونِ اللّامِ وهو ضِدُّ الأمامِ؛ لِأنَّ الخَلِيفَةَ يَقُومُ بِعَمَلِ مَن خَلَفَهُ عِنْدَ مَغِيبِهِ، والغائِبُ يَجْعَلُ مَكانَهُ وراءَهُ.

وقَدْ جَمَعَ لَهُ في وصِيَّتِهِ مِلاكَ السِّياسَةِ بِقَوْلِهِ ﴿وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّ سِياسَةَ الأُمَّةِ تَدُورُ حَوْلَ مِحْوَرِ الإصْلاحِ، وهو جَعْلُ الشَّيْءِ صالِحًا، فَجَمِيعُ تَصَرُّفاتِ الأُمَّةِ وأحْوالِها يَجِبُ أنْ تَكُونَ صالِحَةً، وذَلِكَ بِأنْ تَكُونَ الأعْمالُ عائِدَةً

صفحة ٨٨

بِالخَيْرِ والصَّلاحِ لِفاعِلِها ولِغَيْرِهِ، فَإنْ عادَتْ بِالصَّلاحِ عَلَيْهِ وبِضِدِّهِ عَلى غَيْرِهِ لَمْ تُعْتَبَرْ صَلاحًا، ولا تَلْبَثُ أنْ تَئُولَ فَسادًا عَلى مَن لاحَتْ عِنْدَهُ صَلاحًا، ثُمَّ إذا تَرَدَّدَ فِعْلٌ بَيْنَ كَوْنِهِ خَيْرًا مِن جِهَةٍ وشَرًّا مِن جِهَةٍ أُخْرى وجَبَ اعْتِبارُ أقْوى حالَتَيْهِ فاعْتُبِرَ بِها إنْ تَعَذَّرَ العُدُولُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مِمّا هو أوْفَرُ صَلاحًا، وإنِ اسْتَوى جِهَتاهُ أُلْغِيَ إنْ أمْكَنَ إلْغاؤُهُ وإلّا تَخَيَّرَ، وهَذا أمْرٌ لِهارُونَ جامِعٌ لِما يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ عَمَلُهُ مِن أعْمالِهِ في سِياسَةِ الأُمَّةِ.

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ تَحْذِيرٌ مِنَ الفَسادِ بِأبْلَغِ صِيغَةٍ لِأنَّها جامِعَةٌ بَيْنَ نَهْيٍ - والنَّهْيُ عَنْ فِعْلٍ تَنْصَرِفُ صِيغَتُهُ أوَّلَ وهْلَةٍ إلى فَسادِ المَنهِيِّ عَنْهُ - وبَيْنَ تَعْلِيقِ النَّهْيِ بِاتِّباعِ سَبِيلِ المُفْسِدِينَ.

والإتْباعُ أصْلُهُ المَشْيُ عَلى حِلْفِ ماشٍ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْمُشارَكَةِ في عَمَلِ المُفْسِدِ، فَإنَّ الطَّرِيقَ مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ المُؤَدِّي إلى الفَسادِ والمُفْسِدُ مَن كانَ الفَسادُ صِفَتَهُ، فَلَمّا تَعَلَّقَ النَّهْيُ بِسُلُوكِ طَرِيقِ المُفْسِدِينَ كانَ تَحْذِيرًا مِن كُلِّ ما يُسْتَرْوَحُ مِنهُ مَآلٌ إلى فَسادٍ؛ لِأنَّ المُفْسِدِينَ قَدْ يَعْمَلُونَ عَمَلًا لا فَسادَ فِيهِ، فَنُهِيَ عَنِ المُشارَكَةِ في عَمَلِ مَن عُرِفَ بِالفَسادِ؛ لِأنَّ صُدُورَهُ عَنِ المَعْرُوفِ بِالفَسادِ كافٍ في تَوَقُّعِ إفْضائِهِ إلى فَسادٍ. فَفي هَذا النَّهْيِ سَدُّ ذَرِيعَةِ الفَسادِ، وسَدُّ ذَرائِعِ الفَسادِ مِن أُصُولِ الإسْلامِ، وقَدْ عُنِيَ بِها مالِكُ بْنُ أنَسٍ وكَرَّرَها في كِتابِهِ واشْتُهِرَتْ هَذِهِ القاعِدَةُ في أُصُولِ مَذْهَبِهِ.

فَلا جَرَمَ أنْ كانَ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ جامِعًا لِلنَّهْيِ عَنْ ثَلاثِ مَراتِبَ مِن مَراتِبِ الإفْضاءِ إلى الفَسادِ وهو العَمَلُ المَعْرُوفُ بِالِانْتِسابِ إلى المُفْسِدِ، وعَمَلُ المُفْسِدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمّا اعْتادَهُ، وتَجَنُّبُ الِاقْتِرابِ مِنَ المُفْسِدِ ومُخالَطَتِهِ.

وقَدْ أجْرى اللَّهُ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مُوسى، أوْ أعْلَمَهُ، ما يَقْتَضِي أنَّ في رَعِيَّةِ هارُونَ مُفْسِدِينَ، وأنَّهُ يُوشِكُ إنْ سَلَكُوا سَبِيلَ الفَسادِ أنْ يُسايِرَهم عَلَيْهِ لِما يَعْلَمُ في نَفْسِ هارُونَ مِنَ اللِّينِ في سِياسَتِهِ، ولِلِاحْتِياطِ مِن حُدُوثِ العِصْيانِ في قَوْمِهِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] وقَوْلِهِ ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [طه: ٩٤] .

صفحة ٨٩

فَلَيْسَتْ جُمْلَةُ ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (وأصْلِحْ) تَأْكِيدًا لِلشَّيْءِ بِنَفْيِ ضِدِّهِ مِثْلَ قَوْلِهِ أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ لِأنَّها لَوْ كانَ ذَلِكَ هو المَقْصِدُ مِنها لَجُرِّدَتْ مِن حَرْفِ العَطْفِ، ولاقْتُصِرَ عَلى النَّهْيِ عَنِ الإفْسادِ فَقِيلَ وأصْلِحْ لا تُفْسِدْ، نَعَمْ يَحْصُلُ مِن مَعانِيها ما فِيهِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (وأصْلِحْ) .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском