Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:146–149

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:146–149

7:146Page 168

سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٤٦

I will turn away from My signs those who are arrogant upon the earth without right; and if they should see every sign, they will not believe in it. And if they see the way of consciousness,1 they will not adopt it as a way; but if they see the way of error, they will adopt it as a way. That is because they have denied Our signs and they were heedless of them.

﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ تَكْمِلَةً لِما خاطَبَ اللَّهُ بِهِ مُوسى وقَوْمَهُ، فَتَكُونُ جُمْلَةُ سَأصْرِفُ إلَخْ بِأنَّهم، اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَهابُونَ أُولَئِكَ الأقْوامَ ويَخْشَوْنَ فَكَأنَّهم تَساءَلُوا كَيْفَ تُرِينا دارَهم وتَعِدُنا بِها، وهَلْ لا نَهْلِكُ قَبْلَ الحُلُولِ بِها، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]) الآيَةَ في سُورَةِ العُقُودِ وقَدْ حَكى ذَلِكَ في الإصْحاحِ الرّابِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ العَدَدِ، فَأُجِيبُوا بِأنَّ اللَّهَ سَيَصْرِفُ أُولَئِكَ عَنْ آياتِهِ.

والصَّرْفُ الدَّفْعُ أيْ سَأصُدُّ عَنْ آياتِي، أيْ عَنْ تَعْطِيلِها وإبْطالِها.

والآياتُ الشَّرِيعَةُ، ووَعَدَ اللَّهُ أهْلَها بِأنْ يُورِثَهم أرْضَ الشّامِ، فَيَكُونُ المَعْنى سَأتَوَلّى دَفْعَهم عَنْكم، ويَكُونُ هَذا مِثْلَ ما ورَدَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ والثَلاثِينَ ”ها أنا طارِدٌ مِن قُدّامِكَ الأمُورِيِّينَ إلَخْ“، فالصَّرْفُ عَلى هَذا الوَجْهِ عِنايَةٌ مِنَ اللَّهِ بِمُوسى وقَوْمِهِ بِما يُهَئُّ لَهم مِن أسْبابِ النَّصْرِ عَلى أُولَئِكَ الأقْوامِ الأقْوِياءِ، كَإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، وتَشْتِيتِ كَلِمَتِهِمْ، وإيجادِ الحَوادِثِ الَّتِي تَفُتُّ في ساعِدِ عُدَّتِهِمْ. أوْ تَكُونُ الجُمْلَةُ جَوابًا لِسُؤالِ مَن يَقُولُ: إذا دَخَلْنا أرْضَ العَدُوِّ فَلَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ بِهَدْيِنا، ويَتَّبِعُونَ دِينَنا فَلا نَحْتاجُ إلى قِتالِهِمْ، فَأُجِيبُوا بِأنَّ اللَّهَ يَصْرِفُهم عَنِ اتِّباعِ آياتِهِ لِأنَّهم جُبِلُوا عَلى التَّكَبُّرِ في الأرْضِ، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ، فالصَّرْفُ

صفحة ١٠٤

هُنا صَرْفٌ تَكْوِينِيٌّ في نُفُوسِ الأقْوامِ، وعَنِ الحَسَنِ: إنَّ مِنَ الكُفّارِ مَن يُبالِغُ في كُفْرِهِ ويَنْتَهِي إلى حَدٍّ إذا وصَلَ إلَيْهِ ماتَ قَلْبُهُ.

وفِي قَصِّ اللَّهِ - تَعالى - هَذا الكَلامَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَعْرِيضٌ بِكُفّارِ العَرَبِ بِأنَّ اللَّهَ دافِعُهم عَنْ تَعْطِيلِ آياتِهِ، وبِأنَّهُ مانِعٌ كَثِيرًا مِنهم عَنِ الإيمانِ بِها لِما ذَكَرْناهُ آنِفًا.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾) مِن خِطابِ اللَّهِ - تَعالى - لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ رَوى الطَّبَرِيُّ ذَلِكَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً في أثْناءِ قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] تَعْرِيضًا بِأنَّ حالَ مُشْرِكِي العَرَبِ كَحالِ أُولَئِكَ الفاسِقِينَ، وتَصْرِيحًا بِسَبَبِ إدامَتِهِمُ العِنادَ والإعْراضَ عَنِ الإيمانِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وتَأْتِي في مَعْنى الصَّرْفِ عَنِ الآياتِ الوُجُوهُ السّابِقَةُ واقْتِرانُ فِعْلِ سَأصْرِفُ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ القَرِيبِ تُنَبِّهُهُ عَلى أنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُ ذَلِكَ الصَّرْفَ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى مَفْعُولِ (أصْرِفُ) لِلِاهْتِمامِ بِالآياتِ، ولِأنَّ ذِكْرَهُ عَقِبَ الفِعْلِ المُتَعَلِّقِ هو بِهِ أحْسَنُ.

وتَعْرِيفُ المَصْرُوفِينَ عَنِ الآياتِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ بِالصِّلَةِ إلى عِلَّةِ الصَّرْفِ. وهي ما تَضَمَّنَتْهُ الصِّلاتُ المَذْكُورَةُ؛ لِأنَّ مَن صارَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ حالاتٍ لَهُ يَنْصُرُهُ اللَّهُ، أوْ لِأنَّهُ إذا صارَ ذَلِكَ حالَهُ رِينَ عَلى قَلْبِهِ، فَصُرِفَ قَلْبُهُ عَنْ إدْراكِ دَلالَةِ الآياتِ. وزالَتْ مِنهُ الأهْلِيَّةُ لِذَلِكَ الفَهْمِ الشَّرِيفِ.

والأوْصافُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الصِّلاتُ في الآيَةِ تَنْطَبِقُ عَلى مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ أتَمَّ الِانْطِباقِ.

والتَّكَبُّرُ الِاتِّصافُ بِالكِبْرِ. وقَدْ صِيغَ لَهُ الصِّيغَةُ الدّالَّةُ عَلى التَّكَلُّفِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - (﴿أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]) وقَوْلِهِ (﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمَعْنى: أنَّهم يُعْجَبُونَ بِأنْفُسِهِمْ، ويَعُدُّونَ أنْفُسَهم عُظَماءَ فَلا يَأْتَمِرُونَ لِآمِرٍ، ولا يَنْتَصِحُونَ لِناصِحٍ.

وزِيادَةُ قَوْلِهِ في الأرْضِ لِتَفْضِيحِ تَكَبُّرِهِمْ، والتَّشْهِيرِ بِهِمْ بِأنَّ كِبْرَهم مَظْرُوفٌ في الأرْضِ، أيْ لَيْسَ هو خَفِيًّا مُقْتَصِرًا عَلى أنْفُسِهِمْ، بَلْ هو مَبْثُوثٌ في الأرْضِ، أيْ

صفحة ١٠٥

مَبْثُوثٌ أثَرُهُ، فَهو تَكَبُّرٌ شائِعٌ في بِقاعِ الأرْضِ كَقَوْلِهِ ﴿يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣] وقَوْلِهِ ﴿ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] وقَوْلِهِ ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧] وقَوْلِ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءٍ الفَقْعَسِيِّ.

فَهَلّا أعْدَوْنِي لِمِثْـلِـي تَـفَـاقَـدُوا وفي الأرْضِ مَبْثُوثٌ شُجاعٌ وعَقْرَبُ

وقَوْلُهُ بِغَيْرِ الحَقِّ زِيادَةٌ لِتَشْنِيعِ التَّكَبُّرِ بِذِكْرِ ما هو صِفَةٌ لازِمَةٌ لَهُ، وهو مُغايَرَةُ الحَقِّ، أيْ: باطِلٌ وهي حالٌ لازِمَةٌ لِلتَّكَبُّرِ، كاشِفَةٌ لِوَصْفِهِ، إذِ التَّكَبُّرُ لا يَكُونُ بِحَقٍّ في جانِبِ الخَلْقِ، وإنَّما هو وصْفٌ لِلَّهِ بِحَقٍّ لِأنَّهُ العَظِيمُ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ، ولَيْسَ تَكَبُّرُ اللَّهِ بِمَقْصُودٍ أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ هُنا حَتّى يُجْعَلَ القَيْدُ بِغَيْرِ الحَقِّ لِلِاحْتِرازِ عَنْهُ، كَما في الكَشّافِ.

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حاوَلَ جَعْلَ قَوْلِهِ بِغَيْرِ الحَقِّ قَيْدًا لِلتَّكَبُّرِ، وجَعَلَ مِنَ التَّكَبُّرِ ما هو حَقٌّ؛ لِأنَّ لِلْمُحِقِّ أنْ يَتَكَبَّرَ عَلى المُبْطِلِ، ومِنهُ المَقالَةُ المَشْهُورَةُ ”الكِبْرُ عَلى المُتَكَبِّرِ صَدَقَةٌ“ وهَذِهِ المَقالَةُ المُسْتَشْهَدُ بِها جَرَتْ عَلى المَجازِ أوِ الغَلَطِ.

وقَوْلُهُ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ يَتَكَبَّرُونَ فَهو في حُكْمِ الصِّلَةِ، والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] في سُورَةِ يُونُسَ وكُلُّ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثْرَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والسَّبِيلُ مُسْتَعارٌ لِوَسِيلَةِ الشَّيْءِ بِقَرِينَةِ إضافَتِهِ إلى الرُّشْدِ وإلى الغَيِّ.

والرُّؤْيَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْإدْراكِ.

والِاتِّخاذُ حَقِيقَتُهُ مُطاوِعُ أخَّذَهُ بِالتَّشْدِيدِ، إذا جَعَلَهُ آخِذًا، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى أخْذِ الشَّيْءِ ولَوْ لَمْ يُعْطِهِ إيّاهُ غَيْرُهُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْمُلازَمَةِ، أيْ لا يُلازِمُونَ طَرِيقَ الرُّشْدِ، ويُلازِمُونَ طَرِيقَ الغَيِّ.

والرُّشْدُ: الصَّلاحُ وفِعْلُ النّافِعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] في سُورَةِ النِّساءِ والمُرادُ بِهِ هُنا: الشَّيْءُ الصّالِحُ كُلُّهُ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.

والغَيُّ: الفَسادُ والضَّلالُ، وهو ضِدُّ الرُّشْدِ بِهَذا المَعْنى، كَما أنَّ السَّفَهَ ضِدُّ الرُّشْدِ بِمَعْنى حُسْنِ النَّظَرِ في المالِ. فالمَعْنى: إنْ يُدْرِكُوا الشَّيْءَ الصّالِحَ لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ

صفحة ١٠٦

لِغَلَبَةِ الهَوى عَلى قُلُوبِهِمْ، وإنْ يُدْرِكُوا الفَسادَ عَمِلُوا بِهِ لِغَلَبَةِ الهَوى، فالعَمَلُ بِهِ حَمْلٌ لِلنَّفْسِ عَلى كُلْفَةٍ، وذَلِكَ تَأْباهُ الأنْفُسُ الَّتِي نَشَأتْ عَلى مُتابَعَةِ مَرْغُوبِها، وذَلِكَ شَأْنُ النّاسِ الَّذِينَ لَمْ يُرَوِّضُوا أنْفُسَهم بِالهُدى الإلَهِيِّ، ولا بِالحِكْمَةِ ونَصائِحِ الحُكَماءِ والعُقَلاءِ، بِخِلافِ الغَيِّ فَإنَّهُ ما ظَهَرَ في العالَمِ إلّا مِن آثارِ شَهَواتِ النُّفُوسِ ودَعَواتِها الَّتِي يُزَيِّنُ لَها الظّاهِرُ العاجِلُ، وتَجَهُّلُ عَواقِبِ السُّوءِ الآجِلَةِ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» .

والتَّعْبِيرُ في الصِّلاتِ الأرْبَعِ بِالأفْعالِ المُضارَعَةِ: لِإفادَةِ تَجَدُّدِ تِلْكَ الأفْعالِ مِنهم واسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: الرُّشْدُ - بِضَمٍّ فَسُكُونٍ - وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: بِفَتْحَتَيْنِ، وهُما لُغَتانِ فِيهِ.

وجُمْلَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ تَوْسِيمَهم بِتِلْكَ الصِّلاتِ يُثِيرُ سُؤالًا.

والمُشارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ ما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ، نُزِّلَ مَنزِلَةَ المَوْجُودِ في الخارِجِ، وهو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ (﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾) إلى آخِرِ الآيَةِ، واسْتُعْمِلُ لَهُ اسْمُ إشارَةِ المُفْرِدِ لِتَأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِالمَذْكُورِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] أيْ مَن يَفْعَلِ المَذْكُورَ، وهَذا الِاسْتِعْمالُ كَثِيرٌ في اسْمِ الإشارَةِ، وأُلْحِقَ بِهِ الضَّمِيرُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: كِبْرُهم، وعَدَمُ إيمانِهِمْ، واتِّباعُهم سَبِيلَ الغَيِّ، وإعْراضُهم عَنْ سَبِيلِ الرُّشْدِ سَبَبُهُ تَكْذِيبُهم بِالآياتِ، فَأفادَتِ الجُمْلَةُ بَيانَ سَبَبِ الكِبْرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي هي سَبَبُ صَرْفِهِمْ عَنِ الآياتِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ السَّبَبِ، وهَذا أحْسَنُ مِن إرْجاعِ الإشارَةِ إلى الصَّرْفِ المَأْخُوذِ مِن سَأصْرِفُ لِأنَّ هَذا المَحْمَلَ يَجْعَلُ التَّكْذِيبَ سَبَبًا ثانِيًا لِلصَّرْفِ، وجَعْلُهُ سَبَبًا لِلسَّبَبِ أرْشَقُ.

واجْتُلِبَتْ (أنْ) الدّالَّةُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ والتَّوْكِيدِ: لِتَحْقِيقِ هَذا التَّسَبُّبِ وتَأْكِيدِهِ؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ عَرابَةٍ.

صفحة ١٠٧

وجُعِلَ المُسْنَدُ فِعْلًا ماضِيًا، لِإفادَةِ أنَّ وصْفَ التَّكْذِيبِ قَدِيمٌ راسِخٌ فِيهِمْ، فَكانَ رُسُوخُ ذَلِكَ فِيهِمْ سَبَبًا في أنْ خَلَقَ الطَّبْعَ والخَتْمَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَشْعُرُونَ بِنَقائِصِهِمْ، ولا يُصْلِحُونَ أنْفُسَهم، فَلا يَزالُونَ مُتَكَبِّرِينَ مُعْرِضِينَ غاوِينَ.

ومَعْنى ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ٣٦] أنَّهُمُ ابْتَدَءُوا بِالتَّكْذِيبِ، ولَمْ يَنْظُرُوا، ولَمْ يَهْتَمُّوا بِالتَّأمُّلِ في الآياتِ فَدامُوا عَلى الكِبْرِ وما مَعَهُ، فَصَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم عَنِ الِانْتِفاعِ بِالآياتِ، ولَيْسَ المُرادُ الإخْبارَ بِأنَّهم حَصَلَ مِنهُمُ التَّكْذِيبُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ .

والغَفْلَةُ انْصِرافُ العَقْلِ والذِّهْنِ عَنْ تَذَكُّرِ شَيْءٍ بِقَصْدٍ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في القُرْآنِ فِيما كانَ عَنْ قَصْدٍ بِإعْراضٍ وتَشاغُلٍ، والمَذْمُومُ مِنها ما كانَ عَنْ قَصْدٍ وهو مَناطُ التَّكْلِيفِ والمُؤاخَذَةِ، فَأمّا الغَفْلَةُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلا مُؤاخَذَةَ عَلَيْها، وهي المَقْصُودُ مِن قَوْلِ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ: يُمْتَنَعُ تَكْلِيفُ الغافِلِ.

ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ غَفْلَتَهم عَنْ قَصْدٍ صِيغَ الإخْبارُ عَنْهم بِصِيغَةِ ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦] لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ غَفْلَتِهِمْ، وكَوْنِها دَأْبًا لَهم، وإنَّما تَكُونُ كَذَلِكَ إذا كانُوا قَدِ التَزَمُوها، فَأمّا لَوْ كانَتْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَإنَّها قَدْ تَعْتَرِيهِمْ وقَدْ تُفارِقُهم.

7:147Page 168

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡۚ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤٧

Those who denied Our signs and the meeting of the Hereafter - their deeds have become worthless. Are they recompensed except for what they used to do?

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] إلى آخِرِ الآياتِ عَلى الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٦]، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ القِصَّتَيْنِ وتَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً، وأيًّا ما كانَ فَهي آثارُها الإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم إنْ ﴿يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] فَإنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ هو الغالِبَ عَلى المُتَكَبِّرِينَ الجاحِدِينَ لِلْآياتِ وكانَ لا تَخْلُو جَماعَةُ المُتَكَبِّرِينَ مِن فَرِيقٍ قَلِيلٍ يَتَّخِذُ سَبِيلَ الرُّشْدِ عَنْ حِلْمٍ وحُبٍّ لِلْمَحْمَدَةِ، وهم بَعْضُ سادَةِ المُشْرِكِينَ وعُظَماؤُهم في كُلِّ عَصْرٍ كانُوا، قَدْ يَحْسَبُ السّامِعُ أنْ سَتَنْفَعُهم أعْمالُهم، أُزِيلَ هَذا التَّوَهُّمُ بِأنَّ أعْمالَهم لا تَنْفَعُهم مَعَ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ

صفحة ١٠٨

ولِقاءِ الآخِرَةِ، وأُشِيرَ إلى أنَّ التَّكْذِيبَ هو سَبَبُ حَبَطِ أعْمالِهِمْ بِتَعْرِيفِهِمْ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ، دُونَ الإضْمارِ، مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِمُ المُقْتَضِي بِحَسَبِ الظّاهِرِ الإضْمارَ فَخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ لِذَلِكَ.

وإضافَةُ (ولِقاءِ) إلى (الآخِرَةِ) عَلى مَعْنى (في) لِأنَّها إضافَةٌ إلى ظَرْفِ المَكانِ، مِثْلُ عُقْبى الدّارِ أيْ لِقاءِ اللَّهِ في الآخِرَةِ، أيْ لِقاءِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ.

والحَبَطُ فَسادُ الشَّيْءِ الَّذِي كانَ صالِحًا وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] في سُورَةِ المائِدَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ قَوْلِهِ حَبِطَتْ أعْمالُهم إذْ قَدْ يَقُولُ سائِلٌ: كَيْفَ تَحْبَطُ أعْمالُهُمُ الصّالِحَةُ، فَأُجِيبُ بِأنَّهم جُوزُوا كَما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَإنَّهم لَمّا كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ كانُوا قَدْ أحالُوا الرِّسالَةَ والتَّبْلِيغَ عَنِ اللَّهِ، فَمِن أيْنَ جاءَهُمُ العِلْمُ بِأنَّ لَهم عَلى أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ جَزاءً حَسَنًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُعْرَفُ إلّا بِإخْبارٍ مِنَ اللَّهِ - تَعالى -، وهم قَدْ عَطَّلُوا طَرِيقَ الإخْبارِ وهو الرِّسالَةُ، ولِأنَّ الجَزاءَ إنَّما يَظْهَرُ في الآخِرَةِ وهم قَدْ كَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ، فَقَدْ قَطَعُوا الصِّلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الجَزاءِ، فَكانَ حَبَطُ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ وِفاقًا لِاعْتِقادِهِمْ.

والمُرادُ بِـ (﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠]) ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ، فَأُطْلِقَ عَلى التَّكْذِيبِ بِالآياتِ وبِلِقاءِ الآخِرَةِ فِعْلُ يَعْمَلُونَ لِأنَّ آثارَ الِاعْتِقادِ تَظْهَرُ في أقْوالِ المُعْتَقِدِ وأفْعالِهِ، وهي مِن أعْمالِهِ.

والِاسْتِفْهامُ بِـ (هَلْ) مُشْرَبٌ مَعْنى النَّفْيِ، وقَدْ جُعِلَ مِن مَعانِي (هَلْ) النَّفْيُ، وقَدْ بَيَّنّاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠] في سُورَةِ النَّمْلِ، فانْظُرْهُ هُناكَ.

و(﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾) مُقَدَّرٌ فِيهِ مُضافٌ، والتَّقْدِيرُ مُكافِئٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ يُجْزَوْنَ لِأنَّ الجَزاءَ لا يَكُونُ نَفْسَ المَجْزِيِّ عَلَيْهِ، فَإنَّ فِعْلَ (جَزى) يَتَعَدّى إلى العِوَضِ المَجْعُولِ جَزاءً بِنَفْسِهِ، ويَتَعَدّى إلى العَمَلِ المَجْزِيِّ عَلَيْهِ بِالباءِ، كَما قالَ - تَعالى - ﴿وجَزاهم بِما صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٢] ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ في سُورَةِ

صفحة ١٠٩

الأنْعامِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] .

7:148Page 168

وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ ١٤٨

And the people of Moses made, after [his departure], from their ornaments a calf - an image having a lowing sound. Did they not see that it could neither speak to them nor guide them to a way? They took it [for worship], and they were wrongdoers.

﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ وواعَدْنا مُوسى عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَذُكِرَ فِيما تَقَدَّمَ قِصَّةُ المُناجاةِ وما حَصَلَ فِيها مِنَ الآياتِ والعِبَرِ، وذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما كانَ مِن قَوْمِ مُوسى، في مُدَّةِ مَغِيبِهِ في المُناجاةِ، مِنَ الإشْراكِ.

فَقَوْلُهُ مِن بَعْدِهِ أيْ مِن بَعْدِ مَغِيبِهِ، كَما هو مَعْلُومٌ مِن قَوْلِهِ ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٣] ومِن قَوْلِهِ ﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢] .

وحَذْفُ المُضافِ مَعَ (بَعْدِ) المُضافَةِ إلى اسْمِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِها مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.

و(مِن) في مِثْلِهِ لِلِابْتِداءِ، وهو أصْلُ مَعانِي (مِن) وأمّا (مِن) في قَوْلِهِ مِن حُلِيِّهِمْ فَهي لِلتَّبْعِيضِ.

والحُلِيُّ بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللّامِ وتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ، جَمْعُ حَلْيٍ، بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ، ووَزْنُ هَذا الجَمْعِ فُعُولٌ كَما جُمِعَ ثُدِيُّ، ويَجْمَعُ أيْضًا عَلى حِلِيٍّ، بِكَسْرِ الحاءِ مَعَ اللّامِ، مِثْلَ عِصِيٍّ وقِسِيٍّ اتْباعًا لِحَرَكَةِ العَيْنِ، وبِالأوَّلِ قَرَأ جُمْهُورُ العَشَرَةِ، وبِالثّانِي حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وقَرَأ يَعْقُوبُ ”حَلْيِهِمْ“ بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللّامِ عَلى صِيغَةِ الإفْرادِ، أيِ اتَّخَذُوا مِن مَصُوغِهِمْ وفي التَّوْراةِ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ مِن ذَهَبٍ، نَزَعُوا أقْراطَ الذَّهَبِ الَّتِي في آذانِ نِسائِهِمْ وبَناتِهِمْ وبَنِيهِمْ.

والعِجْلُ ولَدُ البَقَرَةِ قَبْلَ أنْ يَصِيرَ ثَوْرًا، وذُكِرَ في سُورَةِ (طه) أنَّ صانِعَ العِجْلِ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ السّامِرِيُّ، وفي التَّوْراةِ أنَّ صانِعَهُ هو هارُونُ، وهَذا مِن تَحْرِيفِ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ الواقِعِ في التَّوْراةِ بَعْدَ مُوسى، ولَمْ يَكُنْ هارُونُ صائِغًا، ونُسِبَ الِاتِّخاذُ إلى قَوْمِ مُوسى كُلِّهِمْ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ لِأنَّهُمُ الآمِرُونَ بِاتِّخاذِهِ، والحَرِيصُونَ عَلَيْهِ، وهَذا مَجازٌ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ.

ومَعْنى اتَّخَذُوا عِجْلًا صُورَةَ عِجْلٍ، وهَذا مِن مَجازِ الصُّورَةِ، وهو شائِعٌ في الكَلامِ.

صفحة ١١٠

والجَسَدُ الجِسْمُ الَّذِي لا رُوحَ فِيهِ، فَهو خاصٌّ بِجِسْمِ الحَيَوانِ إذا كانَ بِلا رُوحٍ، والمُرادُ أنَّهُ كَجِسْمِ العِجْلِ في الصُّورَةِ والمِقْدارِ إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِحَيٍّ وما وقَعَ في القَصَصِ: أنَّهُ كانَ لَحْمًا ودَمًا يَأْكُلُ ويَشْرَبُ، فَهو مِن وضْعِ القَصّاصِينَ، وكَيْفَ والقُرْآنُ يَقُولُ مِن حُلِيِّهِمْ ويَقُولُ لَهُ خُوارٌ فَلَوْ كانَ لَحْمًا ودَمًا لَكانَ ذِكْرُهُ أدْخَلَ في التَّعْجِيبِ مِنهُ.

والخُوارُ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ صَوْتُ البَقَرِ، وقَدْ جَعَلَ صانِعُ العِجْلِ في باطِنِهِ تَجْوِيفًا عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ الضِّيقِ مَخْصُوصٍ واتَّخَذَ لَهُ آلَةً نافِخَةً خَفِيَّةً فَإذا حُرِّكَتْ آلَةُ النَّفْخِ انْضَغَطَ الهَواءُ في باطِنِهِ، وخَرَجَ مِنَ المَضِيقِ، فَكانَ لَهُ صَوْتٌ كالخُوارِ، وهَذِهِ صَنْعَةٌ كَصَنْعَةِ الصَّفّارَةِ والمِزْمارِ، وكانَ الكَنْعانِيُّونَ يَجْعَلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ لِصُنْعِهِما المُسَمّى بَعْلًا.

و(جَسَدًا) نَعْتٌ لِـ (عِجْلًا) وكَذَلِكَ لَهُ خُوارٌ.

وجُمْلَةُ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِبَيانِ فَسادِ نَظَرِهِمْ في اعْتِقادِهِمْ.

والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ ولِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ، ولِذَلِكَ جُعِلَ الِاسْتِفْهامُ عَنْ نَفْيِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ هو غَيْرُ الواقِعِ مِن حالِهِمْ في نَفْسِ الأمْرِ ولَكِنَّ حالَهم يُشْبِهُ حالَ مَن لا يَرَوْنَ عَدَمَ تَكْلِيمِهِ، فَوَقَعَ الِاسْتِفْهامُ عَنْهُ لَعَلَّهم لَمْ يَرَوْا ذَلِكَ، مُبالَغَةً، وهو لِلتَّعْجِيبِ ولَيْسَ لِلْإنْكارِ، إذْ لا يُنْكَرُ ما لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وبِهَذا يُعْلَمُ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ في هَذا المَقامِ بِمَنزِلَةِ النَّفْيِ لِلنَّفْي إنَّما نَشَأ مِن تَنْزِيلِ المَسْئُولِ عَنْهم مَنزِلَةَ مَن لا يَرى، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ لِأنَّ عَدَمَ تَكْلِيمِ العِجْلِ إيّاهم مُشاهَدٌ لَهم؛ لِأنَّ عَدَمَ الكَلامِ يُرى مِن حالِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ، بِانْعِدامِ آلَةِ التَّكَلُّمِ وهو الفَمُ الصّالِحُ لِلْكَلامِ، وبِتَكَرُّرِ دُعائِهِمْ إيّاهُ وهو لا يُجِيبُ.

وقَدْ سَفِهَ رَأْيُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ إلَهًا بِأنَّهم يُشاهِدُونَ أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِذَلِكَ عَلى سَفَهِ رَأْيِهِمْ هو أنَّهم لا شُبْهَةَ لَهم في اتِّخاذِهِ إلَهًا بِأنَّ خَصائِصَهُ خَصائِصُ العَجْماواتِ، فَجِسْمُهُ جِسْمُ عِجْلٍ، وهو مِن نَوْعٍ لَيْسَ أرْقى أنْواعِ المَوْجُوداتِ المَعْرُوفَةِ، وصَوْتُهُ صَوْتُ البَقَرِ، وهو صَوْتٌ

صفحة ١١١

لا يُفِيدُ سامِعَهُ، ولا يُبَيِّنُ، خِطابًا ولَيْسَ هو بِالَّذِي يَهْدِيهِمْ إلى أمْرٍ يَتَّبِعُونَهُ حَتّى تُغْنِيَ هِدايَتُهم عَنْ كَلامِهِ، فَهو مِنَ المَوْجُوداتِ المُنْحَطَّةِ عَنْهم، وهَذا كَقَوْلِ إبْراهِيمَ فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فَماذا رَأوْا مِنهُ مِمّا يَسْتَأْهِلُ الإلَهِيَّةَ، فَضْلًا عَلى أنْ تَرْتَقِيَ بِهِمْ إلى الصِّفاتِ الَّتِي يَسْتَحِقُّها الإلَهُ الحَقُّ، والَّذِينَ عَبَدُوهُ أشْرَفُ مِنهُ حالًا وأهْدى، ولَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا الِاسْتِدْلالِ عَلى الأُلُوهِيَّةِ بِالتَّكْلِيمِ والهِدايَةِ، وإلّا لَلَزِمَ إثْباتُ الإلَهِيَّةِ لِحُكَماءِ البَشَرِ.

وجُمْلَةُ اتَّخَذُوهُ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، والغَرَضِ مِنَ التَّوْكِيدِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ هو التَّكْرِيرُ لِأجْلِ التَّعْجِيبِ، كَما يُقالُ: نَعَمِ اتَّخَذُوهُ، ولِتُبْنى عَلَيْهِ جُمْلَةُ وكانُوا ظالِمِينَ فَيَظْهَرُ أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِاتِّخاذِ العِجْلِ، وذَلِكَ لِبُعْدِ جُمْلَةِ ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ بِما ولِيَها مِنَ الجُمْلَةِ وهَذا كَقَوْلِهِ ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إلى قَوْلِهِ فَلْيَكْتُبْ أُعِيدَ فَلْيَكْتُبْ لِتُبْنى عَلَيْهِ جُمْلَةُ ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ، وهَذا التَّكْرِيرُ يُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ التَّوْكِيدَ وما يَتَرَتَّبُ عَلى التَّوْكِيدِ.

وجُمْلَةُ وكانُوا ظالِمِينَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في قَوْلِهِ (اتَّخَذُوهُ) وهَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾ [البقرة: ٥١] .

7:149Page 168

وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ١٤٩

And when regret overcame them1 and they saw that they had gone astray, they said, "If our Lord does not have mercy upon us and forgive us, we will surely be among the losers."

﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لِنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ في تَرْتِيبِ حِكايَةِ الحَوادِثِ أنْ يَتَأخَّرَ قَوْلُهُ ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ، عَنْ قَوْمِهِ ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] لِأنَّهم ما سُقِطَ في أيْدِيهِمْ إلّا بَعْدَ أنْ رَجَعَ مُوسى ورَأوْا فَرْطَ غَضَبِهِ وسَمِعُوا تَوْبِيخَهُ أخاهُ وإيّاهم، وإنَّما خُولِفَ مُقْتَضى التَّرْتِيبِ تَعْجِيلًا بِذِكْرِ ما كانَ لِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ مِن عاقِبَةِ النَّدامَةِ، وتَبْيِينُ الضَّلالَةِ مَوْعِظَةٌ لِلسّامِعِينَ لِكَيْلا يَعْجَلُوا في التَّحَوُّلِ عَنْ سُنَّتِهِمْ، حَتّى يَتَبَيَّنُوا عَواقِبَ ما هم مُتَحَوِّلُونَ إلَيْهِ.

و﴿سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، كَلِمَةٌ أجْراها القُرْآنُ مَجْرى المَثَلِ إذْ أُنْظِمَتْ عَلى إيجازٍ بَدِيعٍ وكِنايَةٍ واسْتِعارَةٍ، فَإنَّ اليَدَ تُسْتَعارُ لِلْقُوَّةِ والنُّصْرَةِ إذْ بِها

صفحة ١١٢

يُضْرَبُ بِالسَّيْفِ والرُّمْحِ، ولِذَلِكَ حِينَ يَدْعُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالسُّوءِ يَقُولُونَ ”شُلَّتْ مِن يَدَيَّ الأنامِلُ“، وهي آلَةُ القُدْرَةِ قالَ - تَعالى - ذا الأيْدِ، ويُقالُ: ما لِي بِذَلِكَ يَدٌ، أوْ ما لِي بِذَلِكَ يَدانِ أيْ لا أسْتَطِيعُهُ، والمَرْءُ إذا حَصَلَ لَهُ شَلَلٌ في عَضُدٍ ولَمْ يَسْتَطِعْ تَحْرِيكَهُ يَحْسُنُ أنْ يُقالَ سُقِطَ في يَدِهِ ساقِطٌ، أيْ نَزَلَ بِهِ نازِلٌ.

ولَمّا كانَ ذِكْرُ فاعِلِ السُّقُوطِ المَجْهُولِ لا يَزِيدُ عَلى كَوْنِهِ مُشْتَقًّا مِن فِعْلِهِ، ساغَ أنْ يُبْنى فِعْلُهُ لِلْمَجْهُولِ فَمَعْنى ”سُقِطَ في يَدِهِ“ سَقَطَ في يَدِهِ ساقِطٌ فَأبْطَلَ حَرَكَةَ يَدِهِ، إذِ المَقْصُودُ أنَّ حَرَكَةَ يَدِهِ تَعَطَّلَتْ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ إلّا بِأنَّهُ شَيْءٌ دَخَلَ في يَدِهِ فَصَيَّرَها عاجِزَةً عَنِ العَمَلِ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ قَدْ فاجَأهُ ما أوْجَبَ حَيْرَتَهُ في أمْرِهِ كَما يُقالُ فَتَّ في ساعِدِهِ.

وقَدِ اسْتُعْمِلَ في الآيَةِ في مَعْنى النَّدَمِ وتَبَيُّنِ الخَطَأِ لَهم فَهو تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ بِحالِ مَن سُقِطَ في يَدِهِ حِينَ العَمَلِ. فالمَعْنى أنَّهم تَبَيَّنَ لَهم خَطَؤُهم وسُوءُ مُعامَلَتِهِمْ رَبَّهم ونَبِيَّهم. فالنَّدامَةُ هي مَعْنى التَّرْكِيبِ كُلِّهِ، وأمّا الكِنايَةُ فَهي في بَعْضِ أجْزاءِ المُرَكَّبِ وهو سُقِطَ في اليَدِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وحُدِّثْتُ عَنْ أبِي مَرْوانَ بْنِ سِراجٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: قَوْلُ العَرَبِ سُقِطَ في يَدِهِ مِمّا أعْيانِي مَعْناهُ. وقالَ الزَّجّاجُ هو نَظْمٌ لَمْ يُسْمَعْ قَبْلَ القُرْآنِ ولَمْ تَعْرِفْهُ العَرَبُ.

قُلْتُ: وهو القَوْلُ الفَصْلُ فَإنِّي لَمْ أرَهُ في شَيْءٍ مِن كَلامِهِمْ قَبْلَ القُرْآنِ فَقَوْلُ ابْنِ سِراجٍ: قَوْلُ العَرَبِ سُقِطَ في يَدِهِ، لَعَلَّهُ يُرِيدُ العَرَبَ الَّذِينَ بَعْدَ القُرْآنِ.

والمَعْنى لَمّا رَجَعَ مُوسى إلَيْهِمْ وهَدَّدَهم وأحْرَقَ العِجْلَ كَما ذُكِرَ في سُورَةِ طه. وأُوجِزَ هُنا إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم ما سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم ضَلُّوا بَعْدَ تَصْمِيمِهِمْ وتَصَلُّبِهِمْ في عِبادَةِ العِجْلِ وقَوْلِهِمْ لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ، إلّا بِسَبَبِ حادِثٍ حَدَثَ يَنْكَشِفُ لَهم بِسَبَبِهِ ضَلالُهم فَطَيُّ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الإيجازِ لِيُبْنى عَلَيْهِ أنَّ ضَلالَهم لَمْ يَلْبَثْ أنِ انْكَشَفَ لَهم، ولِذَلِكَ قُرِنَ بِهَذا حِكايَةُ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ لِلْمُبادَرَةِ بِبَيانِ انْكِشافِ

صفحة ١١٣

ضَلالِهِمْ تَنْهِيَةً لِقِصَّةِ ضَلالِهِمْ وكَأنَّهُ قِيلَ فَسُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا ثُمَّ قِيلَ ولَمّا سُقِطَ أيْدِيهِمْ قالُوا.

وقَوْلُهم ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ تَوْبَةٌ وإنابَةٌ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهم أخْطَئُوا خَطِيئَةً عَظِيمَةً ولِذَلِكَ أكَّدُوا التَّعْلِيقَ الشَّرْطِيَّ بِالقَسَمِ الَّذِي وطَّأتْهُ اللّامُ. وقَدَّمُوا الرَّحْمَةَ عَلى المَغْفِرَةِ لِأنَّها سَبَبُها.

ومَجِيءُ خَبَرِ كانَ مُقْتَرِنًا بِحَرْفِ (مِن) التَّبْعِيضِيَّةِ لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى في إثْباتِ الخَسارَةِ مِن لَنَكُونَنَّ خاسِرِينَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ وقَرَأهُ الجُمْهُورِ ﴿يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ في أوَّلِ الفِعْلَيْنِ وبِرَفْعِ (رَبُّنا) وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتاءِ الخِطابِ في أوَّلِ الفِعْلَيْنِ ونَصْبِ (رَبَّنا) عَلى النِّداءِ، أيْ قالُوا ذَلِكَ كُلَّهُ لِأنَّهم دَعَوْا رَبَّهم وتَداوَلُوا ذَلِكَ بَيْنَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском