Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:150–154
7:150–151Page 169
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥٠
And when Moses returned to his people, angry and grieved, he said, "How wretched is that by which you have replaced me after [my departure]. Were you impatient over the matter of your Lord?" And he threw down the tablets and seized his brother by [the hair of] his head, pulling him toward him. [Aaron] said, "O son of my mother, indeed the people overpowered me and were about to kill me, so let not the enemies rejoice over me1 and do not place me among the wrongdoing people."
قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٥١
[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."
﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾
جُعِلَ رُجُوعُ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ كالأمْرِ الَّذِي وقَعَ الإخْبارُ عَنْهُ مِن قَبْلُ عَلى الأُسْلُوبِ المُبَيَّنِ في قَوْلِهِ ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وقَوْلِهِ ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] . فَرُجُوعُ مُوسى مَعْلُومٌ مِن تَحَقُّقِ انْقِضاءِ المُدَّةِ المَوْعُودِ بِها، وكَوْنُهُ رَجَعَ في حالَةِ غَضَبٍ مُشْعِرٌ بِأنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ فَأعْلَمَهُ بِما صَنَعَ قَوْمُهُ في مَغِيبِهِ، وقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ في سُورَةِ طَهَ قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ فِـ (﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾) حالانِ مِن مُوسى، فَهُما قَيْدانِ لِـ (رَجَعَ) فَعُلِمَ أنَّ الغَضَبَ والأسَفَ مُقارِنانِ لِلرُّجُوعِ.
والغَضَبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكم مِن رَبِّكم رِجْسٌ وغَضَبٌ﴾ [الأعراف: ٧١]) في هَذِهِ السُّورَةِ.
صفحة ١١٤
والأسِفُ بِدُونِ مَدٍّ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ لِلْآسِفِ بِالمَدِّ الَّذِي هو اسْمُ فاعِلٍ لِلَّذِي حَلَّ بِهِ الأسَفُ وهو الحُزْنُ الشَّدِيدُ، أيْ رَجَعَ غَضْبانَ مِن عِصْيانِ قَوْمِهِ حَزِينًا عَلى فَسادِ أحْوالِهِمْ.
وبِئْسَما ضِدُّ نِعِمّا وقَدْ مَضى القَوْلُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾ [البقرة: ٩٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى بِئْسَتْ خِلافَةٌ خَلَفْتُمُونِيها خِلافَتُكم.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ خَلَفَ في قَوْلِهِ اخْلُفْنِي في قَوْمِي قَرِيبًا.
وهَذا خِطابٌ لِهارُونَ ووُجُوهِ القَوْمِ لِأنَّهم خُلَفاءُ مُوسى في قَوْمِهِمْ فَيَكُونُ خَلَفْتُمُونِي مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِجَمِيعِ القَوْمِ، فَأمّا هارُونُ فَلِأنَّهُ لَمْ يُحْسِنِ الخِلافَةَ بِسِياسَةِ الأُمَّةِ كَما كانَ يَسُوسُها مُوسى، وأمّا القَوْمُ فَلِأنَّهم عَبَدُوا العِجْلَ بَعْدَ غَيْبَةِ مُوسى، ومِن لَوازِمِ الخِلافَةِ فِعْلُ ما كانَ يَفْعَلُهُ المَخْلُوفُ عَنْهُ، فَهم لَمّا تَرَكُوا ما كانَ يَفْعَلُهُ مُوسى مِن عِبادَةِ اللَّهِ وصارُوا إلى عِبادَةِ العِجْلِ فَقَدِ انْحَرَفُوا عَنْ سِيرَتِهِ فَلَمْ يَخْلُفُوهُ في سِيرَتِهِ، وإطْلاقُ الخِلافَةِ عَلى هَذا المَعْنى مَجازٌ فَيَكُونُ فِعْلُ خَلَفْتُمُونِي مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
وزِيادَةُ (مِن بَعْدِي) عَقِبَ خَلَفْتُمُونِي لِلتَّذْكِيرِ بِالبَوْنِ الشّاسِعِ بَيْنَ حالِ الخَلَفِ وحالِ المَخْلُوفِ عَنْهُ تَصْوِيرًا لِفَظاعَةٍ ما خَلَفُوهُ بِهِ، أيْ بَعْدَ ما سَمِعْتُمْ مِنِّي التَّحْذِيرَ مِنَ الإشْراكِ وزَجْرِكم عَنْ تَقْلِيدِ المُشْرِكِينَ حِينَ قُلْتُمْ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَيَكُونُ قَيْدُ (مِن بَعْدِي) لِلْكَشْفِ وتَصْوِيرِ الحالَةِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦] . ومَعْلُومٌ أنَّ السَّقْفَ لا يَكُونُ إلّا مِن فَوْقَ، ولَكِنَّهُ ذُكِرَ لِتَصْوِيرِ حالَةِ الخُرُورِ وتَهْوِيلِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى - بَعْدَ ذِكْرِ نَفَرٍ مِنَ الأنْبِياءِ وصِفاتِهِمْ - ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] أيْ مِن بَعْدِ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ.
و(عَجِلَ) أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا، بِمَعْنى فَعَلَ العَجَلَةَ أيِ السُّرْعَةَ، وقَدْ يَتَعَدّى إلى المَعْمُولِ بِعْنَ فَيُقالُ: عَجِلَ عَنْ كَذا بِمَعْنى لَمْ يُتِمَّهُ بَعْدَ أنْ شَرَعَ فِيهِ، وضِدُّهُ تَمَّ عَلى الأمْرِ إذا شَرَعَ فِيهِ فَأتَمَّهُ، ويُسْتَعْمَلُ عَجِلَ مُضَمَّنًا مَعْنى سَبَقَ فَعُدِّيَ بِنَفْسِهِ عَلى اعْتِبارِ هَذا المَعْنى، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ.
ومَعْنى عَجِلَ هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى لَمْ يُتَمَّ، وتَكُونُ تَعْدِيَتُهُ إلى المَفْعُولِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ.
صفحة ١١٥
والأمْرُ يَكُونُ بِمَعْنى التَّكْلِيفِ وهو ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ: مِنَ المُحافَظَةِ عَلى الشَّرِيعَةِ، وانْتِظارِ رُجُوعِهِ، فَلَمْ يُتِّمُوا ذَلِكَ واسْتَعْجَلُوا فَبَدَّلُوا وغَيَّرُوا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى سَبَقَ أيْ بادَرْتُمْ فَيَكُونُ الأمْرُ بِمَعْنى الشَّأْنِ أيِ الغَضَبِ والسُّخْطِ كَقَوْلِهِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١] وقَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] فالأمْرُ هو الوَعِيدُ، فَإنَّ اللَّهَ حَذَّرَهم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ، وتَوَعَّدَهم، فَكانَ الظَّنُّ بِهِمْ إنْ وقَعَ مِنهم ذَلِكَ أنْ يَقَعَ بَعْدَ طُولِ المُدَّةِ، فَلَمّا فَعَلُوا ما نُهُوا عَنْهُ بِحِدْثانِ عَهْدِ النَّهْيِ، جُعِلُوا سابِقِينَ لَهُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ: شُبِّهُوا في مُبادَرَتِهِمْ إلى أسْبابِ الغَضَبِ والسُّخْطِ بِسَبْقِ السّابِقِ المَسْبُوقَ، وهَذا هو المَعْنى الأوْضَحُ، ويُوَضِّحُهُ قَوْلُهُ، في نَظِيرِ هَذِهِ القِصَّةِ في سُورَةِ (طه)، حِكايَةً عَنْ مُوسى قالَ ﴿يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكم فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ [طه: ٨٦] . وقَدْ تَعَرَّضَتِ التَّوْراةُ إلى شَيْءٍ مِن هَذا المَعْنى في الإصْحاحِ الثّانِي والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ”وقالَ اللَّهُ لِمُوسى رَأيْتُ هَذا الشَّعْبَ فَإذا هو شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ فالآنَ اتْرُكْنِي لِيَحْمى غَضَبِي عَلَيْهِمْ فَأُفْنِيَهم“ .
وإلْقاءُ الألْواحِ رَمْيُها مِن يَدِهِ إلى الأرْضِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ الإلْقاءِ آنِفًا، وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّهُ لَمّا نَزَلَ مِنَ المُناجاةِ كانَتِ الألْواحُ في يَدِهِ، كَما صُرِّحَ بِهِ في التَّوْراةِ.
ثُمَّ إنَّ إلْقاءَهُ إيّاها إنَّما كانَ إظْهارًا لِلْغَضَبِ، أوْ أثَرًا مِن آثارِ فَوَرانِ الغَضَبِ لَمّا شاهَدَهم عَلى تِلْكَ الحالَةِ، وما ذَكَرَ القُرْآنُ ذَلِكَ الإلْقاءَ إلّا لِلدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى إذْ لَيْسَ فِيهِ مِن فَوائِدِ العِبْرَةِ في القِصَّةِ إلّا ذَلِكَ، فَلا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ مَن فَسَّرَها بِأنَّ الإلْقاءَ لِأجْلِ إشْغالِ يَدِهِ بِجَرِّ رَأْسِ أخِيهِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ لا جُرُورَ فِيهِ ولِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَعُطِفَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ بِالفاءِ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في خُلُقِهِ ضِيقٌ، وكانَ شَدِيدًا عِنْدَ الغَضَبِ، ولِذَلِكَ وكَزَ القِبْطِيَّ فَقَضى عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ أخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ، فَهو دَلِيلٌ عَلى فَظاعَةِ الفِعْلِ الَّذِي شاهَدَهُ مِن قَوْمِهِ، وذَلِكَ عَلامَةٌ عَلى الفَظاعَةِ، وتَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ تَأْدِيبًا لَهم لِأنَّهُ لا يَكُونُ تَأْدِيبُهم بِإلْقاءِ ألْواحٍ كُتِبَ فِيها ما يُصْلِحُهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ تَصَرُّفَ النُّبُوءَةِ (ولِذَلِكَ جَزَمْنا بِأنَّ إعْراضَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ كِتابَةِ الكِتابِ الَّذِي هَمَّ بِكِتابَتِهِ قُبَيْلَ وفاتِهِ لَمْ يَكُنْ تَأْدِيبًا لِلْقَوْمِ عَلى اخْتِلافِهِمْ عِنْدَهُ، كَما هو ظاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، بَلْ إنَّما كانَ ذَلِكَ لِما رَأى مِنَ اخْتِلافِهِمْ في ذَلِكَ، فَرَأى أنَّ الأوْلى تَرْكُ كِتابَتِهِ، إذْ لَمْ يَكُنِ الدِّينُ مُحْتاجًا إلَيْهِ) ووَقَعَ في التَّوْراةِ أنَّ
صفحة ١١٦
الألْواحَ تَكَسَّرَتْ حِينَ ألْقاها، ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ سِوى أنَّ التَّعْبِيرَ بِالإلْقاءِ الَّذِي هو الرَّمْيُ، وما رُوِيَ مِن أنَّ الألْواحَ كانَتْ مِن حَجَرٍ، يَقْتَضِي أنَّها اعْتَراها انْكِسارٌ، ولَكِنَّ ذَلِكَ الِانْكِسارَ لا يُذْهِبُ ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الكِتابَةِ. وأمّا ما رُوِيَ أنَّها لَمّا تَكَسَّرَتْ ذَهَبَ سِتَّةُ أسِباعِها، أوْ ذَهَبَ تَفْصِيلُها وبَقِيَتْ مَوْعِظَتُها، فَهو مِن وضْعِ القَصّاصِينَ واللَّهُ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] .
وأمّا أخْذُهُ بِرَأْسِ أخِيهِ هارُونَ يَجُرُّهُ إلَيْهِ، أيْ إمْساكُهُ بِشَعْرِ رَأْسِهِ، وذَلِكَ يُؤْلِمُهُ، فَذَلِكَ تَأْنِيبٌ لِهارُونَ عَلى عَدَمِ أخْذِهِ بِالشِّدَّةِ عَلى عَبَدَةِ العِجْلِ واقْتِصارِهِ عَلى تَغْيِيرِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالقَوْلِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ في اجْتِهادِهِ الَّذِي أفْصَحَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] لِأنَّ ضَعْفَ مُسْتَنَدِهِ جَعَلَهُ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرًا، وكانَ مُوسى هو الرَّسُولَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وما هارُونُ إلّا مِن جُمْلَةِ قَوْمِهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وإنَّما كانَ هارُونُ رَسُولًا مَعَ مُوسى لِفِرْعَوْنَ خاصَّةً، ولِذَلِكَ لَمْ يَسَعْ هارُونَ إلّا الِاعْتِذارُ والِاسْتِصْفاحُ مِنهُ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَطَأ في الِاجْتِهادِ مَعَ وُضُوحِ الأدِلَّةِ غَيْرُ مَعْذُورٍ فِيهِ صاحِبُهُ في إجْراءِ الأحْكامِ عَلَيْهِ، وهو ما يُسَمِّيهِ الفُقَهاءُ بِالتَّأْوِيلِ البَعِيدِ ولا يُظَنُّ بِأنَّ مُوسى عاقَبَ هارُونَ قَبْلَ تَحَقُّقِ التَّقْصِيرِ.
وفُصِلَتْ جُمْلَةُ (﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾) لِوُقُوعِها جَوابًا لِحِوارٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ لِأنَّ الشَّأْنَ أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا مَعَ كَلامِ تَوْبِيخٍ، وهو ما حُكِيَ في سُورَةِ طه بِقَوْلِهِ ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] قالَ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَوْزِيعِ القِصَّةِ، واقْتِصارًا عَلى مَوْقِعِ العِبْرَةِ لِيُخالِفَ أُسْلُوبُ قَصَصِهِ الَّذِي قُصِدَ مِنهُ المَوْعِظَةُ أسالِيبَ القَصّاصِينَ الَّذِينَ يَقْصِدُونَ الخَبَرَ بِكُلِّ ما حَدَثَ.
و(﴿ابْنَ أُمَّ﴾) مُنادى بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ، والنِّداءُ بِهَذا الوَصْفِ لِلتَّرْقِيقِ والِاسْتِشْفاعِ، وحُذِفَ حَرْفُ النِّداءِ لِإظْهارِ ما صاحَبَ هارُونَ مِنَ الرُّعْبِ والِاضْطِرابِ، أوْ لِأنَّ كَلامَهُ هَذا وقَعَ بَعْدَ كَلامٍ سَبَقَهُ فِيهِ حَرْفُ النِّداءِ وهو المَحْكِيُّ في سُورَةِ طَهَ ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾ [طه: ٩٤]
صفحة ١١٧
ثُمَّ قالَ، بَعْدَ ذَلِكَ ﴿ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ فَهُما كَلامانِ مُتَعاقِبانِ، ويَظْهَرُ أنَّ المَحْكِيَّ هُنا هو القَوْلُ الثّانِي وأنَّ ما في سُورَةِ طَهَ هو الَّذِي ابْتَدَأ بِهِ هارُونُ، لِأنَّهُ كانَ جَوابًا عَنْ قَوْلِ مُوسى ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا أنْ لا تَتَّبِعَنِي.
واخْتِيارُ التَّعْرِيفِ بِالإضافَةِ: لِتَضَمُّنِ المُضافِ إلَيْهِ مَعْنى التَّذْكِيرِ بِصِلَةِ الرَّحِمِ؛ لِأنَّ إخْوَةَ الأُمِّ أشَدُّ أواصِرِ القَرابَةِ لِاشْتِراكِ الأخَوَيْنِ في الإلْفِ مِن وقْتِ الصِّبا والرَّضاعِ.
وفَتْحُ المِيمِ في (﴿ابْنَ أُمَّ﴾) قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَمْرٍو، وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في المُنادى المُضافِ إلى أُمٍّ أوْ عَمٍّ، وذَلِكَ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ وتَعْوِيضِ ألْفٍ عَنْها في آخِرِ المُنادى، ثُمَّ يُحْذَفُ ذَلِكَ الألِفُ تَخْفِيفًا، ويَجُوزُ بَقاءُ كَسْرَةِ المِيمِ عَلى الأصْلِ، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ أيْضًا، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الأُمِّ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] في سُورَةِ النِّساءِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِتَحْقِيقِهِ لَدى مُوسى، لِأنَّهُ بِحَيْثُ يَتَرَدَّدُ فِيهِ قَبْلَ إخْبارِ المُخْبِرِ بِهِ، والتَّأْكِيدُ يَسْتَدْعِيهِ قَبُولُ الخَبَرِ لِلتَّرَدُّدِ مِن قِبَلِ إخْبارِ المُخْبِرِ بِهِ، وإنْ كانَ المُخْبِرُ لا يُظَنُّ بِهِ الكَذِبُ، أوْ لِئَلّا يُظَنَّ بِهِ أنَّهُ تَوَهَّمَ ذَلِكَ مِن حالِ قَوْمِهِ، وكانَتْ حالُهم دُونَ ذَلِكَ.
والسِّينُ والتّاءُ في ﴿اسْتَضْعَفُونِي﴾ لِلْحُسْبانِ أيْ حَسِبُونِي ضَعِيفًا لا ناصِرَ لِي، لِأنَّهم تَمالَئُوا عَلى عِبادَةِ العِجْلِ ولَمْ يُخالِفْهم إلّا هارُونُ في شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ.
وقَوْلُهُ ﴿وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عارَضَهم مُعارَضَةً شَدِيدَةً ثُمَّ سَلَّمَ خَشْيَةَ القَتْلِ.
والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى تَبَيُّنِ عُذْرِهِ في إقْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ، فَطَلَبَ مِن أخِيهِ الكَفَّ عَنْ عِقابِهِ الَّذِي يَشْمَتُ بِهِ الأعْداءُ لِأجْلِهِ، ويَجْعَلُهُ مَعَ عِدادِ الظّالِمِينَ. فَطَلَبُ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ طَلَبِ الإعْراضِ عَنِ العِقابِ.
والشَّماتَةُ: سُرُورُ النَّفْسِ بِما يُصِيبُ غَيْرَها مِنَ الأضْرارِ، وإنَّما تَحْصُلُ مِنَ العَداوَةِ والحَسَدِ، وفِعْلُها قاصِرٌ كَفَرِحَ، ومَصْدَرُها مُخالِفٌ لِلْقِياسِ، ويَتَعَدّى الفِعْلُ إلى المَفْعُولِ بِالباءِ يُقالُ شَمِتَ بِهِ أيْ كانَ شامِتًا بِسَبَبِهِ، وأشْمَتَهُ بِهِ جَعَلَهُ شامِتًا بِهِ، وأرادَ بِالأعْداءِ
صفحة ١١٨
الَّذِينَ دَعَوْا إلى عِبادَةِ العِجْلِ؛ لِأنَّ هارُونَ أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ فَكَرِهُوهُ لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ شَماتَةُ الأعْداءِ كَلِمَةً جَرَتْ مَجْرى المَثَلِ في الشَّيْءِ الَّذِي يُلْحِقُ بِالمَرْءِ سُوءًا شَدِيدًا، سَواءٌ كانَ لِلْمَرْءِ أعْداءٌ أوْ لْمُ يَكُونُوا، جَرْيًا عَلى غالِبِ العُرْفِ.
ومَعْنى ﴿ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ لا تَحْسَبْنِي واحِدًا مِنهم، فَجَعَلَ بِمَعْنى ظَنَّ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] . والقَوْمُ الظّالِمُونَ هُمُ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ عِبادَةَ العِجْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تَجْعَلْنِي في العُقُوبَةِ مَعَهم؛ لِأنَّ مُوسى قَدْ أمَرَ بِقَتْلِ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، فَجَعَلَ عَلى أصْلِها.
وجُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ جَوابٌ عَنْ كَلامِ هارُونَ، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ، وابْتَدَأ مُوسى دُعاءَهُ فَطَلَبَ المَغْفِرَةَ لِنَفْسِهِ تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ فِيما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ، ثُمَّ طَلَبَ المَغْفِرَةَ لِأخِيهِ فِيما عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ ظَهَرَ مِنهُ مِن تَفْرِيطٍ أوْ تَساهُلٍ في رَدْعِ عَبَدَةِ العِجْلِ عَنْ ذَلِكَ.
وذِكْرُ وصْفِ الإخْوَةِ هُناكَ زِيادَةٌ في الِاسْتِعْطافِ عَسى اللَّهُ أنْ يُكْرِمَ رَسُولَهُ بِالمَغْفِرَةِ لِأخِيهِ كَقَوْلِ نُوحٍ ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ [هود: ٤٥] .
والإدْخالُ في الرَّحْمَةِ اسْتِعارَةٌ لِشُمُولِ الرَّحْمَةِ لَهُما في سائِرِ أحْوالِهِما، بِحَيْثُ يَكُونانِ مِنها كالمُسْتَقِرِّ في بَيْتٍ أوْ نَحْوِهِ مِمّا يَحْوِي، فالإدْخالُ اسْتِعارَةٌ أصْلِيَّةٌ وحَرْفُ (في) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، أوْقَعَ حَرْفُهُ الظَّرْفِيَّةَ مَوْقِعَ باءِ المُلابَسَةِ.
وجُمْلَةُ (﴿وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾) تَذْيِيلٌ، والواوُ لِلْحالِ أوِ اعْتِراضِيَّةٌ، و(﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾) الأشَدُّ رَحْمَةً مِن كُلِّ راحِمٍ.
7:152–153Page 169
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ ١٥٢
Indeed, those who took the calf [for worship] will obtain anger from their Lord and humiliation in the life of this world, and thus do We recompense the inventors [of falsehood].
وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٥٣
But those who committed misdeeds and then repented after them and believed - indeed your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.
﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَجُوزُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلى قَوْلِهِ الدُّنْيا مِن تَمامِ كَلامِ مُوسى، فَبَعْدَ أنْ دَعا لِأخِيهِ بِالمَغْفِرَةِ أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلى الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وأنَّهُ سَيَظْهَرُ أثَرُ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وسَتَنالُهم ذِلَّةٌ في الدُّنْيا وذَلِكَ بِوَحْيٍ تَلَقّاهُ، وانْتَهى كَلامُ
صفحة ١١٩
مُوسى عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وأنَّ جُمْلَةَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ خِطابٌ مِن جانِبِ اللَّهِ في القُرْآنِ، فَهو اعْتِراضٌ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ ذَيَّلَ اللَّهُ بِهَذا الِاعْتِراضِ حِكايَةَ كَلامِ مُوسى فَأخْبَرَ بِأنَّهُ يُجازِي كُلَّ مُفْتَرٍ بِمِثْلِ ما أخْبَرَ بِهِ مُوسى عَنْ مُفْتَرِيِّ قَوْمِهِ، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَكْمِلَةٌ لِلْفائِدَةِ بِبَيانِ حالَةِ أضْدادِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم وعَنْ أمْثالِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ إلى آخِرِها خِطابًا مِنَ اللَّهِ لِمُوسى، جَوابًا عَنْ دُعائِهِ لِأخِيهِ بِالمَغْفِرَةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ: أيْ قُلْنا إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ إلى آخِرِهِ، مِثْلُ ما حَكى اللَّهُ - تَعالى - عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦] الآيَةَ.
و(يَنالُهم) يُصِيبُهم.
والنَّوْلُ والنَّيْلُ: الأخْذُ وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْإصابَةِ والتَّلَبُّسِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ [الأعراف: ٣٧] في هَذِهِ السُّورَةِ، والَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ هُمُ الَّذِينَ عَبَدُوهُ فالمَفْعُولُ الثّانِي لِـ اتَّخَذُوا مَحْذُوفٌ اخْتِصارًا، أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا.
وتَعْرِيفُهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِأنَّها أخْصَرُ طَرِيقٍ في اسْتِحْضارِهِمْ بِصِفَةٍ عُرِفُوا بِها، ولِأنَّهُ يُؤْذِنُ بِسَبَبِيَّةِ ما نالَهم مِنَ العِقابِ، والمُرادُ بِالغَضَبِ ظُهُورُ أثَرِهِ مِنَ الخِذْلانِ ومَنعِ العِنايَةِ، وأمّا نَفْسُ الغَضَبِ فَهو حاصِلٌ في الحالِ.
وغَضَبُ اللَّهِ - تَعالى - إرادَتُهُ السُّوءَ بِعَبْدِهِ وعِقابُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْ في إحْداهُما، والذِّلَّةُ: خُضُوعٌ في النَّفْسِ واسْتِكانَةٌ مِن جَرّاءِ العَجْزِ عَنِ الدَّفْعِ، فَمَعْنى نَيْلِ الذِّلَّةِ إيّاهم أنَّهم يَصِيرُونَ مَغْلُوبِينَ لِمَن يَغْلِبُهم، فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِتَسْلِيطِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ، أوْ بِسَلْبِ الشُّجاعَةِ مِن نُفُوسِهِمْ، بِحَيْثُ يَكُونُونَ خائِفِينَ العَدُوَّ ولَوْ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِمْ، أوْ ذِلَّةُ الِاغْتِرابِ إذْ حَرَمَهُمُ اللَّهُ مُلْكَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ فَكانُوا بِلا وطَنٍ طُولَ حَياتِهِمْ حَتّى انْقَرَضَ ذَلِكَ الجِيلُ كُلُّهُ، وهَذِهِ الذِّلَّةُ عُقُوبَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ قَدْ لا تَمْحُوها التَّوْبَةُ، فَإنَّ التَّوْبَةَ إنَّما تَقْتَضِي العَفْوَ عَنْ عِقابِ التَّكْلِيفِ، ولا تَقْتَضِي تَرْكَ المُؤاخَذَةِ بِمَصائِبِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ العُقُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةَ مُسَبَّباتٌ تَنْشَأُ عَنْ أسْبابِها، فَلا يَلْزَمُ أنْ تَرْفَعَها التَّوْبَةُ إلّا بِعِنايَةٍ
صفحة ١٢٠
إلَهِيَّةٍ خاصَّةٍ، وهَذا يُشْبِهُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ خِطابِ الوَضْعِ وخِطابِ التَّكْلِيفِ كَما يُؤْخَذُ مِن حَدِيثِ الإسَراءِ لَمّا أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإناءَيْنِ أحَدُهُما مِن لَبَنٍ والآخَرُ مِن خَمْرٍ فاخْتارَ اللَّبَنَ فَقالَ جِبْرِيلُ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَداكَ لِلْفِطْرَةِ لَوْ أخَذْتَ الخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ، هَذا وقَدْ يَمْحُو اللَّهُ العُقُوبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ إذا رَضِيَ عَنِ الجانِي واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ.
والقَوْلُ في الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ العَظِيمِ نَجْزِي المُفْتَرِينَ.
والِافْتِراءُ الكَذِبُ الَّذِي لا شُبْهَةَ لَكاذِبِهِ في اخْتِلاقِهِ، وقَدْ مَضى في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] في سُورَةِ المائِدَةِ.
والمُرادُ بِالِافْتِراءِ الِاخْتِلاقُ في أُصُولِ الدِّينِ بِوَضْعِ عَقائِدَ لا تَسْتَنِدُ إلى دَلِيلٍ صَحِيحٍ مِن دَلالَةِ العَقْلِ أوْ مِن دَلالَةِ الوَحْيِ، فَإنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ حَذَّرَهم مِن عِبادَةِ الأصْنامِ كَما حَكاهُ اللَّهُ فِيما مَضى في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] الآياتِ الثَّلاثِ المُتَقَدِّمَةَ آنِفًا، فَجَعَلَ اللَّهُ جَزاءَهم عَلى الِافْتِراءِ الغَضَبَ والذِّلَّةَ، وذَلِكَ إذا فَعَلُوا مِثْلَهُ بَعْدَ أنْ جاءَتْهُمُ المَوْعِظَةُ مِنَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُشْرِكُو العَرَبِ أذِلّاءَ، فَلَمّا جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ وهَداهم فاسْتَمَرُّوا عَلى الِافْتِراءِ عاقَبَهُمُ اللَّهُ بِالذِّلَّةِ، فَأزالَ مَهابَتَهم مِن قُلُوبِ العَرَبِ، واسْتَأْصَلَهم قَتْلًا وأسْرًا، وسَلَبَ دِيارَهم، فَلَمّا أسْلَمَ مِنهم مَن أسْلَمُوا صارُوا أعِزَّةً بِالإسْلامِ.
ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكَذّابَ يُرْمى بِالمَذَلَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا﴾ الآيَةَ، اعْتِراضٌ بِأنَّهم إنْ تابُوا وآمَنُوا يَغْفِرِ اللَّهُ لَهم عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِن تَعْقِيبِ التَّهْدِيدِ بِالتَّرْغِيبِ، والمَغْفِرَةُ تَرْجِعُ إلى عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ في عِقابِ الآخِرَةِ، وإلى ارْتِفاعِ غَضَبِ اللَّهِ عَنْهم في المُسْتَقْبَلِ، والمُرادُ بِالسَّيِّئاتِ ما يَشْمَلُ الكُفْرَ وهو أعْظَمُ السَّيِّئاتِ.
والتَّوْبَةُ مِنهُ هي الإيمانُ.
وفِي قَوْلِهِ مِن بَعْدِها في المَوْضِعَيْنِ حَذْفُ مُضافٍ قَبْلَ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ (بَعْدُ) - وقَدْ شاعَ حَذْفُهُ - دَلَّ عَلَيْهِ عَمِلُوا أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِها، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ مَعَ ”بَعْدُ“ و”قَبْلُ“ المُضافَيْنِ إلى مُضافٍ لِلْمُضافِ إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ﴾ [البقرة: ٥١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٢١
وحَرْفُ ثُمَّ هَنا مُفِيدٌ لِلتَّراخِي، وذَلِكَ إلْجاءٌ إلى قَبُولِ التَّوْبَةِ، ولَوْ بَعْدَ زَمانٍ طَوِيلٍ مَمْلُوءٍ بِفِعْلِ السَّيِّئاتِ.
وقَوْلُهُ مِن بَعْدِها تَأْكِيدٌ لِمُفادِ المُهْلَةِ الَّتِي أفادَها حَرْفُ ثُمَّ وهَذا تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم إنْ آمَنُوا يُغْفَرْ لَهم ولَوْ طالَ أمَدُ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ.
وعُطِفَ الإيمانُ عَلى التَّوْبَةِ، مَعَ أنَّ التَّوْبَةَ تَشْمَلُهُ مِن حَيْثُ إنَّ الإيمانَ تَوْبَةٌ مِنَ الكُفْرِ، إمّا لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ أصْلُ الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - كَقَوْلِهِ ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣] إلى قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] .
ولِئَلّا يُظَنَّ أنَّ الإشْراكَ لِخُطُورَتِهِ لا تُنْجِي مِنهُ التَّوْبَةُ.
وإمّا أنْ يُرادَ بِالإيمانِ إيمانٌ خاصٌّ، وهو الإيمانُ بِإخْلاصٍ، فَيَشْمَلُ عَمَلَ الواجِباتِ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ إنَّ رَبَّكَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى الوَجْهِ الأظْهَرِ، أوْ لِمُوسى عَلى جَعْلِ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ مَقُولًا مِنَ اللَّهِ لِمُوسى.
وفِي تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالإضافَةِ تَوَسُّلٌ إلى تَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ بِأنَّهُ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ - تَعالى -، وفي ذِكْرِ وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ هُنا تَمْهِيدٌ لِوَصْفِ الرَّحْمَةِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِإنَّ ولامِ التَّوْكِيدِ وصِيغَتَيِ المُبالَغَةِ في ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهِ تَرْغِيبٌ لِلْعُصاةِ في التَّوْبَةِ، وطَرْدًا لِلْقُنُوطِ مِن نُفُوسِهِمْ، وإنْ عَظُمَتْ ذُنُوبُهم، فَلا يَحْسَبُوا تَحْدِيدَ التَّوْبَةِ بِحَدٍّ إذا تَجاوَزَتْهُ الذُّنُوبُ بِالكَثْرَةِ أوِ العِظَمِ لَمْ تُقْبَلْ مِنهُ تَوْبَةٌ.
وضَمِيرُ مِن بَعْدِها الثّانِي مُبالَغَةٌ في الِامْتِنانِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ بَعْدَ التَّمَلِّي مِنَ السَّيِّئاتِ.
وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] لِظُهُورِهِ مِنَ السِّياقِ، والتَّقْدِيرُ: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لَهم، أوْ لِكُلِّ مَن عَمِلَ سَيِّئَةً وتابَ مِنها.
7:154Page 169
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ ١٥٤
And when the anger subsided in Moses, he took up the tablets; and in their inscription was guidance and mercy for those who are fearful of their Lord.
﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾
نَظْمُ هَذا الكَلامِ مِثْلُ نَظْمِ قَوْلِهِ ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] وقَوْلِهِ ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ﴾ [الأعراف: ١٥٠]، أيْ: ثُمَّ سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ ولَمّا سَكَتَ عَنْهُ أخَذَ الألْواحَ
صفحة ١٢٢
وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ.
والسُّكُوتُ مُسْتَعارٌ لِذَهابِ الغَضَبِ عَنْهُ - شُبِّهَ ثَوَرانُ الغَضَبِ في نَفْسِ مُوسى المُنْشِئُ خَواطِرَ العُقُوبَةِ لِأخِيهِ ولِقَوْمِهِ وإلْقاءُ الألْواحِ حَتّى انْكَسَرَتْ، بِكَلامِ شَخْصٍ يُغْرِيهِ بِذَلِكَ، وحَسَّنَ هَذا التَّشْبِيهَ أنَّ الغَضْبانَ يَجِيشُ في نَفْسِهِ حَدِيثٌ لِلنَّفْسِ يَدْفَعُهُ إلى أفْعالٍ يُطْفِئُ بِها ثَوَرانَ غَضَبِهِ، فَإذا سَكَنَ غَضَبُهُ وهَدَأتْ نَفْسُهُ كانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ سُكُوتِ المُغْرِي، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ السُّكُوتُ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ تَشْبِيهَ الغَضَبِ بِالنّاطِقِ المُغْرِي عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، فاجْتَمَعَ اسْتِعارَتانِ، أوْ هو اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ لِأنَّهُ لَمْ تُذْكَرِ الهَيْئَةُ المُشَبَّهُ بِها ورُمِزَ إلَيْها بِذِكْرِ شَيْءٍ مِن رَوادِفِها وهو السُّكُوتُ وفي هَذا ما يُؤَيِّدُ أنَّ إلْقاءَ الألْواحِ كانَ أثَرًا لِلْغَضَبِ.
والتَّعْرِيفُ في الألْواحِ لِلْعَهْدِ، أيِ الألْواحَ الَّتِي ألْقاها، وإنَّما أخَذَها حِفْظًا لَها لِلْعَمَلِ بِها لِأنَّ انْكِسارَها لا يُضِيعُ ما فِيها مِنَ الكِتابَةِ.
والنُّسْخَةُ بِمَعْنى المَنسُوخِ كالخُطْبَةِ والقُبْضَةِ، والنَّسْخُ هو نَقْلُ مِثْلِ المَكْتُوبِ في لَوْحٍ أوْ صَحِيفَةٍ أُخْرى، وما يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ الألْواحَ أُخِذَتْ مِنها نُسْخَةٌ لِأنَّ النُّسْخَةَ أُضِيفَتْ إلى ضَمِيرِ الألْواحِ، وهَذا مِنَ الإيجازِ، إذِ التَّقْدِيرُ: أخَذَ الألْواحَ فَجُعِلَتْ مِنها نُسْخَةٌ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ، وهَذا يُشِيرُ إلى ما في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الرّابِعِ والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ " ثُمَّ قالَ الرَّبُّ لِمُوسى انْحِتْ لَكَ لَوْحَيْنِ مِن حَجَرٍ مِثْلَ الأوَّلَيْنِ فَأكْتُبُ أنا عَلى اللَّوْحَيْنِ الكَلِماتِ الَّتِي كانَتْ عَلى اللَّوْحَيْنِ الأوَّلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَسَرْتَهُما - ثُمَّ قالَ - فَنَحَتَ لَوْحَيْنِ مِن حَجَرٍ كالأوَّلَيْنِ إلَهانِ - قالَ -: وقالَ الرَّبُّ لِمُوسى اكْتُبْ لِنَفْسِكَ هَذِهِ الكَلِماتِ - إلى أنْ قالَ -: فَكَتَبَ عَلى اللَّوْحَيْنِ كَلِماتِ العَهْدِ الكَلِماتِ العَشْرَ.
فَوَصْفُ النُّسْخَةِ بِأنَّ فِيها هُدًى ورَحْمَةً يَسْتَلْزِمُ الأصْلَ المُنْتَسَخَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ ما في النُّسْخَةِ نَظِيرُ ما في الأصْلِ، وإنَّما ذُكِرَ لَفْظُ النُّسْخَةِ هُنا إشارَةً إلى أنَّ اللَّوْحَيْنِ الأصْلِيَّيْنِ عُوِّضا بِنُسْخَةٍ لَهُما، وقَدْ قِيلَ: إنَّ رُضاضَ الألْواحِ الأصْلِيَّةِ وضَعَهُ في تابُوتِ العَهْدِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى﴾ [البقرة: ٢٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يَتَنازَعُ تَعَلُّقَهُ كُلٌّ مِن (هُدًى) و(رَحْمَةٌ)، واللّامُ في قَوْلِهِ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ لامُ التَّقْوِيَةِ دَخَلَتْ عَلى المَفْعُولِ لِضَعْفِ العامِلِ
صفحة ١٢٣
بِتَأْخِيرِهِ عَنِ المَعْمُولِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences