Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:158–162
7:158Page 170
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨
Say, [O Muḥammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allāh to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allāh and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allāh and His words, and follow him that you may be guided.
﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِ ويُمِيتُ فَأمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ، جاءَتْ مُسْتَطْرِدَةً لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الرَّسُولِ الأُمِّيِّ، تَذْكِيرًا لِبَنِي إسْرائِيلَ بِما وعَدَ اللَّهُ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وإيقاظًا لِأفْهامِهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هو مِصْداقُ الصِّفاتِ الَّتِي عَلَّمَها اللَّهُ مُوسى.
والخِطابُ بِـ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ لِجَمِيعِ البَشَرِ، وضَمِيرُ التَّكَلُّمِ ضَمِيرُ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) بِاعْتِبارِ أنَّ في جُمْلَةِ المُخاطَبِينَ مُنْكِرِينَ ومُتَرَدِّدِينَ اسْتِقْصاءٌ في إبْلاغِ الدَّعْوَةِ إلَيْهِمْ.
وتَأْكِيدُ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِوَصْفِ (جَمِيعًا) الدّالِّ نَصًّا عَلى العُمُومِ، لِرَفْعِ احْتِمالِ تَخْصِيصِ رِسالَتِهِ بِغَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأنَّ مِنَ اليَهُودِ فَرِيقًا كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ نَبِيءٌ، ويَزْعُمُونَ أنَّهُ نَبِيءُ العَرَبِ خاصَّةً ولِذَلِكَ لَمّا قالَ رَسُولُ اللَّهِ لِابْنِ صَيّادٍ - وهو يَهُودِيٌّ - أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ، قالَ ابْنُ صَيّادٍ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. وقَدْ ثَبَتَ مِن مَذاهِبِ اليَهُودِ مَذْهَبُ فَرِيقٍ مِن يَهُودِ أصْفَهانَ يُدْعَوْنَ بِالعِيسَوِيَّةِ وهم أتَباعُ أبِي عِيسى الأصْفَهانِيِّ اليَهُودِيِّ القائِلِ بِأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلى العَرَبِ خاصَّةً لا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ اليَهُودَ فَرِيقانِ: فَرِيقٌ يَزْعُمُونَ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى لا تُنْسَخُ بِغَيْرِها. وفَرِيقٌ يَزْعُمُونَ أنَّها لا تُنْسَخُ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، ويَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ رَسُولٌ لِغَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وانْتَصَبَ (جَمِيعًا) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، بِـ (إلى) وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ مَجْمُوعِينَ، ولِذَلِكَ لَزِمَ الإفْرادَ لِأنَّهُ لا يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ.
صفحة ١٤٠
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ نَعْتٌ لِاسْمِ الجَلالَةِ، دالٌّ عَلى الثَّناءِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلْقَصْرِ، أيْ: لا لِغَيْرِهِ مِمّا يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ، فَهو قَصْرٌ إضافِيٌّ لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ.
وجُمْلَةُ لا إلَهَ إلّا هو حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قُوَّةِ مُتَفَرِّدًا بِالإلَهِيَّةِ، وهَذا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ لِتَحْقِيقِ صِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ، لا لِقَصْدِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ.
وجُمْلَةُ يُحْيِي ويُمِيتُ حالٌ.
والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الأوْصافِ الثَّلاثَةِ: تَذْكِيرُ اليَهُودِ، ووَعْظُهم، حَيْثُ جَحَدُوا نُبُوءَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وزَعَمُوا أنَّهُ لا رَسُولَ بَعْدَ مُوسى، واسْتَعْظَمُوا دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ، فَكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ مُوسى لا يُشْبِهُهُ رَسُولٌ، فَذُكِّرُوا بِأنَّ اللَّهَ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو واهِبُ الفَضائِلِ، فَلا يُسْتَعْظَمُ أنْ يُرْسِلَ رَسُولًا ثُمَّ يُرْسِلَ رَسُولًا آخَرَ؛ لِأنَّ المُلْكَ بِيَدِهِ، وبِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي لا يُشابِهُهُ أحَدٌ في إلُوهِيَّتِهِ، فَلا يَكُونُ إلَهانِ لِلْخَلْقِ. وأمّا مَرْتَبَةُ الرِّسالَةِ فَهي قابِلَةٌ لِلتَّعَدُّدِ، وبِأنَّ اللَّهَ يُحْيِي ويُمِيتُ فَكَذَلِكَ هو يُمِيتُ شَرِيعَةً ويُحْيِي شَرِيعَةً أُخْرى، وإحْياءُ الشَّرِيعَةِ إيجادُها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ: لِأنَّ الإحْياءَ حَقِيقَتُهُ إيجادُ الحَياةِ في المَوْجُودِ، ثُمَّ يُحَصَّلُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ إبْطالُ عَقِيدَةِ المُشْرِكِينَ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ وبِإنْكارِ الحَشْرِ.
وقَدِ انْتَظَمَ أنْ يُفَرَّعَ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثِ الطَّلَبُ الجازِمُ بِالإيمانِ بِهَذا الرَّسُولِ في قَوْلِهِ ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ﴾، والمَقْصُودُ طَلَبُ الإيمانِ بِالنَّبِيءِ الأُمِّيِّ لِأنَّهُ الَّذِي سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ، ولَكِنْ لَمّا صَدَرَ الأمْرُ بِخِطابِ جَمِيعِ البَشَرِ وكانَ فِيهِمْ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وفِيهِمْ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ولا يُؤْمِنُ بِالنَّبِيءِ الأُمِّيِّ، جُمِعَ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والإيمانِ بِالنَّبِيءِ الأُمِّيِّ في طَلَبٍ واحِدٍ، لِيَكُونَ هَذا الطَّلَبُ مُتَوَجِّهًا لِلْفِرَقِ كُلِّهِمْ، لِيَجْمَعُوا في إيمانِهِمْ بَيْنَ الإيمانِ بِاللَّهِ والنَّبِيءِ الأُمِّيِّ، مَعَ قَضاءِ حَقِّ التَّأدُّبِ مَعَ اللَّهِ بِجَعْلِ الإيمانِ بِهِ مُقَدَّمًا عَلى طَلَبِ الإيمانِ بِالرَّسُولِ ﷺ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الإيمانَ بِالرَّسُولِ إنَّما هو لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ، عَلى نَحْوِ ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ، وهَذا الأُسْلُوبُ نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١]
صفحة ١٤١
فَإنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ، وإنَّما المَقْصُودُ زِيادَةُ النَّهْيِ عَنِ اعْتِقادِ التَّثْلِيثِ، وهو المَقْصُودُ مِن سِياقِ الكَلامِ.
والإيمانُ بِاللَّهِ الإيمانُ بِأعْظَمِ صِفاتِهِ وهي الإلَهِيَّةُ المُتَضَمِّنُ إيّاها اسْمُ الذّاتِ، والإيمانُ بِالرَّسُولِ الإيمانُ بِأخَصِّ صِفاتِهِ وهو الرِّسالَةُ، وذَلِكَ مَعْلُومٌ مِن إناطَةِ الإيمانِ بِوَصْفِ الرَّسُولِ دُونَ اسْمِهِ العَلَمِ.
وفِي قَوْلِهِ ورَسُولِهِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ التِفاتٌ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِقَصْدِ إعْلانِ تَحَقُّقِ الصِّفَةِ المَوْعُودِ بِها في التَّوْراةِ في شَخْصِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
ووَصْفُ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ بِــ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ، بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ الأمْرِ بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ، وأنَّهُ لا مَعْذِرَةَ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ هَذا الرَّسُولَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِكَلِماتِ اللَّهِ، فَقَدِ انْدَرَجَ في الإيمانِ بِهِ الإيمانُ بِسائِرِ الأدْيانِ الإلَهِيَّةِ الحَقِّ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعالى -، في تَفْضِيلِ المُسْلِمِينَ ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] وتَقَدَّمَ مَعْنى الأُمِّيِّ قَرِيبًا.
وكَلِماتٌ جَمْعُ كَلِمَةٍ بِمَعْنى الكَلامِ مِثْلُ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] أيْ قَوْلُهُ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] . فَلِكَلِماتِ اللَّهِ تَشْمَلُ كُتُبَهُ ووَحْيَهُ لِلرُّسُلِ، وأُوثِرَ هُنا التَّعْبِيرُ بِكَلِماتِهِ، دُونَ كُتُبِهِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الإيماءُ إلى إيمانِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ، أيْ أثَرُ كَلِمَتِهِ، وهي أمْرُ التَّكْوِينِ، إذْ كانَ تَكَوُّنُ عِيسى عَنْ غَيْرِ سَبَبِ التَّكَوُّنِ المُعْتادِ بَلْ كانَ تَكَوُّنُهُ بِقَوْلِ اللَّهِ كُنْ كَما قالَ - تَعالى - ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فاقْتَضى أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُؤْمِنُ بِعِيسى، أيْ بِكَوْنِهِ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ قَطْعٌ لِمَعْذِرَةِ النَّصارى في التَّرَدُّدِ في الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ واقْتَضى أنَّ الرَّسُولَ يُؤْمِنُ بِأنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ، ولَيْسَ ابْنَ اللَّهِ، وفي ذَلِكَ بَيانٌ لِلْإيمانِ الحَقِّ، ورَدٌّ عَلى اليَهُودِ فِيما نَسَبُوهُ إلَيْهِ، ورَدٌّ عَلى النَّصارى فِيما غَلَوْا فِيهِ.
والقَوْلُ في مَعْنى الِاتِّباعِ تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ القَوْلُ في نَحْوِ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
7:159Page 170
وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٥٩
And among the people of Moses is a community1 which guides by truth and by it establishes justice.
﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾
﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨]
صفحة ١٤٢
الآيَةَ، فَهَذا تَخْصِيصٌ لِظاهِرِ العُمُومِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى﴾ [الأعراف: ١٤٨] قُصِدَ بِهِ الِاحْتِراسُ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ قَدْ عَمِلَهُ قَوْمُ مُوسى كُلُّهم، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى دَفْعِ هَذا التَّوَهُّمِ قُدِّمَ ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ عَلى مُتَعَلِّقِهِ.
وقَوْمُ مُوسى هم أتْباعُ دِينِهِ مِن قَبْلِ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَمَن بَقِيَ مُتَمَسِّكًا بَدِينِ مُوسى، بَعْدَ بُلُوغِ دَعْوَةِ الإسْلامِ إلَيْهِ، فَلَيْسَ مِن قَوْمِ مُوسى، ولَكِنْ يُقالُ هو مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِنَ اليَهُودِ، لِأنَّ الإضافَةَ في ﴿قَوْمِ مُوسى﴾ تُؤْذِنُ بِأنَّهم مُتَّبِعُو دِينِهِ الَّذِي مِن جُمْلَةِ أُصُولِهِ تَرَقُّبُ مَجِيءِ الرَّسُولِ الأُمِّيِّ ﷺ .
و(أُمَّةٌ): جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مُتَّفِقَةٌ في عَمَلٍ يَجْمَعُها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ أنَّ مِنهم في كُلِّ زَمانٍ قَبْلَ الإسْلامِ.
و﴿يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ يَهْدُونَ النّاسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن غَيْرِهِمْ بِبَثِّ فَضائِلِ الدِّينِ الإلَهِيِّ، وهو الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ بِالحَقِّ و(يَعْدِلُونَ) أيْ يَحْكُمُونَ حُكْمًا لا جَوْرَ فِيهِ.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، إذْ لا مُقْتَضِي لِإرادَةِ القَصْرِ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ حَيْثُ لَمْ يُقَدَّمِ المَجْرُورُ، والمَعْنى: أنَّهم يَحْكُمُونَ بِالعَدْلِ عَلى بَصِيرَةٍ وعِلْمٍ، ولَيْسَ بِمُجَرَّدِ مُصادَفَةِ الحَقِّ عَنْ جَهْلٍ، فَإنَّ القاضِيَ الجاهِلَ إذا قَضى بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ أحَدَ القاضِيَيْنِ اللَّذَيْنِ في النّارِ، ولَوْ صادَفَ الحَقَّ. لِأنَّهُ بِجَهْلِهِ قَدِ اسْتَخَفَّ بِحُقُوقِ النّاسِ ولا تَنْفَعُهُ مُصادَفَةُ الحَقِّ لِأنَّ تِلْكَ المُصادَفَةَ لا عَمَلَ لَهُ فِيها.
7:160Page 171
وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١٦٠
And We divided them into twelve descendant tribes1 [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people [i.e., tribe] knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.
﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾
عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٥٩] إلَخْ، فَإنَّ ذَلِكَ التَّقْطِيعَ وقَعَ في الأُمَّةِ الَّذِينَ يَهْدُونَ بِالحَقِّ.
والتَّقْطِيعُ شِدَّةٌ في القَطْعِ وهو التَّفْرِيقُ، والمُرادُ بِهِ التَّقْسِيمُ، ولَيْسَ المُرادُ بِهَذا الخَبَرِ الذَّمَّ، ولا بِالتَّقْطِيعِ العِقابَ. لِأنَّ ذَلِكَ التَّقْطِيعَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ، وهو مِن مَحاسِنِ سِياسَةِ الشَّرِيعَةِ المُوسَوِيَّةِ، ومِن مُقَدِّماتِ نِظامِ الجَماعَةِ كَما فَصَّلَهُ السِّفْرُ الرّابِعُ، وهو سِفْرُ عَدَدِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَقْسِيمِهِمْ، وهو نَظِيرُ ما فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مِن تَدْوِينِ
صفحة ١٤٣
الدِّيوانِ، وهم كانُوا مُنْتَسِبِينَ إلى أسْباطِ إسْحاقَ، ولَكِنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُقَسَّمِينَ عَشائِرَ لَمّا كانُوا في مِصْرَ، ولَمّا اجْتازُوا البَحْرَ، فَكانَ التَّقْسِيمُ بَعْدَ اجْتِيازِهِمُ البَحْرَ الأحْمَرَ، وقَبْلَ انْفِجارِ العُيُونِ، وهو ظاهِرُ القُرْآنِ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي هَذِهِ السُّورَةِ لِقَوْلِهِ فِيهِما ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ وذِكْرُهُ هُنا الِاسْتِسْقاءَ عَقِبَ الِانْقِسامِ إلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً، وذَلِكَ ضَرُورِيٌّ أنْ يَكُونَ قَبْلَ الِاسْتِسْقاءِ؛ لِأنَّهُ لَوْ وقَعَ السَّقْيُ قَبْلَ التَّقْسِيمِ لَحَصَلَ مِنَ التَّزاحُمِ عَلى الماءِ ما يُفْضِي إلى الضُّرِّ بِالقَوْمِ، وظاهِرُ التَّوْراةِ أنَّهم لَمّا مَرُّوا بِحُورِيبَ، وجاءَ شُعَيْبٌ لِلِقاءِ مُوسى: أنَّ شُعَيْبًا أشارَ عَلى مُوسى أنْ يُقِيمَ لَهم رُؤَساءَ أُلُوفٍ، ورُؤَساءَ مِئاتٍ، ورُؤَساءَ خَماسِينَ، ورُؤَساءَ عَشَراتٍ، حَسَبَ الإصْحاحِ ١٨ مِنَ الخُرُوجِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ الأُمَّةَ كانَتْ مُنْتَسِبَةً قَبائِلَ مِن قَبْلُ، لِيَسْهُلَ وضْعُ الرُّؤَساءِ عَلى الأعْدادِ، ووَقَعَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِن خُرُوجِهِمْ أنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يُحْصِيَ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ مُوسى وهارُونَ جَمَعا جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ فانْتَسَبُوا إلى عَشائِرِهِمْ وبُيُوتِ آبائِهِمْ، كَما في الإصْحاحِ الأوَّلِ مِن سِفْرِ العَدَدِ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الأسْباطِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ [البقرة: ١٣٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجِيءَ بِاسْمِ العَدَدِ بِصِيغَةِ التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ لِأنَّ السِّبْطَ أُطْلِقَ هُنا عَلى الأُمَّةِ فَحُذِفَ تَمْيِيزُ العَدَدِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ أُمَمًا عَلَيْهِ.
و(أسْباطًا) حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في وقَطَّعْناهم ولا يَجُوزُ كَوْنُهُ تَمْيِيزًا لِأنَّ تَمْيِيزَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ونَحْوِهِ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا.
وقَوْلُهُ (أُمَمًا) بَدَلٌ مِن (أسْباطًا) أوْ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وعُدِلَ عَنْ جَعْلِ أحَدِ الحالَيْنِ تَمْيِيزًا في الكَلامِ إيجازًا وتَنْبِيهًا عَلى قَصْدِ المِنَّةِ بِكَوْنِهِمْ أُمَمًا مِن آباءٍ إخْوَةٍ، وأنَّ كُلَّ سِبْطٍ مِن أُولَئِكَ قَدْ صارَ أُمَّةً قالَ - تَعالى - ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] مَعَ ما يُذْكَرُ بِهِ لَفْظُ أسْباطٍ مِن تَفْضِيلِهِمْ لِأنَّ الأسْباطَ أسْباطُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
* * *
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾
هَذا مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ حِكْمَةِ تَقْسِيمِهِمْ إلى اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا ولَمْ يُعْطَفْ هَذا الخَبَرُ بِالفاءِ لِإفادَةِ أنَّهُ مِنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ.
صفحة ١٤٤
وتَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ مَضى في مُشابِهَتِها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(انْبَجَسَتْ) مُطاوِعُ بَجَسَ إذا شَقَّ. والتَّعْقِيبُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الفاءُ تَعْقِيبٌ مَجازِيٌّ تَشْبِيهًا لِقِصَرِ المُهْلَةِ بِالتَّعْقِيبِ، ونَظايِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ ومِنهُ ما وقَعَ في خَبَرِ الشُّرْبِ إلى أُمِّ زَرْعٍ قَوْلُها ”فَلَقِيَ امْرَأةً مَعَها ولَدانِ كالفَهْدَيْنِ يَلْعَبانِ مِن تَحْتِ خَصْرِها بِرُمّانَتَيْنِ فَطَلَّقَنِي ونَكَحَها“ إذِ التَّقْدِيرُ: فَأعْجَبَتْهُ فَطَلَّقَنِي ونَكَحَها.
* * *
﴿وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
ضَمائِرُ الغَيْبَةِ راجِعَةٌ إلى قَوْمِ مُوسى، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ سِوى اخْتِلافٍ بِضَمِيرَيِ الغَيْبَةِ هُنا وضَمِيرَيِ الخِطابِ هُناكَ لِأنَّ ما هُنالِكَ قُصِدَ بِهِ التَّوْبِيخُ.
وقَدْ أُسْنِدَ فِعْلُ (قِيلَ) في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ [الأعراف: ١٦١] إلى المَجْهُولِ وأُسْنِدَ في سُورَةِ البَقَرَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ وإذْ قُلْنا لِظُهُورِ أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَصْدُرُ إلّا مِنَ اللَّهِ - تَعالى - .
7:161–162Page 171
وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٦١
And [mention, O Muḥammad], when it was said to them, "Dwell in this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins],' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٦٢
But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.
﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا تُغْفَرُ لَكم خَطِيئاتُكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ هَذِهِ الآيَةُ أيْضًا نَظِيرُ ما في سُورَةِ البَقَرَةِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ اسْكُنُوا وفي سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ ادْخُلُوا لِأنَّ القَوْلَيْنِ قِيلا لَهم، أيْ قِيلَ لَهُمُ: ادْخُلُوا واسْكُنُوها، فَفُرِّقَ ذَلِكَ عَلى القِصَّتَيْنِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَغْيِيرِ أُسْلُوبِ القَصَصِ اسْتِجْدادًا لِنَشاطِ السّامِعِ.
صفحة ١٤٥
وكَذَلِكَ اخْتِلافُ التَّعْبِيرِ في قَوْلِهِ هُنا وكُلُوا وقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَكُلُوا فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ لَهم بِما يُرادِفُ فاءَ التَّعْقِيبِ، كَما جاءَ في سُورَةِ البَقَرَةِ؛ لِأنَّ التَّعْقِيبَ مَعْنًى زائِدٌ عَلى مُطْلَقِ الجَمْعِ الَّذِي تُفِيدُهُ واوُ العَطْفِ، واقْتُصِرَ هُنا عَلى حِكايَةِ أنَّهُ قِيلَ لَهم، وكانَتْ آيَةُ البَقَرَةِ أوْلى بِحِكايَةِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ فاءُ التَّعْقِيبِ؛ لِأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ سِيقَتْ مَساقَ التَّوْبِيخِ فَناسَبَها ما هو أدَلُّ عَلى المِنَّةِ، وهو تَعْجِيلُ الِانْتِفاعِ بِخَيْراتِ القَرْيَةِ. وآياتُ الأعْرافِ سِيقَتْ لِمُجَرَّدِ العِبْرَةِ بِقِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ.
ولِأجْلِ هَذا الِاخْتِلافِ مُيِّزَتْ آيَةُ البَقَرَةِ بِإعادَةِ المَوْصُولِ وصِلَتِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ [البقرة: ٥٩] وعُوِّضَ عَنْهُ هُنا بِضَمِيرِ الَّذِينَ ظَلَمُوا لِأنَّ القَصْدَ في آيَةِ البَقَرَةِ بَيانُ سَبَبِ إنْزالِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ أُشِيرَ إلى أُولاهُما بِما يُومِئُ إلَيْهِ المَوْصُولُ مِن عِلَّةِ الحُكْمِ، وإلى الثّانِيَةِ بِحَرْفِ السَّبَبِيَّةِ، واقْتُصِرَ هُنا عَلى الثّانِي.
وقَدْ وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ لَفْظُ فَأنْزَلْنا ووَقَعَ هُنا لَفْظُ فَأرْسَلْنا ولَمّا قُيِّدَ كِلاهُما بِقَوْلِهِ مِنَ السَّماءِ كانَ مُفادُهُما واحِدًا، فالِاخْتِلافُ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ.
وعُبِّرَ هُنا ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وفي البَقَرَةِ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] لِأنَّهُ لَمّا اقْتَضى الحالُ في القِصَّتَيْنِ تَأْكِيدَ وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ وأُدِّيَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ بُقُولِهِ ﴿فَأنْزَلْنا عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩]، اسْتُثْقِلَتْ إعادَةُ لَفْظِ الظُّلْمِ هُنالِكَ ثالِثَةً، فَعُدِلَ عَنْهُ إلى ما يُفِيدُ مُفادَهُ، وهو الفِسْقُ، وهو أيْضًا أعَمُّ، فَهو أنْسَبُ بِتَذْيِيلِ التَّوْبِيخِ، وجِيءَ هُنا بِلَفْظِ (يَظْلِمُونَ) لِئَلّا يَفُوتَ تَسْجِيلُ الظُّلْمِ عَلَيْهِمْ مَرَّةً ثالِثَةً، فَكانَ تَذْيِيلُ آيَةِ البَقَرَةِ أنْسَبَ بِالتَّغْلِيطِ في ذَمِّهِمْ لِأنَّ مَقامَ التَّوْبِيخِ يَقْتَضِيهِ.
ووَقَعَ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ ولَمْ يَقَعْ لَفْظُ (مِنهم) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ووَجْهُ زِيادَتِها هُنا التَّصْرِيحُ بِأنَّ تَبْدِيلَ القَوْلِ لَمْ يَصْدُرْ مِن جَمِيعِهِمْ، وأُجْمِلَ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ آيَةَ البَقَرَةِ لَمّا سِيقَتْ مَساقَ التَّوْبِيخِ ناسَبَ إرْهابُهم بِما يُوهِمُ أنَّ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ هم جَمِيعُ القَوْمِ لِأنَّ تَبِعاتِ بَعْضِ القَبِيلَةِ تُحْمَلُ عَلى جَماعَتِها.
وقُدِّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ (﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾) عَلى قَوْلِهِ (﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾) وعُكِسَ هُنا وهو اخْتِلافٌ في الإخْبارِ لِمُجَرَّدِ التَّفَنُّنِ، فَإنَّ كِلا القَوْلَيْنِ واقِعٌ قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ.
صفحة ١٤٦
وذُكِرَ في البَقَرَةِ ﴿وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: ٥٨] ولَمْ يُذْكَرْ وصْفُ (رَغَدًا) هُنا وإنَّما حُكِيَ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ زِيادَةَ المِنَّةِ أدْخَلُ في تَقْوِيَةِ التَّوْبِيخِ.
وجُمْلَةُ (﴿سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ قَوْلَهُ ”تُغْفَرُ لَكم“ في مَقامِ الِامْتِنانِ بِإعْطاءِ نِعَمٍ كَثِيرَةٍ مِمّا يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ يَقُولُ: وهَلِ الغُفْرانُ هو قُصارى جَزائِهِمْ ؟ فَأُجِيبُ بِأنَّ بَعْدَهُ زِيادَةَ الأجْرِ عَلى الإحْسانِ، أيْ عَلى الِامْتِثالِ.
وفِي نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ ذُكِرَتْ جُمْلَةُ (﴿وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٥٨]) مَعْطُوفَةً بِالواوِ عَلى تَقْدِيرِ: قُلْنا لَهم ذَلِكَ وقُلْنا لَهم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ، فالواوُ هُنالِكَ لِحِكايَةِ الأقْوالِ، فَهي مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ أيْ قُلْنا وقُلْنا سَنَزِيدُ.
وتَقَدَّمَ أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ (أرِيحَياءُ) .
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ ”تُغْفَرُ“ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، و(خَطِيئاتُكم) بِصِيغَةِ جَمْعِ السَّلامَةِ لِلْمُؤَنَّثِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (نَغْفِرْ) بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ و(خَطِيئاتِكم) بِصِيغَةِ جَمْعِ المُؤَنَّثِ السّالِمِ أيْضًا وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو (نَغْفِرْ) بِالنُّونِ و”خَطاياكم“ بِصِيغَةِ جَمْعِ التَّكْسِيرِ، مِثْلَ آيَةِ البَقَرَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”تُغْفَرْ“ بِالفَوْقِيَّةِ ”وخَطِيئَتُكم“ بِالإفْرادِ.
والِاخْتِلافُ بَيْنَها وبَيْنَ آيَةِ البَقَرَةِ في قِراءَةِ نافِعٍ ومَن وافَقَهُ: تَفَنُّنٌ في حِكايَةِ القِصَّةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences