Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:167–170
7:167Page 172
وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٦٧
And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.
﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ واسْألْهم بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ، وضَمِيرُ عَلَيْهِمْ عائِدٌ إلى اليَهُودِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم بِالضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِمْ بِدَلالَةِ المَقامِ في قَوْلِهِ - تَعالى - واسْألْهم كَما تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى عِنْدَ قَوْلِهِ واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ فالمُتَحَدَّثَ عَنْهم بِهَذِهِ الآيَةِ لا عَلاقَةَ لَهم بِأهْلِ القَرْيَةِ الَّذِينَ عَدَوْا في السَّبْتِ.
و(تَأذَّنَ) عَلى اخْتِلافِ إطْلاقاتِهِ ومِمّا فِيهِ هُنا مُشْتَقٌّ مِنَ الإذْنِ وهو
صفحة ١٥٥
العِلْمُ، يُقالُ أذِنَ أيْ عَلِمَ، وأصْلُهُ العِلْمُ بِالخَبَرِ لِأنَّ مادَّةَ هَذا الفِعْلِ وتَصارِيفَهُ جائِيَةٌ مِنَ الأُذُنِ - اسْمِ الجارِحَةِ الَّتِي هي آلَةُ السَّمْعِ، فَهَذِهِ التَّصارِيفُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الجامِدِ نَحْوَ اسْتَحْجَرَ الطِّينُ أيْ صارَ حَجَرًا، واسْتَنْسَرَ البُغاثُ أيْ صارَ نَسْرًا. فَتَأذَّنَ: بِزِنَةٍ تَفَعَّلَ الدّالَّةِ عَلى مُطاوَعَةِ فَعَلَ، والمُطاوَعَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى قُوَّةِ حُصُولِ الفِعْلِ، فَقِيلَ هو هُنا بِمَعْنى أفْعَلَ كَما يُقالُ تَوَعَّدَ بِمَعْنى أوْعَدَ فَمَعْنى تَأذَّنَ رَبُّكَ أعْلَمَ وأخْبَرَ لَيَبْعَثَنَّ، فَيَكُونُ فِعْلُ أعْلَمَ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ بِلامِ القَسَمِ، وإلى هَذا مالَ الطَّبَرِيُّ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وهَذا قَلَقٌ مِن جِهَةِ التَّصْرِيفِ إذْ نِسْبَةُ تَأذَّنَ إلى الفاعِلِ غَيْرُ نِسْبَةِ أعْلَمَ ويَتَبَيَّنُ ذَلِكَ مِنَ التَّعَدِّي وغَيْرِهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: تَأذَّنَ تَألّى قالَ في الكَشّافِ مَعْناهُ عَزَمَ رَبُّكَ؛ لِأنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِهِ أرادَ أنَّ إشْرابَهُ مَعْنى القَسَمِ ناشِئٌ عَنْ مَجازٍ فَأُطْلِقَ التَّأذُّنُ عَلى العَزْمِ لِأنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ، فَهو يُؤْذِنُها بِفِعْلِهِ فَتَعْزِمُ نَفْسُهُ، ثُمَّ أُجْرِيَ مَجْرى فِعْلِ القَسَمِ مِثْلَ عَلِمَ اللَّهُ، وشَهِدَ اللَّهُ. ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ. قالابْنُ عَطِيَّةَ: ”وقادَهم إلى هَذا القَوْلِ دُخُولُ اللّامِ في الجَوابِ وأمّا اللَّفْظَةُ فَبَعِيدَةٌ عَنْ هَذا“ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”تَأذَّنَ رَبُّكَ قالَ رَبُّكَ“ يَعْنِي أنَّ اللَّهَ أعْلَنَ ذَلِكَ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ.
وحاصِلُ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ أعْلَمَهم بِذَلِكَ وتَوَعَّدَهم بِهِ وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] في سُورَةِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى البَعْثِ الإرْسالُ وهو هُنا مَجازٌ في التَّقْيِيضِ والإلْهامِ وهو يُؤْذِنُ بِأنَّ ذَلِكَ في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ولَيْسَ ذَلِكَ مُسْتَمِرًّا يَوْمًا فَيَوْمًا، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ فِعْلُ لَيَبْعَثَنَّ دُونَ نَحْوِ لَيُلْزِمَنَّهم، وضُمِّنَ مَعْنى التَّسْلِيطِ فَعُدِّيَ بِعَلى كَقَوْلِهِ بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا وقَوْلِهِ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ.
و(إلى يَوْمِ القِيامَةِ) غايَةٌ لِما في القَسَمِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وهي غايَةٌ مَقْصُودٌ مِنها جَعْلُ أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ ظَرْفًا لِلْبَعْثِ، لِإخْراجِ ما بَعْدَ الغايَةِ، وهَذا الِاسْتِغْراقُ لِأزْمِنَةِ البَعْثِ أيْ أنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في خِلالِ المُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ، والبَعْثُ مُطْلَقٌ لا عامٌّ.
ويَسُومُهم يَفْرِضُ عَلَيْهِمْ، وحَقِيقَةُ السَّوْمِ أنَّهُ تَقْدِيرُ العِوَضِ الَّذِي يُسْتَبْدَلُ
صفحة ١٥٦
بِهِ الشَّيْءُ، واسْتُعْمِلَ مَجازًا في المُعامَلَةِ اللّازِمَةِ بِتَشْبِيهِها بِالسَّوْمِ المُقَدِّرِ لِلشَّيْءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ [البقرة: ٤٩] وتَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ نَظِيرُهُ، فالمَعْنى يُجْعَلُ سُوءُ العَذابِ كالقِيمَةِ لَهم فَهو حَظُّهم.
وسُوءُ العَذابِ أشَدُّهُ لِأنَّ العَذابَ كُلَّهُ سُوءٌ فَسُوءُهُ الأشَدُّ فِيهِ.
والآيَةُ تُشِيرُ إلى وعِيدِ اللَّهِ إيّاهم بِأنْ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهم كُلَّما نَقَضُوا مِيثاقَ اللَّهِ - تَعالى -، وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا الوَعِيدُ مِن عَهْدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى هَلُمَّ جَرًّا كَما في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ في الثّامِنِ والعِشْرِينَ فَفِيهِ ”إنْ لَمْ تَحْرِصْ لِتَعْمَلَ بِجَمِيعِ كَلِماتِ هَذا النّامُوسِ. . . . ويُبَدِّدُكَ اللَّهُ في جَمِيعِ الشُّعُوبِ وفي تِلْكَ الأُمَمِ لا تَطْمَئِنُّ وتَرْتَعِبُ لَيْلًا ونَهارًا ولا تَأْمَن عَلى حَياتِكَ“ وفي سِفْرِ يُوشَعَ الإصْحاحِ: ٢٣ ”لِتَحْفَظُوا وتَعْمَلُوا كُلَّ المَكْتُوبِ في سِفْرِ شَرِيعَةِ مُوسى ولَكِنْ إذا رَجَعْتُمْ ولُصِقْتُمْ بِبَقِيَّةِ هَؤُلاءِ الشُّعُوبِ اعْلَمُوا يَقِينًا أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُهم لَكم سَوْطًا عَلى جَنُوبِكم وشَوْكًا في أعْيُنِكم حَتّى تَبِيدُوا حِينَما تَتَعَدَّوْنَ عَهْدَ الرَّبِّ إلَهِكم.
وأعْظَمُ هَذِهِ الوَصايا هي العَهْدُ بِاتِّباعِ الرَّسُولِ الَّذِي يُرْسَلُ إلَيْهِمْ، كَما تَقَدَّمَ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ مَعْناهُ ما دامُوا عَلى إعْراضِهِمْ وعِنادِهِمْ وكَوْنِهِمْ أتْباعَ مِلَّةِ اليَهُودِيَّةِ مَعَ عَدَمِ الوَفاءِ بِها، فَإذا أسْلَمُوا وآمَنُوا بِالرَّسُولِ النَّبِيءِ الأُمِّيِّ فَقَدْ خَرَجُوا عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ التَّأذُّنِ ودَخَلُوا فِيما وعَدَ اللَّهُ بِهِ المُسْلِمِينَ.
ولِذَلِكَ ذُيِّلَ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ أيْ لَهم، والسُّرْعَةُ تَقْتَضِي التَّحَقُّقَ، أيْ أنَّ عِقابَهُ واقِعٌ وغَيْرُ مُتَأخِّرٍ؛ لِأنَّ التَّأخُّرَ تَقْلِيلٌ في التَّحَقُّقِ إذِ التَّأخُّرُ اسْتِمْرارُ العَدَمِ مُدَّةً ما.
وأوَّلُ مَن سُلِّطَ عَلَيْهِمْ“ بُخْتَنَصَّرُ ”مَلِكُ بابِلَ، ثُمَّ تَوالَتْ عَلَيْهِمُ المَصائِبُ فَكانَ أعْظَمَها خَرابُ“ أُرْشَلِيمَ ”في زَمَنِ“ أدِرْيانُوسَ ”إمْبِراطُورِ“ رُوما " ولَمْ تَزَلِ المَصائِبُ تَنْتابُهم ويُنَفَّسُ عَلَيْهِمْ في فَتَراتٍ مَعْرُوفَةٍ في التّارِيخِ.
وأمّا قَوْلُهُ ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَهو وعْدٌ بِالإنْجاءِ مِن ذَلِكَ إذا تابُوا واتَّبَعُوا
صفحة ١٥٧
الإسْلامَ، أيْ لَغَفُورٌ لِمَن تابَ ورَجَعَ إلى الحَقِّ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ قَدْ يُنَفِّسُ عَلَيْهِمْ في فَتَراتٍ مِنَ الزَّمَنِ لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وقَدْ ألَمَّ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥] ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: ٦] ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨]
7:168Page 172
وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨
And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].
﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونُ ذَلِكَ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ وهو عَوْدٌ إلى قَصَصِ الإخْبارِ عَنْ أحْوالِهِمْ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ إشارَةً إلى تَفَرُّقِهِمْ بَعْدَ الِاجْتِماعِ، والتَّقْطِيعُ التَّفْرِيقُ، فَيَكُونُ مَحْمُودًا مِثْلَ وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا، ويَكُونُ مَذْمُومًا، فالتَّعْوِيلُ عَلى القَرِينَةِ لا عَلى لَفْظِ التَّقْطِيعِ.
فالمُرادُ مِنَ الأرْضِ الجِنْسُ أيْ في أقْطارِ الأرْضِ.
و(أُمَمًا) جَمْعُ أُمَّةٍ بِمَعْنى الجَماعَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هُنا تَقْطِيعًا مَذْمُومًا أيْ تَفْرِيقًا بَعْدَ اجْتِماعِ أُمَّتِهِمْ فَيَكُونُ إشارَةً إلى أسْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَما غَزا مَمْلَكَةَ إسْرائِيلَ ”شَلَمْناصِرُ“ مَلِكُ بابِلَ، ونَقَلَهم إلى جِبالِ أنْشُورَ وأرْضِ بابِلَ سَنَةَ: ٧٢١ قَبْلَ المِيلادِ. ثُمَّ أسَرَ ”بُخْتَنَصَّرُ“ مَمْلَكَةَ يَهُوذا ومَلَكَها سَنَةَ: ٥٧٨ قَبْلَ المِيلادِ، ونَقَلَ اليَهُودَ مِن ”أُرْشَلِيمَ“ ولَمْ يَبْقَ إلّا الفُقَراءُ والعُجَّزُ. ثُمَّ عادُوا إلى أُرْشَلِيمَ سَنَةَ: ٥٣٠ وبَنَوُا البَيْتَ المُقَدَّسَ إلى أنْ أجْلاهم ”طَيْطُوسُ“ الرُّومانِيُّ وخُرِّبَ بَيْتُ المَقْدِسِ في أوائِلِ القَرْنِ الثّانِي بَعْدَ المِيلادِ، فَلَمْ تَجْتَمِعْ أُمَّتُهم بَعْدَ ذَلِكَ فَتَمَزَّقُوا أيْدِي سَبَأٍ.
ووَصْفُ الأُمَمِ بِأنَّهم مِنهُمُ الصّالِحُونَ إيذانٌ بِأنَّ التَّفْرِيقَ شَمِلَ المُذْنِبِينَ وغَيْرَهم، وأنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلصّالِحِينَ مَنزِلَةَ إكْرامٍ عِنْدَ الأُمَمِ الَّتِي حَلُّوا بَيْنَها كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ .
صفحة ١٥٨
وشَمِلَ قَوْلُهُ ومِنهم دُونُ ذَلِكَ كُلَّ مَن لَمْ يَكُنْ صالِحًا عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِ فُقْدانِ الصَّلاحِ مِنهم.
و(الصّالِحُونَ) هُمُ المُتَمَسِّكُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسى والمُصَدِّقُونَ لِلْأنْبِياءِ المَبْعُوثِينَ مِن بَعْدِهِ والمُؤْمِنُونَ بِعِيسى بَعْدَ بِعْثَتِهِ. وأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا بَعْدَ بِعْثَةِ عِيسى غَيْرَ صالِحِينَ إلّا قَلِيلًا مِنهُمُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وزادُوا بَعْدَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ، بُعْدًا عَنِ الصَّلاحِ إلّا نَفَرًا قَلِيلًا مِنهم مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، ومُخَيْرِيقٍ.
وانْتَصَبَ (دُونَ ذَلِكَ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ وصْفًا لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مِنهم أيْ ومِنهم فَرِيقٌ دُونَ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مِن) بِمَعْنى بَعْضٍ اسْمًا عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ ذَلِكَ، فَهي مُبْتَدَأٌ، و(دُونَ) خَبَرٌ عَنْهُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ تُشِيرُ إلى تَفْرِيقِهِمْ في الأرْضِ في مُدَّةِ مُلُوكِ بابِلَ، وأنَّهم كانُوا في مُدَّةِ إقامَتِهِمْ بِبابِلَ مِنهُمُ الصّالِحُونَ مِثْلُ ”دانْيالَ“ وغَيْرِهِ، ومِنهم دُونُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ التَّقْسِيمَ بِمِنهم مُشْعِرٌ بِوَفْرَةِ كِلا الفَرِيقَيْنِ.
وقَوْلُهُ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ أيْ أظْهَرْنا مُخْتَلِفَ حالِ بَنِي إسْرائِيلَ في الصَّبْرِ والشُّكْرِ، أوْ في الجَزَعِ والكُفْرِ، بِسَبَبِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، فَهي جَمْعُ حَسَنَةٍ وسَيِّئَةٍ بِمَعْنى الَّتِي تَحْسُنُ والَّتِي تَسُوءُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وعَلى هَذا يَكُونُ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ تَفْصِيلًا لِلْبَلْوى، فالحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ مِن فِعْلِ اللَّهِ - تَعالى -، أيْ بالَتِي تَحْسُنُ لِفَرِيقِ الصّالِحِينَ وبالَّتِي تَسُوءُ فَرِيقَ غَيْرِهِمْ، تَوْزِيعًا لِحالِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ بَلَوْناهم.
وجُمْلَةُ (﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أيْ رَجاءَ أنْ يَتُوبُوا أيْ حِينَ يَذْكُرُونَ مُدَّةَ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، أوْ حِينَ يَرَوْنَ حُسْنَ حالِ الصّالِحِينَ وسُوءَ حالِ مَن هم دُونَ ذَلِكَ، عَلى حَسَبِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ.
والرُّجُوعُ هُنا الرُّجُوعُ عَنْ نَقْضِ العَهْدِ وعَنِ العِصْيانِ، وهو مَعْنى التَّوْبَةِ. هَذا كُلُّهُ جَرْيٌ عَلى تَأْوِيلِ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ في مَعْنى قَطَّعْناهم.
ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا، عَوْدًا إلى أخْبارِ المِنَنِ عَلَيْهِمْ، فَيَكُونُ كالبِناءِ عَلى قَوْلِهِ ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠]،
صفحة ١٥٩
فَيَكُونُ تَقْطِيعًا مَحْمُودًا. والمُرادُ بِالأرْضِ: أرْضُ القُدْسِ المَوْعُودَةُ لَهم أيْ لَكَثَّرْناهم فَعَمَرُوها جَمِيعَها، فَيَكُونُ ذِكْرُ الأرْضِ هُنا دُونَ آيَةِ ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم عَمَرُوها كُلَّها، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ﴾ إنْصافًا لَهم بَعْدَ ذِكْرِ أحْوالِ عُدْوانِ جَماعاتِهِمْ وصَمِّ آذانِهِمْ عَنِ المَوْعِظَةِ، وقَوْلُهُ ﴿وبَلَوْناهُمْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ عامَلَهم مَرَّةً بِالرَّحْمَةِ ومَرَّةً بِالجَزاءِ عَلى أعْمالِ دَهْمائِهِمْ.
7:169–170Page 172
فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩
And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities1 of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it2 comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture [i.e., the Torah] taken from them that they would not say about Allāh except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allāh, so will you not use reason?
وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠
But those who hold fast to the Book [i.e., the Qur’ān] and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ جُمْلَةُ فَخَلَفَ تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ وقَطَّعْناهم أنْ كانَ المُرادُ تَقْطِيعَهم في بِلادِ أعْدائِهِمْ وإخْراجَهم مِن مَمْلَكَتِهِمْ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى عَوْدَةِ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بِلادِهِمْ في عَهْدِ المَلِكِ ”كُورَشَ“ مَلِكِ الفُرْسِ في حُدُودِ سَنَةِ: ٥٣٠ قَبْلَ المِيلادِ، فَإنَّهُ لَمّا فَتَحَ بِلادَ آشُورَ أذِنَ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أسَرَهم ”بُخْتَنَصَّرُ“ أنْ يَرْجِعُوا إلى بِلادِهِمْ فَرَجَعُوا وبَنَوْا بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ خَرابِهِ عَلى يَدِ ”نَحْمِيا“ و”عِزْرا“ كَما تَضَمَّنَهُ سِفْرُ ”نَحْمِيا“ وسِفْرُ ”عِزْرا“، وكانَ مِن جُمْلَةِ ما أحْيَوْهُ أنَّهم أتَوْا بِسِفْرِ شَرِيعَةِ مُوسى الَّذِي كَتَبَهُ عِزْرا وقَرَءُوهُ عَلى الشَّعْبِ في أُورْشَلِيمَ فَيَكُونُ المُرادُ بِالخَلْفِ ما أوَّلُهُ ذَلِكَ الفَلُّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ رَجَعُوا مِن أسْرِ الآشُورِيِّينَ. والمُرادُ بِإرْثِ الكِتابِ إعادَةُ مُزاوَلَتِهِمُ التَّوْراةَ الَّتِي أخْرَجَها إلَيْهِمْ ”عِزْرا“ المَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ الإسْلامِ بِاسْمِ عُزَيْرٍ، ويَكُونُ أخْذُهم عَرَضَ الأدْنى أخْذَ بَعْضِ الخَلْفِ لا جَمِيعِهِ؛ لِأنَّ صَدْرَ ذَلِكَ الخَلْفِ كانُوا تائِبِينَ وفِيهِمْ أنْبِياءُ وصالِحُونَ.
وإنْ كانَ المُرادُ مِن تَقْطِيعِهِمْ في الأرْضِ أُمَمًا تَكْثِيرَهم والِامْتِنانَ عَلَيْهِمْ، كانَ
صفحة ١٦٠
قَوْلُهُ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ تَفْرِيعًا عَلى جَمِيعِ القَصَصِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي قَصَصُ أسْلافِهِمْ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالخَلْفِ مَن نَشَأ مِن ذُرِّيَّةِ أُولَئِكَ اليَهُودِ بَعْدَ زَوالِ الأُمَّةِ وتَفَرُّقِها، مِنهُمُ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَ ظُهُورِ الإسْلامِ وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا بِالمَدِينَةِ وإلى هَذا المَعْنى في الخَلْفِ نَحا المُفَسِّرُونَ.
والخَلْفُ - بِسُكُونِ اللّامِ - مَن يَأْتِي بَعْدَ غَيْرِهِ سابِقِهِ في مَكانٍ أوْ عَمَلٍ أوْ نَسْلٍ، يُبَيِّنُهُ المَقامُ أوِ القَرِينَةُ، ولا يَغْلِبُ فِيمَن يَخْلُفُ في أمْرٍ سَيِّءٍ، قالَهُ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ، خِلافًا لِكَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ إذْ قالُوا: الأكْثَرُ اسْتِعْمالُ الخَلْفِ - بِسُكُونِ اللّامِ - فِيمَن يَخْلُفُ في الشَّرِّ، وبِفَتْحِ اللّامِ فِيمَن يَخْلُفُ في الخَيْرِ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: يَجُوزُ التَّحْرِيكُ والإسْكانُ في الرَّدِيءِ وأمّا الحَسَنُ فَبِالتَّحْرِيكِ فَقَطْ.
وهُوَ مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ اسْمُ الفاعِلِ أيْ (خالِفٌ)، والخَلْفُ مَأْخُوذٌ مِنَ الخَلْفِ ضِدِّ القُدّامِ لِأنَّ مَن يَجِيءُ بَعْدَ قَوْمٍ فَكَأنَّهُ جاءَ مِن ورائِهِمْ، ولا حَدَّ لِآخِرِ الخَلْفِ، بَلْ يَكُونُ تَحْدِيدُهُ بِالقَرائِنِ، فَلا يَنْحَصِرُ في جِيلٍ ولا في قَرْنٍ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الخَلْفُ مُمْتَدًّا. قالَ - تَعالى - بَعْدَ ذِكْرِ الأنْبِياءِ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾ [مريم: ٥٩] فَيَشْمَلُ مَن خَلْفَهم مِن ذُرِّيّاتِهِمْ مِنَ العَرَبِ واليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّهُ ذَكَرَ مِن أسْلافِهِمْ إدْرِيسَ وهو جَدُّ نُوحٍ.
و(ورِثُوا) مَجازٌ في القِيامِ مَقامَ الغَيْرِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَوْلِهِ فِيها ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ [الأعراف: ١٠٠] فَهو بِمَعْنى الخَلْفِيَّةِ، والمَعْنى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ في إرْثِ الكِتابِ، وهَذا يَجْرِي عَلى كِلا القَوْلَيْنِ في تَخْصِيصِ الخَلْفِ لِأنَّهُ بَيانٌ لِلْفِعْلِ لا لِاسْمِ الخَلْفِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ورِثُوا، والمَقْصُودُ هو ذَمُّ الخَلْفِ بِأنَّهم يَأْخُذُونَ عَرَضَ الأدْنى ويَقُولُونَ ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾، ومُهِّدَ لِذَلِكَ بِأنَّهم ورِثُوا الكِتابَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ لا عَنْ جَهْلٍ، وذَلِكَ أشَدُّ مَذَمَّةٍ كَما قالَ - تَعالى - ﴿وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] .
ومَعْنى الأخْذِ هُنا المُلابَسَةُ والِاسْتِعْمالُ فَهو مَجازٌ أيْ: يُلابِسُونَهُ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ حَقِيقَةً كَما سَيَأْتِي.
صفحة ١٦١
والعَرَضُ - بِفَتْحِ العَيْنِ وفَتْحِ الرّاءِ - الأمْرُ الَّذِي يَزُولُ ولا يَدُومُ، ويُرادُ بِهِ المالُ، ويُرادُ بِهِ أيْضًا ما يَعْرِضُ لِلْمَرْءِ مِنَ الشَّهَواتِ والمَنافِعِ.
والأدْنى الأقْرَبُ مِنَ المَكانِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الدُّنْيا، وفي اسْمِ الإشارَةِ إيماءٌ إلى تَحْقِيرِ هَذا العَرَضِ الَّذِي رَغِبُوا فِيهِ كالإشارَةِ في قَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا يُلْفِ حاجَةً لِنَفْسِيَ إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضَـاءَهَـا
وقَدْ قِيلَ: أخْذُ عَرَضِ الدُّنْيا أُرِيدَ بِهِ مُلابَسَةُ الذُّنُوبِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والطَّبَرِيُّ، فَيَشْمَلُ كُلَّ ذَنْبٍ، ويَكُونُ الأخْذُ مُسْتَعْمَلًا في المَجازِ وهو المُلابَسَةُ، فَيَصْدُقُ بِالتَّناوُلِ بِاليَدِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ، فَهو مِن عُمُومِ المَجازِ، وقِيلَ عَرَضُ الدُّنْيا هو الرِّشا وبِهِ فَسَّرَ السُّدِّيُّ، ومُعْظَمُ المُفَسِّرِينَ، فَيَكُونُ الأخْذُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ وهو التَّناوُلُ، وقَدْ يَتَرَجَّحُ هَذا التَّفْسِيرُ بِقَوْلِهِ وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ كَما سَيَأْتِي.
والقَوْلُ في ويَقُولُونَ هو الكَلامُ اللِّسانِيُّ، يَقُولُونَ لِمَن يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ مُلابَسَةَ الذُّنُوبِ وتَناوُلَ الشَّهَواتِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ يَقُولُونَ يُناسِبُهُ الكَلامُ اللَّفْظِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامَ النَّفْسانِيَّ؛ لِأنَّهُ فَرْعٌ عَنْهُ، أيْ قَوْلُهم في أنْفُسِهِمْ يُعَلِّلُونَها بِهِ حِينَ يَجِيشُ فِيها وازِعُ النَّهْيِ، فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] وذَلِكَ مِن غُرُورِهِمْ في الدِّينِ.
وبِناءُ فِعْلِ (يُغْفَرُ) عَلى صِيغَةِ المَجْهُولِ لِأنَّ الفاعِلَ مَعْرُوفٌ، وهو اللَّهُ، إذْ لا يَصْدُرُ هَذا الفِعْلُ إلّا عَنْهُ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ العُمُومِ لا في خُصُوصِ الذَّنْبِ الَّذِي أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ، أوِ الَّذِي تَلَبَّسُوا بِهِ حِينَ القَوْلِ، ونائِبُ الفاعِلِ مَحْذُوفٌ لِعِلْمِهِ مِنَ السِّياقِ، والتَّقْدِيرُ: سَيُغْفَرُ لَنا ذَلِكَ، أوْ ذُنُوبُنا، لِأنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّ ذُنُوبَهم كُلَّها مَغْفُورَةٌ ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ يُغْفَرُ لَنا بِدُونِ سَبَبِ المَغْفِرَةِ وهو التَّوْبَةُ كَما يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ، وهو جَزْمُهم بِذَلِكَ عَقِبَ ذِكْرِ الذَّنْبِ دُونَ ذِكْرِ كَفّارَةٍ أوْ نَحْوِها.
وقَوْلُهُ (لَنا) لا يَصْلُحُ لِلنِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ لِأنَّهُ لَيْسَ في مَعْنى المَفْعُولِ، إذْ فِعْلُ
صفحة ١٦٢
المَغْفِرَةِ يَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، وأمّا المَجْرُورُ بَعْدَهُ بِاللّامِ فَهو في مَعْنى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ يُقالُ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ، كَما قالَ - تَعالى - ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] فَلَوْ بُنِيَ شُرِحَ لِلْمَجْهُولِ لَما صَحَّ أنْ يُجْعَلَ (لَكَ) نائِبًا عَنِ الفاعِلِ.
وجُمْلَةُ ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يَأْخُذُونَ لِأنَّ كِلا الخَبَرَيْنِ يُوجِبُ الذَّمَّ، واجْتِماعَهُما أشَدُّ في ذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، واسْتُعِيرَ إتْيانُ العَرَضِ لِبَذْلِهِ لَهم إنْ كانَ المُرادُ بِالعَرَضِ المالَ، وقَدْ يُرادُ بِهِ خُطُورُ شَهْوَتِهِ في نُفُوسِهِمْ إنْ كانَ المُرادُ بِالعَرَضِ جَمِيعَ الشَّهَواتِ والمَلاذِ المُحَرَّمَةِ، واسْتِعْمالُ الإتْيانِ في الذَّواتِ أنْسَبُ مِنَ اسْتِعْمالِهِ في خُطُورِ الأعْراضِ والأُمُورِ المَعْنَوِيَّةِ، لِقُرْبِ المُشابَهَةِ في الأوَّلِ دُونَ الثّانِي.
والمَعْنى: أنَّهم يَعْصُونَ، ويَزْعُمُونَ أنَّ سَيِّئاتِهِمْ مَغْفُورَةٌ، ولا يُقْلِعُونَ عَنِ المَعاصِي.
وجُمْلَةُ ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ سَيُغْفَرُ لَنا إبْطالًا لِمَضْمُونِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم سَيُغْفَرُ لَنا يَتَضَمَّنُ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِالمَغْفِرَةِ عَلى ذَلِكَ. والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ الإخْبارِ عَنِ الصّالِحِينَ وغَيْرِهِمْ. والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ إعْلامُ النَّبِيءِ ﷺ لِيَحُجَّهم بِها، فَهُمُ المَقْصُودُ بِالكَلامِ، كَما تَشْهَدُ بِهِ قِراءَةُ أفَلا تَعْقِلُونَ بِتاءِ الخِطابِ.
والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ المَقْصُودِ مِنهُ التَّوْبِيخُ، وهَذا التَّقْرِيرُ لا يَسَعُهم إلّا الِاعْتِرافُ بِهِ لِأنَّهُ صَرِيحُ كِتابِهِمْ، في الإصْحاحِ الرّابِعِ مِنَ السِّفْرِ الخامِسِ ”لا تَزِيدُوا عَلى الكَلامِ الَّذِي أُوصِيكم بِهِ ولا تُنْقِصُوا مِنهُ لِكَيْ تَحْفَظُوا وصايا الرَّبِّ“ ولا يَجِدُونَ في الكِتابِ أنَّهم يُغْفَرُ لَهم، وإنَّما يَجِدُونَ فِيهِ التَّوْبَةَ كَما في الإصْحاحِ مِن سِفْرِ التَّثْنِيَةِ، وكَما في سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ في دَعْوَةِ سُلَيْمانَ حِينَ بَنى الهَيْكَلَ في الإصْحاحِ الثّامِنِ. فَقَوْلُهم سَيُغْفَرُ لَنا تَقَوُّلٌ عَلى اللَّهِ بِما لَمْ يَقُلْهُ.
والمِيثاقُ: العَهْدُ، وهو وصِيَّةُ مُوسى الَّتِي بَلَّغَها إلَيْهِمْ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، وإضافَةُ المِيثاقِ إلى الكِتابِ عَلى مَعْنى ”في“ أوْ عَلى مَعْنى اللّامِ أيِ المِيثاقُ
صفحة ١٦٣
المَعْرُوفُ بِهِ، والكِتابُ تَوْراةُ مُوسى، وأنْ لا يَقُولُوا هو مَضْمُونُ مِيثاقِ الكِتابِ فَهو عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ قَبْلَ أنِ النّاصِبَةِ، والمَعْنى: بِأنْ لا يَقُولُوا، أيْ بِانْتِفاءِ قَوْلِهِمْ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ عَطْفَ بَيانٍ مِن (مِيثاقُ)، فَلا يُقَدَّرُ حَرْفُ جَرٍّ، والتَّقْدِيرُ: مِيثاقُ الكِتابِ انْتِفاءُ قَوْلِهِمْ عَلى اللَّهِ إلَخْ.
وفِعْلُ دَرَسُوا عُطِفَ عَلى (يُؤْخَذْ)؛ لِأنَّ (يُؤْخَذْ) في مَعْنى المُضِيِّ، لِأجْلِ دُخُولِ لَمْ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: ألَمْ يُؤْخَذْ ويَدْرُسُوا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ تَقْرِيرُهم بِأنَّهم دَرَسُوا الكِتابَ، لا الإخْبارُ عَنْهم بِذَلِكَ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا والجِبالَ أوْتادًا وخَلَقْناكم أزْواجًا وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ [النبإ: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [النبإ: ١٤] والتَّقْدِيرُ: ونَخْلُقُكم أزْواجًا ونَجْعَلُ نَوْمَكم سُباتًا، إلى آخِرِ الآيَةِ.
والمَعْنى: أنَّهم قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ بِأنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وهم عالِمُونَ بِذَلِكَ المِيثاقِ لِأنَّهم دَرَسُوا ما في الكِتابِ فَبِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ قامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ.
وجُمْلَةُ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ يَأْخُذُونَ أيْ: يَأْخُذُونَ ذَلِكَ ويَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ ويُصِرُّونَ عَلى الذَّنْبِ ويَنْبِذُونَ مِيثاقَ الكِتابِ عَلى عِلْمٍ في حالِ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ خَيْرٌ مِمّا تَعَجَّلُوهُ. وفي جَعْلِ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أيْضًا فَهم قَدْ خَيَّرُوا عَلَيْهِ عَرَضَ الدُّنْيا قَصْدًا، ولَيْسَ ذَلِكَ عَنْ غَفْلَةٍ صادَفَتْهم فَحَرَمَتْهم مِن خَيْرِ الآخِرَةِ، بَلْ هم قَدْ حَرُمُوا أنْفُسَهم، وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ أفَلا تَعْقِلُونَ المُتَفَرِّعُ عَلى قَوْلِهِ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ وقَدْ نُزِّلُوا في تَخَيُّرِهِمْ عَرَضَ الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ مَن لا عُقُولَ لَهم فَخُوطِبُوا بِـ أفَلا تَعْقِلُونَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وقَدْ قُرِئَ بِتاءِ الخِطابِ، عَلى الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، لِيَكُونَ أوْقَعَ في تَوْجِيهِ التَّوْبِيخِ إلَيْهِمْ مُواجَهَةً، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، وابْنِ ذَكْوانَ، وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَرَأ البَقِيَّةُ بِياءِ الغَيْبَةِ، فَيَكُونُ تَوْبِيخُهم تَعْرِيضِيًّا.
وفِي قَوْلِهِ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ خَسِرُوا خَيْرَ الآخِرَةِ بِأخْذِهِمْ عَرَضَ الدُّنْيا بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ لِأنَّ كَوْنَ الدّارِ الآخِرَةِ خَيْرًا مِمّا أخَذُوهُ
صفحة ١٦٤
يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ ما أخَذُوهُ قَدْ أفاتَ عَلَيْهِمْ خَيْرَ الآخِرَةِ.
وفِي جَعْلِ الآخِرَةِ خَيْرًا لِلْمُتَّقِينَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ الَّذِينَ أخَذُوا عَرَضَ الدُّنْيا بِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّ الكِنايَةَ عَنْ خُسْرانِهِمْ خَيْرَ الآخِرَةِ مَعَ إثْباتِ كَوْنِ خَيْرِ الآخِرَةِ لِلْمُتَّقِينَ تَسْتَلْزِمُ أنَّ الَّذِينَ أضاعُوا خَيْرَ الآخِرَةِ لَيْسُوا مِنَ المُتَّقِينَ، وهَذِهِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ جَمَعَها قَوْلُهُ ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وهَذا مِن حَدِّ الإعْجازِ العَجِيبِ.
ووَقَعَتْ جُمْلَةُ والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ إلى آخِرِها عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها: لِأنَّ مَضْمُونَها مُقابِلُ حُكْمِ الَّتِي قَبْلَها إذْ حُصِّلَ مِنَ الَّتِي قَبْلَها أنَّ هَؤُلاءِ الخَلْفَ الَّذِينَ أخَذُوا عَرَضَ الأدْنى قَدْ فَرَّطُوا في مِيثاقِ الكِتابِ، ولَمْ يَكُونُوا مِنَ المُتَّقِينَ، فَعُقِّبَ ذَلِكَ بِبِشارَةِ مَن كانُوا ضِدَّ أعْمالِهِمْ، وهُمُ الآخِذُونَ بِمِيثاقِ الكِتابِ والعامِلُونَ بِبِشارَتِهِ بِالرُّسُلِ، وآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأُولَئِكَ يَسْتَكْمِلُونَ أجْرَهم لِأنَّهم مُصْلِحُونَ. فَكُنِّيَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بِإقامَةِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ شِعارُ دِينِ الإسْلامِ، حَتّى سُمِّيَ أهْلُ الإسْلامِ أهْلَ القِبْلَةِ، فالمُرادُ مِن هَؤُلاءِ هم مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ بِعِيسى في الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يَتَّبِعُوا النَّصْرانِيَّةَ، لِأنَّهم وجَدُوها مُبَدَّلَةً مُحَرَّفَةً فَبَقُوا في انْتِظارِ الرَّسُولِ المُخَلِّصِ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ثُمَّ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ حِينَ بُعِثَ: مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ.
ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ: المُسْلِمُونَ: ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ الفائِزُونَ في الآخِرَةِ وتَبْشِيرًا لَهم بِأنَّهم لا يَسْلُكُونَ بِكِتابِهِمْ مَسْلَكَ اليَهُودِ بِكِتابِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ، والمُصْلِحُونَ هم، والتَّقْدِيرُ: إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهم لِأنَّهم مُصْلِحُونَ، فَطُوِيَ ذِكْرُهُمُ اكْتِفاءً بِشُمُولِ الوَصْفِ لَهم وثَناءً عَلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ البَدِيعِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences