Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:175–178
7:175Page 173
وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ١٧٥
And recite to them, [O Muḥammad], the news of him1 to whom We gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.2
صفحة ١٧٢
صفحة ١٧٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأعْرافِ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦]
أعْقَبَ ما يُفِيدُ أنَّ التَّوْحِيدَ جُعِلَ في الفِطْرَةِ بِذِكْرِ حالَةِ اهْتِداءِ بَعْضِ النّاسِ إلى نَبْذِ الشِّرْكِ في مَبْدَأِ أمْرِهِ ثُمَّ تَعْرِضُ وساوِسُ الشَّيْطانِ لَهُ بِتَحْسِينِ الشِّرْكِ.
ومُناسَبَتُها لِلَّتِي قَبْلَها إشارَةُ العِبْرَةِ مِن حالِ أحَدِ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِالتَّوْحِيدِ والِامْتِثالِ لِأمْرِ اللَّهِ، وأمَدَّهُ اللَّهُ بِعِلْمٍ يُعِينُهُ عَلى الوَفاءِ بِما عاهَدَ اللَّهَ عَلَيْهِ في الفِطْرَةِ، ثُمَّ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ كُلُّهُ حِينَ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ لَهُ الهُدى المُسْتَمِرَّ.
وشَأْنُ القَصَصِ المُفْتَتَحَةِ بِقَوْلِهِ ”﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾“ أنْ يُقْصَدَ مِنها وعْظُ المُشْرِكِينَ بِصاحِبِ القِصَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]“ إلَخْ، ويَحْصُلُ مِن ذَلِكَ أيْضًا تَعْلِيمٌ مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ نُوحٍ﴾ [يونس: ٧١] ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَأِ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ﴾ [القصص: ٣] ونَظائِرُ ذَلِكَ. فَضَمِيرُ عَلَيْهِمْ راجِعٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ وُجِّهَتْ إلَيْهِمُ العِبَرُ والمَواعِظُ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، وقَصَّتْ عَلَيْهِمْ
صفحة ١٧٤
قَصَصَ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمْ، عَلى أنَّ تَوْجِيهَ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ إلَيْهِمْ أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ، كَما قَدَّمْناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَهَذا مِن قَبِيلِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
ومُناسَبَةُ فِعْلِ التِّلاوَةِ لَهم أنَّهم كانُوا قَوْمًا تَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الأُمِّيَّةُ فَأرادَ اللَّهُ أنْ يُبَلِّغَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّعْلِيمِ ما يُساوُونَ بِهِ حالَ أهْلِ الكِتابِ في التِّلاوَةِ، فالضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِعَلى عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وكَثِيرًا ما يَجِيءُ ضَمِيرُ جَمْعِ الغائِبِ في القُرْآنِ مُرادًا بِهِ المُشْرِكُونَ كَقَوْلِهِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ.
والنَّبَأُ الخَبَرُ المَرْوِيُّ.
وظاهِرُ اسْمِ المَوْصُولِ المُفْرَدِ أنَّ صاحِبَ الصِّلَةِ واحِدٌ مُعَيَّنٌ، وأنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ حالٌ مِن أحْوالِهِ الَّتِي عُرِفَ بِها، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ صاحِبُ هَذا النَّبَأِ مِمَّنْ لِلْعَرَبِ إلْمامٌ بِمُجْمَلِ خَبَرِهِ.
فَقِيلَ المَعْنِيُّ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ، ورُوِيَ هَذا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، بِأسانِيدَ كَثِيرَةٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وقالَ القُرْطُبِيُّ في التَّفْسِيرِ: هو الأشْهَرُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِ، ذَلِكَ أنَّ أُمَيَّةَ بْنَ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيَّ كانَ مِمَّنْ أرادَ اتِّباعَ دِينٍ غَيْرَ الشِّرْكِ طالَبًا دِينَ الحَقِّ، ونَظَرَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَلَمْ يَرَ النَّجاةَ في اليَهُودِيَّةِ ولا النَّصْرانِيَّةِ، وتَزَهَّدَ وتَوَخّى الحَنِيفِيَّةَ دِينَ إبْراهِيمَ وأُخْبِرَ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ نَبِيًّا في العَرَبِ، فَطَمِعَ أنْ يَكُونَهُ، ورَفَضَ عِبادَةَ الأصْنامِ وحَرَّمَ الخَمْرَ وذَكَرَ في شِعْرِهِ أخْبارًا مِن قَصَصِ التَّوْراةِ، ويُرْوى أنَّهُ كانَتْ لَهُ إلْهاماتٌ ومُكاشَفاتٌ وكانَ يَقُولُ: كُلُّ دِينٍ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ اللَّهِ إلّا دِينَ الحَنِيفِيَّةِ زُورٌ
ولَهُ شِعْرٌ كَثِيرٌ في أُمُورِ الإلَهِيَّةِ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ أسِفَ أنْ لَمْ يَكُنْ هو الرَّسُولَ المَبْعُوثَ في العَرَبِ، وقَدِ اتَّفَقَ أنْ خَرَجَ إلى البَحْرَيْنِ قَبْلَ البَعْثَةِ وأقامَ هُنالِكَ ثَمانِ سِنِينَ ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكَّةَ فَوَجَدَ البَعْثَةَ وتَرَدَّدَ في الإسْلامِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الشّامِ ورَجَعَ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ فَلَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيءِ ﷺ حَسَدًا، ورَثى مَن قُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وخَرَجَ إلى الطّائِفِ بِلادِ قَوْمِهِ فَماتَ كافِرًا. وكانَ يَذْكُرُ في شِعْرِهِ الثَّوابَ والعِقابَ واسْمَ اللَّهِ وأسْماءَ الأنْبِياءِ، وقَدْ قالَ فِيهِ النَّبِيءُ ﷺ
صفحة ١٧٥
«كادَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ» ورُوِيَ عَنْ أُمَيَّةَ أنَّهُ قالَ لَمّا مَرِضَ مَرَضَ مَوْتِهِ ”أنا أعْلَمُ أنَّ الحَنِيفِيَّةَ حَقٌّ ولَكِنَّ الشَّكَّ يُداخِلُنِي في مُحَمَّدٍ“
فَمَعْنى ”﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾“ أنَّ اللَّهَ ألْهَمَ أُمَيَّةَ كَراهِيَةَ الشِّرْكِ، وألْقى في نَفْسِهِ طَلَبَ الحَقِّ، ويَسَّرَ لَهُ قِراءَةَ كُتُبِ الأنْبِياءِ، وحَبَّبَ إلَيْهِ الحَنِيفِيَّةَ، فَلَمّا انْفَتَحَ لَهُ بابُ الهُدى وأشْرَقَ نُورُ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ كابَرَ وحَسَدَ وأعْرَضَ عَنِ الإسْلامِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَتْ حالُهُ أنَّهُ انْسَلَخَ عَنْ جَمِيعِ ما يُسِّرَ لَهُ، ولَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ عِنْدَ إبّانِ الِانْتِفاعِ، فَكانَ الشَّيْطانُ هو الَّذِي صَرَفَهُ عَنِ الهُدى فَكانَ مِنَ الغاوِينَ، إذْ ماتَ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ .
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ نَزَلَتْ في أبِي عامِرِ بْنِ صَيْفِيٍّ الرّاهِبِ واسْمُهُ النُّعْمانُ الخَزْرَجِيُّ، وكانَ يُلَقَّبُ بِالرّاهِبِ في الجاهِلِيَّةِ لِأنَّهُ قَدْ تَنَصَّرَ في الجاهِلِيَّةِ ولَبِسَ المُسُوحَ وزَعَمَ أنَّهُ عَلى الحَنِيفِيَّةِ، فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيءُ ﷺ المَدِينَةَ دَخَلَ عَلى النَّبِيءِ فَقالَ: «يا مُحَمَّدُ ما الَّذِي جِئْتَ بِهِ ؟ قالَ: جِئْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ. قالَ: فَإنِّي عَلَيْها، فَقالَ النَّبِيءُ: لَسْتَ عَلَيْها لِأنَّكَ أدْخَلْتَ فِيها ما لَيْسَ مِنها» ”فَكَفَرَ وخَرَجَ إلى مَكَّةَ يُحَرِّضُ المُشْرِكِينَ عَلى قِتالِ النَّبِيءِ ﷺ ويَخْرُجُ مَعَهم إلى أنْ قاتَلَ في حُنَيْنٍ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَلَمّا انْهَزَمَتْ هَوازِنُ يَئِسَ وخَرَجَ إلى الشّامِ فَماتَ هُنالِكَ.
وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ وكانَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُقالُ لَهُ بَلْعامُ بْنُ باعُورَ، وذَكَرُوا قِصَّتَهُ فَخَلَطُوها وغَيَّرُوها واخْتَلَفُوا فِيها، والتَّحْقِيقُ أنَّ بِلْعامَ هَذا كانَ مِن صالِحِي أهْلِ مَدْيَنَ وعَرّافِيهِمْ في زَمَنِ مُرُورِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أرْضِ“ مُؤابَ ”ولَكِنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حالِ الصَّلاحِ، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في سِفْرِ العَدَدِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحاتِ ٢٢ - ٢٣ - ٢٤ فَلا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى هَذا القَوْلِ لِاضْطِرابِهِ واخْتِلاطِهِ.
والإيتاءُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإطْلاعِ وتَيْسِيرِ العِلْمِ مِثْلُ قَوْلِهِ وآتاهُ اللَّهُ العِلْمِ والحِكْمَةَ
و“ الآياتُ ”دَلائِلُ الوَحْدانِيَّةِ الَّتِي كَرَّهَتْ إلَيْهِ الشِّرْكَ وبَعَثَتْهُ عَلى تَطَلُّبِ الحَنِيفِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِأُمِّيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، أوْ دَلائِلِ الإنْجِيلِ عَلى صِفَةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ
صفحة ١٧٦
عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالنِّسْبَةِ لِلرّاهِبِ أبِي عامِرِ بْنِ صَيْفِيٍّ.
والِانْسِلاخُ حَقِيقَتُهُ خُرُوجُ جَسَدِ الحَيَوانِ مِن جِلْدِهِ حِينَما يُسْلَخُ عَنْهُ جِلْدُهُ، والسَّلْخُ إزالَةُ جِلْدِ الحَيَوانِ المَيِّتِ عَنْ جَسَدِهِ، واسْتُعِيرَ في الآيَةِ لِلِانْفِصالِ المَعْنَوِيِّ، وهو تَرْكُ التَّلَبُّسِ بِالشَّيْءِ أوْ عَدَمِ العَمَلِ بِهِ، ومَعْنى الِانْسِلاخُ عَنِ الآياتِ الإقْلاعُ عَنِ العَمَلِ بِما تَقْتَضِيهِ، وذَلِكَ أنَّ الآياتِ أعْلَمَتْهُ بِفَسادِ دِينِ الجاهِلِيَّةِ.
وأتْبَعَهُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وسُكُونِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ بِمَعْنى لَحِقَهُ غَيْرَ مُفْلِتٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ [طه: ٧٨] وهَذا أخَصُّ مِنِ اتَّبَعَهُ بِتَشْدِيدِ المُثَنّاةِ ووَصْلِ الهَمْزَةِ.
والمُرادُ بِالغاوِينَ: المُتَّصِفِينَ بِالغَيِّ وهو الضَّلالُ“ ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ ”أشَدُّ مُبالَغَةً في الِاتِّصافِ بِالغِوايَةِ مِن أنْ يُقالَ: وغَوى أوْ كانَ غاوِيًا، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ورُتِّبَتْ أفْعالُ الِانْسِلاخِ والِاتِّباعِ والكَوْنِ مِنَ الغاوِينَ بِفاءِ العَطْفِ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِها في الحُصُولِ، فَإنَّهُ لَمّا عانَدَ ولَمْ يَعْمَلْ بِما هَداهُ اللَّهُ إلَيْهِ حَصَلَتْ في نَفْسِهِ ظُلْمَةٌ شَيْطانِيَّةٌ مَكَّنَتِ الشَّيْطانَ مِنِ اسْتِخْدامِهِ وإدامَةِ إضْلالِهِ، فالِانْسِلاخُ عَنِ الآياتِ أثَرٌ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، وإذا أطاعَ المَرْءُ الوَسْوَسَةَ تَمَكَّنَ الشَّيْطانُ مِن مَقادِهِ، فَسَخَّرَهُ وأدامَ إضْلالَهُ، وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِ أتْبَعَهُ فَصارَ بِذَلِكَ في زُمْرَةِ الغُواةِ المُتَمَكِّنِينَ مِنَ الغِوايَةِ.
وقَوْلُهُ - تَعالى - ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦] أفادَ أنَّ تِلْكَ الآياتِ شَأْنُها أنْ تَكُونَ سَبَبًا لِلْهِدايَةِ والتَّزْكِيَةِ، لَوْ شاءَ اللَّهُ لَهُ التَّوْفِيقَ وعَصَمَهُ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ وفِتْنَتِهِ فَلَمْ يَنْسَلِخْ عَنْها، وهَذِهِ عِبْرَةٌ لِلْمُوَفَّقِينَ لِيَعْلَمُوا فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في تَوْفِيقِهِمْ، فالمَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَزادَ في العَمَلِ بِما آتَيْناهُ مِنَ الآياتِ فَلَرَفَعَهُ اللَّهُ بِعَمَلِهِ.
والرِّفْعَةُ مُسْتَعارَةٌ لِكَمالِ النَّفْسِ وزَكائِها، لِأنَّ الصِّفاتِ الحَمِيدَةَ تُخَيِّلُ صاحِبَها مُرْتَفِعًا عَلى مَن دُونَهُ، أيْ ولَوْ شِئْنا لاكْتَسَبَ بِعَمَلِهِ بِالآياتِ فَضْلًا وزَكاءً وتَمَيُّزًا بِالفَضْلِ، فَمَعْنى“ ﴿لَرَفَعْناهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] ”لَيَسَّرْنا لَهُ العَمَلَ بِها الَّذِي يُشْرُفُ بِهِ.
وقَدْ وقَعَ الِاسْتِدْراكُ عَلى مَضْمُونِ قَوْلِهِ“ ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦] ”بِذِكْرِ ما يُناقِضُ
صفحة ١٧٧
تِلْكَ المَشِيئَةَ المُمْتَنِعَةَ، وهو الِاسْتِدْراكُ بِأنَّهُ انْعَكَسَتْ حالُهُ فَأخْلَدَ إلى الأرْضِ، أيْ رَكَنَ ومالَ إلى الأرْضِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِحالِ المُتَلَبِّسِ بِالنَّقائِصِ والكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ والتَّقْوى، بِحالِ مَن كانَ مُرْتَفِعًا عَنِ الأرْضِ فَنَزَلَ مِنِ اعْتِلاءٍ إلى أسْفَلَ فَبِذِكْرِ الأرْضِ عُلِمَ أنَّ الإخْلادَ هُنا رُكُونٌ إلى السُّفْلِ أيْ تَلَبُّسٌ بِالنَّقائِصِ والمَفاسِدِ.
واتِّباعُ الهَوى تَرْجِيحُ ما يَحْسُنُ لَدى النَّفْسِ مِنَ النَّقائِصِ المَحْبُوبَةِ، عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ الحَقُّ والرُّشْدُ، فالِاتِّباعُ مُسْتَعارٌ لِلِاخْتِيارِ والمَيْلِ، والهَوى شاعَ في المَحَبَّةِ المَذْمُومَةِ الخاسِرَةِ عاقِبَتُها.
وقَدْ تَفَرَّعَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ تَمْثِيلُهُ بِالكَلْبِ اللّاهِثِ، لِأنَّ اتِّصافَهُ بِالحالَةِ الَّتِي صَيَّرَتْهُ شَبِيهًا بِحالِ الكَلْبِ اللّاهِثِ تَفَرَّعَ عَلى إخْلادِهِ إلى الأرْضِ واتِّباعِ هَواهُ، فالكَلامُ في قُوَّةٍ أنْ يُقالَ: ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ فَصارَ في شَقاءٍ وعِنادٍ كَمَثَلِ الكَلْبِ إلَخْ.
واسْتِعْمالُ القُرْآنِ لَفْظَ المَثَلِ بَعْدَ كافِ التَّشْبِيهِ مَأْلُوفٌ بِأنَّهُ يُرادُ بِهِ تَشْبِيهُ الحالَةِ بِالحالَةِ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ أنَّ التَّشْبِيهَ هُنا لا يَخْرُجُ عَنِ المُتَعارَفِ في التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ، فَهَذا الضّالُّ تَحَمَّلَ كُلْفَةَ اتِّباعِ الدِّينِ الصّالِحِ وصارَ يَطْلُبُهُ في حِينٍ كانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ بِذَلِكَ في زَمَنِ الفَتْرَةِ فَلَقِيَ مِن ذَلِكَ نَصَبًا وعَناءً، فَلَمّا حانَ حِينُ اتِّباعِ الحَقِّ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَحَمَّلَ مَشَقَّةَ العِنادِ والإعْراضِ عَنْهُ في وقْتٍ كانَ جَدِيرًا فِيهِ بِأنْ يَسْتَرِيحَ مِن عَنائِهِ لِحُصُولِ طِلْبَتِهِ فَكانَتْ حالَتُهُ شَبِيهَةً بِحالَةِ الكَلْبِ المَوْصُوفِ بِاللَّهَثِ، فَهو يَلْهَثُ في حالَةِ وُجُودِ أسْبابِ اللَّهَثِ مِنَ الطَّرْدِ والإرْهابِ والمَشَقَّةِ وهي حالَةُ الحَمْلِ عَلَيْهِ، وفي حالَةِ الخُلُوِّ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ وهي حالَةُ تَرْكِهِ في دَعَةٍ ومُسالَمَةٍ، والَّذِي يُنَبِّهُ عَلى هَذا المَعْنى هو قَوْلُهُ“ أوْ تَتْرُكْهُ ”.
ولَيْسَ لِشَيْءٍ مِنَ الحَيَوانِ حالَةٌ لِلتَّشْبِيهِ بِها في الحالَتَيْنِ غَيْرُ حالَةِ الكَلْبِ اللّاهِثِ لِأنَّهُ يَلْهَثُ إذا أتْعَبَ وإذا كانَ في دَعَةٍ، فاللَّهَثُ في أصْلِ خِلْقَتِهِ.
وهَذا التَّمْثِيلُ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ فَإنَّ اللَّهَثَ حالَةٌ تُؤْذِنُ بِحَرَجِ الكَلْبِ مِن جَرّاءِ عُسْرِ تَنَفُّسِهِ عَنِ اضْطِرابِ باطِنِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لِاضْطِرابِ باطِنِهِ سَبَبٌ آتٍ مِن غَيْرِهِ
صفحة ١٧٨
فَمَعْنى“ ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٧٦] ”إنْ تُطارِدْهُ وتُهاجِمْهُ. مُشْتَقٌّ مِنَ الحَمْلِ الَّذِي هو الهُجُومُ عَلى أحَدٍ لِقِتالِهِ، يُقالُ: حَمَلَ فُلانٌ عَلى القَوْمِ حَمْلَةً شَعْواءَ أوْ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، وقَدْ أغْفَلَ المُفَسِّرُونَ تَوْضِيحَهُ وأغْفَلَ الرّاغِبُ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ هَذا المَعْنى لِهَذا الفِعْلِ.
فَهَذا تَشْبِيهُ تَمْثِيلٍ مُرَكَّبٌ مُنْتَزَعَةٌ فِيهِ الحالَةُ المُشَبَّهَةُ والحالَةُ المُشَبَّهُ بِها مِن مُتَعَدِّدٍ، ولَمّا ذَكَرَ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ في شَقِّ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها، تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ لَها مُقابِلٌ في الحالَةِ المُشَبَّهَةِ، وتَتَقابَلُ أجْزاءُ هَذا التَّمْثِيلِ بِأنْ يُشَبَّهَ الضّالُّ بِالكَلْبِ ويُشَبَّهَ شَقاؤُهُ واضْطِرابُ أمْرِهِ في مُدَّةِ البَحْثِ عَنِ الدِّينِ بِلَهَثِ الكَلْبِ في حالَةِ تَرْكِهِ في دَعَةٍ، تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، ويُشَبَّهَ شَقاؤُهُ في إعْراضِهِ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ عِنْدَ مَجِيئِهِ بِلَهَثِ الكَلْبِ في حالَةِ طَرْدِهِ وضَرْبِهِ تَشْبِيهَ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ. وقَدْ أغْفَلَ هَذا الَّذِينَ فَسَّرُوا هَذِهِ الآيَةَ فَقَرَّرُوا التَّمْثِيلَ بِتَشْبِيهِ حالَةٍ بَسِيطَةٍ بِحالَةٍ بَسِيطَةٍ في مُجَرَّدِ التَّشْوِيهِ أوِ الخِسَّةِ، فَيَئُولُ إلى أنَّ الغَرَضَ مِن تَشْبِيهِهِ بِالكَلْبِ إظْهارُ خِسَّةِ المُشَبَّهِ، كَما دَرَجَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ، ولَوْ كانَ هَذا هو المُرادَ لَما كانَ لِذِكْرِ ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦] كَبِيرُ جَدْوى بَلْ يَقْتَصِرُ عَلى أنَّهُ لِتَشْوِيهِ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها لِتَكْتَسِبَ الحالَةُ المُشَبَّهَةُ تَشْوِيهًا، وذَلِكَ تَقْصِيرٌ في حَقِّ التَّمْثِيلِ.
والكَلْبُ حَيَوانٌ مِن ذَواتِ الأرْبَعِ ذُو أنْيابٍ وأظْفارٍ كَثِيرُ النَّبْحِ في اللَّيْلِ قَلِيلُ النَّوْمِ فِيهِ كَثِيرُ النَّوْمِ في النَّهارِ، يَأْلَفُ مَن يُعاشِرُهُ يَحْرُسُ مَكانَهُ مِنَ الطّارِقِينَ الَّذِينَ لا يَأْلَفُهم، ويَحْرُسُ الأنْعامَ الَّتِي يُعاشِرُها، ويَعْدُو عَلى الذِّئابِ ويَقْبَلُ التَّعْلِيمَ لِأنَّهُ ذَكِيٌّ.
ويَلْهَثُ إذا أتْعَبَ أوِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الحَرُّ، ويَلْهَثُ بِدُونِ ذَلِكَ لِأنَّ في خِلْقَتِهِ ضِيقًا في مَجارِي النَّفَسِ يَرْتاحُ لَهُ بِاللَّهَثِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦] في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الكَلْبِ. والخِطابُ في“ ﴿تَحْمِلْ﴾ [الأعراف: ١٧٦] ”“ وتَتْرُكْ " لِمُخاطَبٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، والمَعْنى إنْ يَحْمِلْ عَلَيْهِ حامِلٌ أوْ يَتْرُكْهُ تارِكٌ.
واللَّهَثُ سُرْعَةُ التَّنَفُّسِ مَعَ امْتِدادِ اللِّسانِ لِضِيقِ النَّفَسِ، وفِعْلُهُ بِفَتْحِ الهاءِ وبِكَسْرِها، ومُضارِعُهُ بِفَتْحِها لا غَيْرَ، والمَصْدَرُ اللَّهَثُ بِفَتْحِ اللّامِ والهاءِ ويُقالُ
صفحة ١٧٩
اللُّهاثُ بِضَمِّ اللّامِ لِأنَّهُ مِنَ الأدْواءِ. ولَيْسَ بِصَوْتٍ.
7:176Page 173
وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ١٧٦
And if We had willed, We could have elevated him thereby,1 but he adhered [instead] to the earth2 and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs.3 So relate the stories that perhaps they will give thought.
﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾
جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] الآيَتَيْنِ، والمِثالُ الحالُ أيْ ذَلِكَ التَّمْثِيلُ مَثَلٌ لِلْمُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ، تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ. لِأنَّ حالَةَ الكَلْبِ المُشْتَبَهِ شَبِيهَةٌ بِحالِ المُكَذِّبِينَ ولَيْسَتْ عَيْنَها.
والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ﴿الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] وهو صاحِبُ القِصَّةِ، هو مَثَلُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم شابَهُوهُ في أنَّهم أُوتُوا القُرْآنَ فَكَذَّبُوا بِهِ، فَكانَتْ حالُهم كَحالِ ذَلِكَ المُكَذِّبِ، والأظْهَرُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى المَثَلِ في قَوْلِهِ ﴿كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ أيْ حالُ الكَلْبِ المَذْكُورَةِ كَحالِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ في أنَّهم كانُوا يَوَدُّونَ مَعْرِفَةَ دِينِ إبْراهِيمَ، ويَتَمَنَّوْنَ مُساواةَ أهْلِ الكِتابِ في العِلْمِ والفَضْلِ، فَكانُوا بِذَلِكَ في عَناءٍ وحَيْرَةٍ في الجاهِلِيَّةِ فَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِنهم بِكِتابٍ مُبِينٍ انْتَقَلُوا إلى عَناءِ مُعانَدَتِهِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٧] وهَذا تَأْوِيلُ ما رُوِيَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ آيَةَ ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] إلى آخِرِها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ.
وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيِ اقْصُصْ هَذِهِ القِصَّةَ وغَيْرَها، وهَذا تَذْيِيلٌ لِلْقِصَّةِ المُمَثَّلِ بِها يَشْمَلُها وغَيْرَها مِنَ القَصَصِ الَّتِي في القُرْآنِ، فَإنَّ في القَصَصِ تَفَكُّرًا ومَوْعِظَةً فَيُرْجى مِنهُ تَفَكُّرُهم ومَوْعِظَتُهم، لِأنَّ لِلْأمْثالَ واسْتِحْضارِ النَّظائِرِ شَأْنًا عَظِيمًا في اهْتِداءِ النُّفُوسِ بِها وتَقْرِيبِ الأحْوالِ الخَفِيَّةِ إلى النُّفُوسِ الذّاهِلَةِ أوِ المُتَغافِلَةِ، لِما في التَّنْظِيرِ بِالقِصَّةِ المَخْصُوصَةِ مِن تَذَكُّرِ مُشاهَدَةِ الحالَةِ بِالحَواسِّ، بِخِلافِ التَّذْكِيرِ المُجَرَّدِ عَنِ التَّنْظِيرِ بِالشَّيْءِ المَحْسُوسِ.
7:177Page 173
سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٧٧
How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.
﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها جُعِلَتْ إنْشاءَ ذَمٍّ لَهم. بِأنْ كانُوا في حالَةٍ شَنِيعَةٍ
صفحة ١٨٠
وظَلَمُوا أنْفُسَهم.
والظُّلْمُ هُنا عَلى حَقِيقَتِهِ، فَإنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِما أحَلُّوهُ بِها مِنَ الكُفْرِ الَّذِي جَعَلَهم مَذْمُومِينَ في الدُّنْيا ومُعَذَّبِينَ في الآخِرَةِ.
وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ ما ظَلَمُوا إلّا أنْفُسَهم، وشَأْنُ العاقِلِ أنْ لا يُؤْذِيَ نَفْسَهُ وفِيهِ إزالَةُ تَبَجُّحِهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَتْبَعُوا مُحَمَّدًا ﷺ ظَنًّا مِنهم أنَّ ذَلِكَ يَغِيظُهُ ويَغِيظُ المُسْلِمِينَ، وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم.
وجُمْلَةُ ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى الصِّلَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهم مَعْرُوفُونَ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عِنْدَ النَّبِيءِ والمُسْلِمِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ساءَ مَثَلًا القَوْمُ﴾ فَتَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها إخْبارًا عَنْهم بِأنَّهم في تَكْذِيبِهِمْ، وانْتِفاءِ تُفَكُّرِهِمْ مِنَ القَصَصِ ما ظَلَمُوا إلّا أنْفُسَهم.
وقَوْلُهُ ﴿كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٢] أقْوى في إفادَةِ وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ مِن أنْ يُقالَ: وظَلَمُوا أنْفُسَهم، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.
7:178Page 173
مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٧٨
Whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - it is those who are the losers.
﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهْوَ المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلْقِصَّةِ والمَثَلِ وما أُعْقِبا بِهِ مِن وصْفِ حالِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُحَصِّلُ ذَلِكَ كُلَّهُ وتَجْرِي مَجْرى المَثَلِ، وذَلِكَ أعْلى أنْواعِ التَّذْيِيلِ، وفِيها تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُهْتَدِينَ وتَلْقِينٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِلتَّوَجُّهِ إلى اللَّهِ - تَعالى - بِطَلَبِ الهِدايَةِ مِنهُ والعِصْمَةِ مِن مَزالِقِ الضَّلالِ، أيْ فالَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا إلى الحَقِّ بَعْدَ أنْ جاءَهم دَلَّتْ حالُهم عَلى أنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فَحَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ.
والهِدايَةُ حَقِيقَتُها إبانَةُ الطَّرِيقِ، وتُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ الإرْشادِ لِما فِيهِ النَّفْعُ سَواءٌ اهْتَدى المَهْدِيُّ إلى ما هُدِيَ إلَيْهِ أمْ لَمْ يَهْتَدِ، قالَ - تَعالى - ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] وقالَ ﴿وأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] .
ثُمَّ قَدْ عُلِمَ أنَّ الفِعْلَ الَّذِي يُسْنَدُ إلى اللَّهِ - تَعالى - إنَّما يُرادُ بِهِ أتْقَنُ أنْواعِ تِلْكَ الماهِيَّةِ وأدْوَمُها، ما لَمْ تَقُمِ القَرِينَةُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ يَعْنِي بِهِ مَن يُقَدِّرُ اللَّهُ اهْتِداءَهُ، ولَيْسَ المَعْنى مَن يُرْشِدُهُ اللَّهُ بِالأدِلَّةِ أوْ بِواسِطَةِ الرُّسُلِ،
صفحة ١٨١
وقَدِ اسْتُفِيدَ ذَلِكَ مِنَ القِصَّةِ المُذَيَّلَةِ فَإنَّهُ قالَ فِيها ﴿الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] فَإيتاءُ الآياتِ ضَرْبٌ مِنَ الهِدايَةِ بِالمَعْنى الأصْلِيِّ، ثُمَّ قالَ فِيها ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقالَ ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] وقالَ ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٦] فَعَلِمْنا أنَّ اللَّهَ أرْشَدَهُ، ولَمْ يُقَدِّرْ لَهُ الِاهْتِداءَ، فالحالَةُ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ أنْ يَخْلُدَ إلى الأرْضِ لَيْسَتْ حالَةَ هُدًى، ولَكِنَّها حالَةُ تَرَدُّدٍ وتَجْرِبَةٍ، كَما تَكُونُ حالَةُ المُنافِقِ عِنْدَ حُضُورِهِ مَعَ المُسْلِمِينَ إذْ يَكُونُ مُتَلَبِّسًا بِمَحاسِنِ الإسْلامِ في الظّاهِرِ، ولَكِنَّهُ غَيْرُ مُبْطِنٍ لَها كَما قَدَّمْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المَعْنى هُنا: مَن يُقَدِّرِ اللَّهُ لَهُ أنْ يَكُونَ مُهْتَدِيًا فَهو المُهْتَدِي.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ جُزْأيِ الجُمْلَةِ ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي﴾ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ ادِّعائِيٌّ بِاعْتِبارِ الكَمالِ واسْتِمْرارِ الِاهْتِداءِ إلى وفاةِ صاحِبِهِ، وهي مَسْألَةُ المُوافاةِ عِنْدَ الأشاعِرَةِ، أيْ وأمّا غَيْرُهُ فَهو وإنْ بانَ مُهْتَدِيًا فَلَيْسَ بِالمُهْتَدِي لِيَنْطَبِقَ هَذا عَلى حالِ الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها وكانَ الشَّأْنُ أنْ يُرْفَعَ بِها.
وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ لَيْسَ مِن بابِ قَوْلِ أبِي النَّجْمِ ”وشِعْرِي شِعْرِي“ وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ» لِأنَّ ذَلِكَ فِيما لَيْسَ في مَفادِ الثّانِي مِنهُ شَيْءٌ زائِدٌ عَلى مَفادِ ما قَبْلَهُ بِخِلافِ ما في الآيَةِ فَإنَّ فِيها القَصْرَ.
وكَذَلِكَ القَوْلُ في ﴿ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وزِيدَ في جانِبِ الخاسِرِينَ الفَصْلُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِتَمْيِيزِهِمْ بِعُنْوانِ الخُسْرانِ تَحْذِيرًا مِنهُ، فالقَصْرُ فِيهِ مُؤَكِّدٌ.
وجُمِعَ الوَصْفُ في الثّانِي مُراعاةً لِمَعْنى مَنِ الشَّرْطِيَّةِ، وإنَّما رُوعِيَ مَعْنى مَنِ الثّانِيَةِ دُونَ الأُولى لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ ولِتَبَيُّنِ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِ مَنِ الأُولى مُفْرَدًا.
وقَدْ عُلِمَ مِن مُقابَلَةِ الهِدايَةِ بِالإضْلالِ، ومُقابَلَةِ المُهْتَدِي بِالخاسِرِ أنَّ المُهْتَدِيَ فائِزٌ رابِحٌ فَحُذِفَ ذِكْرُ رِبْحِهِ إيجازًا.
والخُسْرانُ اسْتُعِيرَ لِتَحْصِيلِ ضِدِّ المَقْصُودِ مِنَ العَمَلِ كَما يُسْتَعارُ الرِّبْحُ لِحُصُولِ
صفحة ١٨٢
الخَيْرِ مِنَ العَمَلِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩] في هَذِهِ السُّورَةِ، وفي قَوْلِهِ ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences