Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:189–193
7:189–190Page 175
۞ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٨٩
It is He who created you from one soul and created from it its mate that he1 might dwell in security with her. And when he [i.e., man] covers her,2 she carries a light burden [i.e., a pregnancy] and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allāh, their Lord, "If You should give us a good3 [child], we will surely be among the grateful."
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٩٠
But when He gives them a good [child], they1 ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allāh above what they associate with Him.
﴿هو الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾
صفحة ٢١٠
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، عادَ بِها الكَلامُ إلى تَقْرِيرِ دَلِيلِ التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ مِنَ الَّذِي سَلَفَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ ”﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]“ الآيَةَ، ولَيْسَتْ مِنَ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ [الأعراف: ١٨٨] لِأنَّ ذَلِكَ المَقُولَ قُصِدَ مِنهُ إبْطالُ المُلازِمَةِ بَيْنَ وصْفِ الرِّسالَةِ وعِلْمِ الرَّسُولِ بِالغَيْبِ، وقَدْ تَمَّ ذَلِكَ، فالمُناسِبُ أنْ يَكُونَ الغَرَضُ الآخَرُ كَلامًا مُوَجَّهًا مِنَ اللَّهِ - تَعالى - إلى المُشْرِكِينَ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِفَسادِ عُقُولِهِمْ في إشْراكِهِمْ وإشْراكِ آبائِهِمْ.
ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ جَرَيانُ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨] وضَمِيرُ الخِطابِ في ”خَلَقَكم“ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الحُجَجِ والتَّذْكِيرِ، وإنْ كانَ حُكْمُ هَذا الكَلامِ يَشْمَلُ جَمِيعَ البَشَرِ. وقَدْ صَدَّرَ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ بِنِعْمَةِ خَلْقِ النَّوْعِ المُبْتَدَأِ بِخَلْقِ أصْلِهِ وهو آدَمُ وزَوْجُهُ حَوّاءُ تَمْهِيدًا لِلْمَقْصُودِ.
وتَعْلِيقُ الفِعْلِ بِاسْمِ الجَمْعِ، في مِثْلِهِ، في الِاسْتِعْمالِ يَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ المُرادُ الكُلَّ المَجْمُوعِيَّ، أيْ جُمْلَةُ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ، أيْ خَلَقَ مَجْمُوعَ البَشَرِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَتَكُونُ النَّفْسُ هي نَفْسُ آدَمَ الَّذِي تَوَلَّدَ مِنهُ جَمِيعُ البَشَرِ.
وثانِيهِما أنْ يَكُونَ المُرادُ الكُلَّ الجَمِيعِيَّ أيْ خَلَقَ كُلَّ أحَدٍ مِنكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، فَتَكُونُ النَّفْسُ هي الأبُ، أيْ أبُو كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣] وقَوْلِهِ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩] .
ولَفْظُ ”نَفْسٍ واحِدَةٍ“ وحْدَهُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، لِأنَّ في كِلا الخَلْقَيْنِ امْتِنانًا، وفي كِلَيْهِما اعْتِبارًا واتِّعاظًا.
وقَدْ جَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ النَّفْسَ الواحِدَةَ آدَمَ وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِنهم جَعَلُوا الأبَ لِكُلِّ أحَدٍ، وهو المَأْثُورُ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومَشى عَلَيْهِ الفَخْرُ، والبَيْضاوِيُّ
صفحة ٢١١
وابْنُ كَثِيرٍ، والأصَمُّ، وابْنُ المُنِيرِ، والجُبّائِيُّ.
ووُصِفَتِ النَّفْسُ بِواحِدَةٍ عَلى أُسْلُوبِ الإدْماجِ بَيْنَ العِبْرَةِ والمَوْعِظَةِ، لِأنَّ كَوْنَها واحِدَةً أدْعى لِلِاعْتِبارِ إذْ يَنْسَلُّ مِنَ الواحِدَةِ أبْناءٌ كَثِيرُونَ حَتّى رُبَّما صارَتِ النَّفْسُ الواحِدَةُ قَبِيلَةً أوْ أُمَّةً فَفي هَذا الوَصْفِ تَذْكِيرٌ بِهَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ وسِعَةِ العِلْمِ حَيْثُ بَثَّهُ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في ذَلِكَ في طالِعَةِ سُورَةِ النِّساءِ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ في الكَلامِ اسْتِخْدامًا في ضَمِيرَيِ ”تَغَشّاها“ وما بَعْدَهُ إلى قَوْلِهِ فِيما آتاهُما وبِهَذا يَجْمَعُ تَفْسِيرُ الآيَةِ بَيْنَ كِلا الرَّأْيَيْنِ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ابْتِدائِيَّةٌ.
وعَبَّرَ في جانِبِ الأُنْثى بِفِعْلِ جَعَلَ، لِأنَّ المَقْصُودَ جَعْلُ الأُنْثى زَوْجًا لِلذَّكَرِ، لا الإخْبارُ عَنْ كَوْنِ اللَّهِ خَلَقَها، لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ .
ومِن في قَوْلِهِ وجَعَلَ مِنها لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ: مِن نَوْعِها، وقَوْلُهُ ”مِنها“ صِفَةٌ لِ ”زَوْجِها“ قُدِّمَتْ عَلى المَوْصُوفِ لِلِاهْتِمامِ بِالِامْتِنانِ بِأنْ جَعَلَ الزَّوْجَ وهو الأُنْثى مِن نَوْعِ ذَكَرِها وهَذِهِ الحِكْمَةُ مُطَّرِدَةٌ في كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنَ الحَيَوانِ.
وقَوْلُهُ لِيَسْكُنَ إلَيْها تَعْلِيلٌ لِما أفادَتْهُ ”مِن“ التَّبْعِيضِيَّةِ.
والسُّكُونُ مَجازٌ في الِاطْمِئْنانِ والتَّأنُّسِ أيْ: جَعَلَ مِن نَوْعِ الرَّجُلِ زَوْجَهُ لِيَأْلَفَها ولا يَجْفُوَ قُرْبَها، فَفي ذَلِكَ مِنَّةُ الإيناسِ بِها، وكَثْرَةُ مُمارَسَتِها لِيَنْساقَ إلى غِشْيانِها، فَلَوْ جَعَلَ اللَّهُ التَّناسُلَ حاصِلًا بِغَيْرٍ داعِي الشَّهْوَةِ لَكانَتْ نَفْسُ الرَّجُلِ غَيْرَ حَرِيصَةٍ عَلى الِاسْتِكْثارِ مِن نَسْلِهِ، ولَوْ جَعَلَهُ حاصِلًا بِحالَةِ ألَمٍ لَكانَتْ نَفْسُ الرَّجُلِ مُقِلَّةً مِنهُ، بِحَيْثُ لا تَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلّا لِلِاضْطِرارِ بَعْدَ التَّأمُّلِ والتَّرَدُّدِ، كَما يَنْصَرِفُ إلى شُرْبِ الدَّواءِ ونَحْوِهِ المُعَقِّبَةِ مَنافِعَ، وفَرَّعَ عَنْهُ بِفاءِ التَّعْقِيبِ ما يَحْدُثُ عَنْ بَعْضِ سُكُونِ الزَّوْجِ إلى زَوْجِهِ وهو الغِشْيانُ.
وصِيغَتْ هَذِهِ الكِنايَةُ بِالفِعْلِ الدّالِّ عَلى التَّكَلُّفِ لِإفادَةِ قُوَّةِ التَّمَكُّنِ مِن ذَلِكَ لِأنَّ التَّكَلُّفَ يَقْتَضِي الرَّغْبَةَ.
صفحة ٢١٢
وذُكِّرَ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في فِعْلَيْ ”يَسْكُنُ وتَغَشّى: بِاعْتِبارِ كَوْنِ ماصَدَقَ المَعادِ، وهو النَّفْسُ الواحِدَةُ ذَكَرًا وأُنِّثَ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿تَغَشّاها﴾، والمَرْفُوعُ في“ حَمَلَتْ ”، و“ مَرَّتْ ”: بِاعْتِبارِ كَوْنٍ ماصَدَقَ المَعادَ وهو زَوْجُها أُنْثى: وهو عَكْسٌ بَدِيعٌ في نَقْلِ تَرْتِيبِ الضَّمائِرِ.
ووَصْفُ الحِمْلِ بِ“ خَفِيفًا ”إدْماجٌ ثانٍ، وهو حِكايَةٌ لِلْواقِعِ، فَإنَّ الحَمْلَ في مَبْدَئِهِ لا تَجِدُ مِنهُ الحامِلُ ألَمًا، ولَيْسَ المُرادُ هُنا حَمْلًا خاصًّا، ولَكِنَّهُ الخَبَرُ عَنْ كُلِّ حَمْلٍ في أوَّلِهِ، لِأنَّ المُرادَ بِالزَّوْجَيْنِ جِنْسُهُما، فَهَذِهِ حِكايَةُ حالَةٍ تَحْصُلُ مِنها عِبْرَةٌ أُخْرى، وهي عِبْرَةُ تَطَوُّرِ الحَمْلِ كَيْفَ يَبْتَدِئُ خَفِيفًا كالعَدَمِ، ثُمَّ يَتَزايَدُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتّى يَثْقُلَ، وفي المُوَطَّأِ قالَ مالِكٌ:“ وكَذَلِكَ أيْ كالمَرِيضِ غَيْرِ المُخَوَّفِ والمَرِيضِ المُخَوَّفِ ”الحامِلُ في أوَّلِ حَمْلِها بِشْرٌ وسُرُورٌ ولَيْسَ بِمَرَضٍ ولا خَوْفٍ، لِأنَّ اللَّهَ - تَبارَكَ وتَعالى - قالَ في كِتابِهِ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ وقالَ ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ .
وحَقِيقَةُ المُرُورِ: الِاجْتِيازُ ويُسْتَعارُ لِلتَّغافُلِ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ لِلشَّيْءِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] أيْ: نَسِيَ دُعاءَنا، وأعْرَضَ عَنَ شُكْرِنا لِأنَّ المارَّ بِالشَّيْءِ لا يَقِفُ عِنْدَهُ ولا يُسائِلُهُ، وقَوْلِهِ ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] .
وقالَ - تَعالى - ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] .
فَمَعْنى ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ لَمْ تَتَفَطَّنْ لَهُ، ولَمْ تُفَكِّرْ في شَأْنِهِ، وكُلُّ هَذا حِكايَةٌ لِلْواقِعِ، وهو إدْماجٌ.
والإثْقالُ ثِقَلُ الحِمْلِ وكُلْفَتُهُ، يُقالُ أثْقَلَتِ الحامِلُ فَهي مُثْقَلٌ وأثْقَلَ المَرِيضُ فَهو مُثْقَلٌ، والهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ مِثْلُ أوْرَقَ الشَّجَرُ، فَهو مُورِقٌ كَما يُقالُ أقْرَبَتِ الحامِلُ فَهي مُقَرَّبٌ إذا قَرُبَ إبّانُ وضْعِها.
وقَدْ سَلَكَ في وصْفِ تَكْوِينِ النَّسْلِ مَسْلَكَ الإطْنابِ: لِما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِتِلْكَ الأطْوارِ، الدّالَّةِ عَلى دَقِيقِ حِكْمَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وبِلُطْفِهِ بِالإنْسانِ.
صفحة ٢١٣
وظاهِرُ قَوْلِهِ ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ أنَّ كُلَّ أبَوَيْنِ يَدْعُوانِ بِذَلِكَ، فَإنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ قُلْنا لا يَخْلُو أبْوانِ مُشْرِكانِ مِن أنْ يَتَمَنَّيا أنْ يَكُونَ لَهُما مِنَ الحَمْلِ مَوْلُودٌ صالِحٌ، سَواءٌ نَطَقا بِذَلِكَ أمْ أضْمَراهُ في نُفُوسِهِما، فَإنَّ مُدَّةَ الحَمْلِ طَوِيلَةٌ، لا تَخْلُو أنْ يَحْدُثَ هَذا التَّمَنِّي في خِلالِها، وإنَّما يَكُونُ التَّمَنِّي مِنهم عَلى اللَّهِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ يَعْتَرِفُونَ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وبِأنَّهُ هو خالِقُ المَخْلُوقاتِ ومُكَوِّنُها، ولا حَظَّ لِلْآلِهَةِ إلّا في التَّصَرُّفاتِ في أحْوالِ المَخْلُوقاتِ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ مُحاجّاتُ القُرْآنِ لَهم نَحْوُ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤] وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] في الأنْعامِ.
وإنْ حُمِلَ دَعَوا عَلى غَيْرِ ظاهِرِهِ فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الأزْواجِ الَّذِينَ يَخْطُرُ بِبالِهِمُ الدُّعاءُ.
وإجْراءُ صِفَةِ رَبَّهُما المُؤْذِنَةِ بِالرِّفْقِ والإيجادِ، لِلْإشارَةِ إلى اسْتِحْضارِ الأبَوَيْنِ هَذا الوَصْفَ عِنْدَ دُعائِهِما اللَّهَ، أيْ يَذْكُرُ أنَّهُ بِاللَّفْظِ أوْ ما يُفِيدُ مَفادَهُ، ولَعَلَّ العَرَبَ كانُوا إذا دَعَوْا بِصَلاحِ الحَمْلِ قالُوا: رَبَّنا آتِنا صالِحًا.
وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿دَعَوا اللَّهَ﴾ .
وصالِحًا وصْفٌ جَرى عَلى مَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، وظاهِرُ التَّذْكِيرِ أنَّ المَحْذُوفَ تَقْدِيرُهُ:“ ذَكَرًا ”وكانَ العَرَبُ يَرْغَبُونَ في وِلادَةِ الذُّكُورِ وقالَ - تَعالى - ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] أيِ الذُّكُورُ.
فالدُّعاءُ بِأنْ يُؤْتَيا ذَكَرًا، وأنْ يَكُونَ صالِحًا، أيْ نافِعًا: لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ الصَّلاحَ الحَقَّ، ويُنْذِرانِ: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ .
ومَعْنى فَلَمّا آتاهُما صالِحًا لَمّا آتى مَن آتاهُ مِنهم ولَدًا صالِحًا، وضَمِيرُ“ جَعَلا ”لِلنَّفْسِ الواحِدَةِ وزَوْجِها، أيْ جَعَلَ الأبَوانِ المُشْرِكانِ.
و“ الشِّرْكُ ”مُصْدَرُ شَرَكَهُ في كَذا، أيْ جَعَلا لِلَّهِ شَرِكَةً، والشَّرِكَةُ تَقْتَضِي شَرِيكًا أيْ جَعَلا لِلَّهِ شَرِيكًا فِيما آتاهُما اللَّهُ، والخَبَرُ مُرادٌ مِنهُ مَعَ الإخْبارِ التَّعْجِيبُ مِن سَفَهِ آرائِهِمْ، إذْ لا يَجْعَلُ رَشِيدُ الرَّأْيِ شَرِيكًا لِأحَدٍ في مِلْكِهِ وصُنْعِهِ بِدُونِ حَقٍّ، فَلِذَلِكَ عُرِفَ المَشْرُوكُ فِيهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ فَقِيلَ“ فِيما آتاهُما ”دُونَ الإضْمارِ بِأنْ يُقالَ:
صفحة ٢١٤
جَعَلا لَهُ شِرْكًا فِيهِ: لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن فَسادِ ذَلِكَ الجَعْلِ، وظُلْمِ جاعِلِهِ، وعَدَمِ اسْتِحْقاقِ المَجْعُولِ شَرِيكًا لِما جُعِلَ لَهُ، وكُفْرانِ نِعْمَةِ ذَلِكَ الجاعِلِ، إذْ شَكَرَ لِمَن لَمْ يُعْطِهِ، وكَفَرَ مَن أعْطاهُ، وإخْلافِ الوَعْدِ المُؤَكَّدِ.
وجَعَلَ المَوْصُولَ“ ما ”دُونَ“ مَن ”بِاعْتِبارِ أنَّهُ عَطِيَّةٌ، أوْ لِأنَّ حالَةَ الطُّفُولَةِ أشْبَهُ بِغَيْرِ العاقِلِ.
وهَذا الشِّرْكُ لا يَخْلُو عَنْهُ أحَدٌ مِنَ الكُفّارِ في العَرَبِ، وبِخاصَّةٍ أهْلُ مَكَّةَ، فَإنَّ بَعْضَ المُشْرِكِينَ يَجْعَلُ ابْنَهُ سادِنًا لِبُيُوتِ الأصْنامِ، وبَعْضُهم يَحْجُرُ ابْنُهُ إلى صَنَمٍ لِيَحْفَظَهُ ويَرْعاهُ، وخاصَّةً في وقْتِ الصِّبا، وكُلُّ قَبِيلَةٍ تَنْتَسِبُ إلى صَنَمِها الَّذِي تَعْبُدُهُ، وبَعْضُهم يُسَمِّي ابْنَهُ: عَبْدَ كَذا، مُضافًا إلى اسْمِ صَنَمٍ كَما سَمَّوْا عَبْدَ العُزّى، وعَبْدَ شَمْسٍ، وعَبْدَ مَناةَ، وعَبْدَ يالِيلَ، وعَبْدَ ضَخْمٍ، وكَذَلِكَ امْرُؤُ القَيْسِ، وزَيْدُ مَناءَةَ، لِأنَّ الإضافَةَ عَلى مَعْنى التَّمْلِيكِ والتَّعْبِيدِ، وقَدْ قالَ أبُو سُفْيانَ، يَوْمَ أُحُدٍ:“ اعْلُ هُبَلُ ”وقالَتِ امْرَأةُ الطُّفَيْلِ لِزَوْجِها الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ حِينَ أسْلَمَ وأمَرَها بِأنْ تُسْلِمَ“ لا نَخْشى عَلى الصِّبْيَةِ مِن (ذِي الشَّرى) شَيْئًا ”ذُو الشَّرى صَنَمٌ.
وجُمْلَةُ ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْ إشْراكِهِمْ كُلِّهِ: ما ذُكِرَ مِنهُ آنِفًا مِن إشْراكِ الوالِدَيْنِ مَعَ اللَّهِ فِيما آتاهُما، وما لَمْ يَذْكُرْ مِن أصْنافِ إشْراكِهِمْ.
ومَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ فَتَعالى اللَّهُ مَوْقِعٌ بَدِيعٌ، لِأنَّ التَّنْزِيهَ عَمّا أحْدَثُوهُ مِنَ الشِّرْكِ يَتَرَتَّبُ عَلى ما قَبْلُهُ مِنَ انْفِرادِهِ بِالخَلْقِ العَجِيبِ، والمِنَنِ العَظِيمَةِ، فَهو مُتَعالٍ عَنْ إشْراكِهِمْ لا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، ولَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ بِحَقٍّ، وهو إنْشاءُ تَنْزِيهٍ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ مُخاطَبٌ.
وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ يُشْرِكُونَ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المَوْجُودِينَ لِأنَّ الجُمْلَةَ كالنَّتِيجَةِ لِما سَبَقَها مِن دَلِيلِ خَلْقِ اللَّهِ إيّاهم.
وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ وأحْمَدُ حَدِيثًا عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، في تَسْوِيلِ الشَّيْطانِ لِحَوّاءَ أنْ تُسَمِّيَ ولَدَها عَبَدَ الحارِثِ، والحارِثُ اسْمُ إبْلِيسَ، قالَ التِّرْمِذِيُّ:
صفحة ٢١٥
حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، ووَسَمَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ في أحْكامِ القُرْآنِ، بِالضَّعْفِ، وتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ القُرْطُبِيُّ وبَيَّنَ ابْنُ كَثِيرٍ ما في سَنَدِهِ مِنَ العِلَلِ عَلى أنَّ المُفَسِّرِينَ ألْصَقُوهُ بِالآيَةِ وجَعَلُوهُ تَفْسِيرًا لَها، ولَيْسَ فِيهِ عَلى ضَعْفِهِ أنَّهُ فُسِّرَ بِهِ الآيَةُ ولَكِنَّ التِّرْمِذِيَّ جَعَلَهُ في بابِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الأعْرافِ مِن سُنَنِهِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الخِطابُ في ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ لِقُرَيْشٍ خاصَّةً، والنَّفْسُ الواحِدَةُ هو قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً مِن خُزاعَةَ فَلَمّا آتاهُما اللَّهُ أوْلادًا أرْبَعَةً ذُكُورًا سَمّى ثَلاثَةً مِنهم عَبْدَ مَنافٍ، وعَبْدَ العُزّى، وعَبْدَ الدّارِ، وسَمّى الرّابِعَ“ عَبْدًا ”بِدُونِ إضافَةٍ وهو الَّذِي يُدْعى بِعَبْدِ قُصَيٍّ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ، وأبُو جَعْفَرٍ:“ شِرْكًا ”بِكَسْرِ الشِّينِ وسُكُونِ الرّاءِ أيِ اشْتِراكًا مَعَ اللَّهِ، والمَفْعُولُ الثّانِي لَفِعْلِ“ جَعَلا ”مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ جَعَلا لَهُ الأصْنامَ شِرْكًا، وقَرَأ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ“ شُرَكاءَ ”بِضَمِّ الشِّينِ جَمْعُ شَرِيكٍ، والقِراءَتانِ مُتَّحِدَتانِ مَعْنًى.
وفِي جُمْلَةِ ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ مُحَسِّنٌ مِنَ البَدِيعِ وهو مَجِيءُ الكَلامِ مُتَّزِنًا عَلى مِيزانِ الشِّعْرِ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ قَصِيدَةً، فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَدْخُلُ في مِيزانِ الرَّمَلِ.
وفِيها الِالتِفاتُ مِنَ الخِطابِ الَّذِي سَبَقَ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ ولَيْسَ عائِدًا إلى ما قَبْلُهُ، لِأنَّ ما قَبْلُهُ كانَ بِصِيغَةِ المُثَنّى خَمْسَ مَرّاتٍ مِن قَوْلِهِ“ ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾ ”إلى قَوْلِهِ“ ﴿فِيما آتاهُما﴾ " .
7:191–192Page 175
أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ١٩١
Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?
وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٢
And they [i.e., the false deities] are unable to [give] them help, nor can they help themselves.
﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾
هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ كَلامٌ مُعْتَرَضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ المَسُوقَيْنِ لِتَوْبِيخِ المُشْرِكِينَ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، مُخاطِبٌ بِها النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُسْلِمُونَ، لِلتَّعْجِيبِ مِن عُقُولِ المُشْرِكِينَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ يَبْلُغُ مَسامِعَهم.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والإنْكارِ.
وصِيغَةُ المُضارِعِ في ”يُشْرِكُونَ“ دالَّةٌ عَلى تَجَدُّدِ هَذا الإشْراكِ مِنهم. ونَفْيُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ ”ما لا يَخْلُقُ“ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ نَفْيِ الخالِقِيَّةِ عَنْهم.
صفحة ٢١٦
وأصْلُ مَعْنى التَّجَدُّدِ، الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ المُسْنَدُ الفِعْلِيُّ، هو حُدُوثُ مَعْنى المُسْنَدِ لِلْمُسْنِدِ إلَيْهِ، وأنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ثُبُوتٍ وتَقَرُّرٍ، فَيُعْلَمُ مِنهُ: أنَّهم لا يَخْلُقُونَ في الِاسْتِقْبالِ، وأنَّهم ما خَلَقُوا شَيْئًا في الماضِي، لِأنَّهُ لَوْ كانَ الخَلْقُ صِفَةً ثابِتَةً لَهم لَكانَ مُتَقَرِّرًا في الماضِي والحالِ والِاسْتِقْبالِ.
وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ يَجُوزُ عِنْدِي: أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يُشْرِكُونَ“، أيْ: والمُشْرِكُونَ يُخْلَقُونَ، ومَعْنى الحالِ زِيادَةُ تَفْظِيعِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ لِإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ أصْنافًا لا تَخْلُقُ شَيْئًا في حالِ أنَّ المُشْرِكِينَ يُخْلَقُونَ يَوْمًا فَيَوْمًا، أيْ يَتَجَدَّدُ خَلْقُهم، والمُشْرِكُونَ يُشاهِدُونَ الأصْنامَ جاثِمَةً في بُيُوتِها ومَواضِعِها لا تَصْنَعُ شَيْئًا، فَصِيغَةُ المُضارِعِ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ بِقَرِينَةِ المَقامِ.
ودَلالَةُ المُضارِعِ عَلى الِاسْتِمْرارِ والتَّكَرُّرِ دَلالَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ مَعْنى التَّجَدُّدِ الَّذِي في أصْلِ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ، وهي دَلالَةٌ مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّرْكِيبِ بِحَسَبِ القَرائِنِ المُعَيِّنَةِ لَها ولا تُوصَفُ بِحَقِيقَةٍ ولا مَجازٍ لِذَلِكَ، ومَعْنى تَجَدُّدِ مَخْلُوقِيَّتِهِمْ: هو أنَّ الضَّمِيرَ صادِقٌ بِأُمَّةٍ وجَماعَةٍ، فالمَخْلُوقِيَّةُ لا تُفارِقُهم لِأنَّها تَتَجَدَّدُ آنًا فَآنًا بِازْدِيادِ المَوالِيدِ، وتَغَيُّرِ أحْوالِ المَواجِيدِ، كَما قالَ - تَعالى - ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦] فَتَكُونُ جُمْلَةُ ”وهم يُخْلَقُونَ“ حالًا مِن ضَمِيرِ ”أيُشْرِكُونَ“ .
والمُفَسِّرُونَ أعادُوا ضَمِيرَ ”هم يُخْلَقُونَ“ عَلى ”ما لا يَخْلُقُ“، أيِ الأصْنامُ، ولَمْ يُبَيِّنُوا مَعْنى كَوْنِ الأصْنامِ مَخْلُوقَةً وهي صُوَرٌ نَحَتَها النّاسُ، ولَيْسَتْ صُوَرُها مَخْلُوقَةً لِلَّهِ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ المُرادَ أنَّ مادَّتَها مَخْلُوقَةٌ وهي الحِجارَةُ.
وجَعَلُوا إجْراءَ ضَمائِرِ العُقَلاءِ في قَوْلِهِ ”وهم“ وقَوْلِهِ ”يُخْلَقُونَ“ وما بَعْدَهُ عَلى الأصْنامِ وهي جَماداتٌ لِأنَّهم نُزِّلُوا مَنزِلَةَ العُقَلاءِ، بِناءً عَلى اعْتِقادِ المَحْجُوجِينَ فِيهِمْ، ولا يَظْهَرُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وجْهُ الإتْيانِ بِفِعْلِ ”يُخْلَقُونَ“ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِأنَّ هَذا الخَلْقَ غَيْرُ مُتَجَدِّدٍ.
والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِاللّامِ في ”لَهم نَصْرًا“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، لِأنَّ المَجْرُورَ بِاللّامِ بَعْدَ فِعْلِ الِاسْتِطاعَةِ ونَحْوِهِ هو الَّذِي لِأجْلِهِ يَقَعُ الفِعْلُ مِثْلَ ”﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٧]“
صفحة ٢١٧
وجُمْلَةُ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا“ فَتَكُونُ صِلَةً ثانِيَةً.
والقَوْلُ في الفِعْلَيْنِ مِن ”لا يَسْتَطِيعُونَ“ ”﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾“ كالقَوْلِ في ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا.
وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ في ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ لِلِاهْتِمامِ بِنَفْيِ هَذا النَّصْرِ عَنْهم، لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى عَجْزِ تِلْكَ الآلِهَةِ لِأنَّ مَن يُقَصِّرُ في نَصْرِ غَيْرِهِ لا يُقَصِّرُ في نَصْرِ نَفْسِهِ لَوْ قَدَرَ.
والمَعْنى: أنْ الأصْنامَ لا يَنْصُرُونَ مَن يَعْبُدُونَهم إذا احْتاجُوا لِنَصْرِهِمْ ولا يَنْصُرُونَ أنْفُسَهم إنْ رامَ أحَدٌ الِاعْتِداءَ عَلَيْها.
والظّاهِرُ أنَّ تَخْصِيصَ النَّصْرِ مِن بَيْنِ الأعْمالِ الَّتِي يَتَخَيَّلُونَ أنْ تَقُومَ بِها الأصْنامُ مَقْصُودٌ مِنهُ تَنْبِيهُ المُشْرِكِينَ عَلى انْتِفاءِ مَقْدِرَةِ الأصْنامِ عَلى نَفْعِهِمْ، إذْ كانَ النَّصْرُ أشَدَّ مَرْغُوبٍ لَهم، لِأنَّ العَرَبَ كانُوا أهْلَ غاراتٍ وقِتالٍ وتِراتٍ، فالِانْتِصارُ مِن أهَمِّ الأُمُورِ لَدَيْهِمْ قالَ - تَعالى - ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ [يس: ٧٤] ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ [يس: ٧٥] وقالَ - تَعالى - ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١] ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ [مريم: ٨٢]، قالَ أبُو سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ: ”أعْلُ هُبْلُ“ وقالَ أيْضًا: ”لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم“ وأنَّ اللَّهَ أعْلَمَ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالبِشارَةِ بِأنَّ المُشْرِكِينَ سَيُغْلَبُونَ. قالَ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٢] وأنَّهم سَيَمْحَقُونَ الأصْنامَ ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ الذَّبَّ عَنْها.
7:193Page 175
وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ ١٩٣
And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.
﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتْبَعُوكم سَواءٌ عَلَيْكم أدَعْوَتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ”أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا“ زِيادَةً في التَّعْجِيبِ مِن حالِ المُشْرِكِينَ بِذِكْرِ تَصْمِيمِهِمْ عَلى الشِّرْكِ عَلى ما فِيهِ مِن سَخافَةِ العُقُولِ ووَهَنِ الدَّلِيلِ، بَعْدَ ذِكْرِ ما هو كافٍ لِتَزْيِيفِهِ.
فَضَمِيرُ الخِطابِ المَرْفُوعِ في وإنْ تَدْعُوهم مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ، وضَمِيرُ جَمْعِ الغائِبِ المَنصُوبِ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ كَما عادَ
صفحة ٢١٨
ضَمِيرُ ”أيُشْرِكُونَ“ فَبَعْدَ أنْ عَجَّبَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن حالِ أهْلِ الشِّرْكِ أنْبَأهم بِأنَّهم لا يَقْبَلُونَ الدَّعْوَةَ إلى الهُدى.
ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى الغالِبِ مِنهم، وإلّا فَقَدْ آمَنَ بَعْضُهم بَعْدَ حِينٍ وتَلاحَقُوا بِالإيمانِ، عَدا مَن ماتُوا عَلى الشِّرْكِ.
وهَذا الوَجْهُ هو الألْيَقُ بِقَوْلِهِ - تَعالى - بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ [الأعراف: ١٩٨] الآيَةَ، لِيَكُونَ المُخْبَرُ عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ المُخْبَرِ عَنْهم في الآيَةِ الآتِيَةِ؛ لِظُهُورِ تَفاوُتِ المَوْقِعِ بَيْنَ ”لا يَتْبَعُوكم“ وبَيْنَ ”لا يَسْمَعُوا“ .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى﴾ إلَخْ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ في قَوْلِهِ ﴿لا يَخْلُقُ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١] فَيَكُونُ ضَمِيرُ الخِطابِ في ”تَدْعُوهم“ خِطابًا لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ الحَدِيثُ عَنْهم بِضَمائِرِ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ”﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]“ إلى هُنا، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وإنْ يَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتْبَعُوهم، فَيَكُونُ العُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الغَيْبَةِ إلى طَرِيقِ الخِطابِ التِفاتًا مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ تَوَجُّهًا إلَيْهِمْ بِالخِطابِ لِأنَّ الخِطابَ أوْقَعُ في الدَّمْغِ بِالحُجَّةِ.
و”الهُدى“ عَلى هَذا الوَجْهِ ما يُهْتَدى إلَيْهِ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ أنَّهم لا يَسْتَجِيبُونَ إذا دَعَوْتُمُوهم إلى ما فِيهِ خَيْرُهم فَيُعْلَمُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهم إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَكانَ عَدَمُ اتِّباعِهِمْ دَعْوَتَهم أوْلى.
وجُمْلَةُ ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتْبَعُوكُمْ﴾ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ.
و”سَواءٌ“ اسْمٌ لِلشَّيْءِ المُساوِي غَيْرَهُ أيْ لَيْسَ أوْلى مِنهُ في المَعْنى المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، والهَمْزَةُ الَّتِي بَعْدَ ”سَواءٌ“ يُقالُ لَها هَمْزَةُ التَّسْوِيَةِ، وأصْلُها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ اسْتُعْمِلَتْ في التَّسْوِيَةِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - (﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ آنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ سَواءٌ دَعْوَتُكم إيّاهم وصَمْتُكم عَنِ الدَّعْوَةِ.
و”عَلى“ فِيها لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهي بِمَعْنى العِنْدِيَّةِ أيْ: سَواءٌ عِنْدَهم. وإنَّما جُعِلَ الأمْرانِ سَواءٌ عَلى المُخاطَبِينَ ولَمْ يُجْعَلا سَواءً عَلى المَدْعُوِّينَ فَلَمْ يَقُلْ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦]، وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا سَواءً عَلَيْهِمْ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الكَلامِ هو تَأْيِيسُ
صفحة ٢١٩
المُخاطَبِينَ مِنَ اسْتِجابَةِ المَدْعُوِّينَ إلى ما يَدْعُونَهم إلَيْهِ لا الإخْبارُ، وإنْ كانَ المَعْنَيانِ مُتَلازِمَيْنِ كَما أنَّهُما في قَوْلِهِ ”﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ آنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]“ مُتَلازِمانِ فَإنَّ الإنْذارَ وعَدَمَهُ سَواءٌ: عَلى المُشْرِكِينَ، وعَلى المُؤْمِنِينَ، ولَكِنَّ الغَرَضَ هُنالِكَ بَيانُ انْعِدامِ انْتِفاعِهِمْ بِالهُدى.
وهَذا هو القانُونُ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ ما يَصِحُّ أنْ يُسْنَدَ فِيهِ فِعْلُ التَّسْوِيةِ إلى جانِبَيْنِ وبَيْنَ ما يَتَعَيَّنُ أنْ يُسْنَدَ فِيهِ إلى جانِبٍ واحِدٍ إذا كانَتِ التَّسْوِيَةُ لا تُهِمُّ إلّا جانِبًا واحِدًا، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] فَإنَّهُ يَتَعَيَّنُ أنْ تُجْعَلَ التَّسْوِيَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخاطَبِينَ، ولا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ سَواءٌ عَلَيْنا وكَقَوْلِهِ ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] فَإنَّهُ يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ التَّسْوِيَةُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُتَكَلِّمِينَ.
ووَقَعَ قَوْلُهُ ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ مُعادِلَ ﴿أدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ مَعَ اخْتِلافِ الأُسْلُوبِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ بِالفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ، فَلَمْ يَقُلْ أمْ صَمَتُّمْ، فَفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ، عَنْ ثَعْلَبٍ: أنَّ ذَلِكَ لِأنَّهُ رَأْسُ آيَةٍ أيْ لِمُجَرَّدِ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ قالَ: وصامِتُونَ وصَمَتُّمْ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ واحِدٌ، (أيِ الفِعْلُ والوَصْفُ المُشْتَقُّ مِنهُ سَواءٌ) يُرِيدُ لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما في أصْلِ المَعْنى لِأنَّ ما بَعْدَ هَمْزَةِ التَّسْوِيَةِ لَمّا كانَ في قُوَّةِ المَصْدَرِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أثَرٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الفِعْلِ والِاسْمِ إذِ التَّقْدِيرُ: سَواءٌ عَلَيْكم دَعْوَتُكم إيّاهم وصَمْتُكم عَنْهم، فَيَكُونُ العُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لَيْسَ لَهُ مُقْتَضٍ مِنَ البَلاغَةِ بَلْ هُما عِنْدَ البَلِيغِ سِيّانَ، ولَكِنَّ العُدُولَ إلى الِاسْمِيَّةِ مِن مُقْتَضى الفَصاحَةِ، لِأنَّ الفَواصِلَ والأسْجاعَ مِن أفانِينِ الفَصاحَةِ، وفِيهِما تَظْهَرُ بَراعَةُ الكَلامِ إذْ يَكُونُ فِيهِ إيفاءٌ بِحَقِّ الفاصِلَةِ مَعَ السَّلامَةِ مِنَ التَّكَلُّفِ، كَما تَظْهَرُ بَراعَةُ الشّاعِرِ في تَوْفِيَتِهِ بِحَقِّ القافِيَةِ إذا سَلَمَ مَعَ ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ، قالَ المَرْزُوقِيُّ في دِيباجَةِ شَرْحِهِ عَلى الحَماسَةِ: ”والقافِيَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ كالمَوْعُودِ بِهِ المُنْتَظَرِ يَتَشَوَّقُها المَعْنى بِحَقِّهِ، واللَّفْظُ بِقِسْطِهِ، وإلّا كانَتْ قَلِقَةً في مَقَرِّها مُجْتَلَبَةً لِمُسْتَغْنٍ عَنْها“ .
والتَّحْقِيقُ أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ دَلَّتْ عَلى ثُبُوتِ الوَصْفِ المُتَضَمَّنِهِ، مَعَ عَدَمِ تَقْيِيدٍ بِزَمانٍ ولا إفادَةِ تَجَدُّدٍ، بِخِلافِ الفِعْلِيَّةِ، وهو صَرِيحُ كَلامِ الشَّيْخِ في دَلائِلِ الإعْجازِ، والسَّكاكِيِّ في المِفْتاحِ، لَكِنَّ كَلامَ الزَّمَخْشَرِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ يُنادِي
صفحة ٢٢٠
عَلى أنَّ جُمْلَةَ ﴿أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ دالَّةٌ عَلى اسْتِمْرارِ صَمْتِهِمْ، وكَذَلِكَ كَلامُ السَّكاكِيِّ في إبْداءِ الفَرْقِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] وفي قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قالُوا آمَنّا﴾ [الأعراف: ١٢١] مَعَ قَوْلِهِ، عَقِبَهُ ﴿قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، وظاهِرُ كَلامِ الشِّيرازِيِّ في شَرْحِ المِفْتاحِ أنَّ الثُّبُوتَ يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِمْرارَ، وقالَ الشّارِحُ التَّفْتازانِيُّ، في شَرْحِ المِفْتاحِ: الحَقُّ أنْ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الَّتِي تَكُونُ عُدُولًا عَنِ الفِعْلِيَّةِ تُفِيدُ الدَّوامَ الَّذِي هو كالثُّبُوتِ، وفَسَّرَ في شَرْحِ تَلْخِيصِ المِفْتاحِ الثُّبُوتَ بِمُقارَنَةِ الدَّوامِ. وأمّا السَّيِّدُ في شَرْحِ المِفْتاحِ، وحاشِيَتِهِ عَلى المُطَوَّلِ، فَقَدْ جَعَلَ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ قَدْ يُقْصَدُ بِها الدَّوامُ إثْباتًا ونَفْيًا بِحَسْبَ المَقاماتِ، وعِنْدِي أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ لا تُفِيدُ أكْثَرَ مِنَ الثُّبُوتِ المُقابِلِ لِلتَّجَدُّدِ، وأمّا الِاسْتِمْرارُ والدَّوامُ فَهو مَعْنًى كِنائِيٍّ لَها يَحْتاجُ في اسْتِفادَتِهِ إلى القَرِينَةِ المُعَيِّنَةِ وهي مَنفِيَّةٌ هُنا، فالمَعْنى: سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم دَعْوَةً مُتَجَدِّدَةً أمْ لازَمْتُمُ الصَّمْتَ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى الدَّوامِ، وقَدِ احْتاجَ صاحِبُ الكَشّافِ إلى بَيانِهِ بِطَرِيقَةِ الدِّقَّةِ بِإيرادِ السُّؤالِ والجَوابِ عَلى عادَتِهِ، وأيًّا ما كانَ فالعُدُولُ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ في مُعادِلِ التَّسْوِيَةِ اقْتَضاهُ الحالُ البَلاغِيُّ خِلافًا لِثَعْلَبٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences