Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:16–19

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:16–19

7:16–17Page 152

قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ١٦

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them [i.e., mankind] on Your straight path.

ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ ١٧

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾

الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ والتَّسَبُّبِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] - ثُمَّ قَوْلُهُ - ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥] .

فَقَدْ دَلَّ مَضْمُونُ ذَيْنِكَ الكَلامَيْنِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ في نَفْسِ إبْلِيسَ مَقْدِرَةً عَلى إغْواءِ النّاسِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] وإنَّهُ جَعَلَهُ باقِيًا مُتَصَرِّفًا بِقُواهُ الشِّرِّيرَةُ إلى يَوْمِ البَعْثِ، فَأحَسَّ إبْلِيسُ أنَّهُ سَيَكُونُ داعِيَةً إلى الضَّلالِ والكُفْرِ، بِجِبِلَّةٍ قَلَبَهُ اللَّهُ إلَيْها قَلْبًا وهو مِنَ المَسْخِ النَّفْسانِيِّ، وإنَّهُ فاعِلٌ ذَلِكَ لا مَحالَةَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ ما يَصْدُرُ عَنْهُ هو ضَلالٌ وفَسادٌ، فَصُدُورُ ذَلِكَ مِنهُ كَصُدُورِ النَّهْشِ مِنَ الحَيَّةِ، وكَتَحَرُّكِ الأجْفانِ عِنْدَ مُرُورِ شَيْءٍ عَلى العَيْنِ، وإنْ كانَ صاحِبُ العَيْنِ لا يُرِيدُ تَحْرِيكَهُما.

والباءُ في قَوْلِهِ: ”﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾“ سَبَبِيَّةٌ وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِن فاعِلِ لَأقْعُدَنَّ، أيْ أُقْسِمُ لَأقْعُدَنَّ لَهم حالَ كَوْنِ ذَلِكَ مِنِّي بِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ. واللّامُ في لَأقْعُدَنَّ لامُ القَسَمِ: قَصْدُ تَأْكِيدِ حُصُولِ ذَلِكَ وتَحْقِيقِ العَزْمِ عَلَيْهِ.

صفحة ٤٧

وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى عامِلِهِ لِإفادَةِ مَعْنى التَّعْلِيلِ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ اسْتُحِقَّ التَّقْدِيمُ فَإنَّ المَجْرُورَ إذا قُدِّمَ قَدْ يُفِيدُ مَعْنًى قَرِيبًا مِنَ الشَّرْطِيَّةِ، كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «كَما تَكُونُوا يُوَلّى عَلَيْكم» في رِوايَةٍ جَزَمَ تَكُونُوا مَعَ عَدَمِ مُعامَلَةِ عامِلِهِ مُعامَلَةَ جَوابِ الشَّرْطِ بِعَلامَةِ الجَزْمِ فَلَمْ يُرْوَ يُوَلّى إلّا بِالألْفِ في آخِرِهِ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ الجَزْمِ. وذَلِكَ يَحْصُلُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُتَعَلِّقِ، إذْ كانَ هو السَّبَبُ في حُصُولِ المُتَعَلَّقِ بِهِ، فالتَّقْدِيمُ لِلِاهْتِمامِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّقْدِيمُ مُنافِسًا لِتَصْدِيرِ لامِ القَسَمِ في جُمْلَتِها، عَلى أنّا لا نَلْتَزِمُ ذَلِكَ فَقَدْ خُولِفَ في كَثِيرٍ مِن كَلامِ العَرَبِ. وما مَصْدَرِيَّةٌ والقُعُودُ كِنايَةٌ عَنِ المُلازَمَةِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: قُعُودًا لَدى أبْياتِهِمْ يَثْمِدُونَهم رَمى اللَّهُ في تِلْكَ الأكُفِّ الكَوانِعِ أيْ مُلازِمِينَ أبْياتًا لِغَيْرِهِمْ يُرِيدُ الجُلُوسَ، إذْ قَدْ يَكُونُونَ يَسْألُونَ واقِفِينَ، وماشِينَ، ووَجْهُ الكِنايَةِ هو أنَّ مُلازَمَةَ المَكانِ تَسْتَلْزِمُ الإعْياءَ مِنَ الوُقُوفِ عِنْدَهُ، فَيَقْعُدُ المُلازِمُ طَلَبًا لِلرّاحَةِ، ومِن ثَمَّ أُطْلِقَ عَلى المُسْتَجِيرِ اسْمُ القَعِيدِ، ومِن إطْلاقِ القَعِيدِ عَلى المُلازِمِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] أيْ مُلازِمٍ إذِ المَلَكُ لا يُوصَفُ بِقُعُودٍ ولا قِيامٍ.

ولَمّا ضُمِّنَ فِعْلُ: لَأقْعُدَنَّ مَعْنى المُلازَمَةِ انْتَصَبَ ”صِراطَكَ“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ. أوْ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ تَضَمَّنَهُ مَعْنى لَأقْعُدَنَّ تَقْدِيرُهُ: فامْنَعَنَّ صِراطَكَ أوْ فَأقْطَعَنَّ عَنْهم صِراطَكَ، واللّامُ في لَهم لِلْأجَلِ كَقَوْلِهِ: ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] .

وإضافَةُ الصِّراطِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ عَلى تَقْدِيرِ الكافِ أيِ الصِّراطِ الَّذِي هو لَكَ أيِ الَّذِي جَعَلْتُهُ طَرِيقًا لَكَ، والطَّرِيقُ لِلَّهِ هو العَمَلُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ ما يُرْضِي اللَّهَ بِامْتِثالِ أمْرِهِ، وهو فِعْلُ الخَيْراتِ، وتَرْكُ السَّيِّئاتِ، فالكَلامُ تَمْثِيلُ هَيْئَةِ العازِمِينَ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ، وعَزْمِهِمْ عَلَيْهِ، وتَعَرَّضَ الشَّيْطانُ لَهم بِالمَنعِ مِن فِعْلِهِ، بِهَيْئَةِ السّاعِي في طَرِيقٍ إلى مَقْصِدٍ يَنْفَعُهُ وسَعْيِهِ إذا اعْتَرَضَهُ في طَرِيقِهِ قاطِعُ طَرِيقٍ مَنَعَهُ مِنَ المُرُورِ فِيهِ.

صفحة ٤٨

والضَّمِيرُ في لَهم ضَمِيرُ الإنْسِ الَّذِينَ دَلَّ عَلَيْهِمْ مَقامُ المُحاوَرَةِ، الَّتِي اخْتُصِرَتْ هُنا اخْتِصارًا دَعا إلَيْهِ الِاقْتِصارُ عَلى المَقْصُودِ مِنها، وهو الِامْتِنانُ بِنِعْمَةِ الخَلْقِ، والتَّحْذِيرُ مِن كَيْدِ عَدُوِّ الجِنْسِ، فَتَفْصِيلُ المُحاوَرَةِ مُشْعِرٌ بِأنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَ آدَمَ خاطَبَ أهْلَ المَلَأِ الأعْلى بِأنَّهُ خَلَقَهُ لِيَعْمُرَ بِهِ وبِنَسْلِهِ الأرْضَ، كَما أنْبَأ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، فالأرْضُ مَخْلُوقَةٌ يَوْمَئِذٍ، وخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ لِيَعْمُرَها بِذَرِّيَّتِهِ وعَلِمَ إبْلِيسُ ذَلِكَ مِن إخْبارِ اللَّهِ تَعالى المَلائِكَةَ، فَحَكى اللَّهُ مِن كَلامِهِ ما بِهِ الحاجَّةُ هَنا: وهو قَوْلُهُ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ الآيَةَ وقَدْ دَلَّتْ آيَةُ سُورَةِ الحِجْرِ عَلى أنَّ إبْلِيسَ ذَكَرَ في مُحاوَرَتِهِ ما دَلَّ عَلى أنَّهُ يُرِيدُ إغْواءَ أهْلِ الأرْضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولَأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] ﴿إلّا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] فَإنْ كانَ آدَمُ قَدْ خُلِقَ في الجَنَّةِ في السَّماءِ ثُمَّ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ فَإنَّ عِلْمَ إبْلِيسَ بِأنَّ آدَمَ يَصِيرُ إلى الأرْضِ قَدْ حَصَلَ مِن إخْبارِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَجْعَلَهُ في الأرْضِ خَلِيفَةً، فَعَلِمَ أنَّهُ صائِرٌ إلى الأرْضِ بَعْدَ حِينٍ، وإنْ كانَ آدَمُ قَدْ خُلِقَ في جَنَّةٍ مِن جَنّاتِ الأرْضِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّ إبْلِيسَ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ البَشَرَ لِلصَّلاحِ والنَّفْعِ، وأنَّهُ أوْدَعَ فِيهِمْ مَعْرِفَةَ الكَمالِ، وأعانَهم عَلى بُلُوغِهِ بِالإرْشادِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ أعْمالُ الخَيْرِ، في حِكايَةِ كَلامِ إبْلِيسَ، صِراطًا مُسْتَقِيمًا، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، لِأنَّ اللَّهَ دَعا إلَيْهِ وأرادَ مِنَ النّاسِ سُلُوكَهُ، ولِذَلِكَ أيْضًا ألْزَمَ ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ .

وبِهَذا الِاعْتِبارِ كانَ إبْلِيسُ عَدُوًّا لِبَنِي آدَمَ، لِأنَّهُ يَطْلُبُ مِنهم ما لَمْ يُخْلَقُوا لِأجْلِهِ وما هو مُنافٍ لِلْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْها البَشَرَ، فالعَداوَةُ مُتَأصِّلَةٌ وجِبِلِّيَّةٌ بَيْنَ طَبْعِ الشَّيْطانِ وفِطْرَةِ الإنْسانِ السّالِمَةِ مِنَ التَّغْيِيرِ، وذَلِكَ ما أفْصَحَ عَنْهُ الجَعْلُ الإلَهِيُّ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ،

صفحة ٤٩

وبِهِ سَيَتَّضِحُ كَيْفَ انْقَلَبَتِ العَداوَةُ وِلايَةً بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ البَشَرِ الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا الضَّلالَ والكُفْرَ عَلى الإيمانِ والصَّلاحِ. وجُمْلَةُ: ”﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ﴾“ ثُمَّ فِيها لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، وهو التَّدَرُّجُ في الأخْبارِ إلى خَبَرٍ أهَمَّ لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ أوْقَعُ في غَرَضِ الكَلامِ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، لِأنَّ الجُمْلَةَ الأُولى أفادَتِ التَّرَصُّدَ لِلْبَشَرِ بِالإغْواءِ، والجُمْلَةَ المَعْطُوفَةَ أفادَتِ التَّهَجُّمَ عَلَيْهِمْ بِشَتّى الوَسائِلِ.

وكَما ضُرِبَ المَثَلُ لِهَيْئَةِ الحِرْصِ عَلى الإغْواءِ بِالقُعُودِ عَلى الطَّرِيقِ، وكَذَلِكَ مُثِّلَتْ هَيْئَةُ التَّوَسُّلِ إلى الإغْواءِ بِكُلِّ وسِيلَةٍ بِهَيْئَةِ الباحِثِ الحَرِيصِ عَلى أخْذِ العَدُوِّ إذْ يَأْتِيهِ مِن كُلِّ جِهَةٍ حَتّى يُصادِفَ الجِهَةَ الَّتِي يَتَمَكَّنُ فِيها مِن أخْذِهِ، فَهو يَأْتِيهِ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ حَتّى تَخُورَ قُوَّةُ مُدافَعَتِهِ، فالكَلامُ تَمْثِيلٌ، ولَيْسَ لِلشَّيْطانِ مَسْلَكٌ لِلْإنْسانِ إلّا مِن نَفْسِهِ وعَقْلِهِ بِإلْقاءِ الوَسْوَسَةِ في نَفْسِهِ، ولَيْسَتِ الجِهاتُ الأرْبَعُ المَذْكُورَةُ في الآيَةِ بِحَقِيقَةٍ، ولَكِنَّها مَجازٌ تَمْثِيلِيٌّ بِما هو مُتَعارَفٌ في مُحاوَلَةِ النّاسِ ومُخاتَلَتِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ في الآيَةِ الإتْيانَ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِن شَأْنِ النّاسِ في المُخاتَلَةِ ولا المُهاجَمَةِ.

وعُلِّقَ ”﴿بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾“ و”﴿خَلْفِهِمْ﴾“ بِحَرْفِ ”مِن“ وعُلِّقَ ”﴿أيْمانِهِمْ﴾“ و”﴿شَمائِلِهِمْ﴾“ بِحَرْفِ ”عَنْ“ جَرْيًا عَلى ما هو شائِعٌ في لِسانِ العَرَبِ في تَعْدِيَةِ الأفْعالِ إلى أسْماءِ الجِهاتِ، وأصْلُ ”عَنْ“ في قَوْلِهِمْ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ المُجاوَزَةُ: أيْ مِن جِهَةِ يَمِينِهِ مُجاوِزًا لَهُ ومُجافِيًا لَهُ، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَتْ عَنْ بِمَعْنى عَلى، فَكَما يَقُولُونَ: جَلَسَ عَلى يَمِينِهِ يَقُولُونَ: جَلَسَ عَنْ يَمِينِهِ، وكَذَلِكَ مِن في قَوْلِهِمْ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ أصْلُها الِابْتِداءُ يُقالُ: أتاهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، أيْ مِنَ المَكانِ المُواجِهِ لَهُ، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَتْ ”مِن“ بِمَنزِلَةِ الحَرْفِ الزّائِدِ يُجَرُّ بِها الظَّرْفُ فَلِذَلِكَ جَرَتْ بِها الظُّرُوفُ المُلازِمَةُ لِلظَّرْفِيَّةِ مِثْلَ عِنْدَ، لِأنَّ

صفحة ٥٠

وُجُودَ ”مِن“ كالعَدَمِ، وقَدْ قالَ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ النَّحْوِيَّةِ: ما مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ لا يَخْفِضُهُ سِوى حَرْفٍ، فَهي هُنا زائِدَةٌ ويَجُوزُ اعْتِبارُها ابْتِدائِيَّةً.

والأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ، واليَمِينُ هُنا جانِبٌ مِن جِسْمِ الإنْسانِ يَكُونُ مِن جِهَةِ القُطْبِ الجَنُوبِيِّ إذا اسْتَقْبَلَ المَرْءُ مَشْرِقَ الشَّمْسِ، تَعارَفَهُ النّاسُ، فَشاعَتْ مَعْرِفَتُهُ ولا يَشْعُرُونَ بِتَطْبِيقِ الضّابِطِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، فاليَمِينُ جِهَةٌ يُتَعَرَّفُ بِها مَواقِعُ الأعْضاءِ مِنَ البَدَنِ يُقالُ: العَيْنُ اليُمْنى واليَدُ اليُمْنى ونَحْوُ ذَلِكَ. وتُتَعَرَّفُ بِها مَواقِعُ مِن غَيْرِها قالَ تَعالى: ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨] . وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

عَلى قَطَنٍ بِالشَّيْمِ أيْمَنُ صَوْبِهِ

لِذَلِكَ قالَ أيِمَّةُ اللُّغَةِ سُمِّيَتْ بِلادُ اليَمَنِ يَمَنًا لِأنَّهُ عَنْ يَمِينِ الكَعْبَةِ، فاعْتَبَرُوا الكَعْبَةَ كَشَخْصٍ مُسْتَقْبِلٍ مَشْرِقَ الشَّمْسِ فالرُّكْنُ اليَمانِيُّ مِنها وهو زاوِيَةُ الجِدارِ الَّذِي فِيهِ الحَجَرُ الأسْوَدُ بِاعْتِبارِ اليَدِ اليُمْنى مِنَ الإنْسانِ، ولا يُدْرى أصْلُ اشْتِقاقِ كَلِمَةِ ”يَمِينٍ“، ولا أنَّ اليُمْنَ أصْلٌ لَها أوْ فَرْعٌ عَنْها، والأيْمانُ جَمْعٌ قِياسِيٌّ.

والشَّمائِلُ جَمْعُ شِمالٍ وهي الجِهَةُ الَّتِي تَكُونُ شِمالًا لِمُسْتَقْبَلِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ، وهو جَمْعٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ زِيادَةٌ في بَيانِ قُوَّةِ إضْلالِهِ بِحَيْثُ لا يُفْلِتُ مِنَ الوُقُوعِ في حَبائِلِهِ إلّا القَلِيلُ مِنَ النّاسِ، وقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ بِعِلْمِ الحَدْسِ وتَرْتِيبِ المُسَبِّباتِ.

وكُنِيَ بِنَفْيِ الشُّكْرِ عَنِ الكُفْرِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما كَما قالَ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] ووَجْهُ هَذِهِ الكِنايَةِ، إنْ كانَتْ مَحْكِيَّةً كَما صَدَرَتْ مِن كَلامِ إبْلِيسَ، أنَّهُ أرادَ الأدَبَ مَعَ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يُصَرِّحْ بَيْنَ يَدَيْهِ بِكُفْرِ أتْباعِهِ المُقْتَضِي أنَّهُ يَأْمُرُهم بِالكُفْرِ، وإنْ كانَتْ مِن كَلامِ اللَّهِ

صفحة ٥١

تَعالى فَفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ بِاللَّهِ قَدْ أتَوْا أمْرًا شَنِيعًا إذْ لَمْ يَشْكُرُوا نِعَمَهُ الجَمَّةَ عَلَيْهِمْ.

7:18Page 152

قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٨

[Allāh] said, "Depart from it [i.e., Paradise], reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾

أعادَ اللَّهُ أمْرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ السَّماءِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرَيْنِ الأوَّلِ والثّانِي: قالَ: ”﴿اهْبِطْ مِنها﴾ [الأعراف: ١٣]“ إلى قَوْلِهِ فاخْرُجْ.

ومَذْءُومٌ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن ذَأمَهُ مَهْمُوزًا إذا عابَهُ وذَمَّهُ ذَأْمًا وقَدْ تُسَهَّلُ هَمْزَةُ ذَأمَ فَتَصِيرُ ألِفًا فَيُقالُ ذامَ ولا تُسَهَّلُ في بَقِيَّةِ تَصارِيفِهِ.

مَدْحُورٌ مَفْعُولٌ مِن دَحَرَهُ إذا أبْعَدَهُ وأقْصاهُ، أيِ: اخْرُجْ خُرُوجَ مَذْمُومٍ مَطْرُودٍ، فالذَّمُّ لِما اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الرَّذائِلِ، والطَّرْدُ لِتَنْزِيهِ عالَمِ القُدُسِ عَنْ مُخالَطَتِهِ.

واللّامُ في ﴿لَمَن تَبِعَكَ﴾ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ.

ومَن شَرْطِيَّةٌ، واللّامُ في لَأمْلَأنَّ لامُ جَوابِ القَسَمِ، والجَوابُ سَدَّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ: أُقْسِمُ مَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنهم ومِنكَ، وغُلِّبَ في الضَّمِيرِ حالُ الخِطابِ لِأنَّ الفَرْدَ المَوْجُودَ مِن هَذا العُمُومِ هو المُخاطَبُ، وهو إبْلِيسُ، ولِأنَّهُ المَقْصُودُ ابْتِداءً مِن هَذا الوَعِيدِ لِأنَّهُ وعِيدٌ عَلى فِعْلِهِ، وأمّا وعِيدُ اتِّباعِهِ فَبِالتَّبَعِ لَهُ، بِخِلافِ الضَّمِيرِ في آيَةِ الحِجْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] لِأنَّهُ جاءَ بَعْدَ الإعْراضِ عَنْ وعِيدٍ بِفِعْلِهِ والِاهْتِمامِ بِبَيانِ مَرْتَبَةِ عِبادِ اللَّهِ المُخْلَصِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لِإبْلِيسَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ثُمَّ الِاهْتِمامُ بِوَعِيدِ الغاوِينَ.

وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ:

صفحة ٥٢

﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] .

والتَّأْكِيدُ بِـ ”أجْمَعِينَ“ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ لِئَلّا يُحْمَلَ عَلى التَّغْلِيبِ، وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ جَرى عَلى أُمَّةٍ بِعُنْوانِ كَوْنِهِمْ أتْباعًا لِواحِدٍ، والعَرَبُ قَدْ تُجْرِي العُمُومَ في مِثْلِ هَذا عَلى المَجْمُوعِ دُونَ الجَمِيعِ، كَما يَقُولُونَ: قَتَلَتْ تَمِيمٌ فُلانًا، وإنَّما قَتَلَهُ بَعْضُهم، قالَ النّابِغَةُ في شَأْنِ بَنِي حُنٍّ بِحاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ

وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً

7:19Page 152

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾

الواوُ مِن قَوْلِهِ: ويا آدَمُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] الآيَةَ، فَهَذِهِ الواوُ مِنَ المَحْكِيِّ لا مِنَ الحِكايَةِ، فالنِّداءُ والأمْرُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ المَحْكِيِّ يُقالُ: أيْ قالَ اللَّهُ لِإبْلِيسَ اخْرُجْ مِنها وقالَ لِآدَمَ: ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ﴾، وهَذا مِن عَطْفِ المُتَكَلِّمِ بَعْضَ كَلامِهِ عَلى بَعْضٍ، إذا كانَ لِبَعْضِ كَلامِهِ اتِّصالٌ وتَناسُبٌ مَعَ بَعْضِهِ الآخَرِ، ولَمْ يَكُنْ أحَدُ الكَلامَيْنِ مُوَجَّهًا إلى الَّذِي وُجِّهَ إلَيْهِ الكَلامُ الآخَرُ، مَعَ اتِّحادِ مَقامِ الكَلامِ، كَما يَفْعَلُ المُتَكَلِّمُ مَعَ مُتَعَدِّدِينَ في مَجْلِسٍ واحِدٍ فَيُقْبِلُ عَلى كُلِّ مُخاطَبٍ مِنهم بِكَلامٍ يَخُصُّهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ في قَضِيَّةِ الرَّجُلِ والأنْصارِيِّ الَّذِي كانَ ابْنُ الرَّجُلِ عَسِيفًا عَلَيْهِ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ «لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أمّا الغَنَمُ والجارِيَةُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ وعَلى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، واغَدُ يا أُنَيْسُ عَلى زَوْجَةِ هَذا فَإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها» ومِن أُسْلُوبِ هَذِهِ الآيَةِ ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩] حِكايَةً لِكَلامِ العَزِيزِ، أيِ العَزِيزِ عَطَفَ خِطابَ امْرَأتِهِ عَلى خِطابِهِ لِيُوسُفَ.

صفحة ٥٣

فَلَيْسَتِ الواوُ في قَوْلِهِ: ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ﴾ بِعاطِفَةٍ عَلى أفْعالِ القَوْلِ الَّتِي قَبْلَها حَتّى يَكُونَ تَقْدِيرُ الكَلامِ: وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ، لِأنَّ ذَلِكَ يُفِيدُ النُّكَتَ الَّتِي ذَكَرْناها، وذَلِكَ في حَضْرَةٍ واحِدَةٍ كانَ فِيها آدَمُ والمَلائِكَةُ وإبْلِيسُ حُضُورًا.

وفِي تَوْجِيهِ الخِطابِ لِآدَمَ بِهَذِهِ الفَضِيلَةِ بِحُضُورِ إبْلِيسَ بَعْدَ طَرْدِهِ زِيادَةُ إهانَةٍ، لِأنَّ إعْطاءَ النِّعَمِ لِمَرْضِيٍّ عَلَيْهِ في حِينِ عِقابِ مَنِ اسْتَأْهَلَ العِقابَ زِيادَةُ حَسْرَةٍ عَلى المُعاقَبِ، وإظْهارٌ لِلتَّفاوُتِ بَيْنَ مُسْتَحِقِّ الإنْعامِ ومُسْتَحِقِّ العُقُوبَةِ فَلا يُفِيدُ الكَلامُ مِنَ المَعانِي ما أفادَهُ العَطْفُ عَلى المَقُولِ المَحْكِيِّ، ولِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَأُعِيدَ فِعْلُ القَوْلِ. ثُمَّ إنْ كانَ آدَمُ خُلِقَ في الجَنَّةِ، فَكانَ مُسْتَقِرًّا بِها مِن قَبْلُ، فالأمْرُ في قَوْلِهِ: اسْكُنْ إنَّما هو أمْرُ تَقْرِيرٍ: أيِ ابْقَ في الجَنَّةِ، وإنْ كانَ آدَمُ قَدْ خُلِقَ خارِجَ الجَنَّةِ فالأمْرُ لِلْإذْنِ تَكْرِيمًا لَهُ، وأيًّا ما كانَ فَفي هَذا الأمْرِ، بِمَسْمَعٍ مِن إبْلِيسَ، مَقْمَعَةٌ لِإبْلِيسَ، لِأنَّهُ إنْ كانَ إبْلِيسُ مُسْتَقِرًّا في الجَنَّةِ مِن قَبْلُ فالقَمْعُ ظاهِرٌ إذْ أطْرَدَهُ اللَّهُ وأسْكَنَ الَّذِي تَكَبَّرَ هو عَنِ السُّجُودِ إلَيْهِ في المَكانِ المُشَرَّفِ الَّذِي كانَ لَهُ قَبْلَ تَكَبُّرِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ ساكِنًا في الجَنَّةِ قَبْلُ فَإكْرامُ الَّذِي احْتَقَرَهُ وتَرَفَّعَ عَلَيْهِ قَمْعٌ لَهُ، فَقَدْ دَلَّ مَوْقِعُ هَذا الكَلامِ، في هَذِهِ السُّورَةِ، عَلى مَعْنًى عَظِيمٍ مِن قَمْعِ إبْلِيسَ زائِدٍ عَلى ما في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وإنْ كانَتا مُتَماثِلَتَيْنِ في اللَّفْظِ، ولَكِنَّ هَذا المَعْنى البَدِيعَ اسْتُفِيدَ مِنَ المَوْقِعِ وهَذا مِن بَدائِعِ إعْجازِ القُرْآنِ.

ووُجِدَ إيثارُ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ إنَّ هَذا الكَلامَ مَسُوقٌ إلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ، فَأمّا ما في سُورَةِ البَقَرَةِ فَإنَّهُ لِمَوْعِظَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهم مِمَّنْ يَحْذَرُ الشَّيْطانَ ولا يَتَّبِعُ خُطُواتِهِ.

والنِّداءُ لِلْإقْبالِ عَلى آدَمَ والتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِ في ذَلِكَ المَلَأِ. والإتْيانُ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ بَعْدَ الأمْرِ، لِقَصْدِ زِيادَةِ التَّنْكِيلِ بِإبْلِيسَ لِأنَّ ذِكْرَ ضَمِيرِهِ في مَقامِ العَطْفِ يُذَكِّرُ غَيْرَهُ بِأنَّهُ لَيْسَ مِثْلَهُ، إذِ الضَّمِيرُ وإنْ كانَ مِن قَبِيلِ اللَّقَبِ ولَيْسَ لَهُ مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ فَإنَّهُ قَدْ يُفِيدُ الِاحْتِرازَ عَنْ غَيْرِ صاحِبِ الضَّمِيرِ بِالقَرِينَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ ولا يَمْنَعُ مِن هَذا الِاعْتِبارِ في الضَّمِيرِ كَوْنُ إظْهارِهِ لِأجْلِ تَحْسِينِ أوْ تَصْحِيحِ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ المُسْتَتِرِ، لِأنَّ

صفحة ٥٤

تَصْحِيحَ أوْ تَحْسِينَ العَطْفِ يَحْصُلُ بِكُلِّ فاصِلٍ بَيْنَ الفِعْلِ الرّافِعِ المُسْتَتِرِ وبَيْنَ المَعْطُوفِ، لا خُصُوصَ الضَّمِيرِ، كَأنْ يُقالَ: ويا آدَمُ اسْكُنِ الجَنَّةَ وزَوْجُكَ، فَما اخْتِيرَ الفَصْلُ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ إلّا لِما يُفِيدُ مِنَ التَّعْرِيضِ بِغَيْرِهِ. وهَذِهِ نُكْتَةٌ فاتَنِي العِلْمُ بِها في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ فَضُمَّها إلَيْها أيْضًا.

والكَلامُ عَلى قَوْلِهِ ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ يُعْلَمُ مِمّا مَضى مِنَ الكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.

سِوى أنَّ الَّذِي وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وكُلا بِالواوِ وهُنا بِالفاءِ، والعَطْفُ بِالواوِ أعَمُّ، فالآيَةُ هُنا أفادَتْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أذِنَ آدَمَ بِأنْ يَتَمَتَّعَ بِثِمارِ الجَنَّةِ عَقِبَ أمْرِهِ بِسُكْنى الجَنَّةِ. وتِلْكَ مِنَّةٌ عاجِلَةٌ تُؤْذِنُ بِتَمامِ الإكْرامِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ حاصِلًا في تِلْكَ الحَضْرَةِ، وكانَ فِيهِ زِيادَةُ تَنْغِيصٍ لِإبْلِيسَ، الَّذِي تَكَبَّرَ وفَضَّلَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا إعْلامَ السّامِعِينَ بِهِ في المَقامِ الَّذِي حُكِيَ فِيهِ الغَضَبُ عَلى إبْلِيسَ وطَرْدُهُ، وأمّا آيَةُ البَقَرَةِ فَإنَّما أفادَتِ السّامِعِينَ أنَّ اللَّهَ امْتَنَّ عَلى آدَمَ بِمِنَّةِ سُكْنى الجَنَّةِ والتَّمَتُّعِ بِثِمارِها، لِأنَّ المَقامَ هُنالِكَ لِتَذْكِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ بِفَضْلِ آدَمَ وبِذَنْبِهِ وتَوْبَتِهِ، والتَّحْذِيرِ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ ذَلِكَ الكَيْدُ الَّذِي هم واقِعُونَ في شَيْءٍ مِنهُ عَظِيمٍ.

عَلى أنَّ آيَةَ البَقَرَةِ لَمْ تَخْلُ عَنْ ذِكْرِ ما فِيهِ تَكْرِمَةٌ لَهُ وهو قَوْلُهُ: رَغَدًا لِأنَّهُ مَدْحٌ لِلْمُمْتَنِّ بِهِ أوْ دُعاءٌ لِآدَمَ. فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ الآيَتَيْنِ عِدَّةُ مَكارِمَ لِآدَمَ، وقَدْ وُزِّعَتْ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَوْزِيعِ أغْراضِ القَصَصِ عَلى مَواقِعِها، لِيَحْصُلَ تَجْدِيدُ الفائِدَةِ، تَنْشِيطًا لِلسّامِعِ، وتَفَنُّنًا في أسالِيبِ الحكايَةِ، لِأنَّ الغَرَضَ الأهَمَّ مِنَ القَصَصِ في القُرْآنِ إنَّما هو العِبْرَةُ والمَوْعِظَةُ والتَّأسِّي.

وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ أشَدُّ في التَّحْذِيرِ مِن أنْ يَنْهى عَنِ الأكْلِ مِنها، لِأنَّ النَّهْيَ عَنْ قُرْبانِها سَدٌّ لِذَرِيعَةِ الأكْلِ مِنها وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٥٥

والنَّهْيُ عَنْ قُرْبانِ شَجَرَةٍ خاصَّةٍ مِن شَجَرِ الجَنَّةِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَهْيَ ابْتِلاءٍ، جَعَلَ اللَّهُ شَجَرَةً مُسْتَثْناةً مِن شَجَرِ الجَنَّةِ مِنِ الإذْنِ بِالأكْلِ مِنها تَهْيِئَةً لِلتَّكْلِيفِ بِمُقاوَمَةِ الشَّهْوَةِ لِامْتِثالِ النَّهْيِ. فَلِذَلِكَ جَعَلَ النَّهْيَ عَنْ تَناوُلِها مَحْفُوفَةً بِالأشْجارِ المَأْذُونِ فِيها لِيَلْتَفِتَ إلَيْها ذِهْنُهُما بِتَرْكِها، وهَذا هو الظّاهِرُ لِيَتَكَوَّنَ مُخْتَلَفُ القُوى العَقْلِيَّةِ في عَقْلِ النَّوْعِ بِتَأْسِيسِها في أصْلِ النَّوْعِ، فَتَنْتَقِلُ بَعْدَهُ إلى نَسْلِهِ. وذَلِكَ مِنَ اللُّطْفِ الإلَهِيِّ في تَكْوِينِ النَّوْعِ ومِن مَظاهِرِ حَقِيقَةِ الرُّبُوبِيَّةِ والمَرْبُوبِيَّةِ. حَتّى تَحْصُلَ جَمِيعُ القُوى بِالتَّدْرِيجِ فَلا يَشُقُّ وضْعُها دُفْعَةً عَلى قابِلِيَّةِ العَقْلِ، وقَدْ دَلَّتِ الآياتُ عَلى أنَّ آدَمَ لَمّا ظَهَرَ مِنهُ خاطِرُ المُخالَفَةِ أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ المَنهِيِّ عَنْها، فَأعْقَبَهُ الأكْلُ حُدُوثَ خاطِرِ الشُّعُورِ بِما فِيهِ مِن نَقائِصَ أدْرَكَها بِالفِطْرَةِ، فَمَعْناهُ أنَّهُ زالَتْ مِنهُ البَساطَةُ والسَّذاجَةُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِخُصُوصِيَّةٍ في طَبْعِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ أنْ تُثِيرَ في النَّفْسِ عِلْمَ الخَيْرِ والشَّرِّ كَما جاءَ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ نَهاهُ عَنْ أكْلِ شَجَرَةِ مَعْرِفَةِ الخَيْرِ والشَّرِّ، وهَذا - عِنْدِي - بِعِيدٌ، وإنَّما حَكى اللَّهُ لَنا هَيْئَةَ تَطَوُّرِ العَقْلِ البَشَرِيِّ في خِلْقَةِ أصْلِ النَّوْعِ البَشَرِيِّ نَظِيرَ صُنْعِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾ [البقرة: ٣١] .

والإشارَةُ إلى شَجَرَةٍ مُشاهَدَةٌ وقَدْ رُوِيَتْ رِواياتٌ ضَعِيفَةٌ في تَعْيِينِ نَوْعِها وذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وانْتَصَبَ: فَتَكُونا عَلى جَوابِ النَّهْيِ والكَوْنُ مِنَ الظّالِمِينَ مُتَسَبِّبٌ عَلى القُرْبِ المَنهِيِّ عَنْهُ، لا عَلى النَّهْيِ، وذَلِكَ هو الأصْلُ في النَّصْبِ في جَوابِ النَّهْيِ كَجَوابِ النَّفْيِ، أنْ يُعْتَبَرَ التَّسَبُّبُ عَلى الفِعْلِ المَنفِيِّ أوِ المَنهِيِّ، بِخِلافِ الجَزْمِ في جَوابِ النَّهْيِ فَإنَّهُ إنَّما يُجْزَمُ المُسَبَّبُ عَلى إنْشاءِ النَّهْيِ لا عَلى الفِعْلِ المَنهِيِّ، والفَرْقُ بَيْنَهُما: أنَّ النَّصْبَ عَلى اعْتِبارِ التَّسَبُّبِ والتَّسَبُّبُ يَنْشَأُ عَنِ الفِعْلِ لا عَنِ الإخْبارِ والإنْشاءِ، بِخِلافِ الجَزْمِ، فَإنَّهُ عَلى اعْتِبارِ الجَوابِ، تَشْبِيهًا بِالشَّرْطِ، فاعْتُبِرَ فِيهِ مَعْنى إنْشاءِ النَّهْيِ تَشْبِيهًا لِلْإنْشاءِ بِالِاشْتِراطِ.

صفحة ٥٦

والمُرادُ بِـ ”الظّالِمِينَ“: الَّذِينَ يَحِقُّ عَلَيْهِمْ وصْفُ الظُّلْمِ: إمّا لِظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم وإلْقائِها في العَواقِبِ السَّيِّئَةِ، وإمّا لِاعْتِدائِهِمْ عَلى حَقِّ غَيْرِهِمْ فَإنَّ العِصْيانَ ظُلْمٌ لِحَقِّ الرَّبِّ الواجِبِ طاعَتُهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском