Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:200–203
7:200Page 176
وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠
And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allāh. Indeed, He is Hearing and Knowing.
﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
وهَذا الأمْرُ مُرادٌ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْتِداءً وهو شامِلٌ لِأُمَّتِهِ.
إمّا هَذِهِ هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ اتَّصَلَتْ بِها ”ما“ الزّائِدَةُ الَّتِي تُزادُ عَلى بَعْضِ الأسْماءِ غَيْرِ أدَواتِ الشُّرُوطِ فَتُصَيِّرُها أدَواتِها، نَحْوَ ”مَهْما“ فَإنَّ أصْلَها ما ما، ونَحْوَ ”إذْما“ و”أيْنَما“ و”أيّانَما“ و”حَيْثُما“ و”كَيْفَما“ فَلا جَرَمَ أنَّ ”ما“ إذا اقْتَرَنَتْ بِما يَدُلُّ عَلى الشَّرْطِ أكْسَبَتْهُ قُوَّةً شَرْطِيَّةً فَلِذَلِكَ كُتِبَتْ إمّا هَذِهِ عَلى صُورَةِ النُّطْقِ بِها ولَمْ تُكْتَبْ مَفْصُولَةَ النُّونِ عَنْ ”ما“ .
والنَّزْغُ النَّخْسُ والغَرْزُ، كَذا فَسَّرَهُ في الكَشّافِ وهو التَّحْقِيقُ، وأمّا الرّاغِبُ وابْنُ عَطِيَّةَ فَقَيَّداهُ بِأنَّهُ دُخُولُ شَيْءٍ في شَيْءٍ لِإفْسادِهِ. قُلْتُ: ”وقَرِيبٌ مِنهُ الفَسْخُ بِالسِّينِ وهو الغَرْزُ بِإبْرَةٍ أوْ نَحْوِها لِلْوَشْمِ“ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَلَّما يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ فِعْلِ الشَّيْطانِ ”﴿مِن بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠] .
وإطْلاقُ النَّزْغِ هُنا عَلى وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ اسْتِعارَةٌ: شَبَّهَ حُدُوثَ الوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِيَّةِ في النَّفْسِ بِنَزْغِ الإبْرَةِ ونَحْوِها في الجِسْمِ بِجامِعِ التَّأْثِيرِ الخَفِيِّ، وشاعَتْ
صفحة ٢٣٠
هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ بَعْدَ نُزُولِ القُرْءانِ حَتّى صارَتْ كالحَقِيقَةِ.
والمَعْنى إنْ ألْقى إلَيْكَ الشَّيْطانُ ما يُخالِفُ هَذا الأمْرَ بِأنْ سَوَّلَ لَكَ الأخْذَ بِالمُعاقَبَةِ أوْ سَوَّلَ لَكَ تَرْكَ أمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ غَضَبًا عَلَيْهِمْ أوْ يَأْسًا مِن هُداهم، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنهُ لِيَدْفَعَ عَنْكَ حَرَجَهُ ويَشْرَحَ صَدْرَكَ لِمَحَبَّةِ العَمَلِ بِما أُمِرْتَ بِهِ.
والِاسْتِعاذَةُ مَصْدَرُ طَلَبِ العَوْذِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيها لِلطَّلَبِ، والعَوْذُ الِالتِجاءُ إلى شَيْءٍ يَدْفَعُ مَكْرُوهًا عَنِ المُلْتَجِئِ، يُقالُ: عاذَ بِفُلانٍ، وعاذَ بِالحَرَمِ، وأعاذَهُ إذا مَنَعَهُ مِنَ الضُّرِّ الَّذِي عاذَ مِن أجْلِهِ.
فَأمَرَ اللَّهُ بِدَفْعِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ بِالعَوْذِ بِاللَّهِ، والعَوْذُ بِاللَّهِ هو الِالتِجاءُ إلَيْهِ بِالدُّعاءِ بِالعِصْمَةِ، أوِ اسْتِحْضارُ ما حَدَّدَهُ اللَّهُ لَهُ مِن حُدُودِ الشَّرِيعَةِ، وهَذا أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى الِالتِجاءِ إلى اللَّهِ فِيما عَسُرَ عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ شُكْرٌ عَلى نِعْمَةِ الرِّسالَةِ والعِصْمَةِ، فَإنَّ العِصْمَةَ مِنَ الذُّنُوبِ حاصِلَةٌ لَهُ، ولَكِنَّهُ يَشْكُرُ اللَّهَ بِإظْهارِ الحاجَةِ إلَيْهِ لِإدامَتِها عَلَيْهِ، وهَذا مِثْلُ اسْتِغْفارِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في قَوْلِهِ في حَدِيثِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ «إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي فَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً» . فالشَّيْطانُ لا يَيْأسُ مِن إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ لِلْأنْبِياءِ لِأنَّها تَنْبَعِثُ عَنْهُ بِطَبْعِهِ، وإنَّما يَتَرَصَّدُ لَهم مَواقِعَ خَفاءِ مَقْصِدِهِ طَمَعًا في زَلَّةٍ تَصْدُرُ عَنْ أحَدِهِمْ، وإنْ كانَ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ إغْواءَهم، ولَكِنَّهُ لا يُفارِقُ رَجاءَ حَمْلِهِمْ عَلى التَّقْصِيرِ في مَراتِبِهِمْ، ولَكِنَّهُ إذا ما هَمَّ بِالوَسْوَسَةِ شَعَرُوا بِها فَدَفَعُوها، ولِذَلِكَ عَلَّمَ اللَّهُ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الِاسْتِعانَةَ عَلى دَفْعِها بِاللَّهِ - تَعالى - . رَوى الدّارَقُطْنِيُّ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ وقَرِينُهُ مِنَ المَلائِكَةِ. قالُوا: وأنْتَ يا رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: وأنا ولَكِنَّ اللَّهَ أعانَنِي عَلَيْهِ فَأسْلَمَ» رُوِيَ قَوْلُهُ“ فَأسْلَمَ ”بِفَتْحِ المِيمِ بِصِيغَةِ الماضِي والهَمْزَةُ أصْلِيَّةٌ: صارَ الشَّيْطانُ المُقارِنُ لَهُ مُسْلِمًا، وهي خُصُوصِيَّةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، ورُوِيَ بِضَمِّ المِيمِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ، والهَمْزَةُ لِلْمُتَكَلِّمِ، أيْ فَأنا أسْلَمُ مِن وسْوَسَتِهِ. وأحْسَبُ أنَّ سَبَبَ الِاخْتِلافِ في الرِّوايَةِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ نَطَقَ بِهِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ. وهَذا الأمْرُ شامِلٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وحَظُّ المُؤْمِنِينَ مِنهُ أقْوى لِأنَّ نَزْغَ الشَّيْطانِ إيّاهم أكْثَرُ فَإنَّ النَّبِيءَ ﷺ مُؤَيَّدٌ بِالعِصْمَةِ فَلَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ.
صفحة ٢٣١
وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ بِاللَّهِ عَلى ما هو شَأْنُ حَرْفِ“ إنَّ ”إذا جاءَ في غَيْرِ مَقامِ دَفْعِ الشَّكِّ أوِ الإنْكارِ، فَإنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يُنْكِرُ ذَلِكَ ولا يَتَرَدَّدُ فِيهِ، والمُرادُ التَّعْلِيلُ بِلازِمِ هَذا الخَبَرِ، وهو عَوْذُهُ مِمّا اسْتَعاذَهُ مِنهُ، أيْ: أمَرْناكَ بِذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ يَعْصِمُكَ مِن وسْوَسَتِهِ لِأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.
و“ السَّمِيعُ ": العالِمُ بِالمَسْمُوعاتِ، وهو مُرادٌ مِنهُ مَعْناهُ الكِنائِيُّ، أيْ عَلِيمٌ بِدُعائِكَ مُسْتَجِيبٌ قابِلٌ لِلدَّعْوَةِ، كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ: دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِهِ سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها أيْ مُمْتَثِلٌ، فَوَصْفُ سَمِيعٍ كِنايَةٌ عَنْ وعْدٍ بِالإجابَةِ.
وإتْباعُهُ بِوَصْفِ عَلِيمٍ زِيادَةٌ في الإخْبارِ بِعُمُومِ عِلْمِهِ - تَعالى - بِالأحْوالِ كُلِّها لِأنَّ وصْفَ سَمِيعٍ دَلَّ عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ اسْتِعاذَةَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ثُمَّ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى عُمُومِ العِلْمِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ الرَّسُولَ ﷺ بِمَحَلِّ عِنايَةِ اللَّهِ - تَعالى - فَهو يَعْلَمُ ما يُرِيدُ بِهِ الشَّيْطانُ عَدُوُّهُ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ دِفاعِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِهِ كَقَوْلِهِ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا وأنَّ أمْرَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ وُقُوفٌ عِنْدَ الأدَبِ والشُّكْرِ وإظْهارِ الحاجَةِ إلى اللَّهِ - تَعالى - .
7:201Page 176
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ٢٠١
Indeed, those who fear Allāh - when an impulse touches them from Satan, they remember [Him] and at once they have insight.
﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾
هَذا تَأْكِيدٌ وتَقْرِيرٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ، فَتَتَنَزَّلُ جُمْلَةُ ”إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا“ إلى آخِرِها مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ إذا أحَسَّ بِنَزْغِ الشَّيْطانِ، ولِذَلِكَ افْتُتِحَتْ بِ إنَّ الَّتِي هي لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ لا لِرَدِّ تَرَدُّدٍ أوْ إنْكارٍ، كَما افْتُتِحَتْ بِها سابِقَتُها في قَوْلِهِ ”إنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ“ فَيَكُونُ الأمْرُ بِالِاسْتِعاذَةِ حِينَئِذٍ قَدْ عُلِّلَ بِعِلَّتَيْنِ أُولاهُما: أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بِاللَّهِ مَنجاةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن نَزْغِ الشَّيْطانِ. والثّانِيَةُ: أنَّ في الِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكُّرًا لِواجِبِ مُجاهَدَةِ الشَّيْطانِ والتَّيَقُّظِ لِكَيْدِهِ، وأنَّ ذَلِكَ التَّيَقُّظَ سُنَّةُ المُتَّقِينَ، فالرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَأْمُورٌ بِمُجاهِدَةِ الشَّيْطانِ: لِأنَّهُ مُتَّقٍ، ولِأنَّهُ يَبْتَهِجُ بِمُتابَعَةِ سِيرَةِ سَلَفِهِ مِنَ المُتَّقِينَ كَما قالَ - تَعالى - ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]
صفحة ٢٣٢
وقَدْ جاءَتِ العِلَّةُ هُنا أعَمَّ مِنَ المُعَلَّلِ: لِأنَّ التَّذَكُّرَ أعَمُّ مِنَ الِاسْتِعاذَةِ.
ولَعَلَّ اللَّهُ ادَّخَرَ خُصُوصِيَّةَ الِاسْتِعاذَةِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَكَثُرَ في القُرْآنِ الأمْرُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ وكَثُرَ ذَلِكَ في أقْوالِ النَّبِيءِ ﷺ وجُعِلَ لِلَّذِينَ قَبْلَهم الأمْرُ بِالتَّذَكُّرِ، كَما ادَّخَرَ لَنا يَوْمَ الجُمُعَةِ.
و”التَّقْوى“ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، والمُرادُ بِهِمُ: الرُّسُلُ وصالِحُو أُمَمِهِمْ، لِأنَّهُ أُرِيدَ جَعْلُهم قُدْوَةً وأُسْوَةً حَسَنَةً.
و”المَسُّ“ حَقِيقَتُهُ وضْعُ اليَدِ عَلى الجِسْمِ، واسْتُعِيرَ لِلْإصابَةِ أوْ لِأدْنى الإصابَةِ.
والطّائِفُ هو الَّذِي يَمْشِي حَوْلَ المَكانِ يَنْتَظِرُ الإذْنَ لَهُ، فَهو النّازِلُ بِالمَكانِ قَبْلَ دُخُولِهِ المَكانَ، أُطْلِقَ هُنا عَلى الخاطِرِ الَّذِي يَخْطُرُ في النَّفْسِ يَبْعَثُ عَلى فِعْلِ شَيْءٍ نَهى اللَّهُ عَنْ فِعْلِهِ، شَبَّهَ ذَلِكَ الخاطِرَ في مَبْدَأِ جَوْلاتِهِ في النَّفْسِ بِحُلُولِ الطّائِفِ قَبْلَ أنْ يَسْتَقِرَّ.
وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ أنَّ القادِمَ إلى أهْلِ البَيْتِ، العائِذَ بِرَبِّ البَيْتِ، المُسْتَأْنِسَ لِلْقِرى يَسْتَأْنِسُ، فَيَطُوفُ بِالبَيْتِ، ويَسْتَأْذِنُ، كَما ورَدَ في قِصَّةِ النّابِغَةِ مَعَ النُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ حِينَ أنْشَدَ أبْياتَهُ الَّتِي أوَّلُها: أصَمُّ أمْ يَسْمَعُ رَبُّ القُبَّةْ
وتَقَدَّمَتْ في أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ، ومِن ذَلِكَ طَوافُ القادِمِينَ إلى مَكَّةَ بِالكَعْبَةِ تَشَبُّهًا بِالوافِدِينَ عَلى المُلُوكِ فَلِذَلِكَ قُدِّمَ الطَّوافُ عَلى جَمِيعِ المَناسِكِ وخُتِمَتْ بِالطَّوافِ أيْضًا، فَلَعَلَّ كَلِمَةَ طائِفٍ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى المُلِمِّ الخَفِيِّ. قالَ الأعْشى: وتُصْبِحُ عَنْ غِبِّ السُّرى وكَأنَّها ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ وقالَ - تَعالى - فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِن رَبِّكَ وهم نائِمُونَ.
وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: طائِفٌ، بِألْفٍ بَعْدِ الطّاءِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الألْفِ، وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ: ”طَيْفٌ“ بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ الطّاءِ وبِياءٍ تَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الطّاءِ، والطَّيْفُ خَيالٌ يَراكَ في النَّوْمِ وهو شائِعُ الذِّكْرِ في الشِّعْرِ.
وفِي كَلِمَةِ إذا مِن قَوْلِهِ ﴿إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ مَعَ التَّعْبِيرِ بِفِعْلِ ”مَسَّهم“ الدّالِّ عَلى إصابَةٍ غَيْرِ مَكِينَةٍ، إشارَةٌ إلى أنَّ الفَزَعَ إلى اللَّهِ
صفحة ٢٣٣
مِنَ الشَّيْطانِ، عِنْدَ ابْتِداءِ إلْمامِ الخَواطِرِ الشَّيْطانِيَّةِ بِالنَّفْسِ، لِأنَّ تِلْكَ الخَواطِرَ إذا أُمْهِلَتْ لَمْ تَلْبَثْ أنْ تَصِيرَ عَزْمًا ثُمَّ عَمَلًا.
والتَّعْرِيفُ في الشَّيْطانِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ الجِنْسِ: أيْ مِنَ الشَّياطِينِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيفَ العَهْدِ والمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ بِاعْتِبارِ أنَّ ما يُوَسْوِسُ بِهِ جُنْدُهُ وأتْباعُهُ، هو صادِرٌ عَنْ أمْرِهِ وسُلْطانِهِ.
والتَّذَكُّرُ اسْتِحْضارُ المَعْلُومِ السّابِقِ، والمُرادُ: تَذَكَّرُوا أوامِرَ اللَّهِ ووَصاياهُ، كَقَوْلِهِ ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] ويَشْمَلُ التَّذَكُّرُ تَذَكُّرَ الِاسْتِعاذَةِ لِمَن أُمِرَ بِها مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، إنْ كانَتْ مَشْرُوعَةً لَهم، ومِن هَذِهِ الأُمَّةِ، فالِاقْتِداءُ بِالَّذِينَ اتَّقَوْا يَعُمُّ سائِرَ أحْوالِ التَّذَكُّرِ لِلْمَأْمُوراتِ.
والفاءُ لِتَفْرِيعِ الإبْصارِ عَلى التَّذَكُّرِ. وأُكِّدَ مَعْنى فاءِ التَّعْقِيبِ بِ إذا الفُجائِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَتِها دُفْعَةً بِدُونِ تَرَيُّثٍ، أيْ تَذَكَّرُوا تَذَكُّرَ ذَوِي عَزْمٍ فَلَمْ تَتَرَيَّثْ نُفُوسُهم أنْ تَبَيَّنَ لَها الحَقُّ الوازِعُ عَنِ العَمَلِ بِالخَواطِرِ الشَّيْطانِيَّةِ فابْتَعَدَتْ عَنْها، وتَمَسَّكَتْ بِالحَقِّ، وعَمِلَتْ بِما تَذَكَّرَتْ، فَإذا هم ثابِتُونَ عَلى هُداهم وتَقْواهم.
وقَدِ اسْتُعِيرَ الإبْصارُ لِلِاهْتِداءِ كَما يُسْتَعارُ ضِدُّهُ العَمى لِلضَّلالِ، أيْ: فَإذا هم مُهْتَدُونَ ناجُونَ مِن تَضْلِيلِ الشَّيْطانِ، لِأنَّ الشَّيْطانَ أرادَ إضْلالَهم فَسَلِمُوا مِن ذَلِكَ، ووَصَفَهم بِاسْمِ الفاعِلِ دُونَ الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإبْصارَ ثابِتٌ لَهم مِن قَبْلُ، ولَيْسَ شَيْئًا مُتَجَدِّدًا، ولِذَلِكَ أخْبَرَ عَنْهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ.
7:202Page 176
وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ ٢٠٢
But their brothers1 - they [i.e., the devils] increase them in error; then they do not stop short.
﴿وإخْوانُهم يُمِدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] عَطْفُ الضِّدِّ عَلى ضِدِّهِ، فَإنَّ الضِّدْيَةَ مُناسَبَةٌ يَحْسُنُ بِها عَطْفُ حالِ الضِّدِّ عَلى ضِدِّهِ، فَلَمّا ذَكَرَ شَأْنَ المُتَّقِينَ في دَفْعِهِمْ طائِفَ الشَّياطِينِ، ذَكَرَ شَأْنَ أضْدادِهِمْ مِن أهْلِ الشِّرْكِ والضَّلالِ، كَما وقَعَتْ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمُ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦]
صفحة ٢٣٤
مِن جُمْلَةِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجَعَلَها الزَّجّاجُ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٢] أيْ: ويَمُدُّونَهم في الغَيِّ، يُرِيدُ أنَّ شُرَكاءَهم لا يَنْفَعُونَهم بَلْ يَضُرُّونَهم بِزِيادَةِ الغَيِّ.
والإخْوانُ جَمْعُ أخٍ عَلى وزْنِ فِعْلانِ مِثْلُ جَمْعِ خَرَبٍ وهو ذَكَرُ الحُبارى عَلى خِرْبانٍ.
وحَقِيقَةُ الأخِ المُشارِكِ في بُنُوَّةِ الأُمِّ والأبِ أوْ في بُنُوَّةِ أحَدِهِما ويُطْلِقُ الأخُ مَجازًا عَلى الصَّدِيقِ الوَدُودِ ومِنهُ ما آخى النَّبِيءُ ﷺ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ «لَمّا خَطَبَ النَّبِيءُ مِنهُ عائِشَةَ إنَّما أنا أخُوكَ. فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ أنْتَ أخِي وهي حَلالٌ لِي ويُطْلَقُ الأخُ عَلى القَرِينِ كَقَوْلِهِمْ أخُو الحَرْبِ، وعَلى التّابِعِ المُلازِمِ كَقَوْلِ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ» .
أخُوكم ومَوْلى خَيْرِكم وحَلِيفُكم ومَن قَدْ ثَوى فِيكم وعاشَرَكم دَهْرا
أرادَ أنَّهُ عَبْدُهم، وعَلى النَّسَبِ والقُرْبِ كَقَوْلِهِمْ أخُو العَرَبِ وأخُو بَنِي فُلانٍ.
فَضَمِيرُ وإخْوانُهم عائِدٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ، إذْ لا يَصِحُّ أنْ يَعُودَ إلى المَذْكُورِ قَبْلَهُ قَرِيبًا: لِأنَّ الَّذِي ذُكِرَ قَبْلَهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ، وهو ”﴿يُمِدُّونَهم في الغَيِّ﴾“ مُتَعَلِّقًا بِضَمِيرٍ يَعُودُ إلى المُتَّقِينَ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَتَطَلَّبَ السّامِعُ لِضَمِيرِ ”وإخْوانُهم“ مَعادًا غَيْرَ ما هو مَذْكُورٌ في الكَلامِ بِقُرْبِهِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى مَعْلُومٍ مِنَ السِّياقِ وهُمُ الجَماعَةُ المُتَحَدَّثُ عَنْهم في هَذِهِ الآياتِ أعْنِي المُشْرِكِينَ المَعْنِيِّينَ بِقَوْلِهِ ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠] ﴿أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ [الأعراف: ١٩١] إلى قَوْلِهِ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا﴾ [الأعراف: ١٩٢] فَيَرُدُّ السّامِعُ الضَّمِيرَ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ بِقَرِينَةِ تَقَدُّمِ نَظِيرِهِ في أصْلِ الكَلامِ، ولِهَذا قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ لَهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٢]، أيْ وإخْوانُ المُشْرِكِينَ، أيْ أقارِبُهم ومَن هو مِن قَبِيلَتِهِمْ وجَماعَةِ دِينِهِمْ، كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦] أيْ يَمُدُّ المُشْرِكُونَ بَعْضَهم بَعْضًا في الغَيِّ ويَتَعاوَنُونَ عَلَيْهِ فَلا مُخَلِّصَ لَهم مِنَ الغَيِّ.
صفحة ٢٣٥
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ إلى الشَّيْطانِ المَذْكُورِ آنِفًا بِاعْتِبارِ إرادَةِ الجِنْسِ أوِ الأتْباعِ، كَما تَقَدَّمَ، فالمَعْنى وإخْوانُ الشَّياطِينِ أيْ أتْباعُهم كَقَوْلِهِ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] أمّا الضَّمِيرانِ المَرْفُوعانِ في قَوْلِهِ ﴿يُمِدُّونَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ ﴿لا يُقْصِرُونَ﴾ فَهُما عائِدانِ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ إخْوانِهِمْ أيِ الشَّياطِينِ، وإلى هَذا مالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والمَعْنى: وإخْوانُ الشَّياطِينِ يَمُدُّهُمُ الشَّياطِينُ في الغَيِّ، فَجُمْلَةُ ”يَمُدُّونَهم“ خَبَرٌ عَنْ إخْوانِهِمْ وقَدْ جَرى الخَبَرُ عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ، ولَمْ يَبْرُزْ فِيهِ ضَمِيرُ مَن هو لَهُ حَيْثُ كانَ اللَّبْسُ مَأْمُونًا وهَذا كَقَوْلِ يَزِيدَ بْنِ مُنْقِذٍ:
وهم إذا الخَيْلُ جالُوا في كَواثِبِهافَوارِسُ الخَيْلِ لا مِيلٌ ولا قَزَمُ
فَجُمْلَةُ ”جالُوا“ خَبَرٌ عَنِ الخَيْلِ وضَمِيرُ ”جالُوا“ عائِدٌ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ ”وهم“ لا عَنِ ”الخَيْلِ“ . وقَوْلُهُ ”فَوارِسُ“ خَبَرُ ضَمِيرِ الجَمْعِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الإخْوانِ الأوْلِياءَ ويَكُونَ الضَّمِيرانِ لِلْمُشْرِكِينَ أيْضًا، أيْ وإخْوانُ المُشْرِكِينَ وأوْلِياؤُهم، فَيَكُونُ ”الإخْوانُ“ صادِقًا بِالشَّياطِينِ كَما فَسَّرَ قَتادَةُ، لِأنَّهُ إذا كانَ المُشْرِكُونَ إخْوانَ الشَّياطِينِ، كَما هو مَعْلُومٌ، كانَ الشَّياطِينُ إخْوانًا لِلْمُشْرِكِينَ لِأنَّ نِسْبَةَ الإخْوَةِ تَقْتَضِي جانِبَيْنِ، وصادِقًا بِعُظَماءِ المُشْرِكِينَ، فالخَبَرُ جارٍ عَلى مَن هو لَهُ، وقَدْ كانَتْ هَذِهِ المَعانِي مُجْتَمِعَةً في هَذِهِ الآياتِ بِسَبَبِ هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: ”يُمِدُّونَهم“ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ مِنَ الإمْدادِ وهو تَقْوِيَةُ الشَّيْءِ بِالمَدَدِ والنَّجْدَةِ كَقَوْلِهِ ﴿أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٣]، وقَرَأهُ البَقِيَّةُ: ”﴿يُمِدُّونَهُمْ﴾“ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ المِيمِ مِن مَدَّ الحَبْلَ يَمُدُّهُ إذا طَوَّلَهُ، فَيُقالُ: مَدَّ لَهُ إذا أرْخى لَهُ كَقَوْلِهِمْ ”مَدَّ اللَّهُ في عُمُرِكَ“ وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في كِتابِ الحُجَّةِ: ”عامَّةُ ما جاءَ في التَّنْزِيلِ مِمّا يُسْتَحَبُّ أمْدَدْتُ عَلى أفْعَلْتُ كَقَوْلِهِ“ ﴿أنَّ ما نَمُدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] ”“ ﴿وأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ﴾ [الطور: ٢٢] ”و“ ﴿أتُمِدُّونَنِي بِمالٍ﴾ [النمل: ٣٦] ”، وما كانَ بِخِلافِهِ يَجِيءُ عَلى مَدَدْتُ قالَ - تَعالى -“ ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥] ”فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَجْهَ فَتْحُ الياءِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُ مِنَ القُرّاءِ، والوَجْهُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ“ ﴿يُمِدُّونَهُمْ﴾ ”أيْ بِضَمِّ الياءِ أنَّهُ مِثْلُ“ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] ”أيْ هو اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ“ ﴿فِي الغَيِّ﴾ كَما أنَّ القَرِينَةَ في الآيَةِ الأُخْرى قَوْلُهُ ”بِعَذابٍ“ وقَدْ
صفحة ٢٣٦
عَلِمْتَ أنَّ وُقُوعَ أحَدِ الفِعْلَيْنِ أكْثَرَ في أحَدِ المَعْنَيَيْنِ لا يَقْتَضِي قَصْرَ إطْلاقِهِ عَلى ما غَلَبَ إطْلاقُهُ فِيهِ عِنْدَ البُلَغاءِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ ”﴿يُمِدُّونَهُمْ﴾“ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ تَقْتَضِي أنْ يُعَدّى فِعْلُ ”يَمُدُّونَهم“ إلى المَفْعُولِ بِاللّامِ، يُقالُ مَدَّ لَهُ إلّا أنَّهُ كَثُرَتْ تَعْدِيَتُهُ بِنَفْسِهِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والغَيُّ الضَّلالُ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا.
و”في“ مِن قَوْلِهِ ”﴿يُمِدُّونَهم في الغَيِّ﴾“ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ الغَيِّ بِمَكانِ المُحارِبَةِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فالمَعْنى: وإخْوانُهم يَمُدُّونَ لَهم في الغَيِّ مِن مَدٍّ لِلْبَعِيرِ في الطُّولِ.
أيْ يُطِيلُونَ لَهُمُ الحَبَلَ في الغَيِّ، تَشْبِيهًا لِحالِ أهْلِ الغِوايَةِ وازْدِيادِهِمْ فِيها بِحالِ النَّعَمِ المُطالِ لَها الطُّولُ في المَرْعى وهو الغَيُّ، وهو تَمْثِيلٌ صالِحٌ لِاعْتِبارِ تَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ في أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُرَكَّبَةِ، وهو أعْلى أحْوالِ التَّمْثِيلِ، ويَقْرُبُ مِن هَذا التَّمْثِيلِ قَوْلُ طَرَفَةَ: ∗∗∗ لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ ما أخَطَأ الفَتىلَكالطِّوَلِ المُرْخى وثُنْياهُ بِاليَدِ
وعَلَيْهِ جَرى قَوْلُهم: مَدَّ اللَّهُ لِفُلانٍ في عُمُرِهِ، أوْ في أجَلِهِ، أوْ في حَياتِهِ.
والإقْصارُ الإمْساكُ عَنِ الفِعْلِ مَعَ قُدْرَةِ المُمْسِكِ عَلى أنْ يَزِيدَ.
و”ثُمَّ“ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ أيْ وأعْظَمُ مِنَ الإمْدادِ لَهم في الغَيِّ أنَّهم لا يَأْلُونَهم جُهْدًا في الِازْدِيادِ مِنَ الإغْواءِ، فَلِذَلِكَ تَجِدُ إخْوانَهم أكْبَرَ الغاوِينَ.
7:203Page 176
وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٠٣
And when you, [O Muḥammad], do not bring them a sign [i.e., miracle], they say, "Why have you not contrived it?" Say, "I only follow what is revealed to me from my Lord. This [Qur’ān] is enlightenment from your Lord and guidance and mercy for a people who believe."
﴿وإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾
مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] والمُناسَبَةُ أنَّ مَقالَتَهم هَذِهِ مِن جَهالَتِهِمْ والآيَةُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها خارِقُ العادَةِ أيْ هم لا يَقْنَعُونَ بِمُعْجِزَةِ القُرْآنِ فَيَسْألُونَ آياتٍ كَما يَشاءُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: فَجِّرْ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا. وهَذا المَعْنى هو الَّذِي شَرَحْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ [الأنعام: ١٠٩]
صفحة ٢٣٧
فِي سُورَةِ الأنْعامِ. ورُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، والكَلْبِيِّ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِآيَةٍ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ يَقْتَرِحُونَ فِيها مَدْحًا لَهم ولِأصْنامِهِمْ، كَما قالَ اللَّهُ عَنْهم ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ وقَتادَةَ: كانَ المُشْرِكُونَ إذا تَأخَّرَ الوَحْيُ يَقُولُونَ لِلنَّبِيءِ هَلّا أتَيْتَ بِقُرْآنٍ مِن عِنْدِكَ. يُرِيدُونَ التَّهَكُّمَ.
و”لَوْلا“ حَرْفُ تَحْضِيضٍ مِثْلَ هَلّا.
والِاجْتِباءُ الِاخْتِيارُ، والمَعْنى: هَلّا اخْتَرْتَ آيَةً وسَألْتَ رَبَّكَ أنْ يُعْطِيَكَها، أيْ هَلّا أتَيْتَنا بِما سَألْناكَ غَيْرَ آيَةِ القُرْآنِ فَيُجِيبَكَ اللَّهُ إلى ما اجْتَبَيْتَ، ومَقْصِدُهم مِن ذَلِكَ نَصْبُ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ بِخِلافِ ما يَقُولُ لَهم إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وهَذا مِنَ الضَّلالِ الَّذِي يَعْتَرِي أهْلَ العُقُولِ السَّخِيفَةِ في فَهْمِ الأشْياءِ عَلى خِلافِ حَقائِقِها وبِحَسَبِ مَن يَتَخَيَّلُونَ لَها ويَفْرِضُونَ.
والجَوابُ الَّذِي أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يُجِيبَ بِهِ وهو قَوْلُهُ ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ، فالِاتِّباعُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الِاقْتِصارِ والوُقُوفِ عِنْدَ الحَدِّ، أيْ لا أطْلُبُ آيَةً غَيْرَ ما أوْحى اللَّهُ إلَيَّ، ويُعَضِّدُ هَذا ما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما مِنَ الأنْبِياءِ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» ويَكُونُ المَعْنى: إنَّما أنْتَظِرُ ما يُوحى إلَيَّ ولا أسْتَعْجِلُ نُزُولَ القُرْآنِ إذا تَأخَّرَ نُزُولُهُ. فَيَكُونُ الِاتِّباعُ مُتَعَلِّقًا بِالزَّمانِ.
* * *
﴿هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
مُسْتَأْنَفَةٌ لِابْتِداءِ كَلامٍ في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ مُنْقَطِعَةٌ عَنِ المَقُولِ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِمَجْمُوعِ أغْراضِ السُّورَةِ، والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِأنْ يُجِيبَهم بِهِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ وقَعَ التَّخَلُّصُ لِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .
والإشارَةُ بِ ”﴿هَذا بَصائِرُ﴾“ إلى القُرْآنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ أوْ مِنَ المُحاجَّةِ الأخِيرَةِ مِنها، وإفْرادُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِالمَذْكُورِ.
صفحة ٢٣٨
والبَصائِرُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ وهي ما بِهِ اتِّضاحُ الحَقِّ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٤] في سُورَةِ الأنْعامِ، وهَذا تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ القُرْآنِ وأنَّهُ خَيْرٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَسْألُونَها، لِأنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ بِواسِطَةِ دَلالَةِ الإعْجازِ وصُدُورِهِ عَنِ الأُمِّيِّ، وبَيْنَ الهِدايَةِ والتَّعْلِيمِ والإرْشادِ، والبَقاءِ عَلى العُصُورِ.
وإنَّما جَمَعَ ”البَصائِرَ“ لِأنَّ في القُرْآنِ أنْواعًا مِنَ الهُدى عَلى حَسَبِ النَّواحِي الَّتِي يَهْدِي إلَيْها، مِن تَنْوِيرِ العَقْلِ في إصْلاحِ الِاعْتِقادِ، وتَسْدِيدِ الفَهْمِ في الدِّينِ، ووَضْعِ القَوانِينِ لِلْمُعامَلاتِ والمُعاشَرَةِ بَيْنَ النّاسِ، والدَّلالَةِ عَلى طُرُقِ النَّجاحِ والنَّجاةِ في الدُّنْيا، والتَّحْذِيرِ مِن مَهاوِي الخُسْرانِ.
وأفْرَدَ الهُدى والرَّحْمَةَ لِأنَّهُما جِنْسانِ عامّانِ يَشْمَلانِ أنْواعَ البَصائِرِ فالهُدى يُقارِنُ البَصائِرَ والرَّحْمَةُ غايَةٌ لِلْبَصائِرِ، والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ ما يَشْمَلُ رَحْمَةَ الدُّنْيا وهي اسْتِقامَةُ أحْوالِ الجَماعَةِ وانْتِظامُ المَدَنِيَّةِ ورَحْمَةَ الآخِرَةِ وهي الفَوْزُ بِالنَّعِيمِ الدّائِمِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] .
وقَوْلُهُ ”مِن رَبِّكم“ تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَخْوِيفٌ لِلْكافِرِينَ.
ولِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يَتَنازَعُهُ بَصائِرُ وهُدًى ورَحْمَةٌ لِأنَّهُ إنَّما يَنْتَفِعُ بِهِ المُؤْمِنُونَ فالمَعْنى هَذا بَصائِرُ لَكم ولِلْمُؤْمِنِينَ، ﴿وهُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ خاصَّةً إذْ لَمْ يَهْتَدُوا، وهو تَعْرِيضٌ بِأنَّ غَيْرَ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا أهْلًا لِلِانْتِفاعِ بِهِ وأنَّهم لَهَوْا عَنْ هَدْيِهِ بِطَلَبِ خَوارِقِ العاداتِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences