Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:32–34

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:32–34

7:32Page 154

قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢

Say, "Who has forbidden the adornment of [i.e., from] Allāh which He has produced for His servants and the good [lawful] things of provision?" Say, "They are for those who believed during the life of this world, exclusively [for them] on the Day of Resurrection." Thus do We detail the verses for a people who know.

﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الخِطاباتِ المَحْكِيَّةِ والمُوَجَّهَةِ، وهو مَوْضِعُ إبْطالِ مَزاعِمِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فِيما حَرَّمُوهُ مِنَ اللِّباسِ والطَّعامِ وهي زِيادَةُ تَأْكِيدٍ لِإباحَةِ التَّسَتُّرِ في المَساجِدِ، فابْتُدِئَ الكَلامُ السّابِقُ بِأنَّ اللِّباسَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وثُنِّيَ بِالأمْرِ بِإجابِ التَّسَتُّرِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وثُلِّثَ بِإنْكارِ أنْ يُوجَدَ تَحْرِيمُ اللِّباسِ

صفحة ٩٦

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِقُلْ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ كَلامٌ مَسُوقٌ لِلرَّدِّ والإنْكارِ والمُحاوَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ قُصِدَ بِهِ التَّهَكُّمُ إذْ جَعَلَهم بِمَنزِلَةِ أهْلِ عِلْمٍ يُطْلَبُ مِنهُمُ البَيانُ والإفادَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقَوْلِهِ ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣] وقَرِينَةُ التَّهَكُّمِ: إضافَةُ الزِّينَةِ إلى اسْمِ اللَّهِ، وتَعْرِيفُها بِأنَّها أخْرَجَها اللَّهُ لِعِبادِهِ، ووَصْفُ الرِّزْقِ بِالطَّيِّباتِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّحْرِيمِ، فالِاسْتِفْهامُ يَؤُولُ أيْضًا إلى إنْكارِ تَحْرِيمِها.

ولِوُضُوحِ انْتِفاءِ تَحْرِيمِها، وأنَّهُ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وأنَّ السُّؤالَ سُؤالُ عالِمٍ لا سُؤالُ طالِبِ عِلْمٍ، أُمِرَ السّائِلُ بِأنْ يُجِيبَ بِنَفْسِهِ سُؤالَ نَفْسِهِ فَعُقِّبَ ما هو في صُورَةِ السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ، - وقَوْلُهُ - ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] فَآلَ السُّؤالُ وجَوابُهُ إلى خَبَرَيْنِ.

وضَمِيرُ ”هي“ عائِدٌ إلى الزِّينَةِ والطَّيِّباتِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وصْفِ تَحْرِيمِ مَن حَرَّمَها، أيِ: الزِّينَةُ والطَّيِّباتُ مِن حَيْثُ هي هي حَلالٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا فَمَن حَرَّمَها عَلى أنْفُسِهِمْ فَقَدْ حَرَمُوا أنْفُسَهم.

واللّامُ في: ”﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾“ لامُ الِاخْتِصاصِ وهو يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ، فالمَعْنى: ما هي بِحَرامٍ ولَكِنَّها مُباحَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا، وإنَّما حَرَمَ المُشْرِكُونَ أنْفُسَهم مِن أصْنافٍ مِنها في الحَياةِ الدُّنْيا كُلِّها مِثْلَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي وما في بُطُونِها، وحَرَمَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ أنْفُسَهم مِن أشْياءَ في أوْقاتٍ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا مِمّا حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ اللِّباسِ في الطَّوافِ وفي مِنًى، ومِن أكْلِ اللُّحُومِ والوَدَكِ والسَّمْنِ واللَّبَنِ، فَكانَ الفَوْزُ لِلْمُؤْمِنِينَ إذِ اتَّبَعُوا أمْرَ اللَّهِ بِتَحْلِيلِ ذَلِكَ كُلِّهِ في جَمِيعِ أوْقاتِ الحَياةِ الدُّنْيا.

وقَوْلُهُ: ﴿خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ، وحْدَهُ: بِرَفْعِ ”خالِصَةً“ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ قَوْلِهِ: هي أيْ: هي لَهم في الدُّنْيا وهي لَهم خالِصَةٌ

صفحة ٩٧

يَوْمَ القِيامَةِ، وقَرَأهُ باقِي العَشَرَةِ: بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ المُبْتَدَأِ أيْ هي لَهُمُ الآنَ حالَ كَوْنِها خالِصَةً في الآخِرَةِ ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، وهو أنَّ الزِّينَةَ والطَّيِّباتِ تَكُونُ خالِصَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ.

والأظْهَرُ أنَّ الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ في خالِصَةٍ عائِدٌ إلى الزِّينَةِ والطَّيِّباتِ الحاصِلَةِ في الحَياةِ الدُّنْيا بِعَيْنِها، أيْ هي خالِصَةٌ لَهم في الآخِرَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الزِّينَةَ والطَّيِّباتِ قَدِ انْقَرَضَتْ في الدُّنْيا، فَمَعْنى خَلاصِها صَفاؤُها. وكَوْنُهُ في يَوْمِ القِيامَةِ: هو أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَظْهَرُ صَفائِها أيْ خُلُوصِها مِنَ التَّبِعاتِ المُنْجَرَّةِ مِنها، وهي تَبِعاتُ تَحْرِيمِها، وتَبِعاتُ تَناوُلِ بَعْضِها مَعَ الكُفْرِ بِالمُنْعِمِ بِها، فالمُؤْمِنُونَ لَمّا تُناوَلُوها في الدُّنْيا تَناوَلُوها بِإذْنِ رَبِّهِمْ، بِخِلافِ المُشْرِكِينَ فَإنَّهم يَسْألُونَ عَنْها فَيُعاقِبُونَ عَلى ما تَناوَلُوهُ مِنها في الدُّنْيا، لِأنَّهم كَفَرُوا نِعْمَةَ المُنْعِمِ بِها، فَأشْرَكُوا بِهِ غَيْرَهُ كَما قالَ تَعالى فِيهِمْ: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] وإلى هَذا المَعْنى يُشِيرُ تَفْسِيرُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والأمْرُ فِيهِ عَلى قِراءَةِ رَفْعِ: خالِصَةٌ أنَّهُ إخْبارٌ عَنْ هَذِهِ الزِّينَةِ والطَّيِّباتِ بِأنَّها لا تُعَقِّبُ المُتَمَتِّعِينَ بِها تَبِعاتٍ ولا أضْرارًا. وعَلى قِراءَةِ النَّصْبِ فَهو نَصْبٌ عَلى الحالِ المُقَدَّرَةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في خالِصَةٍ عائِدًا إلى الزِّينَةِ والطَّيِّباتِ بِاعْتِبارِ أنْواعِها لا بِاعْتِبارِ أعْيانِها، فَيَكُونُ المَعْنى: ولَهم أمْثالُها يَوْمَ القِيامَةِ خالِصَةً.

ومَعْنى الخَلاصُ التَّمَحُّضُ وهو هُنا التَّمَحُّضُ عَنْ مُشارَكَةِ غَيْرِهِمْ مِن أهْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، والمَقْصُودُ أنَّ المُشْرِكِينَ وغَيْرَهم مِنَ الكافِرِينَ لا زِينَةَ لَهم ولا طَيِّباتٍ مِنَ الرِّزْقِ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ أنَّهُما في الدُّنْيا كانَتْ لَهم مَعَ مُشارَكَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم فِيها. وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ.

صفحة ٩٨

ومَعْنى: ”﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾“ كَهَذا التَّفْصِيلِ المُبْتَدَئِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ [الأعراف: ٢٦] الآياتِ أوْ مِن قَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمُرادُ بِالآياتِ الدَّلائِلُ الدّالَّةُ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وانْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ. والدّالَّةُ عَلى صِدْقِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ إذْ بَيَّنَ فَسادَ دِينِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ. وعَلَّمَ أهْلَ الإسْلامِ عِلْمًا كامِلًا لا يَخْتَلِطُ مَعَهُ الصّالِحُ والفاسِدُ مِنَ الأعْمالِ، إذْ قالَ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١]، وقالَ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ [الأعراف: ٣١] ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، وإذْ عاقَبَ المُشْرِكِينَ عَلى شِرْكِهِمْ وعِنادِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ بِعِقابٍ في الدُّنْيا، فَخَذَلَهم حَتّى وضَعُوا لِأنْفُسِهِمْ شَرْعًا حَرَمَهم مِن طَيِّباتٍ كَثِيرَةٍ وشَوَّهَ بِهِمْ بَيْنَ المَلَأِ في الحَجِّ بِالعَراءِ فَكانُوا مَثَلَ سَوْءٍ ثُمَّ عاقَبَهم عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وإذْ وفَّقَ المُؤْمِنِينَ لَمّا اسْتَعَدُّوا لِقَبُولِ دَعْوَةِ رَسُولِهِ فاتَّبَعُوهُ، فَمَتَّعَهم بِجَمِيعِ الطَّيِّباتِ في الدُّنْيا غَيْرَ مَحْرُومِينَ مِن شَيْءٍ إلّا أشْياءَ فِيها ضُرٌّ عَلِمَهُ اللَّهُ فَحَرَّمَها عَلَيْهِمْ، وسَلَّمَهم مِنَ العِقابِ عَلَيْها في الآخِرَةِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ: ”﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾“ لامُ العِلَّةِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (نُفَصِّلُ) أيْ تَفْصِيلُ الآياتِ لا يَفْهَمُهُ إلّا قَوْمٌ يَعْلَمُونَ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا فَصَّلَ الآياتِ يَعْلَمُ أنَّ تَفْصِيلَها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الآياتِ، أيْ حالِ كَوْنِها دَلائِلَ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، فَإنَّ غَيْرَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لا تَكُونُ آياتٍ لَهم إذْ لا يَفْقَهُونَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩] في سُورَةِ الأنْعامِ، أيْ كَذَلِكَ التَّفْصِيلُ الَّذِي فَصَّلْتُهُ لَكم هُنا نُفَصِّلُ الآياتِ ويَتَجَدَّدُ تَفْصِيلُنا إيّاها حِرْصًا عَلى نَفْعِ قَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

صفحة ٩٩

والمُرادُ بِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ: الثَّناءُ عَلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ فَهِمُوا الآياتِ وشَكَرُوا عَلَيْها. والتَّعْرِيضُ بِجَهْلِ وضَلالِ عُقُولِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اسْتَمَرُّوا عَلى عِنادِهِمْ وضَلالِهِمْ، رَغْمَ ما فُصِّلَ لَهم مِنَ الآياتِ.

7:33Page 154

قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٣

Say, "My Lord has only forbidden immoralities - what is apparent of them and what is concealed - and sin,1 and oppression without right, and that you associate with Allāh that for which He has not sent down authority, and that you say about Allāh that which you do not know."

﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لَمّا أنْبَأ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] إلى آخِرِهِ، بِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ حُرِمُوا مِنَ الزِّينَةِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ. وأنْبَأ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَ ذَلِكَ - ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ [الأعراف: ٢٨] بِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ يَعْزُونَ ضَلالَهم في الدِّينِ إلى اللَّهِ، فَأنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ ما حَرَّمُوهُ مِنَ الزِّينَةِ والطَّيِّباتِ قَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أعْقَبَ مُجادَلَتَهم بِبَيانِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ حَقًّا وهم مُتَلَبِّسُونَ بِهِ وعاكِفُونَ عَلى فِعْلِهِ.

فالقَصْرُ المُفادُ مِن إنَّما قَصْرٌ إضافِيٌّ مُفادُهُ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الفَواحِشَ وما ذُكِرَ مَعَها لا ما حَرَّمْتُمُوهُ مِنَ الزِّينَةِ والطَّيِّباتِ، فَأفادَ إبْطالَ اعْتِقادِهِمْ، ثُمَّ هو يُفِيدُ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ أنَّ ما عَدَّهُ اللَّهُ مِنَ المُحَرَّماتِ الثّابِتِ تَحْرِيمُها قَدْ تَلَبَّسُوا بِها، لِأنَّهُ لَمّا عَدَّ أشْياءَ، وقَدْ عَلِمَ النّاسُ أنَّ المُحَرَّماتِ لَيْسَتْ مَحْصُورَةً فِيها، عَلِمَ السّامِعُ أنَّ ما عَيَّنَهُ مَقْصُودٌ بِهِ تَعْيِينُ ما تَلَبَّسُوا بِهِ فَحَصَلَ بِصِيغَةِ القَصْرِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ مِن جانِبَيْ ما في صِيغَةِ ”إنَّما“ مِن إثْباتٍ ونَفْيٍ: إذْ هي بِمَعْنى (ما - وإلّا)، فَأفادَ تَحْلِيلَ ما زَعَمُوهُ حَرامًا وتَحْرِيمَ ما اسْتَباحُوهُ مِنَ الفَواحِشِ وما مَعَها.

صفحة ١٠٠

والفَواحِشُ جَمْعُ فاحِشَةٍ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَعْنى الفاحِشَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا في سُورَةِ النِّساءِ وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ [الأعراف: ٢٨] .

و(ما ظَهَرَ مِنها) هو ما يُظْهِرُهُ النّاسُ بَيْنَ قُرَنائِهِمْ وخاصَّتِهِمْ مِثْلَ البِغاءِ والمُخادَنَةِ، وما بَطَنَ هو ما لا يُظْهِرُهُ النّاسُ مِثْلَ الوَأْدِ والسَّرِقَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَسْتَحِلُّونَ هَذِهِ الفَواحِشَ وهي مَفاسِدُ قَبِيحَةٌ لا يَشُكُّ أُولُو الألْبابِ، لَوْ سُئِلُوا، أنَّ اللَّهَ لا يَرْضى بِها، وقِيلَ المُرادُ بِالفَواحِشِ: الزِّنا، وما ظَهَرَ مِنهُ وما بَطَنَ حالانِ مِن أحْوالِ الزُّناةِ، وعَلى هَذا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الإتْيانُ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أفْعالِهِ وأحْوالِهِ وهو بَعِيدٌ.

وأمّا الإثْمُ فَهو كُلُّ ذَنْبٍ، فَهو أعَمُّ مِنَ الفَواحِشِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلِهِ: ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠] في سُورَةِ الأنْعامِ، فَيَكُونُ ذِكْرُ الفَواحِشِ قَبْلَهُ لِلِاهْتِمامِ بِالتَّحْذِيرِ مِنها قَبْلَ التَّحْذِيرِ مِن عُمُومِ الذُّنُوبِ، فَهو مَن ذِكْرِ الخاصِّ قَبْلَ العامِّ لِلِاهْتِمامِ، كَذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ، إلّا أنَّ الِاهْتِمامَ الحاصِلَ بِالتَّخْصِيصِ مَعَ التَّقْدِيمِ أقْوى لِأنَّ فِيهِ اهْتِمامًا مِن جِهَتَيْنِ.

وأمّا البَغْيُ فَهو الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ الغَيْرِ بِسَلْبِ أمْوالِهِمْ أوْ بِأذاهم، والكِبْرُ عَلى النّاسِ مِنَ البَغْيِ، فَما كانَ بِوَجْهِ حَقٍّ فَلا يُسَمّى بَغْيًا ولَكِنَّهُ أذًى قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦] وقَدْ كانَ البَغْيُ شائِعًا في الجاهِلِيَّةِ فَكانَ القَوِيُّ يَأْكُلُ الضَّعِيفَ، وذُو البَأْسِ يُغِيرُ عَلى أنْعامِ النّاسِ ويَقْتُلُ أعْداءَهُ مِنهم، ومِنَ البَغْيِ أنْ يَضْرِبُوا مَن يَطُوفُ بِالبَيْتِ بِثِيابِهِ إذا كانَ مِن غَيْرِ الحُمْسِ. وأنْ يُلْزِمُوهُ بِأنْ لا يَأْكُلَ غَيْرَ طَعامِ الحُمْسِ، ولا يَطُوفَ إلّا في ثِيابِهِمْ.

صفحة ١٠١

وقَوْلُهُ: بِغَيْرِ الحَقِّ صِفَةٌ كاشِفَةٌ لِلْبَغْيِ مِثْلَ العِشاءِ الآخِرَةِ لِأنَّ البَغْيَ لا يَكُونُ إلّا بِغَيْرِ حَقٍّ.

وعَطْفُ البَغْيِ عَلى الإثْمِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، لِأنَّ البَغْيَ كانَ دَأْبَهم في الجاهِلِيَّةِ. قالَ سَوّارُ بْنُ المُضَرَّبِ السَّعْدِيُّ:

وأنِّي لا أزالُ أخا حُرُوبٍ إذا لَمْ أجْنِ كُنْتُ مِجَنَّ جانِ

والإشْراكُ مَعْرُوفٌ وقَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ مُنْذُ خَلَقَ البَشَرَ.

و﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ، و”ما“ مَفْعُولُ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ، والسُّلْطانُ البُرْهانُ والحُجَّةُ، والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ”بِهِ“ صِفَةٌ لِـ ”سُلْطانًا“، والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ بِمَعْنى مَعَهُ أيْ لَمْ يُنَزِّلْ حُجَّةً مُصاحِبَةً لَهُ، وهي مُصاحَبَةُ الحُجَّةِ لِلْمُدَّعِي وهي مُصاحَبَةٌ مَجازِيَّةٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الباءُ بِمَعْنى عَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] أيْ سُلْطانًا عَلَيْهِ أيْ دَلِيلًا. وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ إلى ما وهو الرّابِطُ لِلصِّلَةِ. فَمَعْنى نَفْيِ تَنْزِيلِ الحُجَّةِ عَلى الشُّرَكاءِ نَفِيُ الحُجَّةِ الدّالَّةِ عَلى إثْباتِ صِفَةِ الشَّرِكَةِ مَعَ اللَّهِ في الإلَهِيَّةِ، فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ والمُرادُ وصْفُها، مِثْلَ ”حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ“ أيْ أكْلُها. وهَذِهِ الصِّلَةُ مُؤْذِنَةٌ بِتَخْطِئَةِ المُشْرِكِينَ، ونَفْيِ مَعْذِرَتِهِمْ في الإشْراكِ بِأنَّهُ لا دَلِيلَ يُشْتَبَهُ عَلى النّاسِ في عَدَمِ اسْتِحْقاقِ الأصْنامِ العِبادَةَ، فَعَرَّفَ الشُّرَكاءَ المَزْعُومِينَ تَعْرِيفًا لِطَرِيقِ الرَّسْمِ بِأنَّ خاصَّتَهم: أنْ لا سُلْطانَ عَلى شَرِكَتِهِمْ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ، فَكُلُّ صَنَمٍ مِن أصْنامِهِمْ واضِحَةٌ فِيهِ هَذِهِ الخاصَّةُ، فَإنَّ المَوْصُولَ وصِلَتَهُ مِن طُرُقِ التَّعْرِيفِ، ولَيْسَ ذَلِكَ كالوَصْفِ، ولَيْسَ لِلْمَوْصُولِ وصِلَتِهِ مَفْهُومُ مُخالَفَةٍ، ولا المَوْصُولاتُ مَعْدُودَةٌ في صِيَغِ المَفاهِيمِ، فَلا يَتَّجِهُ ما أوْرَدَهُ الفَخْرُ مِن أنْ يَقُولَ قائِلٌ: هَذا يُوهِمُ أنَّ مِن بَيْنِ الشِّرْكِ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِهِ سُلْطانًا واحْتِياجُهُ إلى دَفْعِ هَذا الإيهامِ، ولا ما قَفّاهُ عَلَيْهِ صاحِبُ الِانْتِصافِ مِن تَنْظِيرِ نَفْيِ السُّلْطانِ في هَذِهِ الآيَةِ بِنَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ

صفحة ١٠٢

ولا يَتَّجِهُ ما نَحاهُ صاحِبُ الكَشّافِ مِن إجْراءِ هَذِهِ الصِّلَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ.

وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ أصُولَ أحْوالِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فِيما تَلَبَّسُوا بِهِ مِنَ الفَواحِشِ والآثامِ، وهم يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَوَرَّعُونَ عَنِ الطَّوافِ في الثِّيابِ، وعَنْ أكْلِ بَعْضِ الطَّيِّباتِ في الحَجِّ. وهَذا مِن ناحِيَةِ قَوْلِهِ تَعالى: يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ.

7:34Page 154

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٤

And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: ٣١] وبَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأعراف: ٣٥] لَمّا نَعى اللَّهُ عَلى المُشْرِكِينَ ضَلالَهم وتَمَرُّدَهم، بَعْدَ أنْ دَعاهم إلى الإيمانِ، وإعْراضَهم عَنْهُ، بِالمُجادَلَةِ والتَّوْبِيخِ وإظْهارِ نَقائِصِهِمْ بِالحُجَّةِ البَيِّنَةِ، وكانَ حالُهم حالَ مَن لا يُقْلِعُ عَمّا هم فِيهِ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِإنْذارِهِمْ ووَعِيدِهِمْ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وإعْذارًا لَهم قَبْلَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ تُؤَكِّدُ الغَرَضَ مِن جُمْلَةِ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤] . وتَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِهَذا الخَبَرِ المُشْرِكِينَ، بِأنْ أقْبَلَ اللَّهُ عَلى خِطابِهِمْ أوْ أمَرَ نَبِيَّهُ بِأنْ يُخاطِبَهم، لِأنَّ هَذا الخِطابَ خِطابُ وعِيدٍ وإنْذارٍ.

صفحة ١٠٣

والمَعْنى الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِالخَبَرِ النَّبِيءَ ﷺ، فَيَكُونُ وعْدًا لَهُ بِالنَّصْرِ عَلى مُكَذِّبِيهِ، وإعْلامًا لَهُ بِأنَّ سُنَّتَهُ سُنَّةُ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ بِطَرِيقَةِ جَعْلِ سُنَّةِ أُمَّتِهِ كَسُنَّةِ غَيْرِها مِنَ الأُمَمِ.

وذِكْرُ عُمُومِ الأُمَمِ في هَذا الوَعِيدِ، مَعَ أنَّ المَقْصُودَ هُمُ المُشْرِكُونَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا، إنَّما هو مُبالَغَةٌ في الإنْذارِ والوَعِيدِ بِتَقْرِيبِ حُصُولِهِ كَما حَصَلَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِشْهادِ بِشَواهِدِ التّارِيخِ في قِياسِ الحاضِرِ عَلى الماضِي فَيَكُونُ الوَعِيدُ خَبَرًا مَعْضُودًا بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ. كَما قالَ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] أيْ: ما أنْتُمْ إلّا أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجْلٌ فَأنْتُمْ لَكم أجْلٌ سَيَحِينُ حِينُهُ.

وذِكْرُ الأجَلِ هُنا دُونَ أنْ يَقُولَ لِكُلِّ أُمَّةٍ عَذابٌ أوِ اسْتِئْصالٌ؛ إيقاظًا لِعُقُولِهِمْ مِن أنْ يَغُرَّهُمُ الإمْهالُ فَيَحْسَبُوا أنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُؤاخِذِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ، كَما قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وطَمْأنَةً لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم إنَّما هو جَرْيٌ عَلى عادَةِ اللَّهِ تَعالى في إمْهالِ الظّالِمِينَ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا﴾ [يوسف: ١١٠] وقَوْلِهِ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧] .

ومَعْنى: ”لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ“ لِكُلِّ أُمَّةٍ مُكَذِّبَةٍ إمْهالٌ فَحُذِفَ وصْفُ أُمَّةٍ أيْ: مُكَذِّبَةٍ.

وجُعِلَ لِذَلِكَ الزَّمانِ نِهايَةٌ وهي الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِانْقِضاءِ الإمْهالِ، فالأجَلُ يُطْلَقُ عَلى مُدَّةِ الإمْهالِ، ويُطْلَقُ عَلى الوَقْتِ المُحَدَّدِ بِهِ انْتِهاءُ الإمْهالِ، ولا شَكَّ أنَّهُ وُضِعَ لِأحَدِ الأمْرَيْنِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الآخَرِ عَلى تَأْوِيلِ مُنْتَهى المُدَّةِ أوْ تَأْخِيرِ المُنْتَهى وشاعَ الِاسْتِعْمالانِ، فَعَلى الأوَّلِ يُقالُ قَضى الأجَلَ أيِ المُدَّةَ كَما قالَ تَعالى: ”أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ“ وعَلى الثّانِي يُقالُ: ”دَنا

صفحة ١٠٤

أجَلُ فُلانٍ“ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ [الأنعام: ١٢٨] والواقِعُ في هَذِهِ الآيَةِ يَصِحُّ لِلِاسْتِعْمالَيْنِ بِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأجَلِ الأوَّلِ المُدَّةَ، وبِالثّانِي الوَقْتَ المُحَدَّدَ لِفِعْلٍ ما.

والمُرادُ بِالأُمَّةِ هُنا الجَماعَةُ الَّتِي اشْتَرَكَتْ في عَقِيدَةِ الإشْراكِ أوْ في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ“ إلَخْ ولَيْسَ المُرادُ بِالأُمَّةِ الجَماعَةَ الَّتِي يَجْمَعُها نَسَبٌ أوْ لُغَةٌ إذْ لا يُتَصَوَّرُ انْقِراضُها عَنْ بَكَرَةِ أبِيها، ولَمْ يَقَعْ في التّارِيخِ انْقِراضُ إحْداها، وإنَّما وقَعَ في بَعْضِ الأُمَمِ أنِ انْقَرَضَ غالِبُ رِجالِها بِحَوادِثَ عَظِيمَةٍ مِثْلَ ”طَسْمٍ“ و”جَدِيسٍ“ و”عَدْوانَ“ فَتَنْدَمِجُ بَقاياها في أُمَمٍ أُخْرى مُجاوِرَةٍ لَها فَلا يُقالُ لِأُمَّةٍ إنَّ لَها أجَلًا تَنْقَرِضُ فِيهِ إلّا بِمَعْنى جَماعَةٍ يَجْمَعُها أنَّها مُرْسَلٌ إلَيْها رَسُولٌ فَكَذَّبَتْهُ، وكَذَلِكَ كانَ ماصَدَقَ هَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّ العَرَبَ لَمّا أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ ﷺ ابْتَدَأ دَعْوَتَهُ فِيهِمْ ولَهم، فَآمَنَ بِهِ مَن آمَنَ، وتَلاحَقَ المُؤْمِنُونَ أفْواجًا، وكَذَّبَ بِهِ أهْلُ مَكَّةَ وتَبِعَهم مَن حَوْلَهم، وأمْهَلَ اللَّهُ العَرَبَ بِحِكْمَتِهِ وبِرَحْمَةِ نَبِيِّهِ ﷺ إذْ قالَ: «لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يُخْرِجَ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ» فَلَطَفَ اللَّهُ بِهِمْ إذْ جَعَلَهم مُخْتَلِطِينَ مُؤْمِنَهم ومُشْرِكَهم، ثُمَّ هاجَرَ المُؤْمِنُونَ فَبَقِيَتْ مَكَّةُ دارَ شِرْكٍ وتَمَحَّضَ مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ فاسْتَأْصَلُوهم فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ، في يَوْمِ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ مِن أيّامِ الإسْلامِ، إلى أنْ تَمَّ اسْتِئْصالُ أهْلِ الشِّرْكِ بِقَتْلِ بَقِيَّةِ مَن قُتِلَ مِنهم في غَزْوَةِ الفَتْحِ، مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ ومَن قُتِلَ مَعَهُ، فَلَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ دانَ العَرَبُ لِلْإسْلامِ وانْقَرَضَ أهْلُ الشِّرْكِ، ولَمْ تَقُمْ لِلشِّرْكِ قائِمَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وأظْهَرَ اللَّهُ عِنايَتَهُ بِالأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ إذْ كانَتْ مِن أوَّلِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ غَيْرَ مُتَمَحِّضَةٍ لِلشِّرْكِ، بَلْ كانَ فِيها مُسْلِمُونَ مِن أوَّلِ يَوْمِ الدَّعْوَةِ، ومازالُوا يَتَزايَدُونَ.

ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ بِأجَلِ الأُمَّةِ أجَلَ أفْرادِها، وهو مُدَّةُ حَياةِ كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ لِأنَّهُ لا عَلاقَةَ لَهُ بِالسِّياقِ، ولِأنَّ إسْنادَهُ إلى الأُمَّةِ يُعَيِّنُ

صفحة ١٠٥

أنَّهُ أجَلُ مَجْمُوعِها لا أفْرادِها، ولَوْ أُرِيدَ آجالُ الأفْرادِ لَقالَ لِكُلِّ أحَدٍ أوْ لِكُلِّ حَيٍّ أجَلٌ.

و”إذا“ ظَرْفُ زَمانٍ لِلْمُسْتَقْبَلِ في الغالِبِ، وتَتَضَمَّنُ مَعْنى الشَّرْطِ غالِبًا، لِأنَّ مَعانِيَ الظُّرُوفِ قَرِيبَةٌ مِن مَعانِي الشَّرْطِ لِما فِيها مِنَ التَّعْلِيقِ، وقَدِ اسْتُغْنِيَ بِفاءِ تَفْرِيعِ عامِلِ الظَّرْفِ هُنا عَنِ الإتْيانِ بِالفاءِ في جَوابِ إذا لِظُهُورِ مَعْنى الرَّبْطِ والتَّعْلِيقِ بِمَجْمُوعِ الظَّرْفِيَّةِ والتَّفْرِيعِ، والمُفَرَّعُ هو: جاءَ أجَلُهم وإنَّما قُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِيَتَأكَّدَ بِذَلِكَ التَّقْدِيمِ مَعْنى التَّعْلِيقِ.

والمَجِيءُ مَجازٌ في الحُلُولِ المُقَدَّرِ لَهُ كَقَوْلِهِمْ جاءَ الشِّتاءُ.

وإفْرادُ الأجَلِ في قَوْلِهِ: ”﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ [يونس: ٤٩]“ مُراعًى فِيهِ الجِنْسُ، الصّادِقُ بِالكَثِيرِ، بِقَرِينَةِ إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ.

وأُظْهِرَ لَفْظُ أجَلٍ في قَوْلِهِ: ”﴿إذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ [يونس: ٤٩]“ ولَمْ يُكْتَفَ بِضَمِيرِهِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الحُكْمِ عَلَيْهِ، ولِتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها غَيْرَ مُتَوَقِّفَةٍ عَلى سَماعِ غَيْرِها لِأنَّها بِحَيْثُ تَجْرِي مَجْرى المَثَلِ، وإرْسالُ الكَلامِ الصّالِحِ لِأنْ يَكُونَ مَثَلًا طَرِيقٌ مِن طُرُقِ البَلاغَةِ.

ويَسْتَأْخِرُونَ ويَسْتَقْدِمُونَ بِمَعْنى: يَتَأخَّرُونَ ويَتَقَدَّمُونَ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِما لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ اسْتَجابَ.

والمَعْنى: إنَّهم لا يَتَجاوَزُونَهُ بِتَأْخِيرٍ ولا يَتَعَجَّلُونَهُ بِتَقْدِيمٍ، والمَقْصُودُ أنَّهم لا يُؤَخَّرُونَ عَنْهُ، فَعَطْفُ ولا يَسْتَقْدِمُونَ تَتْمِيمٌ لِبَيانِ أنَّ ما عَلِمَهُ اللَّهُ وقَدَّرَهُ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَغْيِيرِهِ وصَرْفِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ: ولا يَسْتَقْدِمُونَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِغَرَضِ التَّهْدِيدِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُ أبِي الشِّيصِ:

وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتِ فَلَيْسَ لِي مُتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمُ

صفحة ١٠٦

وكُلُّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى تَمْثِيلِ حالَةِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ التَّخَلُّصَ مِن وعِيدٍ أوْ نَحْوِهِ بِهَيْئَةِ مَنِ احْتُبِسَ بِمَكانٍ لا يَسْتَطِيعُ تَجاوُزَهُ إلى الأمامِ ولا إلى الوَراءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском