Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:43–45
7:43Page 155
وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣
And We will have removed whatever is within their breasts of resentment,1 [while] flowing beneath them are rivers. And they will say, "Praise to Allāh, who has guided us to this; and we would never have been guided if Allāh had not guided us. Certainly the messengers of our Lord had come with the truth." And they will be called, "This is Paradise, which you have been made to inherit for what you used to do."
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
صفحة ١٣١
اتِساقُ النَّظْمِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٣٦] . وتَكُونُ جُمْلَةُ: ونَزَعْنا مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤٢]، وجُمْلَةُ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلَخْ، اعْتِراضًا بُيِّنَ بِهِ حالُ نُفُوسِهِمْ في المُعامَلَةِ في الجَنَّةِ، لِيُقابِلَ الِاعْتِراضَ الَّذِي أُدْمِجَ في أثْناءِ وصْفِ عَذابِ أهْلِ النّارِ، والمُبِيَّنُ بِهِ حالُ نُفُوسِهِمْ في المُعامَلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] .
والتَّعْبِيرُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، أيْ: ونَنْزِعُ ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ، وهو تَعْبِيرٌ مَعْرُوفٌ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
والنَّزْعُ حَقِيقَتُهُ قَلْعُ الشَّيْءِ مِن مَوْضِعِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] في آلِ عِمْرانَ، ونَزْعُ الغِلِّ مِن قُلُوبِ أهْلِ الجَنَّةِ: هو إزالَةُ ما كانَ في قُلُوبِهِمْ في الدُّنْيا مِنَ الغِلِّ عِنْدَ تَلَقِّي ما يَسُوءُ مِنَ الغَيْرِ، بِحَيْثُ طَهَّرَ اللَّهُ نُفُوسَهم في حَياتِها الثّانِيَةِ عَنِ الِانْفِعالِ بِالخَواطِرِ الشَّرِّيَّةِ الَّتِي مِنها الغِلُّ، فَزالَ ما كانَ في قُلُوبِهِمْ مِن غِلِّ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ في الدُّنْيا، أيْ أزالَ ما كانَ حاصِلًا مِن غِلٍّ وأزالَ طِباعَ الغِلِّ الَّتِي في النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ في نُفُوسِهِمْ.
والغِلُّ: الحِقْدُ والإحْنَةُ والضِّغْنُ، الَّتِي تَحْصُلُ في النَّفْسِ عِنْدَ إدْراكِ ما يَسُئُوها مِن عَمَلِ غَيْرِها، ولَيْسَ الحَسَدُ مِنَ الغِلِّ بَلْ هو إحْساسٌ باطِنِيٌّ آخَرُ.
صفحة ١٣٢
وجُمْلَةُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ هم في أمْكِنَةٍ عالِيَةٍ تُشْرِفُ عَلى أنْهارِ الجَنَّةِ.
وجُمْلَةُ: ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [الأعراف: ٤٢] .
والتَّعْبِيرُ بِالماضِي مُرادٌ بِهِ المُسْتَقْبَلُ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ: ونَزَعْنا. وهَذا القَوْلُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا يَقُولُونَهُ في خاصَّتِهِمْ ونُفُوسِهِمْ، عَلى مَعْنى التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ بِحَمْدِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونُوا يَقُولُونَهُ بَيْنَهم في مَجامِعِهِمْ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِمْ لِهَذا إلى جَمِيعِ ما هو حاضِرٌ مِنَ النَّعِيمِ في وقْتِ ذَلِكَ الحَمْدِ، والهِدايَةُ لَهُ هي الإرْشادُ إلى أسْبابِهِ، وهي الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الأعراف: ٤٢]، وقالَ تَعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] الآيَةَ، وجَعَلَ الهِدايَةَ لِنَفْسِ النَّعِيمِ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى ما يُوَصِّلُ إلى الشَّيْءِ إنَّما هي هِدايَةٌ لِأجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى فِعْلِ الهِدايَةِ وتَعْدِيَتِهِ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
والمُرادُ بِهَدْيِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم إرْسالُهُ مُحَمَّدًا ﷺ إلَيْهِمْ فَأيْقَظَهم مِن غَفْلَتِهِمْ فاتَّبَعُوهُ، ولَمْ يُعانِدُوا، ولَمْ يَسْتَكْبِرُوا، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ مَعَ ما يَسَّرَ اللَّهُ لَهم مِن قَبُولِهِمُ الدَّعْوَةَ وامْتِثالِهِمُ الأمْرَ، فَإنَّهُ مِن تَمامِ المِنَّةِ المَحْمُودِ عَلَيْها، وهَذا التَّيْسِيرُ هو الَّذِي حُرِمَهُ المُكَذِّبُونَ المُسْتَكْبِرُونَ لِأجْلِ ابْتِدائِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِكْبارِ، دُونَ الفِكْرِ والِاعْتِبارِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ، أيْ هَدانا في هَذا الحالِ حالِ بُعْدِنا عَنِ الِاهْتِداءِ، وذَلِكَ مِمّا يُؤْذِنُ بِكِبَرِ مِنَّةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، وبِتَعْظِيمِ حَمْدِهِمْ وتَجْزِيلِهِ، ولِذَلِكَ جاءُوا بِجُمْلَةِ الحَمْدِ مُشْتَمِلَةً عَلى أقْصى ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الخَصائِصِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَيانُها في سُورَةِ الفاتِحَةِ.
صفحة ١٣٣
ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾ عَلى بُعْدِ حالِهِمُ السّالِفَةِ عَنِ الِاهْتِداءِ، كَما أفادَهُ نَفْيُ الكَوْنِ مَعَ لامِ الجُحُودِ، حَسَبَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ﴾ [آل عمران: ٧٩] الآيَةَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَإنَّهم كانُوا مُنْغَمِسِينَ في ضَلالاتٍ قَدِيمَةٍ قَدْ رَسَخَتْ في أنْفُسِهِمْ، فَأمّا قادَتُهم فَقَدْ زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم حَتّى اعْتَقَدُوها وسَنُّوها لِمَن بَعْدَهم، وأمّا دَهْماؤُهم وأخْلافُهم فَقَدْ رَأوْا قُدْوَتَهم عَلى تِلْكَ الضَّلالاتِ، وتَأصَّلَتْ فِيهِمْ، فَما كانَ مِنَ السَّهْلِ اهْتِداؤُهم، لَوْلا أنْ هَداهُمُ اللَّهُ بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ وسِياسَتِهِمْ في دَعْوَتِهِمْ وأنْ قَذَفَ في قُلُوبِهِمْ قَبُولَ الدَّعْوَةِ.
ولِذَلِكَ عَقَّبُوا تَحْمِيدَهم وثَناءَهم عَلى اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ فَتِلْكَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ، اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، لِصُدُورِها عَنِ ابْتِهاجِ نُفُوسِهِمْ واغْتِباطِهِمْ بِما جاءَتْهم بِهِ الرُّسُلُ، فَجَعَلُوا يَتَذَكَّرُونَ أسْبابَ هِدايَتِهِمْ ويَعْتَبِرُونَ بِذَلِكَ ويَغْتَبِطُونَ، تَلَذُّذًا بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، لِأنَّ تَذَكُّرَ الأمْرِ المَحْبُوبِ والحَدِيثَ عَنْهُ مِمّا تَلَذُّ بِهِ النُّفُوسُ، مَعَ قَصْدِ الثَّناءِ عَلى الرُّسُلِ.
وتَأْكِيدُ الفِعْلِ بِلامِ القَسَمِ وبِقَدْ، مَعَ أنَّهم غَيْرُ مُنْكِرِينَ لِمَجِيءِ الرُّسُلِ: إمّا لِأنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الإعْجابِ بِمُطابَقَةِ ما وعَدَهم بِهِ الرُّسُلُ مِنَ النَّعِيمِ لِما وجَدُوهُ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] وقَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ قالَ اللَّهُ تَعالى: «أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بِشْرٍ»، وإمّا لِأنَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ هَذا الثَّناءَ عَلى الرُّسُلِ والشَّهادَةِ بِصِدْقِهِمْ جَمِيعًا مَعَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ، فَأتَوْا بِالخَبَرِ في صُورَةِ الشَّهادَةِ المُؤَكَّدَةِ الَّتِي لا تَرَدُّدَ فِيها.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ) بِدُونِ واوٍ قَبْلَ ما - وكَذَلِكَ كُتِبَتْ في المُصْحَفِ الإمامِ المُوَجَّهِ إلى الشّامِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَفْصُولَةً عَنِ الَّتِي قَبْلَها، عَلى اعْتِبارِ كَوْنِها كالتَّعْلِيلِ لِلْحَمْدِ، والتَّنْوِيهِ بِأنَّهُ حَمْدٌ عَظِيمٌ عَلى نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ.
صفحة ١٣٤
وجُمْلَةُ: ونُودُوا مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: وقالُوا فَتَكُونُ حالًا أيْضًا، لِأنَّ هَذا النِّداءَ جَوابٌ لِثَنائِهِمْ، يَدُلُّ عَلى قَبُولِ ما أثْنَوْا بِهِ، وعَلى رِضا اللَّهِ عَنْهم، والنِّداءُ مِن قِبَلِ اللَّهِ، ولِذَلِكَ بُنِيَ فِعْلُهُ إلى المَجْهُولِ لِظُهُورِ المَقْصُودِ، والنِّداءُ إعْلانُ الخِطابِ، وهو أصْلُ حَقِيقَتِهِ في اللُّغَةِ، ويُطْلَقُ النِّداءُ غالِبًا عَلى دُعاءِ أحَدٍ لِيُقْبِلَ بِذاتِهِ أوْ بِفَهْمِهِ لِسَماعِ كَلامٍ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ بِرَفْعِ صَوْتٍ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣] ولِهَذا المَعْنى حُرُوفٌ خاصَّةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ في العَرَبِيَّةِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وناداهُما رَبُّهُما﴾ [الأعراف: ٢٢] في هَذِهِ السُّورَةِ.
و(أنْ) تَفْسِيرٌ لِـ (نُودُوا) لِأنَّ النِّداءَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ. والإشارَةُ إلى الجَنَّةِ بِـ (تِلْكُمُ)، الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في المُشارِ إلَيْهِ البَعِيدِ، مَعَ أنَّ الجَنَّةَ حاضِرَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِمْ، لِقَصْدِ رِفْعَةِ شَأْنِها وتَعْظِيمِ المِنَّةِ بِها.
والإرْثُ حَقِيقَتُهُ مَصِيرُ مالِ المَيِّتِ إلى أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ، ويُقالُ: أوْرَثَ المَيِّتُ أقْرِباءَهُ مالَهُ، بِمَعْنى جَعَلَهم يَرِثُونَهُ عَنْهُ، لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهم بِالوَصِيَّةِ لِغَيْرِهِ فَقَدْ تَرَكَهُ لَهم، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى مَصِيرِ شَيْءٍ إلى أحَدٍ بِدُونِ عِوَضٍ ولا غَصْبٍ تَشْبِيهًا بِإرْثِ المَيِّتِ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: أُورِثْتُمُوها أُعْطِيتُمُوها عَطِيَّةً هَنِيئَةً لا تَعَبَ فِيها ولا مُنازَعَةَ.
والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سَبَبِيَّةٌ أيْ بِسَبَبِ أعْمالِكم، وهي الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وهَذا الكَلامُ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ شَكَرَ لَهم أعْمالَهم، فَأعْطاهم هَذا النَّعِيمَ الخالِدَ لِأجْلِ أعْمالِهِمْ، وأنَّهم لَمّا عَمِلُوا ما عَمِلُوهُ مِنَ العَمَلِ ما كانُوا يَنْوُونَ بِعَمَلِهِمْ إلّا السَّلامَةَ مِن غَضَبِ رَبِّهِمْ وتَطَلُّبَ مَرْضاتِهِ شُكْرًا لَهُ عَلى نَعْمائِهِ، وما كانُوا يَمْتُونَ بِأنْ تُوَصِّلَهم أعْمالُهم إلى ما قالُوهُ، وذَلِكَ لا يُنافِي الطَّمَعَ في ثَوابِهِ والنَّجاةَ مِن عِقابِهِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ الجَمْعُ بَيْنَ أُورِثْتُمُوها وبَيْنَ باءِ السَّبَبِيَّةِ.
فالإيراثُ دَلَّ عَلى أنَّها عَطِيَّةٌ بِدُونِ قَصْدِ تَعاوُضٍ ولا تَعاقُدٍ، وأنَّها فَضْلٌ مَحْضٌ مِنَ اللَّهِ - تَعالى -، لِأنَّ إيمانَ العَبْدِ بِرَبِّهِ وطاعَتَهُ إيّاهُ لا يُوجِبُ عَقْلًا ولا عَدْلًا
صفحة ١٣٥
إلّا نَجاتَهُ مِنَ العِقابِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى الكُفْرانِ والعِصْيانِ، وإلّا حُصُولَ رِضى رَبِّهِ عَنْهُ، ولا يُوجِبُ جَزاءً ولا عَطاءً، لِأنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ، فَهَذا الجَزاءُ وعَظَمَتُهُ مُجَرَّدُ فَضْلٍ مِنَ الرَّبِّ عَلى عَبْدِهِ شُكْرًا لِإيمانِهِ بِهِ وطاعَتِهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ سَبَبُ هَذا الشُّكْرِ عِنْدَ الرَّبِّ الشّاكِرِ هو عَمَلُ عَبْدِهِ بِما أمَرَهُ بِهِ، وقَدْ تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ فَوَعَدَ بِهِ مِن قَبْلِ حُصُولِهِ، فَمِنَ العَجَبِ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ بِوُجُوبِ الثَّوابِ عَقْلًا، ولَعَلَّهم أوْقَعَهم فِيهِ اشْتِباهُ حُصُولِ الثَّوابِ بِالسَّلامَةِ مِنَ العِقابِ، مَعَ أنَّ الواسِطَةَ بَيْنَ الحالَيْنِ بَيِّنَةٌ لِأُولِي الألْبابِ، وهَذا أحْسَنُ مِمّا يُطِيلُ بِهِ أصْحابُنا مَعَهم في الجَوابِ.
وباءُ السَّبَبِيَّةِ اقْتَضَتِ الَّذِي أعْطاهم مَنازِلَ الجَنَّةِ أرادَ بِهِ شُكْرَ أعْمالِهِمْ وثَوابِها مِن غَيْرِ قَصْدِ تَعاوُضٍ ولا تَقابُلٍ فَجَعَلَها كالشَّيْءِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ العامِلُ عِوَضًا عَنْ عَمَلِهِ فاسْتَعارَ لَها باءَ السَّبَبِيَّةِ.
7:44–45Page 156
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤
And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allāh shall be upon the wrongdoers
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ كَٰفِرُونَ ٤٥
Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers."
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ [الأعراف: ٤٣] إلَخْ، عَطْفَ القَوْلِ عَلى القَوْلِ، إذْ حُكِيَ قَوْلُهم المُنْبِئُ عَنْ بَهْجَتِهِمْ بِما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، ثُمَّ حُكِيَ ما يَقُولُونَهُ لِأهْلِ النّارِ حِينَما يُشاهِدُونَهم.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةٍ ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ بِمُناسَبَةِ الِانْتِقالِ مِن ذِكْرِ نِداءٍ مِن قِبَلِ اللَّهِ إلى ذِكْرِ مُناداةِ أهْلِ الآخِرَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَعَلى الوَجْهَيْنِ يَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِأصْحابِ
صفحة ١٣٦
الجَنَّةِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ تَوْطِئَةً لِذِكْرِ نِداءِ أصْحابِ الأعْرافِ ونِداءِ أصْحابِ النّارِ، لِيُعَبِّرَ عَنْ كُلِّ فَرِيقٍ بِعُنْوانِهِ ولِيُكُونَ مِنهُ مُحَسِّنُ الطِّباقِ في مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أصْحابَ النّارِ﴾، وهَذا النِّداءُ خِطابٌ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالنِّداءِ كِنايَةً عَنْ بُلُوغِهِ إلى أسْماعِ أصْحابِ النّارِ مِن مَسافَةٍ سَحِيقَةِ البُعْدِ، فَإنَّ سِعَةَ الجَنَّةِ وسِعَةَ النّارِ تَقْتَضِيانِ ذَلِكَ لا سِيَّما مَعَ قَوْلِهِ: (﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ [الأعراف: ٤٦])، ووَسِيلَةُ بُلُوغِ هَذا الخِطابِ مِنَ الجَنَّةِ إلى أصْحابِ النّارِ وسِيلَةٌ عَجِيبَةٌ غَيْرُ مُتَعارَفَةٍ.
وعِلْمُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ لا حَدَّ لِمُتَعَلَّقاتِهِما.
وأنْ في قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِلنِّداءِ.
والخَبَرُ الَّذِي هو ﴿قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو الِاغْتِباطُ بِحالِهِمْ، وتَنْغِيصُ أعْدائِهِمْ بِعِلْمِهِمْ بِرَفاهِيَةِ حالِهِمْ، والتَّوَرُّكُ عَلى الأعْداءِ إذْ كانُوا يَحْسَبُونَهم قَدْ ضَلُّوا حِينَ فارَقُوا دِينَ آبائِهِمْ، وأنَّهم حَرَمُوا أنْفُسَهم طَيِّباتِ الدُّنْيا بِالِانْكِفافِ عَنِ المَعاصِي، وهَذِهِ مَعانٍ مُتَعَدِّدَةٌ كُلُّها مِن لَوازِمِ الإخْبارِ، والمَعانِي الكِنائِيَّةُ لا يَمْتَنِعُ تَعَدُّدُها لِأنَّها تَبَعٌ لِلَّوازِمِ العَقْلِيَّةِ، وهَذِهِ الكِنايَةُ جُمِعَ فِيها بَيْنَ المَعْنى الصَّرِيحِ والمَعانِي الكِنائِيَّةِ، ولَكِنَّ المَعانِي الكِنائِيَّةَ هي المَقْصُودَةُ إذْ لَيْسَ القَصْدُ أنْ يَعْلَمَ أهْلُ النّارِ بِما حَصَلَ لِأهْلِ الجَنَّةِ ولَكِنَّ القَصْدَ ما يَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ. وأمّا المَعانِي الصَّرِيحَةُ فَمَدْلُولَةٌ بِالأصالَةِ عِنْدَ عَدَمِ القَرِينَةِ المانِعَةِ.
والِاسْتِفْهامُ في جُمْلَةِ ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ في تَوْقِيفِ المُخاطَبِينَ عَلى غَلَطِهِمْ، وإثارَةِ نَدامَتِهِمْ وغَمِّهِمْ عَلى ما فَرَطَ مِنهم، والشَّماتَةِ بِهِمْ في عَواقِبِ عِنادِهِمْ. والمَعانِي المَجازِيَّةُ الَّتِي عَلاقَتُها اللُّزُومُ يَجُوزُ تَعَدُّدُها مِثْلُ الكِنايَةِ، وقَرِينَةُ المَجازِ هي: ظُهُورُ أنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ يَعْلَمُونَ أنَّ أصْحابَ النّارِ وجَدُوا وعْدَهُ حَقًّا.
والوُجْدانُ: إلْفاءُ الشَّيْءِ ولُقِيُّهُ، قالَ تَعالى ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ [القصص: ١٥] وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، قالَ تَعالى ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [النور: ٣٩] ويَغْلِبُ أنْ
صفحة ١٣٧
يُذْكَرُ مَعَ المَفْعُولِ حالُهُ، فَقَوْلُهُ ﴿وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ مَعْناهُ ألْفَيْناهُ حالَ كَوْنِهِ حَقًّا لا تَخَلُّفَ في شَيْءٍ مِنهُ، فَلا يَدُلُّ قَوْلُهُ وجَدْنا عَلى سَبْقِ بَحَثٍ أوْ تَطَلُّبٍ لِلْمُطابَقَةِ كَما قَدْ يُتَوَهَّمُ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ الوُجْدانُ في الإدْراكِ والظَّنِّ مَجازًا، وهو مَجازٌ شائِعٌ.
وما مَوْصُولَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ و﴿ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾ ودَلَّتْ عَلى أنَّ الصِّلَةَ مَعْلُومَةٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ. عَلى تَفاوُتٍ في الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، فَقَدْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَدَ المُؤْمِنِينَ بِنَعِيمٍ عَظِيمٍ، وتَوَعَّدَ الكافِرِينَ بِعَذابٍ ألِيمٍ، سَمِعَ بَعْضُهم تَفاصِيلَ ذَلِكَ كُلَّها أوْ بَعْضَها، وسَمِعَ بَعْضُهم إجْمالَها: مُباشَرَةً أوْ بِالتَّناقُلِ عَنْ إخْوانِهِمْ، فَكانَ لِلْمَوْصُولِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ إيجازٌ بَدِيعٌ، والجَوابُ بِنَعَمْ تَحْقِيقٌ لِلْمَسْئُولِ عَنْهُ بِهَلْ: لِأنَّ السُّؤالَ بِهَلْ يَتَضَمَّنُ تَرْجِيحَ السّائِلِ وُقُوعَ المَسْئُولِ عَنْهُ. فَهو جَوابُ المُقِرِّ المُتَحَسِّرِ المُعْتَرِفِ، وقَدْ جاءَ الجَوابُ صالِحًا لِظاهِرِ السُّؤالِ وخَفِيِّهِ، فالمَقْصُودُ مِنَ الجَوابِ بِها تَحْقِيقُ ما أُرِيدَ بِالسُّؤالِ مِنَ المَعانِي حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، إذْ لَيْسَتْ (نَعَمْ) خاصَّةً بِتَحْقِيقِ المَعانِي الحَقِيقِيَّةِ.
وحَذْفُ مَفْعُولِ وعَدَ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾ لِمُجَرَّدِ الإيجازِ لِدَلالَةِ مُقابِلِهِ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ السُّؤالِ سُؤالُهم عَمّا يَخُصُّهم. فالتَّقْدِيرُ: فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم، أيْ مِنَ العَذابِ لِأنَّ الوَعْدَ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ.
ودَلَّتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ عَلى أنَّ التَّأْذِينَ مُسَبَّبٌ عَلى المُحاوَرَةِ تَحْقِيقًا لِمَقْصِدِ أهْلِ الجَنَّةِ مِن سُؤالِ أهْلِ النّارِ مِن إظْهارِ غَلَطِهِمْ وفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ.
والتَّأْذِينُ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالكَلامِ رَفْعًا يُسْمِعُ البَعِيدَ بِقَدْرِ الإمْكانِ وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأُذُنِ - بِضَمِّ الهَمْزَةِ - جارِحَةِ السَّمْعِ المَعْرُوفَةِ، وهَذا التَّأْذِينُ إخْبارٌ بِاللَّعْنِ وهو الإبْعادُ عَنِ الخَيْرِ، أيْ إعْلامٌ بِأنَّ أهْلَ النّارِ مُبْعَدُونَ عَنْ
صفحة ١٣٨
رَحْمَةِ اللَّهِ، زِيادَةً في التَّأْيِيسِ لَهم، أوْ دُعاءً عَلَيْهِمْ بِزِيادَةِ البُعْدِ عَنِ الرَّحْمَةِ بِتَضْعِيفِ العَذابِ أوْ تَحْقِيقِ الخُلُودِ، ووُقُوعُ هَذا التَّأْذِينِ عَقِبَ المُحاوَرَةِ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّ المُرادَ بِالظّالِمِينَ، وما تَبِعَهُ مِنَ الصِّفاتِ والأفْعالِ، هم أصْحابُ النّارِ، والمَقْصُودُ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ تَفْظِيعُ حالِهِمْ، والنِّداءُ عَلى خُبْثِ نُفُوسِهِمْ، وفَسادِ مُعْتَقَدِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وقُنْبُلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ بِتَخْفِيفِ نُونِ أنَّ عَلى أنَّها تَفْسِيرِيَّةٌ لِفِعْلِ أذَّنَ ورَفْعِ لَعْنَةُ عَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وبِنَصْبِ لَعْنَةُ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مَفْعُولُ أذَّنَ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى القَوْلِ، والتَّقْدِيرُ: قائِلًا أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ.
والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالظّالِمِينَ تَعْرِيفٌ لَهم بِوَصْفٍ جَرى مَجْرى اللَّقَبِ تُعْرَفُ بِهِ جَماعَتُهم، كَما يُقالُ: المُؤْمِنِينَ، لِأهْلِ الإسْلامِ، فَلا يُنافِي أنَّهم حِينَ وُصِفُوا بِهِ لَمْ يَكُونُوا ظالِمِينَ، لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا بُطْلانَ الشِّرْكِ حَقَّ العِلْمِ، وشَأْنُ اسْمِ الفاعِلِ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً في الحالِ مَجازًا في الِاسْتِقْبالِ، ولا يَكُونُ لِلْماضِي، وأمّا إجْراءُ الصِّلَةِ عَلَيْهِمْ بِالفِعْلَيْنِ المُضارِعَيْنِ في قَوْلِهِ يَصُدُّونَ وقَوْلِهِ ويَبْغُونَها وشَأْنُ المُضارِعِ الدَّلالَةُ عَلى حَدَثٍ حاصِلٍ في زَمَنِ الحالِ، وهم في زَمَنِ التَّأْذِينِ لَمْ يَكُونُوا مُتَّصِفِينَ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، ولا بِبَغْيِ عِوَجِ السَّبِيلِ، فَذَلِكَ لِقَصْدِ ما يُفِيدُهُ المُضارِعُ مِن تَكَرُّرِ حُصُولِ الفِعْلِ تَبَعًا لِمَعْنى التَّجَدُّدِ، والمَعْنى وصْفُهم بِتَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنهم في الزَّمَنِ الماضِي، وهو مَعْنى قَوْلِ عُلَماءِ المَعانِي: اسْتِحْضارُ الحالَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في الحِكايَةِ عَنْ نُوحٍ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ [هود: ٣٨] مَعَ أنَّ زَمَنَ صُنْعِ الفُلْكِ مَضى، وإنَّما قُصِدَ اسْتِحْضارُ حالَةِ التَّجَدُّدِ، وكَذَلِكَ وصْفُهم بِاسْمِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ فَإنَّ حَقَّهُ الدَّلالَةُ عَلى زَمَنِ الحالِ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنا في الماضِي: أيْ كافِرُونَ بِالآخِرَةِ فِيما مَضى مِن حَياتِهِمُ الدُّنْيا، وكُلُّ ذَلِكَ اعْتِمادٌ عَلى قَرِينَةِ حالِ السّامِعِينَ المانِعَةِ مِن إرادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مِن صِيغَةِ المُضارِعِ وصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ، إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ سامِعٍ أنَّ المَقْصُودِينَ صارُوا غَيْرَ مُتَلَبِّسِينَ بِتِلْكَ الأحْداثِ في وقْتِ التَّأْذِينِ، بَلْ تَلَبَّسُوا بِنَقائِضِها، فَإنَّهم
صفحة ١٣٩
حِينَئِذٍ قَدْ عَلِمُوا الحَقَّ وشاهَدُوهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم نَعَمْ وإنَّما عُرِّفُوا بِتِلْكَ الأحْوالِ الماضِيَةِ لِأنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ تُعْرَفُ بِالأحْوالِ الَّتِي كانَتْ مُتَلَبِّسَةً بِها في مُدَّةِ الحَياةِ الأُولى، فَبِالمَوْتِ تَنْتَهِي أحْوالُ الإنْسانِ فَيَسْتَقِرُّ اتِّصافُ نَفْسِهِ بِما عاشَتْ عَلَيْهِ، وفي الحَدِيثِ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ» رَواهُ مُسْلِمٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّعْنَةُ كانَتِ المَلائِكَةُ يَلْعَنُونَهم بِها في الدُّنْيا، فَجَهَرُوا بِها في الآخِرَةِ، لِأنَّها صارَتْ كالشِّعارِ لِلْكَفَرَةِ يُنادُونَ بِها، وهَذا كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «يُؤْتى بِالمُؤَذِّنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ يَصْرُخُونَ بِالأذانِ» مَعَ أنَّ في ألْفاظِ الأذانِ ما لا يُقْصَدُ مَعْناهُ يَوْمَئِذٍ وهو: (حَيِّ عَلى الصَّلاةِ حَيِّ عَلى الفَلاحِ)، وفي حِكايَةِ ذَلِكَ هُنا إعْلامٌ لِأصْحابِ هَذِهِ الصِّفاتِ في الدُّنْيا بِأنَّهم مَحْقُوقُونَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى.
والمُرادُ بِالظّالِمِينَ: المُشْرِكُونَ، وبِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: إمّا تَعَرُّضُ المُشْرِكِينَ لِلرّاغِبِينَ في الإسْلامِ بِالأذى والصَّرْفِ عَنِ الدُّخُولِ في الدِّينِ بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ، وسَبِيلُ اللَّهِ ما بِهِ الوُصُولُ إلى مَرْضاتِهِ وهو الإسْلامُ، فَيَكُونُ الصَّدُّ مُرادًا بِهِ المُتَعَدِّي إلى المَفْعُولِ، وإمّا إعْراضُهم عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الإسْلامِ وسَماعِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ الصَّدُّ مُرادًا بِهِ القاصِرُ، الَّذِي قِيلَ: إنَّ مُضارِعَهُ بِكَسْرِ الصّادِ، أوْ إنَّ حَقَّ مُضارِعِهِ كَسْرُ الصّادِ. إذْ قِيلَ لَمْ يُسْمَعْ مَكْسُورُ الصّادِ. وإنْ كانَ القِياسُ كَسْرُ الصّادِ في اللّازِمِ وضَمُّها في المُتَعَدِّي.
والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: ويَبْغُونَها عائِدٌ إلى سَبِيلِ اللَّهِ، لِأنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وقالَ: ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦] .
والعِوَجُ: ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِفَتْحِ العَيْنِ في الأجْسامِ، وبِكَسْرِ العَيْنِ في المَعانِي، وأصْلُهُ أنْ يَجُوزَ فِيهِ الفَتْحُ والكَسْرُ، ولَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ خَصَّصَ الحَقِيقَةَ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ والمَجازَ بِالوَجْهِ الآخَرِ، وذَلِكَ مِن مَحاسِنِ الِاسْتِعْمالِ، فالإخْبارُ عَنِ السَّبِيلِ بِـ عِوَجٍ إخْبارٌ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ ويَرُومُونَ ويُحاوِلُونَ
صفحة ١٤٠
إظْهارَ هَذِهِ السَّبِيلِ عَوْجاءَ، أيْ يَخْتَلِقُونَ لَها نَقائِصَ يُمَوِّهُونَها عَلى النّاسِ تَنْفِيرًا عَنِ الإسْلامِ كَقَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] ﴿أافْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨]، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ [آل عمران: ٩٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
ووَرَدَ وصْفُهم بِالكُفْرِ بِطَرِيقِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الكُفْرِ فِيهِمْ وتَمَكُّنِهِ مِنهم، لِأنَّ الكُفْرَ مِنَ الِاعْتِقاداتِ العَقْلِيَّةِ الَّتِي لا يُناسِبُها التَّكَرُّرُ، فَلِذَلِكَ خُولِفَ بَيْنَهُ وبَيْنَ وصْفِهِمْ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وبَغْيِ إظْهارِ العِوَجِ فِيها، لِأنَّ ذَيْنَكَ مِنَ الأفْعالِ القابِلَةِ لِلتَّكْرِيرِ، بِخِلافِ الكُفْرِ فَإنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأفْعالِ، ولَكِنَّهُ مِنَ الِانْفِعالاتِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences