Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:57–58

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:57–58

7:57Page 157

وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٥٧

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall] until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.

صفحة ١٧٨

﴿وهْوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾

جُمْلَةُ وهو الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ وقَدْ حَصَلَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ آخِرِ الجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ وبَيْنَ الجُمْلَةِ المُعْتَرَضِ بَيْنَها وبَيْنَ ما عُطِفَتْ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ قُرْبَ رَحْمَتِهِ مِنَ المُحْسِنِينَ ذَكَرَ بَعْضًا مِن رَحْمَتِهِ العامَّةِ وهو المَطَرُ. فَذِكْرُ إرْسالِ الرِّياحِ هو المَقْصُودُ الأهَمُّ لِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ والتَّدْبِيرِ، ولِذَلِكَ جَعَلْناهُ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ أوْ عَلى جُمْلَةِ ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ. وذِكْرُ بَعْضِ الأحْوالِ المُقارَنَةِ لِإرْسالِ الرِّياحِ يَحْصُلُ مِنهُ إدْماجُ الِامْتِنانِ في الِاسْتِدْلالِ وذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنَّ الرِّياحَ لا تُرْسَلُ إلّا لِلتَّبْشِيرِ بِالمَطَرِ، ولا أنَّ المَطَرَ لا يَنْزِلُ إلّا عَقِبَ إرْسالِ الرِّياحِ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ تَعْلِيمَ حَوادِثِ الجَوِّ، وإذْ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِي انْحِصارَ المُلازَمَةِ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ بِإغْداقِ الغَيْثِ عَلَيْهِمْ ونِذارَةِ المُشْرِكِينَ بِالقَحْطِ والجُوعِ كَقَوْلِهِ وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا وقَوْلِهِ فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ.

وأُطْلِقَ الإرْسالُ عَلى الِانْتِقالِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ، فَإرْسالُ الرِّياحِ هُبُوبُها مِنَ المَكانِ الَّذِي تَهُبُّ فِيهِ ووُصُولُها، وحَسَّنَ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ أنَّ الرِّيحَ مُسَخَّرَةٌ إلى المَكانِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ هُبُوبَها فِيهِ فَشُبِّهَتْ بِالعاقِلِ المُرْسَلِ إلى جِهَةٍ ما، ومِن بَدائِعِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ أنَّ الرِّيحَ لا تُفارِقُ كُرَةَ الهَواءِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَتَصْرِيفُ الرِّياحِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ أشْبَهُ بِالإرْسالِ مِنهُ بِالإيجادِ.

صفحة ١٧٩

والرِّياحُ: جَمْعُ رِيحٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ الرِّياحَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: الرِّيحَ بِصِيغَةِ المُفْرَدِ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ، فَهو مُساوٍ لِقِراءَةِ الجَمْعِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَن قَرَأ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَقِراءَتُهُ أسْعَدُ، لِأنَّ الرِّياحَ حَيْثُما وقَعَتْ في القُرْآنِ فَهي مُقْتَرِنَةٌ بِالرَّحْمَةِ، كَقَوْلِهِ وأرْسَلْنا الرِّياحَ لِواقِحَ وأكْثَرُ ذِكْرِ الرِّيحِ المُفْرَدَةِ أنْ تَكُونَ مُقْتَرِنَةً بِالعَذابِ كَقَوْلِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ ونَحْوَ ذَلِكَ. ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَتَقْيِيدُها بِالنَّشْرِ يُزِيلُ الِاشْتِراكَ أيِ الإيهامَ. والتَّحْقِيقُ أنَّ التَّعْبِيرَ بِصِيغَةِ الجَمْعِ قَدْ يُرادُ بِهِ تَعَدُّدُ المَهابِّ أوْ حُصُولُ الفَتَراتِ في الهُبُوبِ، وأنَّ الإفْرادَ قَدْ يُرادُ بِهِ أنَّها مَدْفُوعَةٌ دُفْعَةً واحِدَةً قَوِيَّةً لا فَتْرَةَ بَيْنَ هَبّاتِها.

وقَوْلُهُ ”نُشُرًا“ قَرَأهُ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: نُشُرًا بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ نَشُورٍ بِفَتْحِ النُّونِ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ، وهو فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، والنَّشُورُ الرِّيحُ الحَيَّةُ الطَّيِّبَةُ لِأنَّها تَنْشُرُ السَّحابَ، أيْ تَبُثُّهُ وتُكَثِّرُهُ في الجَوِّ، كالشَّيْءِ المَنشُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَعُولًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مَنشُورَةً، أيْ مَبْثُوثَةً في الجِهاتِ، مُتَفَرِّقَةً فِيها، لِأنَّ النَّشْرَ هو التَّفْرِيقُ في جِهاتٍ كَثِيرَةٍ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ رِيحَ المَطَرِ تَكُونُ لَيِّنَةً، تَجِيءُ مَرَّةً مِنَ الجَنُوبِ ومَرَّةً مِنَ الشَّمالِ، وتَتَفَرَّقُ في الجِهاتِ حَتّى يَنْشَأ بِها السَّحابُ ويَتَعَدَّدَ سَحاباتٌ مَبْثُوثَةٌ، كَما قالَ الكُمَيْتُ في السَّحابِ: مَرَتْهُ الجَنُوبُ بِأنْفاسِها وحَلَّتْ عَزالِيَهُ الشَّمْألُ ومِن أجْلِ ذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِتَعَدُّدِ مَهابِّها، ولِذَلِكَ لَمْ تُجْمَعْ فِيما لا يُحْمَدُ فِيهِ تَعَدُّدُ المَهابِّ كَقَوْلِهِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ مِن حَيْثُ جَرْيُ السُّفُنِ إنَّما جِيدُهُ بِرِيحٍ مُتَّصِلَةٍ.

وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ نُشْرًا بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ وهو تَخْفِيفُ نُشُرٍ الَّذِي هو بِضَمَّتَيْنِ كَما يُقالُ: رُسْلٌ في رُسُلٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ،

صفحة ١٨٠

والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، وانْتَصَبَ إمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِأنَّهُ مُرادِفٌ لِـ أرْسَلَ بِمَعْناهُ المَجازِيِّ، أيْ أرْسَلَها إرْسالًا أوْ نَشْرَها نَشْرًا، وإمّا عَلى الحالِ مِنَ الرِّيحِ، أيْ ناشِرَةً أيِ السَّحابُ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في أرْسَلَ أيْ أرْسَلَها ناشِرًا أيْ مُحْيِيًا بِها الأرْضَ المَيْتَةَ، أيْ مُحْيِيًا بِآثارِها وهي الأمْطارُ.

وقَرَأهُ عاصِمٌ بِالباءِ المُوَحَّدَةِ في مَوْضِعِ النُّونِ مَضْمُومَةً وبِسُكُونِ الشِّينِ وبِالتَّنْوِينِ وهو تَخْفِيفُ بُشُرًا بِضَمِّهِما عَلى أنَّهُ جَمْعُ بَشِيرٍ مِثْلُ نُذُرٍ ونَذِيرٍ، أيْ مُبَشِّرَةً لِلنّاسِ بِاقْتِرابِ الغَيْثِ.

فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ الرِّياحَ تَنْشُرُ السَّحابَ، وأنَّها تَأْتِي مِن جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ تَتَعاقَبُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ امْتِلاءِ الأسْحِبَةِ بِالماءِ وأنَّها تُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وأنَّها تُبَشِّرُ النّاسَ بِهُبُوبِها، فَيَدْخُلُ عَلَيْهِمْ بِها سُرُورًا.

وأصْلُ مَعْنى قَوْلِهِمْ: بَيْنَ يَدَيْ فُلانٍ، أنَّهُ يَكُونُ أمامَهُ بِقُرْبٍ مِنهُ ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِالخَلْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فَقَصْدُ قائِلِهِ الكِنايَةُ عَنِ الأمامِ، ولَيْسَ صَرِيحًا، حَيْثُ إنَّ الأمامَ القَرِيبَ أوْسَعُ مِنَ الكَوْنِ بَيْنَ اليَدَيْنِ، ثُمَّ لِشُهْرَةِ هَذِهِ الكِنايَةِ وأغْلَبِيَّةِ مُوافَقَتِها لِلْمَعْنى الصَّرِيحِ جُعِلَتْ كالصَّرِيحِ، وساغَ أنْ تُسْتَعْمَلَ مَجازًا في التَّقَدُّمِ والسَّبْقِ القَرِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦]، وفي تَقَدُّمِ شَيْءٍ عَلى شَيْءٍ مَعَ قُرْبِهِ مِنهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ أمامَهُ ومِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلْمُتَقَدَّمِ عَلَيْهِ يَدانِ، وهَكَذا اسْتِعْمالُهُ في هَذِهِ الآيَةِ، أيْ يُرْسِلُ الرِّياحَ سابِقَةً رَحْمَتُهُ.

والرَّحْمَةُ هَذِهِ أُرِيدَ بِها المَطَرُ، فَهو مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، لِأنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ بِهِ. والقَرِينَةُ عَلى المُرادِ بَقِيَّةُ الكَلامِ، ولَيْسَتِ الرَّحْمَةُ مِن أسْماءِ المَطَرِ في كَلامِ العَرَبِ فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ، وإضافَةُ الرَّحْمَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ في هَذِهِ الآيَةِ تُبْعِدُ دَعْوى مَنِ ادَّعاها مِن أسْماءِ المَطَرِ. والمَقْصِدُ الأوَّلُ مِن قَوْلِهِ

صفحة ١٨١

﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ تَقْرِيعُ المُشْرِكِينَ وتَفْنِيدُ إشْراكِهِمْ، وتَبِعَهُ تَذْكِيرُ المُؤْمِنِينَ وإثارَةُ اعْتِبارِهِمْ، لِأنَّ المَوْصُولَ دَلَّ عَلى أنَّ الصِّلَةَ مَعْلُومَةُ الِانْتِسابِ لِلْمَوْصُولِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ لِلرِّياحِ مُصَرِّفًا وأنَّ لِلْمَطَرِ مُنَزِّلًا، غَيْرَ أنَّهم يَذْهَلُونَ أوْ يَتَذاهَلُونَ عَنْ تَعْيِينِ ذَلِكَ الفاعِلِ، ولِذَلِكَ يَجِيئُونَ في الكَلامِ بِأفْعالِ نُزُولِ المَطَرِ مَبْنِيَّةً إلى المَجْهُولِ غالِبًا، فَيَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ الثُّرَيّا ويَقُولُونَ: ”غِثْنا ما شِئْنا“ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ أيْ أغِثْنا، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِأنَّ فاعِلَ تِلْكَ الأفْعالِ هو اللَّهُ، وذَلِكَ بِإسْنادِ هَذا المَوْصُولِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ وهو الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ أيِ الَّذِي عَلِمْتُمْ أنَّهُ يُرْسِلُ الرِّياحَ ويُنَزِّلُ الماءَ، وهو اللَّهُ تَعالى كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦]، فالخَبَرُ مُسَوِّقٌ لِتَعْيِينِ صاحِبِ هَذِهِ الصِّلَةِ. فَهو بِمَنزِلَةِ الجَوابِ عَنِ اسْتِفْهامٍ مَقْصُودٌ مِنهُ طَلَبُ التَّعْيِينِ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: أراحِلٌ أنْتَ أمْ ثاوٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في هَذا الإسْنادِ قَصْرٌ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ رَدَّ اعْتِقادٍ، فَإنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَزْعُمُونَ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ يُرْسِلُ الرِّياحَ، ولَكِنَّهم كانُوا كَمَن يَجْهَلُ ذَلِكَ مِن جِهَةِ إشْراكِهِمْ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَرُوعِيَ في هَذا الإسْنادِ حالُهُمُ ابْتِداءً، ويَحْصُلُ رَعْيُ حالِ المُؤْمِنِينَ تَبَعًا، لِأنَّ السِّياقَ مُناسِبٌ لِمُخاطَبَةِ الفَرِيقَيْنِ كَما تَقَدَّمَ في الآيِ السّابِقَةِ.

و(حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ وهي غايَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ”﴿نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾“، الَّذِي هو في مَعْنى: مُتَقَدِّمَةً رَحْمَتَهُ، أيْ تَتَقَدَّمُها مُدَّةً وتَنْشُرُ أسْحِبَتَها حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا أنْزَلْنا بِهِ الماءَ، فَإنْزالُ الماءِ هو غايَةُ تَقَدُّمِ الرِّياحِ وسَبْقِها المَطَرَ، وكانَتِ الغايَةُ مُجَزَّأةً أجْزاءً فَأوَّلُها مَضْمُونُ قَوْلِهِ أقَلَّتْ أيِ الرِّياحُ السَّحابَ، ثُمَّ مَضْمُونُ قَوْلِهِ ثِقالًا، ثُمَّ مَضْمُونُ سُقْناهُ أيْ إلى البَلَدِ الَّذِي أرادَ اللَّهُ غَيْثَهُ، ثُمَّ أنْ يَنْزِلَ مِنهُ الماءُ. وكُلُّ ذَلِكَ غايَةٌ لِتَقَدُّمِ الرِّياحِ، لِأنَّ المُفَرَّعَ عَنِ الغايَةِ هو غايَةٌ.

(الثِّقالَ): البَطِيئَةُ التَّنَقُّلِ لِما فِيها مِن رُطُوبَةِ الماءِ، وهو البُخارُ، وهو السَّحابُ المَرْجُوُّ مِنهُ المَطَرُ، ومِن أحْسَنِ مَعانِي أبِي الطَّيِّبِ قَوْلُهُ في حُسْنِ الِاعْتِذارِ:

صفحة ١٨٢

ومِنَ الخَيْرِ بُطْءُ سَيْبِـكَ عَـنِّـي أسْرَعُ السُّحْبِ في المَسِيرِ الجَهامُ وطُوِيَ بَعْضُ المُغَيّا: وذَلِكَ أنَّ الرِّياحَ تُحَرِّكُ الأبْخِرَةَ الَّتِي عَلى سَطْحِ الأرْضِ، وتَمُدُّها بِرُطُوباتٍ تَسُوقُها إلَيْها مِنَ الجِهاتِ النَّدِّيَّةِ الَّتِي تَمُرُّ عَلَيْها كالبِحارِ والأنْهارِ والبُحَيْراتِ والأرْضِينَ النَّدِّيَّةِ، ويَجْتَمِعُ بَعْضُ ذَلِكَ إلى بَعْضٍ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالإثارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] فَإذا بَلَغَ حَدَّ البُخارِيَّةِ رَفَعَتْهُ الرِّياحُ مِن سَطْحِ الأرْضِ إلى الجَوِّ.

ومَعْنى أقَلَّتْ حَمَلَتْ مُشْتَقٌّ مِنَ القِلَّةِ لِأنَّ الحامِلَ يُعَدُّ مَحْمُولُهُ قَلِيلًا فالهَمْزَةُ فِيهِ لِلْجَعْلِ.

وإقْلالُ الرِّيحِ السَّحابَ هو أنَّ الرِّياحَ تَمُرُّ عَلى سَطْحِ الأرْضِ فَيَتَجَمَّعُ بِها ما عَلى السَّطْحِ مِنَ البُخارِ، وتَرْفَعُهُ الرِّياحُ إلى العُلُوِّ في الجَوِّ، حَتّى يَبْلُغَ نُقْطَةً بارِدَةً في أعْلى الجَوِّ، فَهُنالِكَ يَنْقَبِضُ البُخارُ وتَتَجَمَّعُ أجْزاؤُهُ فَيَصِيرُ سَحاباتٍ، وكُلَّما انْضَمَّتْ سَحابَةٌ إلى أُخْرى حَصَلَتْ مِنهُما سَحابَةٌ أثْقَلُ مِن إحْداهُما حِينَ كانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنِ الأُخْرى، فَيَقِلُّ انْتِشارُها إلى أنْ تَصِيرَ سَحابًا عَظِيمًا فَيَثْقُلُ، فَيَنْماعُ، ثُمَّ يَنْزِلُ مَطَرًا، وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ أقَلَّتْ غَيْرُ المُرادِ مِن قَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى فَتُثِيرُ سَحابًا.

والسَّحابُ اسْمُ جَمْعٍ لِسَحابَةٍ فَلِذَلِكَ جازَ إجْراؤُهُ عَلى اعْتِبارِ التَّذْكِيرِ نَظَرًا لِتَجَرُّدِ لَفْظِهِ عَنْ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، وجازَ اعْتِبارُ التَّأْنِيثِ فِيهِ نَظَرًا لِكَوْنِهِ في مَعْنى الجَمْعِ ولِهَذِهِ النُّكْتَةِ وُصِفَ السَّحابُ في ابْتِداءِ إرْسالِهِ بِأنَّها تُثِيرُ، ووُصِفَ بَعْدَ الغايَةِ بِأنَّها ثِقالٌ، وهَذا مِن إعْجازِ القُرْآنِ العِلْمِيِّ، وقَدْ ورَدَ الِاعْتِبارانِ في هَذِهِ الآيَةِ فَوَصَفَ السَّحابَ بِقَوْلِهِ ثِقالًا اعْتِبارًا بِالجَمْعِ كَما «قالَ ﷺ ورَأيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ»، وأُعِيدَ الضَّمِيرُ إلَيْهِ بِالإفْرادِ في قَوْلِهِ سُقْناهُ.

وحَقِيقَةُ السَّوْقِ أنَّهُ تَسْيِيرُ ما يَمْشِي ومُسَيِّرُهُ وراءَهُ يُزْجِيهِ ويُحِثُّهُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِتَسْيِيرِ السَّحابِ بِأسْبابِهِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ، وقَدْ يُجْعَلُ تَمْثِيلًا إذا

صفحة ١٨٣

رُوعِيَ قَوْلُهُ ﴿أقَلَّتْ سَحابًا﴾ أيْ: سُقْناهُ بِتِلْكَ الرِّيحِ إلى بَلَدٍ، فَيَكُونُ تَمْثِيلًا لِحالَةِ دَفْعِ الرِّيحِ السَّحابَ بِحالَةِ سَوْقِ السّائِقِ الدّابَّةَ.

واللّامُ في قَوْلِهِ لِبَلَدٍ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ بَلَدٍ مَيِّتٍ، وفي هَذِهِ اللّامِ دَلالَةٌ عَلى العِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ بِذَلِكَ البَلَدِ فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ تَعْدِيَةِ سُقْناهُ بِحَرْفِ إلى.

والبَلَدُ: السّاحَةُ الواسِعَةُ مِنَ الأرْضِ.

والمَيِّتُ: مَجازٌ أُطْلِقَ عَلى الجانِبِ الَّذِي انْعَدَمَ مِنهُ النَّباتُ، وإسْنادُ المَوْتِ المَجازِيِّ إلى البَلَدِ هو أيْضًا مَجازٌ عَقْلِيٌّ، لِأنَّ المَيِّتَ إنَّما هو نَباتُهُ وثَمَرُهُ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى.

والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِالباءِ في قَوْلِهِ فَأخْرَجْنا بِهِ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى البَلَدِ، فَيَكُونُ الباءُ بِمَعْنى في ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى الماءِ فَيَكُونُ الباءُ لِلْآلَةِ.

والِاسْتِغْراقُ في كُلِّ الثَّمَراتِ اسْتِغْراقٌ حَقِيقِيٌّ، لِأنَّ البَلَدَ المَيِّتَ لَيْسَ مُعَيَّنًا بَلْ يَشْمَلُ كُلَّ بَلَدٍ مَيِّتٍ يَنْزِلُ عَلَيْهِ المَطَرُ، فَيَحْصُلُ مِن جَمِيعِ أفْرادِ البَلَدِ المَيِّتِ جَمِيعُ الثَّمَراتِ قَدْ أخْرَجَها اللَّهُ بِواسِطَةِ الماءِ، والبَلَدُ الواحِدُ يُخْرِجُ ثَمَراتِهِ المُعْتادَةَ فِيهِ، فَإذا نَظَرْتَ إلى ذَلِكَ البَلَدِ خاصَّةً فاجْعَلِ اسْتِغْراقَ كُلِّ الثَّمَراتِ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا، أيْ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ المَعْرُوفَةِ في ذَلِكَ البَلَدِ وحَرْفُ مِن لِلتَّبْعِيضِ.

وجُمْلَةُ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى مُعْتَرِضَةٌ اسْتِطْرادًا لِلْمَوْعِظَةِ والِاسْتِدْلالِ عَلى تَقْرِيبِ البَعْثِ الَّذِي يَسْتَبْعِدُونَهُ، والإشارَةُ بِـ كَذَلِكَ إلى الإخْراجِ المُتَضَمِّنِ لَهُ فِعْلُ فَأخْرَجْنا بِاعْتِبارِ ما قَبْلَهُ مِن كَوْنِ البَلَدِ مَيِّتًا، ثُمَّ إحْيائِهِ أيْ إحْياءِ ما فِيهِ مِن أثَرِ الزَّرْعِ والثَّمَرِ، فَوَجْهُ الشَّبَهِ هو إحْياءٌ بَعْدَ مَوْتٍ، ولا شَكَّ أنَّ لِذَلِكَ الإحْياءِ كَيْفِيَّةً قَدَّرَها اللَّهُ وأجْمَلَ ذِكْرَها لِقُصُورِ الإفْهامِ عَنْ تَصَوُّرِها.

وجُمْلَةُ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ، والرَّجاءُ ناشِئٌ عَنِ الجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ ”﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾“ لِأنَّ

صفحة ١٨٤

المُرادَ التَّذَكُّرُ الشّامِلُ الَّذِي يَزِيدُ المُؤْمِنَ عِبْرَةً وإيمانًا، والَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُقْلِعَ مِنَ المُشْرِكِ اعْتِقادَ الشِّرْكِ ومِن مُنْكِرِ البَعْثِ إنْكارَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَذَّكَّرُونَ“ بِتَشْدِيدِ الذّالِ عَلى إدْغامِ التّاءِ الثّانِيَةِ في الذّالِ بَعْدَ قَلْبِها ذالًا، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ تَذَكَّرُونَ بِتَخْفِيفِ الذّالِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ.

7:58Page 158

وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ ٥٨

And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.

﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] تَتَضَمَّنُ تَفْصِيلًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ إذْ قَدْ بَيَّنَ فِيها اخْتِلافَ حالِ البَلَدِ الَّذِي يُصِيبُهُ ماءُ السَّحابِ، دَعا إلى هَذا التَّفْصِيلِ أنَّهُ لَمّا مُثِّلَ إخْراجُ ثَمَراتِ الأرْضِ بِإخْراجِ المَوْتى مِنها يَوْمَ البَعْثِ تَذْكِيرًا بِذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإبْطالًا لِإحالَةِ البَعْثِ عِنْدَ المُشْرِكِينَ، مُثِّلَ هُنا بِاخْتِلافِ حالِ إخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ اخْتِلافُ حالِ النّاسِ الأحْياءِ في الِانْتِفاعِ بِرَحْمَةِ هُدى اللَّهِ، فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى ولِذَلِكَ ذُيِّلَ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ كَما ذُيِّلَ ما قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] .

والمَعْنى: كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى وكَذَلِكَ يَنْتَفِعُ بِرَحْمَةِ الهَدْيِ مَن خُلِقَتْ فِطْرَتُهُ طَيِّبَةً قابِلَةً لِلْهُدى كالبَلَدِ الطَّيِّبِ يَنْتَفِعُ بِالمَطَرِ، ويَحْرُمُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالهُدى مَن خُلِقَتْ فِطْرَتُهُ خَبِيثَةً كالأرْضِ الخَبِيثَةِ لا تَنْتَفِعُ بِالمَطَرِ فَلا تُنْبِتُ نَباتًا نافِعًا، فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ التَّمْثِيلُ، ولَيْسَ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ تَفْصِيلِ أحْوالِ الأرْضِ بَعْدَ نُزُولِ المَطَرِ، لِأنَّ الغَرَضَ المَسُوقَ لَهُ الكَلامُ

صفحة ١٨٥

يَجْمَعُ أمْرَيْنِ: العِبْرَةَ بِصُنْعِ اللَّهِ، والمَوْعِظَةَ بِما يُماثِلُ أحْوالَهُ. فالمَعْنى: كَما أنَّ البَلَدَ الطَّيِّبَ يَخْرُجُ نَباتُهُ سَرِيعًا بَهِجًا عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ، والبَلَدَ الخَبِيثَ لا يَكادُ يُنْبِتُ فَإنْ أنْبَتَ أخْرَجَ نَبْتًا خَبِيثًا لا خَيْرَ فِيهِ.

والطَّيِّبُ وصْفٌ عَلى وزْنِ فَيْعِلٍ وهي صِيغَةٌ تَدُلُّ عَلى قُوَّةِ الوَصْفِ في المَوْصُوفِ مِثْلُ: قَيِّمٍ، وهو المُتَّصِفُ بِالطَّيِّبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطَّيِّبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ في سُورَةِ المائِدَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والبَلَدُ الطَّيِّبُ الأرْضُ المَوْصُوفَةُ بِالطَّيِّبِ، وطِيبُها زَكاءُ تُرْبَتِها ومُلاءَمَتُها لِإخْراجِ النَّباتِ الصّالِحِ ولِلزَّرْعِ والغَرْسِ وهي الأرْضُ النَّقِيَّةُ.

والَّذِي خَبُثَ ضِدَّ الطِّيبِ.

وقَوْلُهُ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن نَباتِهِ. والإذْنُ: الأمْرُ، والمُرادُ بِهِ أمْرُ العِنايَةِ بِهِ كَقَوْلِهِ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ لِيَدُلَّ عَلى تَشْرِيفِ ذَلِكَ النَّباتِ، فَهو في مَعْنى الوَصْفِ بِالزَّكاءِ، والمَعْنى: البَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ طَيِّبًا زَكِيًّا مِثْلَهُ، وقَدْ أشارَ إلى طِيبِ نَباتِهِ بِأنَّ خُرُوجَهُ بِإذْنِ رَبِّهِ، فَأُرِيدُ بِهَذا الإذْنِ إذْنٌ خاصٌّ هو إذْنُ عِنايَةٍ وتَكْرِيمٍ، ولَيْسَ المُرادُ إذْنَ التَّقْدِيرِ والتَّكْوِينِ فَإنَّ ذَلِكَ إذْنٌ مَعْرُوفٌ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِبَيانِهِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ.

﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ حَمَلَهُ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْبَلَدِ، أيِ البَلَدُ الَّذِي خَبُثَ وهو مُقابِلُ البَلَدِ الطَّيِّبِ، وفَسَّرُوهُ بِالأرْضِ الَّتِي لا تُنْبِتُ إلّا نَباتًا لا يَنْفَعُ، ولا يُسْرِعُ إنْباتُها، مِثْلَ السِّباخِ، وحَمَلُوا ضَمِيرَ يَخْرُجُ عَلى أنَّهُ عائِدٌ لِلنَّباتِ، وجَعَلُوا تَقْدِيرَ الكَلامِ: والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ نَباتُهُ إلّا نَكِدًا، فَحُذِفَ المُضافُ في التَّقْدِيرِ، وهو نَباتُ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وهو ضَمِيرُ البَلَدِ الَّذِي خَبُثَ، المُسْتَتِرُ في فِعْلِ يَخْرُجُ.

صفحة ١٨٦

والَّذِي يَظْهَرُ لِي: أنْ يَكُونَ ”الَّذِي“ صادِقًا عَلى نَباتِ الأرْضِ، والمَعْنى: والنَّبْتُ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا، ويَكُونُ في الكَلامِ احْتِباكٌ إذْ لَمْ يُذْكَرْ وصْفُ الطَّيِّبِ بَعْدَ نَباتِ البَلَدِ الطَّيِّبِ، ولَمْ تُذْكَرِ الأرْضُ الخَبِيثَةُ قَبْلَ ذِكْرِ النَّباتِ الخَبِيثِ، لِدَلالَةِ كِلا الضِّدَّيْنِ عَلى الآخَرِ. والتَّقْدِيرُ: والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ طَيِّبًا بِإذْنِ رَبِّهِ، والنَّباتُ الَّذِي خَبُثَ يَخْرُجُ نَكِدًا مِنَ البَلَدِ الخَبِيثِ، وهَذا صُنْعٌ دَقِيقٌ لا يُهْمَلُ في الكَلامِ البَلِيغِ.

وقَرَأ الجَمِيعُ لا يَخْرُجُ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ الرّاءِ إلّا ابْنَ ورْدانَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قَرَأ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وكَسْرِ الرّاءِ عَلى خِلافِ المَشْهُورِ عَنْهُ، وقِيلَ إنَّ نِسْبَةَ هَذا لِابْنِ ورْدانَ تَوَهَّمٌ.

والنَّكِدُ وصْفٌ مِنَ النَّكَدِ بِفَتْحِ الكافِ وهو مَصْدَرُ نَكِدَ الشَّيْءُ إذا كانَ غَيْرَ صالِحٍ يَجُرُّ عَلى مُسْتَعْمِلِهِ شَرًّا. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ إلّا نَكَدًا، بِفَتْحِ الكافِ.

وفِي تَفْصِيلِ مَعْنى الآيَةِ جاءَ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادِبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ بِها اللَّهُ النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعُوا، وأصابَ طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ لِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» .

والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ إلى تَفَنُّنِ الِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ المُقْتَضِيَةِ الوَحْدانِيَّةَ، والدّالَّةِ أيْضًا عَلى وُقُوعِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، والدّالَّةِ عَلى اخْتِلافِ قابِلِيَّةِ النّاسِ لِلْهُدى والِانْتِفاعِ بِهِ بِالِاسْتِدْلالِ الواضِحِ البَيِّنِ المُقَرَّبِ في جَمِيعِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ تَصْرِيفٌ أيْ تَنْوِيعٌ وتَفْنِينٌ لِلْآياتِ

صفحة ١٨٧

أيِ: الدَّلائِلِ.

والمُرادُ بِالقَوْمِ الَّذِينَ يَشْكُرُونَ: المُؤْمِنُونَ: تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم مَوْرِدُ التَّمْثِيلِ بِالبَلَدِ الطَّيِّبِ، وأنَّ غَيْرَهم مَوْرِدُ التَّمْثِيلِ بِالبَلَدِ الخَبِيثِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском