Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:64–69

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:64–69

7:64Page 158

فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ ٦٤

But they denied him, so We saved him and those who were with him in the ship. And We drowned those who denied Our signs. Indeed, they were a blind people.1

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ وقَعَ التَّكْذِيبُ مِن جَمِيعِ قَوْمِهِ: مِن قادَتِهِمْ، ودَهْمائِهِمْ، عَدا بَعْضَ أهْلِ بَيْتِهِ ومَن آمَنَ بِهِ عَقِبَ سَماعِ قَوْلِ نُوحٍ، فَعَطَفَ عَلى كَلامِهِ بِالفاءِ أيْ صَدَرَ مِنهم قَوْلٌ يَقْتَضِي تَكْذِيبَ دَعْوى أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ يُبَلِّغُ ويَنْصَحُ ويَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَ، فَصارَ تَكْذِيبًا أعَمَّ مِنَ التَّكْذِيبِ الأوَّلِ، فَهو بِالنِّسْبَةِ لِلْمَلَأِ يَئُولُ إلى مَعْنى الِاسْتِمْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ، وبِالنِّسْبَةِ لِلْعامَّةِ تَكْذِيبٌ أُنُفٍ، بَعْدَ سَماعِ قَوْلِ قادَتِهِمْ وانْتِهاءِ المُجادَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ نُوحٍ، فَلَيْسَ الفِعْلُ مُسْتَعْمَلًا في الِاسْتِمْرارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] إذْ لا داعِيَ إلَيْهِ هُنا، وضَمِيرُ الجَمْعِ عائِدٌ إلى القَوْمِ، والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، وهو تَعْقِيبٌ عُرْفِيٌّ: لِأنَّ التَّكْذِيبَ حَصَلَ بَعْدَهُ الوَحْيُ إلى نُوحٍ بِأنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِهِ إلّا مَن قَدْ آمَنَ، ولا يُرْجى زِيادَةُ مُؤْمِنٍ آخَرَ، وأمَرَهُ بِأنْ يَدْخُلَ الفُلْكَ ويَحْمِلَ مَعَهُ مَن آمَنَ إلى آخَرِ ما قَصَّهُ اللَّهُ في سُورَةِ هُودٍ.

وقُدِّمَ الإخْبارُ بِالإنْجاءِ عَلى الإخْبارِ بِالإغْراقِ، مَعَ أنَّ مُقْتَضى مَقامِ العِبْرَةِ تَقْدِيمُ الإخْبارِ بِإغْراقِ المُنْكِرِينَ، فَقُدِّمَ الإنْجاءُ لِلِاهْتِمامِ بِإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ وتَعْجِيلًا لِمَسَرَّةِ السّامِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ عادَةَ اللَّهِ إذا أهْلَكَ المُشْرِكِينَ أنْ يُنَجِّيَ الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ، فَذَلِكَ التَّقْدِيمُ يُفِيدُ التَّعْرِيضَ بِالنِّذارَةِ، وإلّا فَإنَّ الإغْراقَ وقَعَ قَبْلَ الإنْجاءِ، إذْ لا يَظْهَرُ تَحَقُّقُ إنْجاءِ نُوحٍ ومَن مَعَهُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ العَذابِ لِمَن لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، فالمُعَقَّبُ بِهِ التَّكْذِيبُ ابْتِداءً هو

صفحة ١٩٨

الإغْراقُ، والإنْجاءُ واقِعٌ بَعْدَهُ، ولِيَتَأتّى هَذا التَّقْدِيمُ عُطِفَ فِعْلُ الإنْجاءِ بِالواوِ المُفِيدَةِ لِمُطْلَقِ الجَمْعِ، دُونَ الفاءِ.

وقَوْلُهُ ﴿فِي الفُلْكِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَعْنى قَوْلِهِ مَعَهُ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: اسْتَقَرُّوا مَعَهُ في الفُلْكِ، وبِهَذا التَّعْلِيقِ عُلِمَ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ في الفُلْكِ مَعْشَرًا، وأنَّهم كانُوا مُصَدِّقِينَ لَهُ، فَكانَ هَذا التَّعْلِيقٌ إيجازًا بَدِيعًا.

والفُلْكُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، وسَنَذْكُرُ تَعْيِينَهم عِنْدَ الكَلامِ عَلى قِصَّتِهِ في سُورَةِ هُودٍ.

والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: وأغْرَقْنا سائِرَهم، أوْ بَقِيَّتَهم، لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن وجْهِ تَعْلِيلِ الخَبَرِ في قَوْلِهِ وأغْرَقْنا أيْ أغْرَقْناهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ أغْرَقْنا كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ إنَّ لِأنَّ حَرْفَ إنَّ هُنا لا يُقْصَدُ بِهِ رَدُّ الشَّكِّ والتَّرَدُّدِ، إذْ لا شَكَّ فِيهِ، وإنَّما المَقْصُودُ مِنَ الحَرْفِ الدَّلالَةُ عَلى الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ، ومِن شَأْنِ إنَّ إذا جاءَتْ لِلِاهْتِمامِ أنْ تَقُومَ مَقامَ فاءِ التَّفْرِيعِ، وتُفِيدَ التَّعْلِيلَ ورَبْطَ الجُمْلَةِ بِالَّتِي قَبْلَها. فَفَصْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَلا فَصْلٍ.

وعَمِينَ جَمْعُ عَمٍ جَمْعُ سَلامَةٍ بِواوٍ ونُونٍ. وهو صِفَةٌ عَلى وزْنِ فَعِلٍ مِثْلُ أشِرٍ، مُشْتَقٌّ مِنَ العَمى، وأصْلُهُ فُقْدانُ البَصَرِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى فُقْدانِ الرَّأْيِ النّافِعِ، ويُقالُ: عَمى القَلْبِ، وقَدْ غُلِّبَ في الكَلامِ تَخْصِيصُ المَوْصُوفِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ بِالصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ لِدَلالَتِها عَلى ثُبُوتِ الصِّفَةِ، وتُمَكِّنُها بِأنْ تَكُونَ سَجِيَّةً وإنَّما يَصْدُقُ ذَلِكَ في فَقْدِ الرَّأْيِ، لِأنَّ المَرْءَ يُخْلَقُ عَلَيْهِ غالِبًا، بِخِلافِ فَقْدِ البَصَرِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى هُنا عَمِينَ ولَمْ يَقُلْ عُمْيًا كَما

صفحة ١٩٩

قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] ومِثْلُهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمٍ

والَّذِينَ كَذَّبُوا كانُوا عَمِينَ لِأنَّ قادَتَهم داعُونَ إلى الضَّلالَةِ مُؤَيِّدُونَها، ودَهْماؤُهم مُتَقَبِّلُونَ تِلْكَ الدَّعْوَةِ سَمّاعُونَ لَها.

وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى مَعْنًى عَظِيمٍ في إرادَةِ اللَّهِ تَعالى تَطَوُّرَ الخَلْقِ الإنْسانِيِّ: فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وخَلَقَ لَهُ الحِسَّ الظّاهِرَ والحِسَّ الباطِنَ، فانْتَفَعَ بِاسْتِعْمالِ بَعْضِ قُواهُ الحِسِّيَّةِ في إدْراكِ أوائِلِ العُلُومِ، ولَكِنَّهُ اسْتَعْمَلَ بَعْضَ ذَلِكَ فِيما جَلَبَ إلَيْهِ الضُّرَّ والضَّلالَ، وذَلِكَ بِاسْتِعْمالِ القَواعِدِ الحِسِّيَّةِ فِيما غابَ عَنْ حِسِّهِ وإعانَتِها بِالقُوى الوَهْمِيَّةِ والمُخَيَّلَةِ، فَفَكَّرَ في خالِقِهِ وصِفاتِهِ فَتَوَّهم لَهُ أنْدادًا وأعْوانًا وعَشِيرَةً وأبْناءً وشُرَكاءً في مُلْكِهِ، وتَفاقَمَ ذَلِكَ في الإنْسانِ مَعَ مُرُورِ الأزْمانِ حَتّى عادَ عَلَيْهِ بِنِسْيانِ خالِقِهِ، إذْ لَمْ يَدْخُلِ العِلْمُ بِهِ تَحْتَ حَواسِّهِ الظّاهِرَةِ، وأقْبَلَ عَلى عِبادَةِ الآلِهَةِ المَوْهُومَةِ حَيْثُ اتَّخَذَ لَها صُوَرًا مَحْسُوسَةً، فَأرادَ اللَّهُ إصْلاحَ البَشَرِ وتَهْذِيبَ إدْراكِهِمْ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ نُوحًا فَآمَنَ بِهِ قَلِيلٌ مِن قَوْمِهِ وكَفَرَ بِهِ جُمْهُورُهم، فَأرادَ اللَّهُ انْتِخابَ الصّالِحِينَ مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ قَبِلَتْ عُقُولُهُمُ الهُدى، وهم نُوحٌ ومَن آمَنَ بِهِ، واسْتِئْصالَ الَّذِينَ تَمَكَّنَتِ الضَّلالَةُ مِن عُقُولِهِمْ لِيُنْشِئَ مِنَ الصّالِحِينَ ذُرِّيَّةً صالِحَةً ويَكْفِيَ الإنْسانِيَّةَ فَسادَ الضّالِّينَ، كَما قالَ نُوحٌ ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧]، فَكانَتْ بِعْثَةُ نُوحٍ وما طَرَأ عَلَيْها تَجْدِيدًا لِصَلاحِ البَشَرِ وانْتِخابًا لِلْأصْلَحِ.

7:65–66Page 158

۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٦٥

And to the ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. Then will you not fear Him?"

قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦٦

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "Indeed, we see you in foolishness, and indeed, we think you are of the liars."

﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾

صفحة ٢٠٠

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَطْفُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ بِأنْ يُقَدَّرَ بَعْدَ واوِ العَطْفِ أرْسَلْنا لِدَلالَةِ حَرْفِ إلى عَلَيْهِ، مَعَ دَلالَةِ سَبْقِ نَظِيرِهِ في الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ وأرْسَلْنا إلى عادٍ، فَتَكُونُ الواوُ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ اللَّفْظِيِّ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ ولَيْسَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ: عَطَفَتِ الواوُ هُودًا عَلى نُوحًا، فَتَكُونُ الواوُ نائِبَةً عَنِ العامِلِ وهو أرْسَلْنا، والتَّقْدِيرُ: لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ وهُودًا أخا عادٍ إلَيْهِمْ وقُدِّمَتْ إلى فَهو مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ، وتَقْدِيمُ (إلى) اقْتَضاهُ حُسْنُ نَظْمِ الكَلامِ في عَوْدِ الضَّمائِرِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أحْسَنُ.

وقُدِّمَ المَجْرُورُ عَلى المَفْعُولِ الأصْلِيِّ لِيَتَأتّى الإيجازُ بِالإضْمارِ حَيْثُ أُرِيدَ وصْفُ هُودٍ بِأنَّهُ مِن إخْوَةِ عادٍ مِن صَمِيمِهِمْ، مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى إعادَةِ لَفْظِ عادٍ، ومَعَ تَجَنُّبِ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً، فَقِيلَ ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾، وهُودًا بَدَلٌ أوْ بَيانٌ مِن أخاهم.

وعادٌ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ البائِدَةِ، وكانُوا عَشْرَ قَبائِلَ، وقِيلَ ثَلاثَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً وهم أبْناءُ عادِ بْنِ عُوصٍ، وعُوصٌ هو ابْنُ إرَمِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، كَذا اصْطَلَحَ المُؤَرِّخُونَ.

وهُودٌ اخْتُلِفَ في نَسَبِهِ، فَقِيلَ: هو مِن ذُرِّيَّةِ عادٍ، فَقالَ القائِلُونَ بِهَذا: هو ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحِ بْنِ الخُلُودِ بْنِ عادٍ، وقِيلَ: هو مِن ذُرِّيَّةِ سامٍ جَدِّ عادٍ، ولَيْسَ مِن ذُرِّيَّةِ عادٍ، والقائِلُونَ بِهَذا قالُوا هو هُودُ بْنُ شالِخِ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وذَكَرَ البَغَوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّ قَبْرَ هُودٍ بِحَضْرَمَوْتَ في كَثِيبٍ أحْمَرَ، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ: أنَّ قَبْرَ هُودٍ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ وزَمْزَمَ.

وعادٌ أُرِيدَ بِهِ القَبِيلَةُ وساغَ صَرْفُهُ لِأنَّهُ ثُلاثِيٌّ ساكِنُ الوَسَطُ، وكانَتْ مَنازِلُ عادٍ بِبِلادِ العَرَبِ بِالشِّحْرِ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الحاءِ المُهْمَلَةِ مِن أرْضِ اليَمَنِ وحَضْرَمَوْتَ وعُمانَ والأحْقافِ، وهي الرِّمالُ

صفحة ٢٠١

الَّتِي بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وعُمانَ.

والأخُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ القَرِيبِ، عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ ومِنهُ قَوْلُهم يا أخا العَرَبِ، وقَدْ كانَ هُودٌ مِن بَنِي عادٍ، وقِيلَ: كانَ ابْنَ عَمِّ إرَمَ، ويُطْلَقُ الأخُ مَجازًا أيْضًا عَلى المُصاحِبِ المُلازِمِ، كَقَوْلِهِمْ: هو أخُو الحَرْبِ، ومِنهُ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ [الإسراء: ٢٧] وقَوْلُهُ ﴿وإخْوانُهم يُمِدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢] . فالمُرادُ أنَّ هُودًا كانَ مِن ذَوِي نَسَبِ قَوْمِهِ عادٍ، وإنَّما وُصِفَ هُودٌ وغَيْرُهُ بِذَلِكَ، ولَمْ يُوصَفْ نُوحٌ بِأنَّهُ أخٌ لِقَوْمِهِ: لِأنَّ النّاسَ في زَمَنِ نُوحٍ لَمْ يَكُونُوا قَدِ انْقَسَمُوا شُعُوبًا وقَبائِلَ، والعَرَبُ يَقُولُونَ، لِلْواحِدِ مِنَ القَبِيلَةِ: أخُو بَنِي فُلانٍ، قَصْدًا لَعَزْوِهِ ونِسْبَتِهِ تَمْيِيزًا لِلنّاسِ إذْ قَدْ يَشْتَرِكُونَ في الأعْلامِ، ويُؤْخَذُ مِن هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها أنَّ نِظامَ القَبائِلِ ما حَدَثَ إلّا بَعْدَ الطُّوفانِ.

فُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ ولَمْ تُعْطَفْ بِالفاءِ كَما عُطِفَ نَظِيرُها المُتَقَدِّمُ في قِصَّةِ نُوحٍ: لِأنَّ الحالَ اقْتَضى هُنا أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ قِصَّةَ هُودٍ لَمّا ورَدَتْ عَقِبَ قِصَّةِ نُوحٍ المَذْكُورِ فِيها دَعْوَتُهُ قَوْمَهُ صارَ السّامِعُ مُتَرَقِّبًا مَعْرِفَةَ ما خاطَبَ بِهِ هُودٌ قَوْمَهُ حَيْثُ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ مَثارَ سُؤالٍ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: فَماذا دَعا هُودٌ قَوْمَهُ وبِماذا أجابُوا ؟ فَيَقَعُ الجَوابُ بِأنَّهُ قالَ: ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلَخْ مَعَ ما في هَذا الِاخْتِلافِ مِنَ التَّفَنُّنِ في أسالِيبِ الكَلامِ، ولِأنَّ الفِعْلَ المُفَرَّعَ عَنْهُ القَوْلُ بِالعَطْفِ لَمّا كانَ مَحْذُوفًا لَمْ يَكُنْ التَّفْرِيعُ حَسَنًا في صُورَةِ النَّظْمِ.

والرَّبْطُ بَيْنَ الجُمَلِ حاصِلٌ في الحالَتَيْنِ لِأنَّ فاءَ العَطْفِ رابِطٌ لَفْظِيٌّ لِلْمَعْطُوفِ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وجَوابُ السُّؤالِ رابِطٌ جُمْلَةَ الجَوابِ بِجُمْلَةِ مَثارِ السُّؤالِ رَبْطًا مَعْنَوِيًّا

وجُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ. وقَدْ شابَهَتْ دَعْوَةُ هُودٍ قَوْمَهُ دَعْوَةَ نُوحٍ قَوْمَهُ في المُهِمِّ مِن كَلامِها: لِأنَّ الرُّسُلَ مُرْسَلُونَ

صفحة ٢٠٢

مِنَ اللَّهِ والحِكْمَةُ مِنَ الإرْسالِ واحِدَةٌ، فَلا جَرَمَ أنْ تَتَشابَهَ دَعَواتُهم، وفي الحَدِيثِ: «الأنْبِياءُ أبْناءُ عَلّاتٍ» وقالَ تَعالى ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ [الشورى: ١٣] .

وجُمْلَةُ أفَلا تَتَّقُونَ اسْتِفْهامِيَّةٌ إنْكارِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ بِفاءِ التَّفْرِيعِ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ . والمُرادُ بِالتَّقْوى الحَذَرُ مِن عِقابِ اللَّهِ تَعالى عَلى إشْراكِهِمْ غَيْرَهُ في العِبادَةِ واعْتِقادِ الإلَهِيَّةِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِوَعِيدِهِمْ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ. وإنَّما ابْتَدَأ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ إغْلاظًا في الدَّعْوَةِ وتَهْوِيلًا لِفَظاعَةِ الشِّرْكِ، إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ في ابْتِداءِ دَعْوَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ ذَلِكَ حِكايَةُ قَوْلٍ مِن أقْوالِهِ في تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ بَعْدَ أنْ دَعاهُمُ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ ووَعَظَهم، كَما قالَ نُوحٌ ﴿إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ [نوح: ٥] كَما اقْتَضاهُ بَعْضُ تَوْجِيهاتِ تَجْرِيدِ حِكايَةِ كَلامِهِ عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ المَذْكُورِ آنِفًا.

ووَصْفُ المَلَأِ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا هُنا، دُونَ ما في قِصَّةِ نُوحٍ، وصْفٌ كاشِفٌ ولَيْسَ لِلتَّقْيِيدِ تَفَنُّنًا في أسالِيبِ الحِكايَةِ ألا تَرى أنَّهُ قَدْ وصَفَ مَلَأ قَوْمِ نُوحٍ بِـ الَّذِينَ كَفَرُوا في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ، والتَّوْجِيهُ الَّذِي في الكَشّافِ هُنا غَفْلَةٌ عَمّا في سُورَةِ هُودٍ.

والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، أيْ إنّا لَنَعْلَمُ أنَّكَ في سَفاهَةٍ.

والسَّفاهَةُ سَخافَةُ العَقْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذِهِ المادَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ١٣] وقَوْلِهِ ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. جَعَلُوا قَوْلَهُ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كَلامًا لا يَصْدُرُ إلّا عَنْ مُخْتَلِّ العَقْلِ لِأنَّهُ مِن قَوْلِ المُحالِ عِنْدَهم.

وأطْلَقُوا الظَّنَّ عَلى اليَقِينِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وأرادُوا تَكْذِيبَهُ في قَوْلِهِ ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وفِيما يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ ذَلِكَ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا إلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ.

صفحة ٢٠٣

وقَدْ تَشابَهَتْ أقْوالُ قَوْمِ هُودٍ وأقْوالُ قَوْمِ نُوحٍ في تَكْذِيبِ الرَّسُولِ لِأنَّ ضَلالَةَ المُكَذِّبِينَ مُتَّحِدَةٌ، وشُبُهاتِهِمْ مُتَّحِدَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] فَكَأنَّهم لَقَّنَ بَعْضُهم بَعْضًا كَما قالَ تَعالى ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] .

7:67–68Page 158

قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي سَفَاهَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٧

[Hūd] said, "O my people, there is not foolishness in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds.

أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ ٦٨

I convey to you the messages of my Lord, and I am to you a trustworthy adviser.

﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾

فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ لِأنَّها عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها آنِفًا وفِيما مَضى.

وتَفْسِيرُ الآيَةِ تَقَدَّمَ في نَظِيرِها آنِفًا في قِصَّةِ نُوحٍ، إلّا أنَّهُ قالَ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢] وقالَ في هَذِهِ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ فَنُوحٌ قالَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُقْلِعٍ عَنِ النُّصْحِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، وهُودٌ قالَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ نُصْحَهُ لَهم وصْفٌ ثابِتٌ فِيهِ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ، وأنَّ ما زَعَمُوهُ سَفاهَةً هو نُصْحٌ.

وأُتْبِعَ ناصِحٌ بِـ أمِينٌ وهو المَوْصُوفُ بِالأمانَةِ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ لَهُ ﴿لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] لِأنَّ الأمِينَ هو المَوْصُوفُ بِالأمانَةِ، والأمانَةُ حالَةٌ في الإنْسانِ تَبْعَثُهُ عَلى حِفْظِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن حَقٍّ لِغَيْرِهِ، وتَمْنَعُهُ مِن إضاعَتِهِ، أوْ جَعْلِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، وضِدُّها الخِيانَةُ.

والأمانَةُ مِن أعَزِّ أوْصافِ البَشَرِ، وهي مِن أخْلاقِ المُسْلِمِينَ، وفي الحَدِيثِ: «لا إيمانَ لِمَن لا أمانَ لَهُ» وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الأمانَةَ نَزَلَتْ في جِذْرِ قُلُوبِ الرِّجالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ ثُمَّ قالَ: يَنامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأمانَةُ مِن قَلْبِهِ إلى أنْ قالَ فَيُقالُ: إنَّ في بَنِي فُلانٍ رَجُلًا أمِينًا، ويُقالُ لِلرَّجُلِ: ما أعْقَلَهُ وما أظْرَفَهُ وما أجْلَدَهُ ! ! وما في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن إيمانٍ» فَذَكَرَ الإيمانَ في مَوْضِعِ الأمانَةِ. والكَذِبُ مِنَ الخِيانَةِ،

صفحة ٢٠٤

والصِّدْقُ مِنَ الأمانَةِ، لِأنَّ الكَذِبَ الخَبَرُ بِأمْرٍ غَيْرِ واقِعٍ في صُورَةٍ تُوهِمُ السّامِعَ أنَّهُ واقِعٌ، فَذَلِكَ خِيانَةٌ لِلسّامِعِ، والصِّدْقُ إبْلاغُ الأمْرِ الواقِعِ كَما هو فَهو أداءٌ لِأمانَةِ ما عَلِمَهُ المُخْبِرُ، فَقَوْلُهُ في الآيَةِ أمِينٌ وصْفٌ يَجْمَعُ الصِّفاتِ الَّتِي تَجْعَلُهُ بِمَحَلِّ الثِّقَةِ مِن قَوْمِهِ، ومِن ذَلِكَ إبْطالُ كَوْنِهِ مِنَ الكاذِبِينَ.

وتَقْدِيمُ لَكم عَلى عامِلِهِ لِلْإيذانِ بِاهْتِمامِهِ بِما يَنْفَعُهم.

7:69Page 159

أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ وَزَادَكُمۡ فِي ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةٗۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٦٩

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you? And remember when He made you successors after the people of Noah and increased you in stature extensively. So remember the favors of Allāh that you might succeed."

﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ هَذا مُماثِلٌ قَوْلَ نُوحٍ لِقَوْمِهِ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا سَبَبُ المُماثَلَةِ. وتَقَدَّمَ مِن قَبْلُ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ.

* * *

﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَصْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ واذْكُرُوا عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ اعْبُدُوا ويَكُونَ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا حُكِيَ بِهِ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ المُحاوَرَةِ الَّتِي قاطَعُوهُ بِها عَقِبَ قَوْلِهِ لَهُمُ اعْبُدُوا اللَّهَ، فَلَمّا أتَمَّ جَوابَهم عَمّا قاطَعُوا بِهِ كَلامَهُ عادَ إلى دَعْوَتِهِ، فَيَكُونُ رُجُوعًا إلى الدَّعْوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣] أيْ: لا تُنْكِرُوا أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم واذْكُرُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْكم، فَيَكُونُ تَكْمِلَةً لِلِاسْتِدْلالِ، وأيًّا ما كانَ فالمَآلُ واحِدٌ، وانْتَقَلَ مِن أمْرِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ إلى تَذْكِيرِهِمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الَّتِي لا يُنْكِرُونَ أنَّها مِن نِعَمِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ، لِأنَّ الخَلْقَ والأمْرَ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، تَذْكِيرًا مِن شَأْنِهِ إيصالُهم إلى إفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ. وإنَّما أمَرَهم

صفحة ٢٠٥

بِالذِّكْرِ (بِضَمِّ الذّالِ) لِأنَّ النَّفْسَ تَنْسى النِّعَمَ فَتَكْفُرُ المُنْعِمَ، فَإذا تَذَكَّرَتِ النِّعْمَةَ رَأتْ حَقًّا عَلَيْها أنْ تَشْكُرَ المُنْعِمَ، ولِذَلِكَ كانَتْ مَسْألَةُ شُكْرِ المُنْعِمِ مِن أهَمِّ مَسائِلِ التَّكْلِيفِ، والِاكْتِفاءِ بِحُسْنِهِ عَقْلًا عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ سَواءٌ مِنهم مَنِ اكْتَفى بِالحُسْنِ العَقْلِيِّ ومَن لَمْ يَكْتَفِ بِهِ واعْتَبَرَ التَّوَقُّفَ عَلى الخِطابِ الشَّرْعِيِّ.

و(إذْ) اسْمُ زَمانٍ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، ولَيْسَ ظَرْفًا لِعَدَمِ اسْتِقامَةِ المَعْنى عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والتَّحْقِيقُ أنَّ إذْ لا تُلازِمُ الظَّرْفِيَّةَ بَلْ هي ظَرْفٌ مُتَصَرِّفٌ، وهو مُخْتارُ صاحِبِ الكَشّافِ، والمَعْنى: اذْكُرُوا الوَقْتَ الَّذِي ظَهَرَتْ فِيهِ خِلافَتُكم عَنْ قَوْمِ نُوحٍ في تَعْمِيرِ الأرْضِ والهَيْمَنَةِ عَلى الأُمَمِ، فَإنَّ عادًا كانُوا ذَوِي قُوَّةٍ ونِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] .

فالخُلَفاءُ جَمْعُ خَلِيفَةٍ وهو الَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ في شَيْءٍ، أيْ يَتَوَلّى عَمَلَ ما كانَ يَعْمَلُهُ الآخَرُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فالمُرادُ: جَعَلَكم خُلَفاءَ في تَعْمِيرِ الأرْضِ. ولَمّا قالَ ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ عُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ أنَّهم خُلَفاءُ قَوْمِ نُوحٍ، فَعادٌ أوَّلُ أُمَّةٍ اضْطَلَعَتْ بِالحَضارَةِ بَعْدَ الطُّوفانِ، وكانَ بَنُو نُوحٍ قَدْ تَكاثَرُوا وانْتَشَرُوا في الأرْضِ، في أرْمِينِيَّةَ والمَوْصِلِ والعِراقِ وبِلادِ العَرَبِ، وكانُوا أُمَمًا كَثِيرَةً، أوْ كانَتْ عادٌ أعْظَمَ تِلْكَ الأُمَمِ وأصْحابَ السِّيادَةِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم خَلَّفُوا قَوْمَ نُوحٍ في دِيارِهِمْ لِأنَّ مَنازِلَ عادٍ غَيْرُ مُنازِلِ قَوْمِ نُوحٍ عِنْدَ المُؤَرِّخِينَ، وهَذا التَّذْكِيرُ تَصْرِيحٌ بِالنِّعْمَةِ، وتَعْرِيضٌ بِالنِّذارَةِ والوَعِيدِ بِأنَّ قَوْمَ نُوحٍ إنَّما اسْتَأْصَلَهم وأبادَهم عَذابٌ مِنَ اللَّهِ عَلى شِرْكِهِمْ، فَمَنِ اتَّبَعَهم في صُنْعِهِمْ يُوشِكُ أنْ يَحِلَّ بِهِ عَذابٌ أيْضًا.

و(الخَلْقُ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا خالِصًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، وهو يُسْتَعْمَلُ في المَعْنَيَيْنِ.

وقَوْلُهُ (بَصْطَةً) ثَبَتَ في المَصاحِفِ بِصادٍّ قَبْلَ الطّاءِ وهو مُرادِفُ بَسْطَةٍ

صفحة ٢٠٦

الَّذِي هو بِسِينٍ قَبْلَ الطّاءِ. ووَقَعَ في آياتٍ أُخْرى. وأهْمَلَ الرّاغِبُ (بَصْطَةً) الَّذِي بِالصّادِّ. وظاهِرُ عِبارَةِ القُرْطُبِيِّ أنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِسِينٍ ولَيْسَ كَذَلِكَ.

(والبَصْطَةُ): الوَفْرَةُ والسَّعَةُ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ فَإنْ كانَ (الخَلْقُ) بِمَعْنى المَصْدَرِ فالبَصْطَةُ الزِّيادَةُ في القُوى الجِبِلِّيَّةِ أيْ زادَهم قُوَّةً في عُقُولِهِمْ وأجْسامِهِمْ فَخَلَقَهم عُقَلاءَ أصِحّاءَ، وقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ العَرَبِ نِسْبَةُ العُقُولِ الرّاجِحَةِ إلى عادٍ، ونِسْبَةُ كَمالِ قُوى الأجْسامِ إلَيْهِمْ قالَ النّابِغَةُ:

أحْلامُ عادٍ وأجْسامٌ مُطَهَّرَةٌ مِنَ المَعَقَّةِ والآفاتِ والإثْمِ

وقالَ ودّاكُ بْنُ ثُمَيْلٍ المازِنِيُّ في الحَماسَةِ:

وأحْلامُ عادٍ لا يَخافُ جَلِيسُهم ∗∗∗ ولَوْ نَطَقَ العُوّارُ غَرْبَ لِسانِ

وقالَ قِيسُ بْنُ عُبادَةَ:

وأنْ لا يَقُولُوا غابَ قَيْسٌ وهَذِهِ ∗∗∗ سَراوِيلُ عادِيٍّ نَمَتْهُ ثَـمُـودُ

وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فِي الخَلْقِ﴾ مُتَعَلِّقًا بِـ (بَصْطَةً)، وإنْ كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى النّاسِ فالمَعْنى: وزادَكم بَصْطَةً في النّاسِ بِأنَّ جَعْلَكم أفْضَلَ مِنهم فِيما تَتَفاضَلُ بِهِ الأُمَمُ مِنَ الأُمُورِ كُلِّها، فَيَشْمَلُ رُجْحانَ العُقُولِ وقُوَّةَ الأجْسامِ وسَلامَتَها مِنَ العاهاتِ، والآفاتِ وقُوَّةَ البَأْسِ، وقَدْ نُسِبَتِ الدُّرُوعُ إلى عادٍ فَيُقالُ لَها: العادِيَّةُ، وكَذَلِكَ السُّيُوفُ العادِيَّةُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم ﴿وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وحَكى عَنْ هُودٍ أنَّهُ قالَ لَهم ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ وإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ واتَّقُوا الَّذِي أمَدَّكم بِما تَعْلَمُونَ أمَدَّكم بِأنْعامٍ وبَنِينَ وجَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٢٩] وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فِي الخَلْقِ﴾ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ.

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ فَصِيحَةٌ، أيْ: إنْ ذَكَرْتُمْ وقْتَ جَعَلَكُمُ اللَّهُ خُلَفاءَ في الأرْضِ ووَقْتَ زادَكم بَصْطَةً فاذْكُرُوا نِعَمَهُ الكَثِيرَةَ تَفْصِيلًا، فالكَلامُ جاءَ عَلى طَرِيقَةِ القِياسِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِالجُزْئِيِّ عَلى

صفحة ٢٠٧

إثْباتِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ، فَإنَّهُ ذَكَّرَهم بِنِعْمَةٍ واضِحَةٍ وهي كَوْنُهم خُلَفاءَ، ونِعَمٍ مُجْمَلَةٍ وهي زِيادَةُ بَصْطَتِهِمْ، ثُمَّ ذَكَّرَهم بَقِيَّةَ النِّعَمِ بِلَفْظِ العُمُومِ وهو الجَمْعُ المُضافُ.

والآلاءُ جَمْعُ ”إلًى“ والإلى النِّعْمَةُ وهَذا مِثْلُ جَمْعِ عِنَبٍ عَلى أعْنابٍ، ونَظِيرُهُ جَمْعُ إنًى بِالنُّونِ، وهو الوَقْتُ، عَلى آناءٍ قالَ تَعالى ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أيْ وقْتَهُ، وقالَ ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ [طه: ١٣٠] .

ورُتِّبَ عَلى ذِكْرِ نِعَمِ اللَّهِ رَجاءُ أنْ يُفْلِحُوا لِأنَّ ذِكْرَ النِّعَمِ يُؤَدِّي إلى تَكْرِيرِ شُكْرِ المُنْعِمِ، فَيَحْمِلُ المُنْعَمَ عَلَيْهِ عَلى مُقابَلَةِ النِّعَمِ بِالطّاعَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском