Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:8–10
7:8–9Page 151
وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨
And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.
وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ ٩
And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.
﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ عُطِفَتْ جُمْلَةُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ عَلى جُمْلَةِ ”فَلَنَقُصَّنَّ“، لِما تَضَمَّنَتْهُ المَعْطُوفُ عَلَيْها مِنَ العِلْمِ بِحَسَناتِ النّاسِ وسَيِّئاتِهِمْ، فَلا جَرَمَ أشْعَرَتْ بِأنَّ مَظْهَرَ ذَلِكَ العِلْمِ وأثَرَهُ هو الثَّوابُ والعِقابُ، وتَفاوُتُ دَرَجاتِ العامِلِينَ ودَرَكاتِهِمْ تَفاوُتًا لا يُظْلَمُ العامِلُ فِيهِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، ولا يَفُوتُ ما يَسْتَحِقُّهُ إلّا أنْ يَتَفَضَّلَ اللَّهُ عَلى أحَدٍ بِرَفْعِ دَرَجَةٍ أوْ مَغْفِرَةِ زَلَّةٍ لِأجْلِ سَلامَةِ قَلْبٍ أوْ شَفاعَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ مِن عِبادِهِ، فَلِذَلِكَ عُقِّبَتْ جُمْلَةُ: ”فَلَنَقُصَّنَّ“ بِجُمْلَةِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ [الأعراف: ٧] ولَنُجازِيَنَّهم عَلى أعْمالِهِمْ جَزاءً لا غَبْنَ فِيهِ عَلى أحَدٍ.
والتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ عِوَضٌ عَنْ مُضافٍ إلَيْهِ دَلَّ عَلَيْهِ:
صفحة ٢٩
﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ٦] وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِالواوِ وبِالفاءِ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذٍ نَسْألُهم ونَسْألُ رُسُلَهم ونَقُصُّ ذُنُوبَهم عَلَيْهِمْ.
والوَزْنُ حَقِيقَتُهُ مُعادَلَةُ جِسْمٍ بِآخَرَ لِمَعْرِفَةِ ثِقَلِ أحَدِ الجِسْمَيْنِ أوْ كِلَيْهِما في تَعادُلِهِما أوْ تَفاوُتِهِما في المِقْدارِ، وإذْ قَدْ كانَ تَساوِي الجِسْمَيْنِ المَوْزُونَيْنِ نادِرَ الحُصُولِ تَعَيَّنَ جُعِلَتْ أجْسامٌ أُخْرى يُعْرَفُ بِها مِقْدارُ التَّفاوُتِ، فَلا بُدَّ مِن آلَةٍ تُوضَعُ فِيها الأشْياءُ، وتُسَمّى المِيزانُ ولَها أشْكالٌ مُخْتَلِفَةٌ شَكْلًا واتِّساعًا.
والأجْسامُ الَّتِي تُجْعَلُ لِتَعْيِينِ المَقادِيرِ تُسَمّى مَوازِينُ، واحِدُها مِيزانُ أيْضًا وتُسَمّى أوْزانًا واحِدُها وزْنٌ، ويُطْلَقُ الوَزْنُ عَلى مَعْرِفَةِ مِقْدارِ حالٍ في فَضْلٍ ونَحْوِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، في الصَّحِيحَيْنِ: «إنَّهُ لَيُؤْتى بِالعَظِيمِ السَّمِينِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ» . ويُسْتَعارُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً لِلتَّدْبِيرِ في أحْوالٍ، كَقَوْلِ الرّاعِي:
وزَنَتْ أُمَيَّةُ أمْرَها فَدَعَتْ لَهُ مَن لَمْ يَكُنْ غُمِرًا ولا مَجْهُولًا
فالوَزْنُ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ تَعْيِينُ مَقادِيرِ ما تَسْتَحِقُّهُ الأعْمالُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ تَعْيِينًا لا إجْحافَ فِيهِ، كَتَعْيِينِ المِيزانِ عَلى حَسَبِ ما عَيَّنَ اللَّهُ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ عَلى الأعْمالِ، وذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى: كَكَوْنِ العَمَلِ الصّالِحِ لِلَّهِ وكَوْنِهِ رِياءً، وكَكَوْنِ الجِهادِ لِإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أوْ كَوْنِهِ لِمُجَرَّدِ الطَّمَعِ في الغَنِيمَةِ، فَيَكُونُ الجَزاءُ عَلى قَدْرِ العَمَلِ، فالوَزْنُ اسْتِعارَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الحَقِيقَةُ فَقَدْ قِيلَ: تُوضَعُ الصَّحائِفُ الَّتِي كَتَبَتْها المَلائِكَةُ لِلْأعْمالِ في شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ لِيَجْعَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، يَنْطِقُ أوْ يَتَكَيَّفُ بِكَيْفِيَّةٍ فَيَدُلُّ عَلى مَقادِيرِ الأعْمالِ لِأرْبابِها، وذَلِكَ مُمْكِنٌ، وقَدْ ورَدَتْ أخْبارٌ في صِفَةِ هَذا المِيزانِ لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنها.
والعِباراتُ في مِثْلِ هَذا المَقامِ قاصِرَةٌ عَنْ وصْفِ الواقِعاتِ، لِأنَّها مِن خَوارِقِ المُتَعارَفِ، فَلا تَعْدُو العِباراتُ فِيها تَقْرِيبَ الحَقائِقِ وتَمْثِيلَها بِأقْصى
صفحة ٣٠
ما تَعارَفَهُ أهْلُ اللُّغَةِ، فَما جاءَ مِنها بِصِيغَةِ المَصْدَرِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِفِعْلٍ يَقْتَضِي آلَةً فَحَمْلُهُ عَلى المَجازِ المَشْهُورِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] . وما جاءَ مِنها عَلى صِيغَةِ الأسْماءِ فَهو مُحْتَمَلٌ مِثْلَ ما هُنا لِقَوْلِهِ: فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ. . . إلَخْ، ومِثْلَ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «كَلِمَتانِ خَفِيفَتانِ عَلى اللِّسانِ ثَقِيلَتانِ في المِيزانِ» وما تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُقْتَضٍ آلَةً فَحَمْلُهُ عَلى التَّمْثِيلِ أوْ عَلى مَخْلُوقٍ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] . وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ ذِكْرُ المِيزانِ في حَدِيثِ البِطاقَةِ الَّتِي فِيها كَلِمَةُ شَهادَةِ الإسْلامِ، عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وحَدِيثِ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَسِ بْنِ مالِكٍ: فاطْلُبْنِي عِنْدَ المِيزانِ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في وُجُودِ مَخْلُوقٍ يُبَيِّنُ مِقْدارَ الجَزاءِ مِنَ العَمَلِ يُسَمّى بِالمِيزانِ تُوزَنُ فِيهِ الأعْمالُ حَقِيقَةً، فَأثْبَتَ ذَلِكَ الجُمْهُورُ ونَفاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ والأعْمَشُ، وقالُوا: هو القَضاءُ السَّوِيُّ، وقَدْ تَبِعَ اخْتِلافَهم المُتَأخِّرُونَ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الأشاعِرَةِ وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ إلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ، وذَهَبَ بَعْضُ الأشاعِرَةِ المُتَأخِّرِينَ وجُمْهُورُ المُعْتَزِلَةِ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ والأعْمَشُ، والأمْرُ هَيِّنٌ، والِاسْتِدْلالُ لَيْسَ بِبَيِّنٍ والمَقْصُودُ المَعْنى ولَيْسَ المَقْصُودُ آلَتَهُ.
والإخْبارُ عَنِ الوَزْنِ بِقَوْلِهِ ”الحَقُّ“، إنْ كانَ الوَزْنُ مَجازًا عَنْ تَعْيِينِ مَقادِيرِ الجَزاءِ فالحَقُّ بِمَعْنى العَدْلِ، أيِ الجَزاءُ عادِلٌ غَيْرُ جائِرٍ؛ لِأنَّهُ مِن أنْواعِ القَضاءِ والحِكَمِ، وإنْ كانَ الوَزْنُ تَمْثِيلًا بِهَيْئَةِ المِيزانِ، فالعَدْلُ بِمَعْنى السَّوِيِّ، أيْ والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ مُساوٍ لِلْأعْمالِ لا يُرَجَّحُ ولا يُجْحَفُ.
وعَلى الوَجْهَيْنِ فالإخْبارُ عَنْهُ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةٌ في كَوْنِهِ مُحِقًّا.
وتَفَرَّعَ عَلى كَوْنِهِ الحَقَّ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، فَهو تَفْصِيلٌ لِلْوَزْنِ بِبَيانِ أثَرِهِ عَلى قَدْرِ المَوْزُونِ. ومَحَلُّ التَّفْرِيعِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ إذْ ذَلِكَ
صفحة ٣١
مُفَرَّعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾: ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ وثِقَلُ المِيزانِ في المَعْنى الحَقِيقِيِّ رُجْحانُ المِيزانِ بِالشَّيْءِ المَوْزُونِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِاعْتِبارِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ غالِبَةً ووافِرَةً، أيْ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ الصّالِحاتُ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ ما ثَقُلَتْ بِهِ المَوازِينُ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِنِ اعْتِبارِ الوَزْنِ، لِأنَّ مُتَعارَفَ النّاسِ أنَّهم يَزِنُونَ الأشْياءَ المَرْغُوبَ في شِرائِها المُتَنافَسَ في ضَبْطِ مَقادِيرِها والَّتِي يَتَغابَنُ النّاسُ فِيها.
والثِّقَلُ مَعَ تِلْكَ الِاسْتِعارَةِ هو أيْضًا تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ الوَزْنِ لِلْجَزاءِ، ثُمَّ الخِفَّةُ مُسْتَعارَةٌ لِعَدَمِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ أخْذًا بِغايَةِ الخِفَّةِ عَلى وِزانٍ عَكْسِ الثِّقَلِ، وهي أيْضًا تَرْشِيحٌ ثانٍ لِاسْتِعارَةِ المِيزانِ، والمُرادُ هُنا الخِفَّةُ الشَّدِيدَةُ وهي انْعِدامُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ .
والفَلاحُ حُصُولُ الخَيْرِ وإدْراكُ المَطْلُوبِ.
والتَّعْرِيفُ في المُفْلِحُونَ لِلْجِنْسِ أوِ العَهْدِ وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وماصَدَقَ ”مِن“ واحِدٌ لِقَوْلِهِ: مَوازِينُهُ، وإذْ قَدْ كانَ هَذا الواحِدُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، بَلْ هو كُلُّ مَن تَحَقَّقَ فِيهِ مَضْمُونُ جُمْلَةِ الشَّرْطِ، فَهو عامٌّ صَحَّ اعْتِبارُهُ جَماعَةً في الإشارَةِ والضَّمِيرَيْنِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
والإتْيانُ بِالإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم إنَّما حَصَّلُوا الفَلاحَ لِأجْلِ ثِقَلِ مَوازِينِهِمْ، واخْتِيرَ اسْمُ إشارَةِ البُعْدِ تَنْبِيهًا عَلى البُعْدِ المَعْنَوِيِّ الِاعْتِبارِيِّ.
وضَمِيرُ الفَصْلِ لِقَصْدِ الِانْحِصارِ أيْ هُمُ الَّذِينَ انْحَصَرَ فِيهِمْ تَحَقُّقُ المُفْلِحِينَ، أيْ إنْ عَلِمْتَ جَماعَةً تُعْرَفُ بِالمُفْلِحِينَ فَهم هم.
والخُسْرانُ حَقِيقَتُهُ ضِدُّ الرِّبْحِ، وهو عَدَمُ تَحْصِيلِ التّاجِرِ عَلى ما يَسْتَفْضِلُهُ مِن بَيْعِهِ، ويُسْتَعارُ لِفُقْدانِ نَفْعِ ما يُرْجى مِنهُ النَّفْعُ، فَمَعْنى خَسِرُوا أنْفُسَهم
صفحة ٣٢
فَقَدُوا فَوائِدَها، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَرْجُو مِن مَواهِبِهِ، وهي مَجْمُوعُ نَفْسِهِ، أنْ تَجْلِبَ لَهُ النَّفْعَ وتَدْفَعَ عَنْهُ الضُّرَّ: بِالرَّأْيِ السَّدِيدِ، وابْتِكارِ العَمَلِ المُفِيدِ، ونُفُوسُ المُشْرِكِينَ قَدْ سَوَّلَتْ لَهم أعْمالًا كانَتْ سَبَبَ خِفَّةِ مَوازِينِ أعْمالِهِمْ، أيْ سَبَبَ فَقْدِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ مِنهم، فَكانَتْ نُفُوسُهم كَرَأْسِ مالِ التّاجِرِ الَّذِي رَجا مِنهُ زِيادَةَ الرِّزْقِ فَأضاعَهُ كُلَّهُ فَهو خاسِرٌ لَهُ، فَكَذَلِكَ هَؤُلاءِ خَسِرُوا أنْفُسَهم إذْ أوْقَعَتْهم في العَذابِ المُقِيمِ، وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ: ”بِما كانُوا“ باءُ السَّبَبِيَّةِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ بِكَوْنِهِمْ ظَلَمُوا بِآياتِنا في الدُّنْيا، فَصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ يَظْلِمُونَ لِحِكايَةِ حالِهِمْ في تَجَدُّدِ الظُّلْمِ فِيما مَضى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ﴾ [فاطر: ٩] .
والظُّلْمُ هُنا ضِدُّ العَدْلِ: أيْ يَظْلِمُونَ الآياتِ فَلا يُنْصِفُونَها حَقَّها مِنَ الصِّدْقِ. وضُمِّنَ يَظْلِمُونَ مَعْنى يُكَذِّبُونَ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِما كانُوا يَظْلِمُونَ فَيُكَذِّبُونَ بِآياتِنا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] .
وإنَّما جُعِلَ تَكْذِيبُهم ظُلْمًا لِأنَّهُ تَكْذِيبُ ما قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى صِدْقِهِ فَتَكْذِيبُهُ ظُلْمٌ لِلْأدِلَّةِ بِدَحْضِها وعَدَمِ إعْمالِها.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: بِآياتِنا عَلى عامِلِهِ، وهو يَظْلِمُونَ، لِلِاهْتِمامِ بِالآياتِ. وقَدْ ذَكَرَتِ الآيَةُ حالَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ وحالَ المُكَذِّبِينَ المُشْرِكِينَ إذْ كانَ النّاسُ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ، وهم كُلُّهم عامِلُونَ بِالصّالِحاتِ، مُسْتَكْثِرُونَ مِنها، وفَرِيقُ المُشْرِكِينَ وهم أخْلِياءُ مِنَ الصّالِحاتِ، وبَقِيَ بَيْنَ ذَلِكَ فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَخْلِطُونَ
صفحة ٣٣
عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، وذَلِكَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ، إذْ لَيْسَ مِن غَرَضِ المَقامِ، وتَعَرَّضَتْ لَهُ آياتٌ أُخْرى.
7:10Page 151
وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ١٠
And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.
﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] فَهَذا تَذْكِيرٌ لَهم بِأنَّ اللَّهَ هو ولِيُّ الخَلْقِ، لِأنَّهُ خالِقُهم عَلى وجْهِ الأرْضِ، وخالِقُ ما بِهِ عَيْشُهُمُ الَّذِي بِهِ بَقاءُ وجُودِهِمْ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ، وتَوْبِيخٌ عَلى قِلَّةِ شُكْرِها، كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَذْيِيلُ الجُمْلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ فَإنَّ النُّفُوسَ الَّتِي لا يَزْجُرُها التَّهْدِيدُ قَدْ تَنْفَعُها الذِّكْرَياتُ الصّالِحَةُ، وقَدْ قالَ أحَدُ الخَوارِجِ وطُلِبَ مِنهُ أنْ يَخْرُجَ إلى قِتالِ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ وكانَ قَدْ أسْدى إلَيْهِ نِعَمًا.
أأُقاتِلُ الحَجّاجَ عَنْ سُلْطانِهِ بِيَدٍ تُقِرُّ بَأنَّها مَوْلاتُهُ
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وقَدِ المُفِيدِ لِلتَّحْقِيقِ، تَنْزِيلٌ لِلَّذِينَ هُمُ المَقْصُودُ مِنَ الخِطابِ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ مَضْمُونَ الخَبَرِ لِأنَّهم لَمّا عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ كانَ حالُهم كَحالِ مَن يُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي مَكَّنَهم مِنَ الأرْضِ، أوْ كَحالِ مَن يُنْكِرُ وُقُوعَ التَّمْكِينِ مِن أصْلِهِ.
والتَّمْكِينُ جَعْلُ الشَّيْءِ في مَكانٍ، وهو يُطْلَقُ عَلى الإقْدارِ عَلى التَّصَرُّفِ، عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا في مَعْناهُ الكِنائِيِّ لا الصَّرِيحِ، أيْ جَعَلْنا لَكم قُدْرَةً، أيْ أقْدَرْناكم عَلى أُمُورِ الأرْضِ وخَوَّلْناكُمُ التَّصَرُّفَ في مَخْلُوقاتِها، وذَلِكَ بِما أوْدَعَ اللَّهُ في البَشَرِ مِن قُوَّةِ العَقْلِ والتَّفْكِيرِ
صفحة ٣٤
الَّتِي أهَّلَتْهُ لِسِيادَةِ هَذا العالَمِ والتَّغَلُّبِ عَلى مَصاعِبِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّمْكِينِ هُنا القُوَّةَ والحُكْمَ كالمُرادِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾ [الكهف: ٨٤] لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حاصِلًا بِجَمِيعِ البَشَرِ إلّا عَلى تَأْوِيلٍ، ولَيْسَ المُرادُ بِالتَّمْكِينِ أيْضًا مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ وهو جَعْلُ المَكانِ في الأرْضِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”في الأرْضِ“ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقالَ ولَقَدْ مَكَّنّاكُمُ الأرْضَ، وقَدْ قالَ تَعالى عَنْ عادٍ: ﴿ولَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] أيْ جَعَلْنا ما أقْدَرْناهم عَلَيْهِ أعْظَمَ مِمّا أقْدَرْناكم عَلَيْهِ، أيْ في آثارِهِمْ في الأرْضِ أمّا أصْلُ القَرارِ في الأرْضِ فَهو صِراطٌ بَيْنَهُما.
ومَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وهي ما يَعِيشُ بِهِ الحَيُّ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ العَيْشِ وهو الحَياةُ، وأصْلُ المَعِيشَةِ اسْمُ مَصْدَرِ عاشَ، قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤] سُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ العَيْشُ، تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ الَّذِي غَلَبَ حَتّى صارَ مُساوِيًا لِلْحَقِيقَةِ.
وياءُ مَعايِشَ أصْلٌ في الكَلِمَةِ لِأنَّها عَيْنُ الكَلِمَةِ مِنَ المَصْدَرِ عَيْشٍ فَوَزْنُ مَعِيشَةٍ مَفْعِلَةٌ ومَعايِشَ مَفاعِلُ. فَحَقُّها أنْ يُنْطَقَ بِها في الجَمْعِ ياءً وأنْ لا تُقْلَبَ هَمْزَةً. لِأنَّ اسْتِعْمالَ العَرَبِ في حَرْفِ المَدِّ الَّذِي في المُفْرَدِ أنَّهم إذا جَمَعُوهُ جَمْعًا بِألِفٍ زائِدَةٍ رَدُّوهُ إلى أصْلِهِ واوًا أوْ ياءً بَعْدَ ألِفِ الجَمْعِ، مِثْلَ: مَفازَةٍ ومَفاوِزَ، فِيما أصْلُهُ واوٌ مِنَ الفَوْزِ، ومَعِيبَةٍ ومَعايِبَ فِيما أصْلُهُ الياءُ، فَإذا كانَ حَرْفُ المَدِّ في المُفْرِدِ غَيْرَ أصْلِيٍّ فَإنَّهم إذا جَمَعُوهُ جَمْعًا بِألِفٍ زائِدَةٍ قَلَبُوا حَرْفَ المَدِّ هَمْزَةً نَحْوَ قِلادَةٍ وقَلائِدَ، وعَجُوزٍ وعَجائِزَ، وصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ، وهَذا الِاسْتِعْمالُ مِن لَطائِفِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ حَرْفِ المَدِّ الأصْلِيِّ والمَدِّ الزّائِدِ واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلى قِراءَتِهِ بِالياءِ، ورَوى خارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ، وحُمَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ نافِعٍ أنَّهُ قَرَأ: مَعائِشَ بِهَمْزٍ بَعْدَ الألِفِ، وهي رِوايَةٌ شاذَّةٌ عَنْهُ لا يُعْبَأُ بِها، وقُرِئَ في الشّاذِّ: فالهَمْزُ، رَواهُ عَنِ الأعْرَجِ، وفي الكَشّافِ نِسْبَةُ هَذِهِ القِراءَةِ إلى ابْنِ عامِرٍ وهو سَهْوٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ.
صفحة ٣٥
وقَوْلُهُ: ﴿قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ هو كَقَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] ونَظائِرِهِ.
والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ خاصَّةً، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ قَلَّ شُكْرُهم لِلَّهِ تَعالى إذِ اتَّخَذُوا مَعَهُ آلِهَةً.
ووَصْفٌ قَلِيلٌ يُسْتَعْمَلُ في مَعْنى المَعْدُومِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في أوَّلِ السُّورَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ إنَّ شُكْرَكُمُ اللَّهَ قَلِيلٌ، لِأنَّهم لَمّا عَرَفُوا أنَّهُ رَبُّهم فَقَدْ شَكَرُوهُ، ولَكِنَّ أكْثَرَ أحْوالِهِمْ هو الإعْراضُ عَنْ شُكْرِهِ والإقْبالُ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ وما يَتْبَعُها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِلَّةُ كِنايَةً عَنِ العَدَمِ عَلى طَرِيقَةِ الكَلامِ المُقْتَصَدِ اسْتِنْزالًا لِتَذَكُّرِهِمْ.
وانْتُصِبَ قَلِيلًا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ وما مَصْدَرِيَّةٌ، والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ في مَحَلِّ الفاعِلِ بِـ ”قَلِيلًا“ فَهي حالٌ سَبَبِيَّةٌ.
وفِي التَّعْقِيبِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِآيَةِ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأعراف: ٤] إيماءٌ إلى أنَّ إهْمالَ شُكْرِ النِّعْمَةِ يُعَرِّضُ صاحِبَها لِزَوالِها، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أهْلَكْناها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences