Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:77–82

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:77–82

7:77–79Page 160

فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُواْ يَٰصَٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٧٧

So they hamstrung the she-camel and were insolent toward the command of their Lord and said, "O Ṣāliḥ, bring us what you promise us, if you should be of the messengers."

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٧٨

So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٧٩

And he [i.e., Ṣāliḥ] turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the message of my Lord and advised you, but you do not like advisors."

﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ الفاءُ لِلتَّعْقِيبِ لِحِكايَةِ قَوْلِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا: ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦]، أيْ قالُوا ذَلِكَ فَعَقَرُوا، والتَّعْقِيبُ في كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ قالُوا ذَلِكَ كانُوا قَدْ صَدَعُوا بِالتَّكْذِيبِ، وصَمَّمُوا عَلَيْهِ، وعَجَزُوا عَنِ المُحاجَّةِ والِاسْتِدْلالِ، فَعَزَمُوا عَلى المَصِيرِ إلى النِّكايَةِ والإغاظَةِ لِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن آمَنَ بِهِ، ورَسَمُوا لِابْتِداءِ عَمَلِهِمْ أنْ يَعْتَدُوا عَلى النّاقَةِ

صفحة ٢٢٥

الَّتِي جَعَلَها صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَهم، وأقامَها بَيْنَهُ وبَيْنَهم عَلامَةَ مُوادَعَةٍ ما دامُوا غَيْرَ مُتَعَرِّضِينَ لَها بِسُوءٍ، ومَقْصِدُهم مِن نِيَّتِهِمْ إهْلاكُ النّاقَةِ أنْ يُزِيلُوا آيَةَ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِئَلّا يَزِيدَ عَدَدُ المُؤْمِنِينَ بِهِ، لِأنَّ مُشاهَدَةَ آيَةِ نُبُوءَتِهِ سالِمَةً بَيْنَهم تُثِيرُ في نُفُوسِ كَثِيرٍ مِنهُمُ الِاسْتِدْلالَ عَلى صِدْقِهِ والِاسْتِئْناسَ لِذَلِكَ بِسُكُوتِ كُبَرائِهِمْ وتَقْرِيرِهِمْ لَها عَلى مَرْعاها وشُرْبِها، ولِأنَّ في اعْتِدائِهِمْ عَلَيْها إيذانًا مِنهم بِتَحْفِيزِهِمْ لِلضِّرارِ بِصالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبِمَن آمَنَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ولِيُرُوا صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم مُسْتَحِقُّونَ بِوَعِيدِهِ إذْ قالَ لَهم: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ.

والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (فَعَقَرُوا) عائِدٌ إلى (الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا)، وقَدْ أُسْنِدَ العُقْرُ إلَيْهِمْ وإنْ كانَ فاعِلُهُ واحِدًا مِنهم لِأنَّهُ كانَ عَنْ تَمالُئٍ ورِضًى مِن جَمِيعِ الكُبَراءِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ القَمَرِ: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩]، وهَذا كَقَوْلِ النّابِغَةِ في شَأْنِ بَنِي حُنٍّ:

وهم قَتَلُوا الطّائِيَّ بِالجَوِّ عَنْوَةً.

وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم.

وذُكِرَ في الأثَرِ: أنَّ الَّذِي تَوَلّى النّاقَةَ رَجُلٌ مِن سادَتِهِمُ اسْمُهُ قُدارُ بِضَمِّ القافِ ودالٍّ مُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةٍ وراءٍ في آخِرِهِ ابْنُ سالِفٍ. وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ «ذَكَرَ في خُطْبَتِهِ الَّذِي عَقَرَ النّاقَةَ فَقالَ: انْبَعَثَ لَها رَجُلٌ عَزِيزٌ عارِمٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ مِثْلُ أبِي زَمْعَةَ» .

والعُقْرُ: حَقِيقَتُهُ الجَرْحُ البَلِيغُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ٦٩ ∗∗∗ تَقُولُ وقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِـنَـا مَـعًـاعَقَرْتَ بِعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ أيْ جَرَحْتَهُ بِاحْتِكاكِ الغَبِيطِ في ظَهْرِهِ مِن مَيْلِهِ إلى جِهَةٍ، ويُطْلَقُ العَقْرُ عَلى قَطْعِ عُضْوِ الحَيَوانِ، ومِنهُ قَوْلُهم، عَقَرَ حِمارَ وحْشٍ، أيْ ضَرَبَهُ بِالرُّمْحِ

صفحة ٢٢٦

فَقَطَعَ مِنهُ عُضْوًا، وكانُوا يَعْقِرُونَ البَعِيرَ المُرادَ نَحْرُهُ بِقَطْعِ عُضْوٍ مِنهُ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ الهُرُوبَ عِنْدَ النَّحْرِ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ العَقْرُ عَلى النَّحْرِ عَلى وجْهِ الكِنايَةِ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

ويَوْمَ عَقَرْتُ لِلْعَذارى مَطِيَّتِي

وما في هَذِهِ الآيَةِ كَذَلِكَ.

والعُتُوُّ تَجاوُزُ الحَدِّ في الكِبْرِ، وتَعْدِيَتُهُ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْراضِ.

وأمْرُ رَبِّهِمْ هو ما أمَرَهم بِهِ عَلى لِسانِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَوْلِهِ: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَعُبِّرَ عَنِ النَّهْيِ بِالأمْرِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مَقْصُودٌ مِنهُ الأمْرُ بِفِعْلِ ضِدِّهِ، ولِذَلِكَ يَقُولُ عُلَماءُ الأُصُولِ إنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِضِدِّهِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ تَحَقُّقُ الكَفِّ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ.

وأرادُوا: (بِما تَعِدُنا) العَذابَ الَّذِي تَوَعَّدَهم بِهِ مُجْمَلًا. وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم لا يَخْشَوْنَ شَيْئًا مِمّا يُرِيدُهُ مِنَ الوَعِيدِ المُجْمَلِ. فالمُرادُ بِما تَتَوَعَّدُنا بِهِ وصِيغَتْ صِلَةُ المَوْصُولِ مِن مادَّةِ الوَعْدِ لِأنَّهُ أخَفُّ مِن مادَّةِ الوَعِيدِ.

وقَدْ فَرَضُوا كَوْنَهُ مِنَ المُرْسَلِينَ بِحَرْفِ إنِ الدّالِّ عَلى الشَّكِّ في حُصُولِ الشَّرْطِ. أيْ إنْ كُنْتَ مِنَ الرُّسُلِ عَنِ اللَّهِ فالمُرادُ بِالمُرْسَلِينَ مَن صَدَقَ عَلَيْهِمْ هَذا اللَّقَبُ. وهَؤُلاءِ. لِجَهْلِهِمْ بِحَقِيقَةِ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، يَحْسَبُونَ أنَّ تَصَرُّفاتِ اللَّهِ كَتَصَرُّفاتِ الخَلْقِ، فَإذا أرْسَلَ رَسُولًا ولَمْ يُصَدِّقْهُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ غَضِبَ اللَّهُ وانْدَفَعَ إلى إنْزالِ العِقابِ إلَيْهِمْ، ولا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ الظّالِمِينَ ثُمَّ يَأْخُذَهم مَتى شاءَ.

وجُمْلَةُ (فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾) وبَيْنَ جُمْلَةِ (فَتَوَلّى عَنْهم) أُرِيدُ بِاعْتِراضِها التَّعْجِيلُ بِالخَبَرِ عَنْ نَفاذِ الوَعِيدِ فِيهِمْ بِعَقِبِ عُتُوِّهِمْ، فالتَّعْقِيبُ عُرْفِيٌّ، أيْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ العُقْرِ وبَيْنَ الرَّجْفَةِ زَمَنٌ طَوِيلٌ، كانَ بَيْنَهُما ثَلاثَةُ أيّامٍ، كَما ورَدَ في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ

صفحة ٢٢٧

﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] .

وأصْلُ الأخْذِ تَناوُلُ شَيْءٍ بِاليَدِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِلْكِ الشَّيْءِ، بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا في القَهْرِ كَقَوْلِهِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، ﴿فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] وأخْذُ الرَّجْفَةِ: إهْلاكُها إيّاهم وإحاطَتُها بِهِمْ إحاطَةَ الآخِذِ. ولا شَكَّ أنَّ اللَّهَ نَجّى صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، كَما في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ. وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ في مِائَةٍ وعَشَرَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقِيلَ: نَزَلُوا رَمْلَةَ فِلَسْطِينَ، وقِيلَ: تَباعَدُوا عَنْ دِيارِ قَوْمِهِمْ بِحَيْثُ يَرَوْنَها، فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وهَلَكُوا عادَ صالِحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن آمَنَ مَعَهُ فَسَكَنُوا دِيارَهم، وقِيلَ: سَكَنُوا مَكَّةَ وأنَّ صالِحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - دُفِنَ بِها، وهَذا بَعِيدٌ كَما قُلْناهُ في عادٍ، ومِن أهْلِ الأنْسابِ مَن يَقُولُ: إنَّ ثَقِيفًا مِن بَقايا ثَمُودَ، أيْ مِن ذُرِّيَّةِ مَن نَجا مِنهم مِنَ العَذابِ، ولَمْ يَذْكُرِ القُرْآنُ أنَّ ثَمُودًا انْقَطَعَ دابِرُهم فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنهم بَقِيَّةٌ.

والرَّجْفَةُ: اضْطِرابُ الأرْضِ وارْتِجاجُها، فَتَكُونُ مِن حَوادِثَ سَماوِيَّةٍ كالرِّياحِ العاصِفَةِ والصَّواعِقِ، وتَكُونُ مِن أسْبابٍ أرْضِيَّةٍ كالزَّلازِلِ، فالرَّجْفَةُ اسْمٌ لِلْحالَةِ الحاصِلَةِ، وقَدْ سَمّاها في سُورَةِ هُودٍ بِالصَّيْحَةِ فَعَلِمْنا أنَّ الَّذِي أصابَ ثَمُودَ هو صاعِقَةٌ أوْ صَواعِقُ مُتَوالِيَةٌ رَجَفَتْ أرْضَهم وأهْلَكَتْهم صَعِقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تُقارِنَها زِلْزالٌ أرْضِيَّةٌ.

والدّارُ: المَكانُ الَّذِي يَحْتَلُّهُ القَوْمُ، وهو يُفْرَدُ ويُجْمَعُ بِاعْتِبارَيْنِ، فَلِذَلِكَ قالَ في آيَةِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] .

فَأصْبَحُوا هُنا بِمَعْنى صارُوا.

والجاثِمُ: المُكِبُّ عَلى صَدْرِهِ في الأرْضِ مَعَ قَبْضِ ساقَيْهِ كَما يَجْثُو الأرْنَبُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ أشَدَّ سُكُونًا وانْقِطاعًا عَنِ اضْطِرابِ الأعْضاءِ اسْتُعْمِلَ في الآيَةِ كِنايَةً عَنْ هُمُودِ الجُثَّةِ بِالمَوْتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ تَشْبِيهَ حالَةِ وُقُوعِهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ حِينَ صُعِقُوا بِحالَةِ الجاثِمِ تَفْظِيعًا لِهَيْئَةِ مِيتَتَهم، والمَعْنى أنَّهم

صفحة ٢٢٨

أصْبَحُوا جُثَثًا هامِدَةً مَيِّتَةً عَلى أبْشَعِ مَنظَرٍ لِمَيِّتٍ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ والتَّوَلِّي الِانْصِرافُ عَنْ فِراقٍ وغَضَبٍ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِالشَّيْءِ، وهو هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً فَيَكُونُ المُرادُ بِهِ أنَّهُ فارَقَ دِيارَ قَوْمِهِ حِينَ عَلِمَ أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِهِمْ، فَيَكُونُ التَّعْقِيبُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ لِأنَّ ظاهِرَ تَعْقِيبِ التَّوَلِّي عَنْهم وخِطابِهِ إيّاهم أنْ لا يَكُونَ بَعْدَ أنْ تَأْخُذَهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا جاثِمِينَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَجازًا بِقَرِينَةِ الخِطابِ أيْضًا، أيْ فَأعْرَضَ عَنِ النَّظَرِ إلى القَرْيَةِ بَعْدَ أصابَتِها بِالصّاعِقَةِ، أوْ فَأعْرَضَ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ واشْتَغَلَ بِالمُؤْمِنِينَ كَما قالَ تَعالى: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.

فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ قَوْلُهُ: يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم إلَخْ مُسْتَعْمَلًا في التَّوْبِيخِ لَهم والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في التَّحَسُّرِ أوْ في التَّبَرُّؤِ مِنهم، فَيَكُونُ النِّداءُ تَحَسُّرًا فَلا يَقْتَضِي كَوْنَ أصْحابِ الِاسْمِ المُنادى مِمَّنْ يَعْقِلُ النِّداءَ حِينَئِذٍ، مِثْلُ ما تُنادِي الحَسْرَةَ في: يا حَسْرَةً.

وقَوْلُهُ: (﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾) تَفْسِيرُهُ مِثْلُ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٢]) . واللّامُ في لَقَدْ لامُ القَسَمِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] .

والِاسْتِدْراكُ بِـ لَكِنْ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ لِأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّبَرُّؤِ مِنَ التَّقْصِيرِ في مُعالَجَةِ كُفْرِهِمْ، سَواءٌ كانَ بِحَيْثُ هم يَسْمَعُونَهُ أمْ كانَ قالَهُ في نَفْسِهِ، فَذَلِكَ التَّبَرُّؤُ يُؤْذِنُ بِدَفْعِ تَوَهُّمِ تَقْصِيرِ في الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ لِانْعِدامِ ظُهُورِ فائِدَةِ الإبْلاغِ والنَّصِيحَةِ، فاسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾، أيْ تَكْرَهُونَ النّاصِحِينَ فَلا تُطِيعُونَهم في نُصْحِهِمْ. لِأنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطِيعُ، فَأرادَ بِذَلِكَ الكِنايَةَ عَنْ رَفْضِهِمُ النَّصِيحَةَ.

صفحة ٢٢٩

واسْتِعْمالُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: لا تُحِبُّونَ إنْ كانَ في حالِ سَماعِهِمْ قَوْلَهُ فَهو لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجْدِيدِ والتَّكْرِيرِ، أيْ لَمْ يَزَلْ هَذا دَأْبُكم فَيَكُونُ ذَلِكَ آخِرَ عِلاجٍ لِإقْلاعِهِمْ إنْ كانَتْ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ لِلْإقْلاعِ عَمّا هم فِيهِ، وإنْ كانَ بَعْدَ انْقِضاءِ سَماعِهِمْ فالمُضارِعُ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ مِثْلَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] .

7:80–81Page 160

وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٠

And [We had sent] Lot when he said to his people, "Do you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds [i.e., peoples]?

إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ٨١

Indeed, you approach men with desire, instead of women. Rather, you are a transgressing people."

﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالُ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾

عُطِفَ ولُوطًا عَلى نُوحًا في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [الأعراف: ٥٩] فالتَّقْدِيرُ: وأرْسَلْنا لُوطًا، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ في ابْتِداءِ قِصَّةِ لُوطٍ وقَوْمِهِ إذِ ابْتُدِئَتْ بِذِكْرِ لُوطًا كَما ابْتُدِئَتْ قِصَّةٌ بِذِكْرِ نُوحٍ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ لُوطٍ اسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ كَما لَمْ يَكُنْ لِقَوْمِ نُوحٍ اسْمٌ يُعْرَفُونَ بِهِ. و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أرْسَلْنا“ المُقَدَّرُ يَعْنِي أرْسَلْناهُ وقْتَ قالَ لِقَوْمِهِ، وجُعِلَ وقْتُ القَوْلِ ظَرْفًا لِلْإرْسالِ لِإفادَةِ مُبادَرَتِهِ بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إلى ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ، والمُقارَنَةُ الَّتِي تَقْتَضِيها الظَّرْفِيَّةُ بَيْنَ وقْتِ الإرْسالِ ووَقْتِ قَوْلِهِ، مُقارَنَةٌ عُرْفِيَّةٌ بِمَعْنى شِدَّةِ القُرْبِ بِأقْصى ما يُسْتَطاعُ مِن مُبادَرَةِ التَّبْلِيغِ.

وقَوْمُ لُوطٍ كانُوا خَلِيطًا مِنَ الكَنْعانِيِّينَ ومِمَّنْ نَزَلَ حَوْلَهم. ولِذَلِكَ لَمْ يُوصَفْ بِأنَّهُ أخُوهم إذْ لَمْ يَكُنْ مِن قَبائِلِهِمْ، وإنَّما نَزَلَ فِيهِمْ واسْتَوْطَنَ دِيارَهم. ولُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ، وكانَ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ نَزَلَ بِبِلادِ سَدُومَ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ قُرابَةٌ.

صفحة ٢٣٠

والقَوْمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هم أهْلُ قَرْيَةِ سَدُومَ وعَمُورَةَ مِن أرْضِ كَنْعانَ، ورُبَّما أُطْلِقَ اسْمُ سَدُومَ وعَمُورَةَ عَلى سُكّانِها. وهم أسْلافُ الفَنِيقِيِّينَ وكانَتا عَلى شاطِئِ السَّدِيمِ، وهو بَحْرُ المِلْحِ، كَما جاءَ في التَّوْراةِ وهو البَحْرُ المَيِّتُ المَدْعُوُّ بُحَيْرَةُ لُوطٍ بِقُرْبِ أُرْشَلِيمَ. وكانَتْ قُرْبَ سَدُومَ ومَن مَعَهم أحْدَثُوا فاحِشَةَ اسْتِمْتاعُ الرِّجالِ بِالرِّجالِ، فَأمَرَ اللَّهُ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا نَزَلَ بِقَرْيَتِهِمْ سَدُومَ في رِحْلَتِهِ مَعَ عَمِّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَنْهاهم ويُغْلِظَ عَلَيْهِمْ.

فالِاسْتِفْهامُ في (أتَأْتُونَ) إنْكارِيٌّ تَوْبِيخِيٌّ، والإتْيانُ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مَجازٌ في التَّلَبُّسِ والعَمَلِ، أيْ أتَعْمَلُونَ الفاحِشَةَ، وكُنِّيَ بِالإتْيانِ عَلى العَمَلِ المَخْصُوصِ وهي كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ.

والفاحِشَةُ: الفِعْلُ الدَّنِيءُ الذَّمِيمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ [الأعراف: ٢٨]: والمُرادُ هُنا فاحِشَةٌ مَعْرُوفَةٌ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ.

وجُمْلَةُ: ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ إتْيانَ الفاحِشَةِ، وعَبَّرَ عَنْها بِالفاحِشَةِ، وبَّخَهم بِأنَّهم أحْدَثُوها، ولَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً في البَشَرِ فَقَدْ سَنُّوا سُنَّةً سَيِّئَةً لِلْفاحِشِينَ في ذَلِكَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ صِفَةً لِلْفاحِشَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ: تَأْتُونَ أوْ مِنَ: الفاحِشَةِ

والسَّبْقُ حَقِيقَتُهُ: وُصُولُ الماشِي إلى مَكانٍ مَطْلُوبٍ لَهُ ولِغَيْرِهِ قَبْلَ وُصُولِ غَيْرِهِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في التَّقَدُّمِ في الزَّمانِ، أيِ الأوَّلِيَّةِ والِابْتِداءِ، وهو المُرادُ هُنا، والمَقْصُودُ أنَّهم سَبَقُوا النّاسَ بِهَذِهِ الفاحِشَةِ إذْ لا يَقْصِدُ بِمِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّهُمُ ابْتَدَأُوا مَعَ غَيْرِهِمْ في وقْتٍ واحِدٍ.

صفحة ٢٣١

والباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلٍ (سَبَقَ) لِاسْتِعْمالِهِ بِمَعْنى ابْتَدَأ فالباءُ تَرْشِيحٌ لِلتَّبَعِيَّةِ. و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى (أحَدٍ) لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ لِلدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الِاسْتِغْراقِ في النَّفْيِ. و(مِنَ) الدّاخِلَةُ عَلى العالَمِينَ لِلتَّبْعِيضِ.

وجُمْلَةُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾)، والتَّأْكِيدُ بِإنَّ واللّامِ كِنايَةٌ عَنِ التَّوْبِيخِ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ مُسْتَرْسِلُونَ عَلَيْهِ غَيْرَ سامِعِينَ لِنَهْيِ النّاهِي.

والإتْيانُ كِنايَةٌ عَنْ عَمَلِ الفاحِشَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: (إنَّكم) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ بِصِيغَةِ الخَبَرِ، فالبَيانُ راجِعٌ إلى الشَّيْءِ المُنْكَرِ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ في (﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾)، وبِهِ يُعْرَفُ بَيانُ الإنْكارِ، ويَجُوزُ اعْتِبارُهُ خَبَرًا مُسْتَعْمَلًا في التَّوْبِيخِ، ويَجُوزُ تَقْدِيرُ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ حُذِفَتْ لِلتَّخْفِيفِ ولِدَلالَةِ ما قَبْلَها. وقَرَأهُ البَقِيَّةُ: (أإنَّكم) بِهَمْزَتَيْنِ عَلى صِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ فالبَيانُ لِلْإنْكارِ، وبِهِ يُعْرَفُ بَيانُ المُنْكَرِ، فالقِراءَتانِ مُسْتَوِيَتانِ.

والشَّهْوَةُ: الرَّغْبَةُ في تَحْصِيلِ شَيْءٍ مَرْغُوبٍ، وهي مَصْدَرُ شَهِيَ كَرَضِيَ، جاءَ عَلى صِيغَةِ الفَعْلَةِ ولَيْسَ مُرادًا بِهِ المَرَّةُ.

وانْتَصَبَ (شَهْوَةً) عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ. والمَقْصُودُ مِن هَذا المَفْعُولِ تَفْظِيعُ الفاحِشَةِ وفاعِلِيها بِأنَّهم يَشْتَهُونَ ما هو حَقِيقٌ بِأنْ يُكْرَهَ ويُسْتَفْظَعَ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ زِيادَةٌ في التَّفْظِيعِ وقَطْعٌ لِلْعُذْرِ في فِعْلِ هَذِهِ الفاحِشَةِ، ولَيْسَ قَيْدًا لِلْإنْكارِ، فَلَيْسَ إتْيانُ الرِّجالِ مَعَ إتْيانِ النِّساءِ بِأقَلَّ مِنَ الآخَرِ فَظاعَةً، ولَكِنَّ المُرادَ أنَّ إتْيانَ الرِّجالِ كُلَّهُ واقِعٌ في حالَةٍ مِن حَقِّها إتْيانُ النِّساءِ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦] .

و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضِ الإنْكارِ إلى غَرَضِ الذَّمِّ والتَّحْقِيرِ والتَّنْبِيهِ إلى حَقِيقَةِ حالِهِمْ.

صفحة ٢٣٢

والإسْرافُ مُجاوَزَةُ العَمَلِ مِقْدارَ أمْثالِهِ في نَوْعِهِ، أيِ المُسْرِفُونَ في الباطِلِ والجُرْمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا﴾ [النساء: ٦] في سُورَةِ النِّساءِ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] في سُورَةِ الأنْعامِ.

ووَصَفَهم بِالإسْرافِ بِطَرِيقِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ، أيْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَمَكَّنَ مِنهُمُ الإسْرافُ في الشَّهَواتِ فَلِذَلِكَ اشْتَهَوْا شَهْوَةً غَرِيبَةً لَمّا سَئِمُوا الشَّهَواتِ المُعْتادَةَ. وهَذِهِ شَنْشَنَةُ الِاسْتِرْسالِ في الشَّهَواتِ حَتّى يُصْبِحَ المَرْءُ لا يَشْفِي شَهْوَتَهُ شَيْءٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ عَنْهم في آيَةٍ أُخْرى: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] .

ووَجْهُ تَسْمِيَةِ هَذا الفِعْلِ الشَّنِيعِ فاحِشَةً وإسْرافًا أنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى مَفاسِدَ كَثِيرَةٍ: مِنها اسْتِعْمالُ الشَّهْوَةِ الحَيَوانِيَّةِ المَغْرُوزَةِ في غَيْرِ ما غُرِزَتْ عَلَيْهِ، لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الإنْسانِ الشَّهْوَةَ الحَيَوانِيَّةَ لِإرادَةِ بَقاءِ النَّوْعِ بِقانُونِ التَّناسُلِ، حَتّى يَكُونَ الدّاعِي إلَيْهِ قَهْرِيًّا يَنْساقُ إلَيْهِ الإنْسانُ بِطَبْعِهِ، فَقَضاءُ تِلْكَ الشَّهْوَةِ في غَيْرِ الغَرَضِ الَّذِي وضَعَها اللَّهُ لِأجْلِهِ اعْتِداءٌ عَلى الفِطْرَةِ وعَلى النَّوْعِ، ولِأنَّهُ يُغَيِّرُ خُصُوصِيَّةَ الرُّجْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَفْعُولِ بِهِ إذْ يَصِيرُ في غَيْرِ المَنزِلَةِ الَّتِي وضَعَهُ اللَّهُ فِيها بِخِلْقَتِهِ، ولِأنَّ فِيهِ امْتِهانًا مَحْضًا لِلْمَفْعُولِ بِهِ إذْ يُجْعَلُ آلَةً لِقَضاءِ شَهْوَةِ غَيْرِهِ عَلى خِلافِ ما وضَعَ اللَّهُ في نِظامِ الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ مِن قَضاءِ الشَّهْوَتَيْنِ مَعًا، ولِأنَّهُ مُفْضٍ إلى قَطْعِ النَّسْلِ أوْ تَقْلِيلِهِ، ولِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ يَجْلِبُ أضْرارًا لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ بِسَبَبِ اسْتِعْمالِ مَحَلَّيْنِ في غَيْرِ ما خُلِقا لَهُ.

وحَدَثَتْ هَذِهِ الفاحِشَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ مِن رَجُلٍ يُسَمّى الفُجاءَةَ، كَتَبَ فِيهِ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أنَّهُ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ وإذْ لَمْ يُحْفَظْ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فِيها حَدٌّ مَعْرُوفٌ جَمَعَ أبُو بَكْرٍ أصْحابَ النَّبِيءِ ﷺ واسْتَشارَهم فِيهِ، فَقالَ عَلِيٌّ: أرى أنْ يُحْرَقَ بِالنّارِ، فاجْتَمَعَ رَأْيُ الصَّحابَةِ عَلى ذَلِكَ فَكَتَبَ أبُو بَكْرٍ إلى خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ أنْ يَحْرِقَهُ فَأحْرَقَهُ، وكَذَلِكَ قَضى ابْنُ الزُّبَيْرِ

صفحة ٢٣٣

فِي جَماعَةٍ عَمِلُوا الفاحِشَةَ في زَمانِهِ، وهُشامُ بْنُ الوَلِيدِ، وخالِدٌ القَسْرِيُّ بِالعِراقِ، ولَعَلَّهُ قِياسٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ نارًا كَما سَيَأْتِي.

وقالَ مالِكٌ: يُرْجَمُ الفاعِلُ والمَفْعُولُ بِهِ، إذْ أطاعَ الفاعِلُ وكانا بالِغَيْنِ، رَجْمَ الزّانِي المُحَصَّنِ، سَواءٌ أحْصَنا أمْ لَمْ يُحْصِنا. وقاسَ عُقُوبَتَهم عَلى عُقُوبَةِ اللَّهِ لِقَوْمِ لُوطٍ إذْ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً، والَّذِي يُؤْخَذُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يَجُوزُ القِياسُ عَلى ما فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا، ورُوِيَ أنَّهُ أُخِذَ في زَمانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أرْبَعَةٌ عَمِلُوا عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، وقَدْ أُحْصِنُوا، فَأمَرَ بِهِمْ فَأُخْرِجُوا مِنَ الحَرَمِ فَرُجِمُوا بِالحِجارَةِ حَتّى ماتُوا، وعِنْدَهُ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ فَلَمْ يُنْكِرا عَلَيْهِ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُعَزَّرُ فاعِلُهُ ولا يَبْلُغُ التَّعْزِيرُ حَدَّ الزِّنى، كَذا عَزا إلَيْهِ القُرْطُبِيُّ، والَّذِي في كُتُبِ الحَنَفِيَّةِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ يَرى فِيهِ التَّعْزِيرَ إلّا إذا تَكَرَّرَ مِنهُ فَيُقْتَلُ، وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ: فِيهِ حَدُّ الزِّنى، فَإذا اعْتادَ ذَلِكَ فَفِيهِ التَّعْزِيرُ بِالإحْراقِ، أوْ يُهْدَمُ عَلَيْهِ جِدارٌ، أوْ يُنَكَّسُ مِن مَكانٍ مُرْتَفِعٍ ويُتْبَعُ بِالأحْجارِ، أوْ يُسْجَنُ حَتّى يَمُوتَ أوْ يَتُوبَ، وذَكَرَ الغَزْنَوِيُّ في الحاوِي أنَّ الأصَحَّ عَنْ أبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ التَّعْزِيرُ بِالجِلْدِ - أيْ دُونَ تَفْصِيلٍ بَيْنَ الِاعْتِيادِ وغَيْرِهِ - وسِياقُ كَلامِهِمُ التَّسْوِيَةُ في العُقُوبَةِ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ.

وقالَ الشّافِعِيُّ يُحَدُّ حَدَّ الزّانِي، فَإنْ كانَ مُحْصَنًا فَحَدُّ المُحْصَنِ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُحْصَنٍ فَحَدُّ غَيْرِ المُحْصَنِ. كَذا حَكاهُ القُرْطُبِيُّ. وقالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الحَنْبَلِيُّ، في كِتابِ اخْتِلافِ الأئِمَّةِ: إنَّ لِلشّافِعِيِّ قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما هَذا، والآخَرُ أنَّهُ يُرْجَمُ بِكُلِّ حالٍ، ولَمْ يَذْكُرْ لَهُ تَرْجِيحًا، وقالَ الغَزّالِيُّ، في الوَجِيزِ: ”اللِّواطُ يُوجِبُ قَتْلَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ عَلى قَوْلٍ، والرَّجْمَ بِكُلِّ حالٍ عَلى قَوْلٍ، والتَّعْزِيرَ عَلى قَوْلٍ، وهو كالزِّنى عَلى قَوْلٍ“ وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُحَرَّرٍ.

وفِي كِتابِ اخْتِلافِ الأئِمَّةِ لِابْنِ هُبَيْرَةَ الحَنْبَلِيِّ: أنَّ أظْهَرَ الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ أنَّ في اللِّواطِ الرَّجْمَ بِكُلِّ حالٍ، أيْ مُحْصَنًا كانَ أوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ، وفي رِوايَةِ عَنْهُ أنَّهُ كالزِّنى. وقالَ ابْنُ حَزْمٍ، في المُحَلّى: إنَّ مَذْهَبَ داوُدَ

صفحة ٢٣٤

وجَمِيعِ أصْحابِهِ أنَّ اللُّوطِيَّ يُجْلَدُ دُونَ الحَدِّ، ولَمْ يُصَرَّحْ، فِيما نَقَلُوا عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وصاحِبَيْهِ، ولا عَنْ أحْمَدَ، ولا الشّافِعِيِّ بِمُساواةِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ بِهِ في الحُكْمِ إلّا عِنْدَ مالِكٍ، ويُؤْخَذُ مِن حِكايَةِ ابْنِ حَزْمٍ في المُحَلّى: أنَّ أصْحابَ المَذاهِبِ المُخْتَلِفَةِ في تَعْزِيرِ هَذِهِ الفاحِشَةِ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ إلّا قَوْلًا شاذًّا لِأحَدِ فُقَهاءِ الشّافِعِيَّةِ رَأى أنَّ المَفْعُولَ أغْلَظُ عُقُوبَةً مِنَ الفاعِلِ.

ورَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وقالَ في إسْنادِهِ، مَقالٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن وجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فاقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ» وهو حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَدْ عَلِمْتَ اسْتِشارَةَ أبِي بَكْرٍ في هَذِهِ الجَرِيمَةِ، ولَوْ كانَ فِيها سَنَدٌ صَحِيحٌ لَظَهَرَ يَوْمَئِذٍ.

7:82Page 161

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢

But the answer of his people was only that they said, "Evict them from your city! Indeed, they are men who keep themselves pure."

﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ عُطِفَتْ جُمْلَةُ: وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ عَلى جُمْلَةِ: قالَ لِقَوْمِهِ. والتَّقْدِيرُ: وإذْ ما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا إلَخْ، والمَعْنى: أنَّهم أُفْحِمُوا عَنْ تَرْوِيجِ شَنْعَتِهِمْ والمُجادَلَةِ في شَأْنِها، وابْتَدَرُوا بِالتَّآمُرِ عَلى إخْراجِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلِهِ مِنَ القَرْيَةِ، لِأنَّ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ غَرِيبًا بَيْنَهم وقَدْ أرادُوا الِاسْتِراحَةَ مِن إنْكارِهِ عَلَيْهِمْ، شَأْنُ مَن يَشْعُرُونَ بِفَسادِ حالِهِمْ، المَمْنُوعِينَ بِشَهَواتِهِمْ عَنِ الإقْلاعِ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ، المُصَمِّمِينَ عَلى مُداوَمَةِ ذُنُوبِهِمْ، فَإنَّ صُدُورَهم تَضِيقُ عَنْ تَحَمُّلِ المَوْعِظَةِ، وأسْماعُهم تَصَمُّ لِقَبُولِها، ولَمْ يَزَلْ مِن شَأْنِ المُنْغَمِسِينَ في الهَوى تَجَهُّمُ حُلُولِ مَن لا يُشارِكُهم بَيْنَهم.

صفحة ٢٣٥

والجَوابُ: الكَلامُ الَّذِي يُقابَلُ بِهِ كَلامٌ آخَرُ: تَقْرِيرًا، أوْ رَدًّا، أوْ جَزاءً.

وانْتَصَبَ قَوْلُهُ (جَوابَ) عَلى أنَّهُ خَبَرُ (كانَ) مُقَدَّمٌ عَلى اسْمِها الواقِعِ بَعْدَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ، وهَذا هو الِاسْتِعْمالُ الفَصِيحُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ، إذا كانَ أحَدُ مَعْمُولَيْ كانَ مَصْدَرًا مُنْسَبِكًا مِن أنْ والفِعْلِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وسُورَةِ الأنْعامِ، ولِذَلِكَ أجْمَعَتِ القِراءاتُ المَشْهُورَةُ عَلى نَصْبِ المَعْمُولِ الأوَّلِ.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ: أخْرِجُوهم عائِدٌ عَلى مَحْذُوفٍ عُلِمَ مِنَ السِّياقِ، وهم لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلُهُ: وهم زَوْجُهُ وابْنَتاهُ.

وجُمْلَةُ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِالإخْراجِ، وذَلِكَ شَأْنُ إنَّ إذا جاءَتْ في مَقامٍ لا شَكَّ فِيهِ ولا إنْكارَ، بَلْ كانَتْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ فَإنَّها تُفِيدُ مَفادَ فاءِ التَّفْرِيعِ وتَدُلُّ عَلى الرَّبْطِ والتَّعْلِيلِ.

والتَّطَهُّرُ تَكَلُّفُ الطَّهارَةِ. وحَقِيقَتُها النَّظافَةُ، وتُطْلَقُ الطَّهارَةُ - مَجازًا - عَلى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ والحَذَرِ مِنَ الرَّذائِلِ وهي المُرادُ هُنا، وتِلْكَ صِفَةُ كَمالٍ، لَكِنَّ القَوْمَ لَمّا تَمَرَّدُوا عَلى الفُسُوقِ كانُوا يَعُدُّونَ الكَمالَ مُنافِرًا لِطِباعِهِمْ، فَلا يُطِيقُونَ مُعاشَرَةَ أهْلِ الكَمالِ، ويَذُمُّونَ ما لَهم مِنَ الكَمالاتِ فَيُسَمُّونَها ثِقْلًا، ولِذا وصَفُوا تَنَزُّهَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآلِهِ تَطَهُّرًا، بِصِيغَةِ التَّكَلُّفِ والتَّصَنُّعِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِما في كَلامِهِمْ مِنَ التَّهَكُّمِ بِلُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وآلِهِ، وهَذا مِن قَلْبِ الحَقائِقِ لِأجْلِ مُشايَعَةِ العَوائِدِ الذَّمِيمَةِ، وأهْلُ المُجُونِ والِانْخِلاعِ، يُسَمُّونَ المُتَعَفِّفَ عَنْ سِيرَتِهِمْ بِالتّائِبِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَقَوْلُهم (﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾) قَصَدُوا بِهِ ذَمَّهم.

وهم قَدْ عَلِمُوا هَذا التَّطَهُّرَ مِن خُلُقِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأهْلِهِ لِأنَّهم عاشَرُوهم، ورَأوْا سِيرَتَهم، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالخَبَرِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً مُضارِعِيَّةً لِدَلالَتِها عَلى أنَّ التَّطَهُّرَ مُتَكَرِّرٌ مِنهم، ومُتَجَدِّدٌ، وذَلِكَ أدْعى لِمُنافَرَتِهِمْ طِباعَهم

صفحة ٢٣٦

والغَضَبِ عَلَيْهِمْ وتَجَهُّمِ إنْكارِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском