Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:85–93

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:85–93, continued

وجُمْلَةُ: وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ تَذْيِيلٌ بِالثَّناءِ عَلى اللَّهِ بِأنَّ حُكْمَهُ عَدْلٌ مَحْضٌ لا يَحْتَمِلُ الظُّلْمَ عَمْدًا ولا خَطَأً، وغَيْرُهُ مِنَ الحاكِمِينَ يَقَعُ مِنهُ أحَدُ الأمْرَيْنِ أوْ كِلاهُما.

و(خَيْرُ): اسْمُ تَفْضِيلٍ أصْلُهُ أخْيَرُ فَخَفَّفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ.

7:88–89Page 162

۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨

Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shuʿayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?

قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ ٨٩

We would have invented against Allāh a lie if we returned to your religion after Allāh had saved us from it. And it is not for us to return to it except that Allāh, our Lord, should will. Our Lord has encompassed all things in knowledge. Upon Allāh we have relied. Our Lord, decide between us and our people in truth, and You are the best of those who give decision."

صفحة ٥

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الأعْرافِ ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ كانَ جَوابُهم عَنْ حُجَّةِ شُعَيْبٍ جَوابَ المُفْحَمِ عَنِ الحُجَّةِ، الصّائِرِ إلى الشِّدَّةِ، المُزْدَهِي بِالقُوَّةِ، المُتَوَقِّعِ أنْ يَكْثُرَ مُعانِدُوهُ، فَلِذَلِكَ عَدَلُوا إلى إقْصاءِ شُعَيْبٍ وأتْباعِهِ عَنْ بِلادِهِمْ خَشْيَةَ ظُهُورِ دَعْوَتِهِ بَيْنَ قَوْمِهِمْ، وبَثِّ أتْباعِهِ دَعْوَتَهُ بَيْنَ النّاسِ، فَلِذَلِكَ قالُوا (لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا)

وتَفْسِيرُ صَدْرِ الآيَةِ هو كَتَفْسِيرِ نَظِيرِهِ مِن قِصَّةِ ثَمُودَ.

وإيثارُ وصْفِهِمْ بِالِاسْتِكْبارِ هُنا دُونَ الكُفْرِ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْهم هَنا خِطابُ المُسْتَضْعَفِينَ، حَتّى يَكُونَ ذِكْرُ الِاسْتِكْبارِ إشارَةً إلى أنَّهُمُ اسْتَضْعَفُوا المُؤْمِنِينَ كَما اقْتَضَتْهُ قِصَّةُ ثَمُودَ، فاخْتِيرَ وصْفُ الِاسْتِكْبارِ هُنا لِمُناسَبَةِ مُخاطَبَتِهِمْ شُعَيْبًا بِالإخْراجِ أوِ الإكْراهِ عَلى اتِّباعِ دِينِهِمْ، وذَلِكَ مِن فِعْلِ الجَبّارِينَ أصْحابِ القُوَّةِ.

وكانَ إخْراجُ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ مِن دِيارِ قَبِيلَتِهِ عُقُوبَةً مُتَّبَعَةً في العَرَبِ إذا أجْمَعَتِ القَبِيلَةُ عَلى ذَلِكَ ويُسَمّى هَذا الإخْراجُ عِنْدَ العَرَبِ بِالخَلْعِ، والمُخْرَجِ يُسَمّى خَلِيعًا.

قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

بِهِ الذِّئْبُ يَعْوِي كالخَلِيعِ المُعِيلِ

وأكَّدُوا التَّوَعُّدَ بِلامِ القَسَمِ ونُونِ التَّوْكِيدِ: لِيُوقِنَ شُعَيْبٌ بِأنَّهم مُنْجِزُو ذَلِكَ الوَعِيدِ.

صفحة ٦

وخِطابُهم إيّاهُ بِالنِّداءِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ خِطابِ الغَضَبِ، كَما حَكى اللَّهُ قَوْلَ آزَرَ خِطابًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ.

وقَوْلُهُ (مَعَكَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ لَنُخْرِجَنَّكَ، ومُتَعَلِّقُ آمَنُوا مَحْذُوفٌ، أيْ بِكَ، لِأنَّهم لا يَصِفُونَهم بِالإيمانِ الحَقِّ في اعْتِقادِهِمْ.

والقَرْيَةُ المَدِينَةُ لِأنَّها يَجْتَمِعُ بِها السُّكّانُ. والتَّقَرِّي: الِاجْتِماعُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ، والمُرادُ بِقَرْيَتِهِمْ هُنا هي الأيْكَةُ وهي تَبُوكُ وقَدْ رَدَّدُوا أمْرَ شُعَيْبٍ ومَن مَعَهُ بَيْنَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ القَرْيَةِ وبَيْنَ العَوْدِ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ.

وقَدْ جَعَلُوا عَوْدَ شُعَيْبٍ والَّذِينَ مَعَهُ إلى مِلَّةِ القَوْمِ مُقْسَمًا عَلَيْهِ فَقالُوا أوْ لَتَعُودُنَّ ولَمْ يَقُولُوا: لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ تَعُودُنَّ في مِلَّتِنا، لِأنَّهم أرادُوا تَرْدِيدَ الأمْرَيْنِ في حَيِّزِ القَسَمِ لِأنَّهم فاعِلُونَ أحَدَ الأمْرَيْنِ لا مَحالَةَ وأنَّهم مُلِحُّونَ في عَوْدِهِمْ إلى مِلَّتِهِمْ.

وكانُوا يَظُنُّونَ اخْتِيارَهُ العَوْدَ إلى مِلَّتِهِمْ، فَأكَّدُوا هَذا العَوْدَ بِالقَسَمِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا مَحِيدَ عَنْ حُصُولِهِ عِوَضًا عَنْ حُصُولِ الإخْراجِ لِأنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ مُرْضٍ لِلْمُقْسِمِينَ، وأيْضًا فَإنَّ التَّوْكِيدَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم إنْ أبَوُا الخُرُوجَ مِنَ القَرْيَةِ فَإنَّهم يُكْرَهُونَ عَلى العَوْدِ إلى مِلَّةِ القَوْمِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ شُعَيْبٍ في جَوابِهِمْ: أوَ لَوْ كُنّا كارِهِينَ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّوَعُّدِ والتَّهْدِيدِ كانَ ذِكْرُ الإخْراجِ مِن أرْضِهِمْ أهَمَّ، فَلِذَلِكَ قَدَّمُوا القَسَمَ عَلَيْهِ ثُمَّ أعَقَبُوهُ بِالمَعْطُوفِ بِحَرْفِ أوْ.

والعَوْدُ: الرُّجُوعُ إلى ما كانَ فِيهِ المَرْءُ مِن مَكانٍ أوْ عَمَلٍ، وجَعَلُوا مُوافَقَةَ شُعَيْبٍ إيّاهم عَلى الكُفْرِ عَوْدًا لِأنَّهم يَحْسَبُونَ شُعَيْبًا كانَ عَلى دِينِهِمْ، حَيْثُ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ مِنهُ ما يُخالِفُ ذَلِكَ، فَهم يَحْسَبُونَهُ مُوافِقًا لَهم مِن قَبْلُ أنْ يَدْعُوَ إلى ما دَعا إلَيْهِ. وشَأْنُ الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ لِلنُّبُوءَةِ أنْ يَكُونُوا غَيْرَ مُشارِكِينَ لِأهْلِ الضَّلالِ مِن قَوْمِهِمْ ولَكِنَّهم يَكُونُونَ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِمْ في حالَةِ خُلُوٍّ عَنِ الإيمانِ حَتّى يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ تَدْرِيجًا، وقَوْمُهم لا يَعْلَمُونَ باطِنَهم فَلا حَيْرَةَ في تَسْمِيَةِ قَوْمِهِ مُوافَقَتَهُ إيّاهم عَوْدًا.

وهَذا بِناءً عَلى أنَّ الأنْبِياءِ مَعْصُومُونَ مِنَ الشِّرْكِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ، وذَلِكَ قَوْلُ جَمِيعِ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقَدْ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ عِياضٌ في الشِّفاءِ في القِسْمِ الثّالِثِ وأوْرَدَ قَوْلَ شُعَيْبٍ: إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم وتَأوَّلَ العَوْدَ بِأنَّهُ المَصِيرُ، وذَلِكَ تَأْوِيلُ كَثِيرٍ مِن

صفحة ٧

المُفَسِّرِينَ لِهَذِهِ الآيَةِ. ودَلِيلُ العِصْمَةِ مِن هَذا هو كَمالُهم، والدَّلِيلُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ خِلافَ الكَمالِ قَبْلَ الوَحْيِ يُعَدُّ نَقْصًا، ولَيْسَ في الشَّرِيعَةِ دَلِيلٌ قاطِعٌ عَلى ذَلِكَ. وإنَّما الإشْكالُ في قَوْلِ شُعَيْبٍ إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم فَوَجْهُهُ أنَّهُ أجْراهُ عَلى المُشاكَلَةِ والتَّغْلِيبِ، وكِلاهُما مُصَحِّحٌ لِاسْتِعْمالِ لَفْظِ العَوْدِ في غَيْرِ مَعْناهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ خاصَّةً، وقَدْ تَوَلّى شُعَيْبٌ الجَوابَ عَمَّنْ مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِيَقِينِهِ بِصِدْقِ إيمانِهِمْ.

والمِلَّةُ: الدِّينُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وفَصْلُ جُمْلَةِ قالَ المَلَأُ لِوُقُوعِها في المُحاوَرَةِ عَلى ما بَيَّناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها في سُورَةِ البَقَرَةِ.

* * *

﴿قالَ أوَ لَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ فَصْلُ جُمْلَةِ (قالَ. . .) لِوُقُوعِها في سِياقِ المُحاوَرَةِ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ تَعَجُّبًا مِن قَوْلِهِمْ أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا المُؤْذِنِ ما فِيهِ مِنَ المُؤَكِّداتِ بِأنَّهم يُكْرِهُونَهم عَلى المَصِيرِ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ، وذَلِكَ التَّعَجُّبُ تَمْهِيدٌ لِبَيانِ تَصْمِيمِهِ ومَن مَعَهُ عَلى الإيمانِ، لِيَعْلَمَ قَوْمُهُ أنَّهُ أحاطَ خَبَرًا بِما أرادُوا مِن تَخْيِيرِهِ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ: الإخْراجُ أوِ الرُّجُوعُ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ، شَأْنَ الخَصْمِ اللَّبِيبِ الَّذِي يَأْتِي في جَوابِهِ بِما لا يُغادِرُ شَيْئًا مِمّا أرادَهُ خَصْمُهُ في حِوارِهِ، وفي كَلامِهِ تَعْرِيضٌ بِحَماقَةِ خُصُومِهِ إذْ يُحاوِلُونَ حَمْلَهُ عَلى مِلَّتِهِمْ بِالإكْراهِ، مَعَ أنَّ شَأْنَ المُحِقِّ أنْ يَتْرُكَ لِلْحَقِّ سُلْطانَهُ عَلى النُّفُوسِ ولا يَتَوَكَّأُ عَلى عَصا الضَّغْطِ والإكْراهِ، ولِذا قالَ اللَّهُ تَعالى لا إكْراهَ في الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ. فَإنَّ التِزامَ الدِّينِ عَنْ إكْراهٍ لا يَأْتِي بِالغَرَضِ المَطْلُوبِ مِنَ التَّدَيُّنِ وهو تَزْكِيَةُ النَّفْسِ وتَكْثِيرُ جُنْدِ الحَقِّ والصَّلاحُ المَطْلُوبُ.

صفحة ٨

والكارِهُ مُشْتَقٌّ مِن كَرِهَ الَّذِي مَصْدَرُهُ الكَرْهُ - بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ الرّاءِ - وهو ضِدُّ المَحَبَّةِ، فَكارِهُ الشَّيْءِ لا يُدانِيهِ إلّا مَغْصُوبًا ويُقالُ لِلْغَصْبِ إكْراهٌ، أيْ مُلْجَئِينَ ومَغْصُوبِينَ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكم في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و(لَوْ) وصْلِيَّةٌ تُفِيدُ أنَّ شَرْطَها هو أقْصى الأحْوالِ الَّتِي يَحْصُلُ مَعَها الفِعْلُ الَّذِي في جَوابِها، فَيَكُونُ ما بَعْدَها أحْرى بِالتَّعَجُّبِ. فالتَّقْدِيرُ: أتُعِيدُونَنا إلى مِلَّتِكم ولَوْ كُنّا كارِهِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ لَوْ هَذِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الواوِ الدّاخِلَةِ عَلَيْها وأنَّها واوُ الحالِ.

واسْتَأْنَفَ مُرْتَقِيًا في الجَوابِ، فَبَيَّنَ اسْتِحالَةَ عَوْدِهِمْ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ بِأنَّ العَوْدَ إلَيْها يَسْتَلْزِمُ كَذِبَهُ فِيما بَلَّغَهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى مِن إرْسالِهِ إلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، فَذَلِكَ كَذِبٌ عَلى اللَّهِ عَنْ عَمْدٍ، لِأنَّ الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ لا يَرْجِعُ إلى الكُفْرِ، ويَسْتَلْزِمُ كَذِبَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ عَلى اللَّهِ حَيْثُ أيْقَنُوا بِأنَّ شُعَيْبًا مَبْعُوثٌ مِنَ اللَّهِ بِما دَلَّهم عَلى ذَلِكَ مِنَ الدَّلائِلِ، ولِذَلِكَ جاءَ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ في كُلٍّ مِن قَوْلِهِ (افْتَرَيْنا) و(عُدْنا) و(نَجّانا) و(نَعُودَ) و(رَبُّنا) و(تَوَكَّلْنا) .

والرَّبْطُ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ رَبْطُ التَّبْيِينِ والِانْكِشافِ، لِأنَّهُ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُ حُصُولِ الِافْتِراءِ بِالعَوْدِ في مِلَّةِ قَوْمِهِ، فَإنَّ الِافْتِراءَ المَفْرُوضَ بِهَذا المَعْنى سابِقٌ مُتَحَقِّقٌ وإنَّما يَكْشِفُهُ رُجُوعُهم إلى مِلَّةِ قَوْمِهِمْ، أيْ إنْ يَقَعْ عَوْدُنا في مِلَّتِكم فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّنا افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا، فالماضِي في قَوْلِهِ افْتَرَيْنا ماضٍ حَقِيقِيٌّ كَما يَقْتَضِيهِ دُخُولُ قَدْ عَلَيْهِ. وتَقْدِيمُهُ عَلى الشَّرْطِ لِأنَّهُ في الحالَتَيْنِ لا تَقْلِبُهُ إنْ لِلِاسْتِقْبالِ، أمّا الماضِي الواقِعُ شَرْطًا لِـ إنْ في قَوْلِهِ إنْ عُدْنا فَهو بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ لِأنَّ إنْ تَقْلِبُ الماضِي لِلْمُسْتَقْبَلِ عَكْسَ لَمْ.

وقَوْلُهُ بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها عَلى هَذا الوَجْهِ، مَعْناهُ: بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ لِلدِّينِ الحَقِّ الَّذِي اتَّبَعْناهُ بِالوَحْيِ فَنَجّانا مِنَ الكُفْرِ، فَذَكَرَ الإنْجاءَ لِدَلالَتِهِ عَلى الِاهْتِداءِ والإعْلانِ بِأنَّ مُفارَقَةَ الكُفْرِ نَجاةٌ، فَيَكُونُ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ أوْ كِنايَةٌ.

وهَذِهِ البَعْدِيَّةُ لَيْسَتْ قَيْدًا لِـ (افْتَرَيْنا) ولا هي مُوجِبٌ كَوْنَ العَوْدَةِ في مِلَّتِهِمْ دالًّا عَلى كَذِبِهِ في الرِّسالَةِ، بَلْ هَذِهِ البَعْدِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (عُدْنا) يُقْصَدُ مِنها تَفْظِيعُ هَذا العَوْدِ وتَأْيِيسُ

صفحة ٩

الكافِرِينَ مِن عَوْدِ شُعَيْبٍ وأتْباعِهِ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ، بِخِلافِ حالِهِمُ الأُولى قَبْلَ الإيمانِ فَإنَّهم يُوصَفُونَ بِالكُفْرِ لا بِالِافْتِراءِ إذْ لَمْ يَظْهَرُ لَهم وجْهُ الحَقِّ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها أيْ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَقْصِدُهُ العاقِلُ فَيَلْقِي نَفْسَهُ في الضَّلالِ والتَّعَرُّضِ لِلْعَذابِ.

وانْتِصابُ (كَذِبًا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ تَأْكِيدًا لِـ (افْتَرَيْنا) بِما هو مُساوٍ لَهُ أوْ أعَمُّ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ في سُورَةِ المائِدَةِ.

وقَدْ رَتَّبَ عَلى مُقَدِّمَةِ لُزُومِ الِافْتِراءِ نَتِيجَةَ تَأْيِيسِ قَوْمِهِ مِن أنْ يَعُودَ المُؤْمِنُونَ إلى مِلَّةِ الكُفْرِ بِقَوْلِهِ وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها فَنَفى العَوْدَ نَفْيًا مُؤَكَّدًا بِلامِ الجُحُودِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ تَأْكِيدِ النَّفْيِ بِلامِ الجُحُودِ في قَوْلِهِ تَعالى ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ إلَخْ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وقَوْلُهُ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ وتَفْوِيضُ أمْرِهِ وأمْرِ المُؤْمِنِينَ إلَيْهِ، أيْ: إلّا أنْ يُقَدِّرَ اللَّهُ لَنا العَوْدَ في مِلَّتِكم فَإنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا فَعَلَ، فَأمّا عَوْدُ المُؤْمِنِينَ إلى الكُفْرِ فَمُمْكِنٌ في العَقْلِ حُصُولُهُ ولَيْسَ في الشَّرْعِ اسْتِحالَتُهُ، والِارْتِدادُ وقَعَ في طَوائِفَ مِن أُمَمٍ.

وأمّا ارْتِدادُ شُعَيْبٍ بَعْدَ النُّبُوءَةِ فَهو مُسْتَحِيلٌ شَرْعًا لِعِصْمَةِ اللَّهِ لِلْأنْبِياءِ، فَلَوْ شاءَ اللَّهُ سَلَبَ العِصْمَةَ عَنْ أحَدٍ مِنهم لَما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُحالٌ عَقْلًا، ولَكِنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ شَرْعًا، وقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا عِصْمَةَ الأنْبِياءِ مِنَ الشِّرْكِ قَبْلَ النُّبُوءَةِ فَعِصْمَتُهم مِنهُ بَعْدَ النُّبُوءَةِ بِالأوْلى، قالَ تَعالى: لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ.

وفِي قَوْلِ شُعَيْبٍ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا تَقْيِيدُ عَدَمِ العَوْدِ إلى الكُفْرِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وهو يَسْتَلْزِمُ تَقْيِيدَ الدَّوامِ عَلى الإيمانِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، لِأنَّ عَدَمَ العَوْدِ إلى الكُفْرِ مُساوٍ لِلثَّباتِ عَلى الإيمانِ، وهو تَقْيِيدٌ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّأدُّبُ وتَفْوِيضُ العِلْمِ بِالمُسْتَقْبَلِ إلى اللَّهِ، والكِنايَةُ عَنْ سُؤالِ الدَّوامِ عَلى الإيمانِ مِنَ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ أنْ هَدَيْتَنا.

ومِن هُنا يُسْتَدَلُّ لِقَوْلِ الأشْعَرِيِّ وجَماعَةٍ عَلى رَأْسِهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدُوسٍ الفَقِيهُ

صفحة ١٠

المالِكِيُّ الجَلِيلُ أنَّ المُسْلِمَ يَقُولُ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ ما يُخْتَمُ لَهُ بِهِ بَعْدُ، ويَضْعُفُ قَوْلُ الماتُرِيدِيِّ وطائِفَةٍ مِن عُلَماءِ القَيْرَوانِ عَلى رَأْسِهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَحْنُونٍ أنَّ المُسْلِمَ لا يَقُولُ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، لِأنَّهُ مُتَحَقِّقٌ أنَّهُ مُؤْمِنٌ فَلا يَقُولُ كَلِمَةً تُنْبِئُ عَنِ الشَّكِّ في إيمانِهِ.

وقَدْ تَطايَرَ شَرَرُ الخِلافِ بَيْنَ ابْنِ عَبْدُوسٍ وأصْحابِهِ مِن جِهَةٍ، وابْنِ سَحْنُونٍ وأصْحابِهِ مِن جِهَةٍ، في القَيْرَوانِ زَمانًا طَوِيلًا ورَمى كُلُّ فَرِيقٍ الفَرِيقَ الآخَرَ بِما لا يَلِيقُ بِهِما، وكانَ أصْحابُ ابْنِ سَحْنُونٍ يَدْعُونَ ابْنَ عَبْدُوسٍ وأصْحابَهُ الشَّكُوكِيَّةَ وتَلَقَّفَتِ العامَّةُ بِالقَيْرَوانِ هَذا الخِلافَ عَلى غَيْرِ فَهْمٍ فَرُبَّما اجْتَرَأُوا عَلى ابْنِ عَبْدُوسٍ وأصْحابِهِ اجْتِراءً وافْتِراءً، كَما ذَكَرَهُ مُفَصَّلًا عِياضٌ في المَدارِكِ في تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَحْنُونٍ، وتَرْجَمَةِ ابْنِ التَبّانِ، والَّذِي حَقَّقَهُ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ وعِياضٌ أنَّ الخِلافَ لَفْظِيٌّ: فَإنْ كانَ يَقُولُ: إنْ شاءَ اللَّهُ، وسَرِيرَتُهُ في الإيمانِ مِثْلُ عَلانِيَتِهِ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ، وإنْ كانَ شَكًّا فَهو شَكٌّ في الإيمانِ، ولَيْسَ ذَلِكَ ما يُرِيدُهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ، وقَدْ قالَ المُحَقِّقُونَ: أنَّ الخِلافَ بَيْنَ الأشْعَرِيِّ والماتُرِيدِيِّ في هَذِهِ المَسْألَةِ مِنَ الخِلافِ اللَّفْظِيِّ، كَما حَقَّقَهُ تاجُ الدِّينِ السُّبْكِيِّ في مَنظُومَتِهِ النُّونِيَّةِ، وتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ نُورُ الدِّينِ الشِّيرازِيُّ في شَرْحِهِ. ومِمّا يَجِبُ التَّنْبِيهُ لَهُ أنَّ الخِلافَ في المَسْألَةِ إنَّما هو مَفْرُوضٌ في صِحَّةِ قَوْلِ المُؤْمِنِ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، وأنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ هَلْ يُنْبِئُ عَنْ شَكِّهِ في إيمانِهِ، ولَيْسَ الخِلافُ في أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، عِنْدَ القائِلِينَ بِذَلِكَ، بِدَلِيلِ أنَّهم كَثِيرًا ما يُقابِلُونَ قَوْلَ القائِلِينَ بِالمَشِيئَةِ بِقَوْلِ الآخَرِينَ: أنا مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَرَجَعَتِ المَسْألَةُ إلى اخْتِلافِ النَّظَرِ في حالَةِ عَقْدِ القَلْبِ مَعَ ما هو في عِلْمِ اللَّهِ مِن خاتِمَتِهِ. وبِذَلِكَ سَهُلَ إرْجاعُ الخِلافِ إلى الخِلافِ اللَّفْظِيِّ.

والإتْيانُ بِوَصْفِ الرَّبِّ وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ: إظْهارٌ لِحَضْرَةِ الإطْلاقِ، وتَعْرِيضٌ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا.

والخِلافُ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ في جَوازِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى الكُفْرَ والمَعاصِي خِلافٌ ناشِئٌ عَنِ الخِلافِ في تَحْقِيقِ مَعْنى المَشِيئَةِ والإرادَةِ، ولِكِلا الفَرِيقَيْنِ اصْطِلاحٌ في

صفحة ١١

ذَلِكَ يُخالِفُ اصْطِلاحَ الآخَرِ، والمَسْألَةُ طَفِيفَةٌ وإنْ هَوَّلَها الفَرِيقانِ، واصْطِلاحُنا أسْعَدُ بِالشَّرِيعَةِ وأقْرَبُ إلى اللُّغَةِ، والمَسْألَةُ كُلُّها مِن فُرُوعِ مَسْألَةِ التَّكْلِيفِ وقُدْرَةِ المُكَلِّفِ.

وقَوْلُهُ: وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا تَفْوِيضٌ لِعِلْمِ اللَّهِ، أيْ إلّا أنْ يَشاءَ ذَلِكَ فَهو أعْلَمُ بِمُرادِهِ مِنّا، وإعادَةُ وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ إظْهارِ وصْفِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وتَأْكِيدِ التَّعْرِيضِ المُتَقَدِّمِ، حَتّى يَصِيرَ كالتَّصْرِيحِ.

وانْتَصَبَ (عِلْمًا) عَلى التَّمْيِيزِ المُحَوَّلِ عَنِ الفاعِلِ لِقَصْدِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ لِلِاهْتِمامِ.

وانْتَصَبَ (كُلَّ شَيْءٍ) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ (وسِعَ)، أيْ: وسِعَ عِلْمُ رَبِّنا كُلَّ شَيْءٍ.

والسِّعَةُ: مُسْتَعْمَلَةٌ مَجازًا في الإحاطَةِ بِكُلِّ شَيْءٍ لِأنَّ الشَّيْءَ الواسِعَ يَكُونُ أكْثَرَ إحاطَةً.

وفِي هَذِهِ المُجادَلَةِ إدْماجُ تَعْلِيمِ صِفاتِ اللَّهِ لِأتْباعِهِ وغَيْرِهِمْ عَلى عادَةِ الخُطَباءِ في انْتِهازِ الفُرْصَةِ.

ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ ومَن تَبِعَهُ قَدْ تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ، والتَّوَكُّلُ: تَفْوِيضُ مُباشَرَةِ صَلاحِ المَرْءِ إلى غَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ في آلِ عِمْرانَ، وهَذا تَفْوِيضٌ يَقْتَضِي طَلَبَ الخَيْرِ، أيْ: رَجَوْنا أنْ لا يَسْلُبَنا الإيمانَ الحَقِّ ولا يُفْسِدُ خَلْقَ عُقُولِنا وقُلُوبِنا فَلا نُفْتَنُ ولا نَضِلُّ، ورَجَوْنا أنْ يَكْفِيَنا شَرَّ مَن يُضْمِرُ لَنا شَرًّا وذَلِكَ شَرُّ الكَفَرَةِ المُضْمَرُ لَهم، وهو الفِتْنَةُ في الأهْلِ بِالإخْراجِ، وفي الدِّينِ بِالإكْراهِ عَلى اتِّباعِ الكُفْرِ.

وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى فِعْلِ ”تَوَكَّلْنا“ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ لِمَعْنى التَّوْحِيدِ ونَبْذِ غَيْرِ اللَّهِ، ولِما في قَوْلِهِ: عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا مِنَ التَّفْوِيضِ إلَيْهِ في كِفايَتِهِمْ أمْرَ أعْدائِهِمْ، صَرَّحَ بِما يَزِيدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ. وفَسَّرُوا الفَتْحَ هُنا بِالقَضاءِ والحُكْمِ وقالُوا: هو لُغَةُ أزْدِ عُمانَ مِنَ اليَمَنِ، أيِ احْكم بَيْنَنا وبَيْنَهم، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الفَتْحِ بِمَعْنى النَّصْرِ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا لا يَتَحاكَمُونَ لِغَيْرِ السَّيْفِ، ويَحْسَبُونَ أنَّ النَّصْرَ حُكْمُ اللَّهِ لِلْغالِبِ عَلى المَغْلُوبِ.

وقَوْلُهُ: وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ هو كَقَوْلِهِ: وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ، أيْ

صفحة ١٢

وأنْتَ خَيْرُ النّاصِرِينَ، وخَيْرُ الحاكِمِينَ هو أفْضَلُ أهْلِ هَذا الوَصْفِ، وهو الَّذِي يَتَحَقَّقُ فِيهِ كَمالُ هَذا الوَصْفِ فِيما يُقْصَدُ مِنهُ وفي فائِدَتِهِ بِحَيْثُ لا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ الحَقُّ بِالباطِلِ ولا تُرَوَّجُ عَلَيْهِ التُّرَّهاتُ. والحُكّامُ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ، فَتَبَيَّنَ وجْهُ التَّفْضِيلِ في قَوْلِهِ: وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ وكَذَلِكَ القِياسُ في قَوْلِهِ خَيْرُ النّاصِرِينَ، خَيْرُ الماكِرِينَ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ النّاصِرِينَ.

7:90–92Page 162

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "If you should follow Shuʿayb, indeed, you would then be losers."

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩١

So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢

Those who denied Shuʿayb - it was as though they had never resided there. Those who denied Shuʿayb - it was they who were the losers.

﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾

عُطِفَتْ جُمْلَةُ (وقالَ المَلَأُ) ولَمْ تُفْصَلْ كَما فُصِلَتِ الَّتِي قَبْلَها لِانْتِهاءِ المُحاوَرَةِ المُقْتَضِيَةِ فَصْلَ الجُمَلِ في حِكايَةِ المُحاوَرَةِ، وهَذا قَوْلٌ أُنُفٌ وجَّهَ فِيهِ المَلَأُ خِطابَهم إلى عامَّةِ قَوْمِهِمُ الباقِينَ عَلى الكُفْرِ تَحْذِيرًا لَهم مِنِ اتِّباعِ شُعَيْبٍ خَشْيَةً عَلَيْهِمْ مِن أنْ تَحِيكَ في نُفُوسِهِمْ دَعْوَةُ شُعَيْبٍ وصِدْقُ مُجادَلَتِهِ، فَلَمّا رَأوْا حُجَّتَهُ ساطِعَةً ولَمْ يَسْتَطِيعُوا الفَلْجَ عَلَيْهِ في المُجادَلَةِ، وصَمَّمُوا عَلى كُفْرِهِمْ، أقْبَلُوا عَلى خِطابِ الحاضِرِينَ مِن قَوْمِهِمْ لِيُحَذِّرُوهم مِن مُتابَعَةِ شُعَيْبٍ ويُهَدِّدُوهم بِالخَسارَةِ.

وذَكَرَ المَلَأ في مَقامِ الإضْمارِ لِبُعْدِ المَعادِ.

وإنَّما وصَفَ المَلَأ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ دُونَ أنْ يَكْتَفِيَ بِحَرْفِ التَّعْرِيفِ المُقْتَضِي أنَّ المَلَأ الثّانِيَ هو المَلَأُ المَذْكُورُ قَبْلَهُ. لِقَصْدِ زِيادَةِ ذَمِّ المَلَأِ بِوَصْفِ الكُفْرِ، كَما ذُمَّ فِيما سَبَقَ بِوَصْفِ الِاسْتِكْبارِ.

ووَصْفُ المَلَأِ هُنا بِالكُفْرِ لِمُناسَبَةِ الكَلامِ المَحْكِيِّ عَنْهم، الدّالِّ عَلى تَصَلُّبِهِمْ في

صفحة ١٣

كُفْرِهِمْ، كَما وُصِفُوا في الآيَةِ السّابِقَةِ بِالِاسْتِكْبارِ لِمُناسَبَةِ حالِ مُجادَلَتِهِمْ شُعَيْبًا، كَما تَقَدَّمَ، فَحَصَلَ مِنَ الآيَتَيْنِ أنَّهم مُسْتَكْبِرُونَ كافِرُونَ.

والمُخاطَبُ في قَوْلِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا هُمُ الحاضِرُونَ حِينَ الخِطابِ لَدى المَلَأِ، فَحُكِيَ كَلامُ المَلَأِ كَما صَدَرَ مِنهم، والسِّياقُ يُفَسِّرُ المَعْنِيِّينَ بِالخِطابِ، أعْنِي عامَّةَ قَوْمِ شُعَيْبٍ الباقِينَ عَلى الكُفْرِ.

واللّامُ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ. وإنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ جَوابُ القَسَمِ وهو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ، كَما هو الشَّأْنُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ.

والخُسْرانُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم في سُورَةِ الأنْعامِ. وهو مُسْتَعارٌ لِحُصُولِ الضُّرِّ مِن حَيْثُ أُرِيدَ النَّفْعُ، والمُرادُ بِهِ هُنا التَّحْذِيرُ مِن أضْرارٍ تَحْصُلُ لَهم في الدُّنْيا مِن جَرّاءِ غَضَبِ آلِهَتِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ البَعْثَ، فَإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ، فالمُرادُ الخُسْرانُ الأعَمُّ، ولَكِنَّ الأهَمَّ عِنْدَهم هو الدُّنْيَوِيُّ.

والفاءُ في: فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ لِلتَّعْقِيبِ، أيْ: كانَ أخْذُ الرَّجْفَةِ إيّاهم عَقِبَ قَوْلِهِمْ لِقَوْمِهِمْ ما قالُوا.

وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ في نَظِيرِها مِن قِصَّةِ ثَمُودَ.

والرَّجْفَةُ الَّتِي أصابَتْ أهْلَ مَدْيَنَهِيَ صَواعِقُ خَرَجَتْ مِن ظُلَّةٍ، وهي السَّحابَةُ، قالَ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنِ الرَّجْفَةِ في سُورَةِ هُودٍ بِالصَّيْحَةِ فَتَعَيَّنَ أنْ تَكُونَ مِن نَوْعِ الأصْواتِ المُنْشَقَّةِ عَنْ قالِعٍ ومَقْلُوعٍ لا عَنْ قارِعٍ ومَقْرُوعٍ وهو الزِّلْزالُ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ أصابَهم زِلْزالٌ وصَواعِقُ فَتَكُونُ الرَّجْفَةُ الزِّلْزالَ والصَّيْحَةُ الصّاعِقَةَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها.

وجُمْلَةُ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، والتَّعْرِيفُ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ، وهو أنَّ اضْمِحْلالَهم وانْقِطاعَ دابِرِهِمْ كانَ جَزاءً لَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ شُعَيْبًا.

صفحة ١٤

ومَعْنى كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها تَشْبِيهُ حالَةِ اسْتِئْصالِهِمْ وعَفاءِ آثارِهِمْ بِحالِ مَن لَمْ تَسْبِقْ لَهم حَياةٌ، يُقالُ: غَنِيَ بِالمَكانِ كَرَضِيَ: أقامَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ مَكانُ القَوْمِ مَغْنًى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ”الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ مِن أشْعارِ العَرَبِ أنَّ غَنِيَ مَعْناهُ أقامَ إقامَةً مُقْتَرِنَةً بِتَنَعُّمِ عَيْشٍ ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ مَأْخُوذَةً مِنَ الِاسْتِغْناءِ“ أيْ كَأنْ لَمْ تَكُنْ إقامَةٌ، وهَذا إنَّما يُعْنى بِهِ انْمِحاءُ آثارِهِمْ كَما قالَ فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ، وهو يُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ أصابَهم زِلْزالٌ مَعَ الصَّواعِقِ بِحَيْثُ احْتَرَقَتْ أجْسادُهم وخُسِفَ لَهم في الأرْضِ وانْقَلَبَتْ دِيارُهم في باطِنِ الأرْضِ ولَمْ يَبْقَ شَيْءٌ، أوْ بَقِيَ شَيْءٌ قَلِيلٌ. فَهَذا هو وجْهُ التَّشْبِيهِ، ولَيْسَ وجْهُ التَّشْبِيهِ حالَةَ مَوْتِهِمْ لِأنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ في كُلِّ مَيِّتٍ ولا يَخْتَصُّ بِأمْثالِ مَدْيَنَ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ - تَعالى - فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ إذا اعْتُبِرَتْ كانُوا فِعْلًا، واعْتُبِرَ المُسْنَدُ فِعْلِيًّا فَهو تَقْدِيمٌ لِإفادَةٍ تُقَوِّي الحُكْمَ، وإنِ اعْتُبِرَتْ كانَ بِمَنزِلَةِ الرّابِطَةِ، وهو الظّاهِرُ، فالتَّقَوِّي حاصِلٌ مِن مَعْنى الثُّبُوتِ الَّذِي تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ.

والتَّكْرِيرُ لِقَوْلِهِ: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا لِلتَّعْدِيدِ وإيقاظِ السّامِعِينَ، وهم مُشْرِكُو العَرَبِ، لِيَتَّقُوا عاقِبَةَ أمْثالِهِمْ في الشِّرْكِ والتَّكْذِيبِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ، كَما وقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ولِلْكافِرِينَ أمْثالُها.

وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ يُفِيدُ القَصْرَ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ دُونَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا شُعَيْبًا، وذَلِكَ لِإظْهارِ سَفَهِ قَوْلِ المَلَأِ لِلْعامَّةِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ تَوْقِيفًا لِلْمُعْتَبِرِينَ بِهِمْ عَلى تَهافُتِ أقْوالِهِمْ وسَفاهَةِ رَأْيِهِمْ، وتَحْذِيرًا لِأمْثالِهِمْ مِنَ الوُقُوعِ في ذَلِكَ الضَّلالِ.

7:93Page 162

فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٩٣

And he [i.e., Shuʿayb] turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the messages of my Lord and advised you, so how could I grieve for a disbelieving people?"

﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾

تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ ونَصَحْتُ لَكم مِن قِصَّةِ ثَمُودَ. وتَقَدَّمَ

صفحة ١٥

وجْهُ التَّعْبِيرِ بِـ رِسالاتِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ في نَظِيرِها مِن قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ.

ونِداؤُهُ قَوْمَهُ نِداءَ تَحَسُّرٍ وتَبَرُّؤٍ مِن عَمَلِهِمْ، وهو مِثْلُ «قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ. حِينَ وقَفَ عَلى القَلِيبِ الَّذِي أُلْقِيَ فِيهِ قَتْلى المُشْرِكِينَ فَناداهم بِأسْماءِ صَنادِيدِهِمْ، ثُمَّ قالَ: لَقَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا» وجاءَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ في قَوْلِهِ: فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ مُخاطِبًا نَفْسَهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ، إذْ خَطَرَ لَهُ خاطِرُ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ فَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِأنَّهم لا يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُؤْسَفَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُمُ اخْتارُوا ذَلِكَ لِأنْفُسِهِمْ، ولِأنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ مِن تَحْذِيرِهِمْ ما لَوْ ألْقاهُ إلَيْهِمْ لَأقْلَعُوا عَمّا هم فِيهِ فَلَمْ يَبْقَ ما يُوجِبُ أسَفَهُ ونَدامَتَهُ كَقَوْلِهِ - تَعالى -: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا وقَوْلِهِ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ.

فالفاءُ في فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم إلَخْ. . . فَرَّعَ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أبْلَغَهم ونَصَحَ لَهم وأعْرَضُوا عَنْهُ، فَقَدِ اسْتَحَقُّوا غَضَبَ مَن يَغْضَبُ لِلَّهِ، وهو الرَّسُولُ ويَرى اسْتِحْقاقَهُمُ العِقابَ فَكَيْفَ يَحْزَنُ عَلَيْهِمْ لِما أصابَهم مِنَ العُقُوبَةِ.

والأسى: شِدَّةُ الحُزْنِ، وفِعْلُهُ كَرَضِيَ، وآسى مُضارِعٌ مُفْتَتَحٌ بِهَمْزَةِ التَّكَلُّمِ، فاجْتَمَعَ هَمْزَتانِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ مُوَجَّهًا إلى نَفْسِهِ في الظّاهِرِ، والمَقْصُودُ نَهْيُ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَنِ الأسى عَلى قَوْمِهِمُ الهالِكِينَ، إذْ يَجُوزُ أنْ يَحْصُلَ في نُفُوسِهِمْ حُزْنٌ عَلى هَلْكى قَوْمِهِمْ وإنْ كانُوا قَدِ اسْتَحَقُّوا الهَلاكَ.

وقَوْلُهُ: عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ: لِيَتَأتّى وصْفُهم بِالكُفْرِ زِيادَةً في تَعْزِيَةِ نَفْسِهِ وتَرْكِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ.

وقَدْ نَجّى اللَّهُ شُعَيْبًا مِمّا حَلَّ بِقَوْمِهِ بِأنْ فارِقَ دِيارَ العَذابِ، قِيلَ: إنَّهُ خَرَجَ مَعَ مَن آمَنَ بِهِ إلى مَكَّةَ واسْتَقَرُّوا بِها إلى أنْ تُوُفُّوا، والأظْهَرُ أنَّهم سَكَنُوا مَحَلَّةً خاصَّةً بِهِمْ في بَلَدِهِمْ رَفَعَ اللَّهُ عَنْها العَذابَ، فَإنَّ بَقِيَّةَ مَدْيَنَ لَمْ يَزالُوا بِأرْضِهِمْ، وقَدْ ذَكَرَتِ التَّوْراةُ أنَّ شُعَيْبًا كانَ بِأرْضِ قَوْمِهِ حِينَما مَرَّتْ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى دِيارِهِمْ في خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском