Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'arij 70:39–44
70:39–41Page 569
كـَلَّآۖ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّمَّا يَعۡلَمُونَ ٣٩
No! Indeed, We have created them from that which they know.1
فَلَآ أُقۡسِمُ بِرَبِّ ٱلۡمَشَٰرِقِ وَٱلۡمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ ٤٠
So I swear by the Lord of [all] risings and settings1 that indeed We are able
عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٤١
To replace them with better than them; and We are not to be outdone.
﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهم وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلِانْتِقالِ مِن إثْباتِ الجَزاءِ إلى الِاحْتِجاجِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ إبْطالًا لِشُبْهَتِهِمُ الباعِثَةِ عَلى إنْكارِهِ، وهو الإنْكارُ الَّذِي ذُكِرَ إجْمالًا بِقَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ آنِفًا (إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ونَراهُ قَرِيبًا) فاحْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِالنَّشْأةِ الأُولى كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] فالخَبَرُ بِقَوْلِهِ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهُ وهو إثْباتُ إعادَةِ خَلْقِهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ.
فَهَذا مِن تَمامِ الخِطابِ المُوَجَّهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ يَبْلُغَ إلى أسْماعِ المُشْرِكِينَ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
والمَعْنى: أنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ حَتّى صارَتْ إنْسانًا عاقِلًا مُناظِرًا فَكَذَلِكَ نُعِيدُ خَلْقَهُ بِكَيْفِيَّةٍ لا يَعْلَمُونَها.
فَماصَدَقَ (ما يَعْلَمُونَ) هو ما يَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن أنَّهُ كُوِّنَ في بَطْنِ أُمِّهِ مِن نُطْفَةٍ وعَلَقَةٍ، ولَكِنَّهم عَلِمُوا هَذِهِ النَّشْأةَ الأُولى فَألْهاهُمُ التَّعَوُّدُ بِها عَنِ التَّدَبُّرِ في دَلالَتِها عَلى إمْكانِ إعادَةِ المُكَوَّنِ مِنها بِتَكْوِينٍ آخَرَ.
صفحة ١٧٩
وعُدِلَ عَنْ أنْ يُقالَ: إنّا خَلَقْناهم مِن نُطْفَةٍ، كَما قالَ في آياتٍ أُخْرى ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] وقالَ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، وغَيْرُها مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ، عُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى المَوْصُولِ في قَوْلِهِ مِمّا يَعْلَمُونَ تَوْجِيهًا لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ إذْ جادَلُوا وعانَدُوا، وعِلْمُ ما جادَلُوا فِيهِ قائِمٌ بِأنْفُسِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٢] . وكانَ في قَوْلِهِ تَعالى مِمّا يَعْلَمُونَ إيماءٌ إلى أنَّهم يُخْلَقُونَ الخَلْقَ الثّانِيَ مِمّا لا يَعْلَمُونَ كَما قالَ في الآيَةَ الأُخْرى ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦] وقالَ (ونُنْشِئُكم فِيما لا تَعْلَمُونَ) فَكانَ في الخَلْقِ الأوَّلِ سِرٌّ لا يَعْلَمُونَهُ.
ومَجِيءُ إنّا خَلَقْناهم مُوَكَّدًا بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِتَنْزِيلِهِمْ فِيما صَدَرَ مِنهم مِنَ الشُّبْهَةِ الباطِلَةِ مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُونَ أنَّهم خُلِقُوا مِن نُطْفَةٍ وكانُوا مَعْدُومِينَ، فَكَيْفَ أحالُوا إعادَةَ خَلْقِهِمْ بَعْدَ أنْ عَدِمَ بَعْضُ أجْزائِها وبَقِيَ بَعْضُها، ثُمَّ أتْبَعَ هَذِهِ الكِنايَةَ عَنْ إمْكانِ إعادَةِ الخَلْقِ بِالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ إنّا لَقادِرُونَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: فَإنّا لَقادِرُونَ الآيَةَ.
وجُمْلَةُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الفاءِ وما عَطَفَتْهُ.
والقَسَمُ بِاللَّهِ بِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ المَشارِقَ والمَغارِبَ مَعْناهُ: رُبُوبِيَّتُهُ العالَمَ كُلَّهُ؛ لِأنَّ العالَمَ مُنْحَصِرٌ في جِهاتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها.
وجَمْعُ المَشارِقِ والمَغارِبِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مَطالِعِ الشَّمْسِ ومَغارِبِها في فُصُولِ السَّنَةِ فَإنَّ ذَلِكَ مَظْهَرٌ عَجِيبٌ مِن مَظاهِرِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ والحِكْمَةِ الرَّبّانِيَّةِ لِدَلالَتِهِ عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ دالٌّ عَلى الحَرَكاتِ الحافَّةِ بِالشَّمْسِ الَّتِي هي مِن عَظِيمِ المَخْلُوقاتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرُ في القُرْآنِ قَسَمٌ بِجِهَةٍ غَيْرِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ دُونَ الشَّمالِ والجَنُوبِ مَعَ أنَّ الشَّمالَ والجَنُوبَ جِهَتانِ مَشْهُورَتانِ عِنْدَ العَرَبِ. أقْسَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى سُنَّةِ أقْسامِ القُرْآنِ.
وفِي إيثارِ المَشارِقِ والمَغارِبِ بِالقَسَمِ بِرَبِّها رَعْيٌ لِمُناسَبَةِ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَعْدَ غُرُوبِها لِتَمْثِيلِ الإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ.
صفحة ١٨٠
وتَقَدَّمَ القَوْلُ في دُخُولِ حَرْفِ النَّفْيِ مَعَ لا أُقْسِمُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] في سُورَةِ الحاقَّةِ، وقَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] في سُورَةِ الواقِعَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أوَّلَهُما وهو المُناسِبُ لِلسِّياقِ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى أنْ نُبَدِّلَهم خَيْرًا مِنهم، أيْ: نُبَدِّلُ ذَواتَهم خَلْقًا خَيْرًا مِن خَلْقِهِمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ اليَوْمَ. والخَيْرِيَّةُ في الإتْقانِ والسُّرْعَةِ ونَحْوِهِما وإنَّما كانَ خَلْقًا أُتْقِنَ مِنَ النَّشْأةِ الأُولى؛ لِأنَّهُ خَلْقٌ مُناسِبٌ لِعالَمِ الخُلُودِ، وكانَ الخَلْقُ الأوَّلُ مُناسِبًا لِعالَمِ التَّغَيُّرِ والفَناءِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ نُبَدِّلَ مُضَمَّنًا مَعْنى: نُعَوِّضُ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ نُبَدِّلَ ضَمِيرًا مِثْلَ ضَمِيرِ (مِنهم) أيْ: نُبَدِّلُهم والمَفْعُولُ الثّانِي خَيْرًا مِنهم.
و(مِن) تَفْضِيلِيَّةٌ، أيْ: خَيْرًا في الخِلْقَةِ، والتَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ اخْتِلافِ زَمانَيِ الخَلْقِ الأوَّلِ والخَلْقِ الثّانِي، أوِ اخْتِلافِ عالَمَيْهِما.
والمَعْنى الثّانِي: أنْ نُبَدِّلَ هَؤُلاءِ بِخَيْرٍ مِنهم، أيْ: بِأُمَّةٍ خَيْرٍ مِنهم، والخَيْرِيَّةُ في الإيمانِ، فَيَكُونُ نُبَدِّلَ عَلى أصْلِ مَعْناهُ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُ مَحْذُوفًا مِثْلَ ما في المَعْنى الأوَّلِ، ويَكُونُ خَيْرًا مَنصُوبًا عَلى نَزْعِ الخافِضِ وهو باءُ البَدَلِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، ويَكُونُ هَذا تَهْدِيدًا لَهم بِأنْ سَيَسْتَأْصِلُهم ويَأْتِي بِقَوْمٍ آخَرِينَ كَما قالَ تَعالى (﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩]) وقَوْلُهُ ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] .
وفِي هَذا تَثْبِيتٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَذْكِيرٌ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِحالِهِمْ.
وذُيِّلَ بِقَوْلِهِ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، والمَسْبُوقُ مُسْتَعارٌ لِلْمَغْلُوبِ عَنْ أمْرِهِ، شُبِّهَ بِالمَسْبُوقِ في الحَلْبَةِ، أوْ بِالمَسْبُوقِ في السَّيْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] ﴿أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤]، ومِنهُ قَوْلُ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءِ الفَقْعَسِيِّ:
كَأنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْرِ مَرَّةً إذا أنْتَ أدْرَكْتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ
يُرِيدُ: كَأنَّكَ لَمْ تُغْلَبْ إذا تَدارَكْتَ أمْرَكَ وأدْرَكْتَ طِلْبَتَكَ.
صفحة ١٨١
و(عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم) مُتَعَلِّقٌ بِـ (مَسْبُوقِينَ)، أيْ: ما نَحْنُ بِعاجِزِينَ عَلى ذَلِكَ التَّبْدِيلِ بِأمْثالِكم كَما قالَ في سُورَةِ الواقِعَةِ إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم.
70:42–44Page 570
فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٤٢
So leave them to converse vainly and amuse themselves until they meet their Day which they are promised -
يَوۡمَ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ سِرَاعٗا كَأَنَّهُمۡ إِلَىٰ نُصُبٖ يُوفِضُونَ ٤٣
The Day they will emerge from the graves rapidly as if they were, toward an erected idol, hastening.1
خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۚ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ٤٤
Their eyes humbled, humiliation will cover them. That is the Day which they had been promised.
﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا كَأنَّهم إلى نَصْبٍ يُوفِضُونَ﴾ ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿فَما لِلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: ٣٦] مِن إرادَتِهِمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ وقَوْلِهِمْ: إنَّنا نَدْخُلُ الجَنَّةَ، الِاسْتِهْزاءَ بِالقُرْآنِ والنَّبِيءِ ﷺ . وبَعْدَ إبْطالِهِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا فُرِّعَ عَنْ ذَلِكَ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ بِتَرْكِهِمْ لِلْعِلْمِ بِأنَّهم لَمْ يُجْدِ فِيهِمُ الهَدْيُ والِاسْتِدْلالُ وأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى العِنادِ والمُناواةِ.
ومَعْنى الأمْرِ بِالتَّرْكِ في قَوْلِهِ فَذَرْهم أنَّهُ أمْرٌ بِتَرْكِ ما أهَمَّ النَّبِيءَ ﷺ مِن عِنادِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ مَعَ وُضُوحِ الحُجَجِ عَلى إثْباتِ البَعْثِ ولَمّا كانَ أكْبَرُ أسْبابِ إعْراضِهِمْ وإصْرارِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ هو خَوْضَهم ولَعِبَهم كُنِّيَ بِهِ عَنِ الإعْراضِ بِقَوْلِهِ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا.
فَجُمْلَةُ يَخُوضُوا وجُمْلَةُ ويَلْعَبُوا حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ الظّاهِرِ في قَوْلِهِ فَذَرْهم. وتِلْكَ الحالُ قَيْدٌ لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ فَذَرْهم. والتَّقْدِيرُ: فَذَرْ خَوْضَهم ولَعِبَهم ولا تَحْزَنْ لِعِنادِهِمْ وإصْرارِهِمْ.
وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (ذَرْ) إلى ضَمِيرِ هم مِن قَبِيلِ تَوَجُّهِ الفِعْلِ إلى الذّاتِ. والمُرادُ تُوَجُّهِهِ إلى بَعْضِ أحْوالِها الَّتِي لَها اخْتِصاصٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] أيْ: حُرِّمَ عَلَيْكم أكْلُها، وقَوْلِهِ ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] أيْ: أنْ تَجْمَعُوهُما مَعًا في عِصْمَةِ نِكاحٍ، والِاعْتِمادُ في هَذا عَلى قَرِينَةِ السِّياقِ كَما في الآيَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] في سُورَةِ الطُّورِ، أوْ عَلى ذِكْرِ ما يَدُلُّ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا في هَذِهِ الآيَةَ، فَقَدْ يَكُونُ المُقَدَّرُ مُخْتَلِفًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى
صفحة ١٨٢
﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] إذِ التَّقْدِيرُ: فاجْتَنِبُوا شُرْبَ الخَمْرِ والتَّقامُرَ بِالمَيْسِرِ وعِبادَةَ الأنْصابِ والِاسْتِقْسامَ بِالأزْلامِ.
وهَذا الِاسْتِعْمالُ هو المُعَنْوَنُ في أُصُولِ الفِقْهِ بِإضافَةِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ إلى الأعْيانِ، أوْ إسْنادِ التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ إلى الأعْيانِ، ولِوُضُوحِ دَلالَةِ ذَلِكَ عَلى المُرادِ لَمْ يَعُدُّهُ جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُصُولِ مِن قَبِيلِ المُجْمَلِ خِلافًا لِلْكَرْخِيِّ وبَعْضِ الشّافِعِيَّةِ.
وقَدْ يُتَوَسَّلُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّرْكِ إلى الكِنايَةِ عَنِ التَّحْقِيرِ وقِلَّةِ الِاكْتِراثِ كَقَوْلِ كَبْشَةَ أُخْتِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ تُلْهَبُ أخاها عَمْرًا لِلْأخْذِ بِثَأْرِ أخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ وكانَ قَدْ قُتِلَ:
ودَعْ عَنْكَ عَمْرًا إنَّ عَمْرًا مُسالِمُ وهَلْ بَطْنُ عَمْرٍو غَيْرُ شِبْرٍ لِمَطْعَمِ
وما في هَذِهِ الآيَةَ مِن ذَلِكَ الأُسْلُوبِ أيْ: لا تَكْتَرِثْ بِهِمْ فَإنَّهم دُونَ أنْ تَصْرِفَ هِمَّتَكَ في شَأْنِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] .
وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى فَذَرْهم لا عَلاقَةَ لَهُ بِحُكْمِ القِتالِ، ولا هو مِنَ المُوادَعَةِ ولا هو مَنسُوخٌ بِآياتِ السَّيْفِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
والخَوْضُ: الكَلامُ الكَثِيرُ، والمُرادُ خَوْضُهم في القُرْآنِ وشَأْنِ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ.
واللَّعِبُ: الهَزْلُ والهُزْءُ وهو لَعِبُهم في تَلَقِّي الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ وخُرُوجِهِمْ عَنْ حُدُودِ التَّعَقُّلِ والجِدِّ في الأمْرِ لِاسْتِطارَةِ رُشْدِهِمْ حَسَدًا وغَيْظًا وحُنْقًا.
وجَزْمُ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا في جَوابِ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في ارْتِباطِ خَوْضِهِمْ ولَعِبِهِمْ بِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ، إذْ مُقْتَضى جَزْمِهِ في الجَوابِ أنْ يُقَدَّرَ: أنْ تَذَرَهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا، أيْ: يَسْتَمِرُّوا في خَوْضِهِمْ ولَعِبِهِمْ وذَلِكَ لا يَضِيرُكَ، ومِثْلُ هَذا الجَزْمِ كَثِيرٌ نَحْوَ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤] ونَحْوَ ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] . وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ والنَّحْوِيِّينَ يَجْعَلُ أمْثالَهُ مَجْزُومًا بِلامِ الأمْرِ مُقَدَّرَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ مَقُولُ القَوْلِ وهو يُفِيدُ نُكْتَةَ المُبالَغَةِ.
صفحة ١٨٣
و(حَتّى) مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ذَرْهم لِما فِيهِ مِن مَعْنى أمْهِلْهم وانْتَظِرْهم، فَإنَّ اليَوْمَ الَّذِي وُعِدُوهُ هو يَوْمُ النُّشُورِ حِينَ يُجازَوْنَ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ وكُفْرِهِمْ، فَلا يَكُونُ غايَةً لِـ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا والغايَةُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ دَوامِ تَرْكِهِمْ.
وإضافَةُ (يَوْمٍ) إلى ضَمِيرِ هم لِأدْنى مُلابَسَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ يُلاقُوا بِألِفٍ بَعْدَ اللّامِ مِنَ المُلاقاةِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِدُونِ ألِفٍ مِنَ اللِّقاءِ.
واللِّقاءُ: مُجازٌ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ: فَعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هو مَجازٌ مِن جِهَتَيْنِ؛ لِأنَّ اليَوْمَ لا يَلْقى ولا يُلْقى. وعَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ هو مَجازٌ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ لِأنَّ اللِّقاءَ إنَّما يَقَعُ بَيْنَ الذَّواتِ.
و﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ بَدَلٌ مِن (يَوْمَهم) لَيْسَ ظَرْفًا.
والخُرُوجُ: بُرُوزُ أجْسادِهِمْ مِنَ الأرْضِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَخْرُجُونَ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّها عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
والأجْداثُ: جَمَعُ جَدَثٍ، بِفَتْحَتَيْنِ، وهو القَبْرُ، والقَبْرُ: حَفِيرٌ يُجْعَلُ لِمُواراةِ المَيِّتِ.
وضَمِيرُ (يَخْرُجُونَ) عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المُخْبَرِ عَنْهم بِالأخْبارِ السّابِقَةِ. وجَمِيعُهم قَدْ دُفِنُوا في قُبُورٍ أوْ وُضِعُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ.
والنَّصْبُ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ: الصَّنَمُ، ويُقالُ: نُصُبٌ بِضَمَّتَيْنِ، ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ نُصُبًا أنَّهُ يُنْصَبُ لِلْعِبادَةِ، قالَ الأعْشى:
وذا النُّصُبَ المَنصُوبَ لا تَنْسُكَنَّهُ ∗∗∗ ولا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ واللَّهَ فاعْبُدا
و(يُوفِضُونَ) مُضارِعُ أوْفَضَ، إذا أسْرَعَ وعَدا في سَيْرِهِ، أيْ: كَأنَّهم ذاهِبُونَ إلى صَنَمٍ، شُبِّهَ إسْراعُهم يَوْمَ القِيامَةِ إلى الحَشْرِ بِإسْراعِهِمْ في الدُّنْيا إلى الأصْنامِ لِزِيارَتِها؛ لِأنَّ لِهَذا الإسْراعِ اخْتِصاصًا بِهِمْ، وفي هَذا التَّشْبِيهِ إدْماجٌ لِتَفْظِيعِ حالِهِمْ في عِبادَةِ الأصْنامِ وإيماءٌ إلى أنَّ إسْراعَهم يَوْمَ القِيامَةِ إسْراعُ دَعٍّ ودَفْعٍ، جَزاءً عَلى إسْراعِهِمْ لِلْأصْنامِ.
صفحة ١٨٤
وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَصْبٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ النُّونِ والصّادِ.
وخُشُوعُ الأبْصارِ اسْتِعارَةٌ لِلنَّظَرِ إلى أسْفَلَ مِنَ الذُّلِّ، كَما قالَ تَعالى (﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]) وقالَ ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] . وأصْلُ الخُشُوعِ: ظُهُورُ الطّاعَةِ أوِ المَخافَةِ عَلى الإنْسانِ.
والرَّهَقُ: الغَشَيانُ، أيْ: التَّغْطِيَةُ بِساتِرٍ، وهو اسْتِعارَةٌ هُنا؛ لِأنَّ الذِّلَّةَ لا تَغْشى.
وجُمْلَةُ ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ في أوَّلِ أغْراضِها مِن قَوْلِهِ (﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١]) إلى قَوْلِهِ (﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ﴾ [المعارج: ٤]) الآياتِ، وهي مُفِيدَةٌ مَعَ ذَلِكَ تَأْكِيدَ جُمْلَةِ ﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ . وفِيها مُحَسِّنُ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ.
* * *
صفحة ١٨٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ نُوحٍ
بِهَذا الِاسْمِ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ، وتَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ بِتَرْجَمَةِ (سُورَةِ ﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا﴾ [نوح: ١]) . ولَعَلَّ ذَلِكَ كانَ الشّائِعَ في كَلامِ السَّلَفِ ولَمْ يُتَرْجِمْ لَها التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وعُدَّتِ الثّالِثَةَ والسَّبْعِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ نُزُولِ أرْبَعِينَ آيَةً مِن سُورَةِ النَّحْلِ وقَبْلَ سُورَةِ الطُّورِ.
وعَدَّ العادُّونَ بِالمَدِينَةِ ومَكَّةَ آيَها ثَلاثِينَ آيَةً، وعَدَّها أهْلُ البَصْرَةِ والشّامِ تِسْعًا وعِشْرِينَ آيَةً، وعَدَّها أهْلُ الكُوفَةِ ثَمانٍ وعِشْرِينَ آيَةً.
* * *
أغْراضُها
أعْظَمُ مَقاصِدِ السُّورَةِ ضَرْبُ المَثَلِ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَوْمِ نُوحٍ وهم أوَّلُ المُشْرِكِينَ
صفحة ١٨٦
الَّذِينَ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ عِقابٌ في الدُّنْيا، وهو أعْظَمُ عِقابٍ أعْنِي الطُّوفانَ. وفي ذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِحالِ النَّبِيءِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ بِحالِهِمْ.
وفِيها تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ مِن دَعْوَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ونَبْذِ عِبادَةِ الأصْنامِ وإنْذارِهِ قَوْمَهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ واسْتِدْلالِهِ لَهم بِبَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى وتَذْكِيرِهِمْ بِيَوْمِ البَعْثِ.
وتَصْمِيمُ قَوْمِهِ عَلى عِصْيانِهِ وعَلى تَصَلُّبِهِمْ في شِرْكِهِمْ.
وتَسْمِيَةُ الأصْنامِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها.
ودَعْوَةُ نُوحٍ عَلى قَوْمِهِ بِالِاسْتِئْصالِ.
وأشارَتْ إلى الطُّوفانِ.
ودُعاءُ نُوحٍ بِالمَغْفِرَةِ لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وبِالتَّبارِ لِلْكافِرِينَ كُلِّهِمْ.
وتَخَلَّلَ ذَلِكَ إدْماجُ وعْدِ المُطِيعِينَ بِسَعَةِ الأرْزاقِ وإكْثارِ النَّسْلِ ونَعِيمِ الجَنَّةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences