Ibn 'AshurNuh · 71:8–20

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Nuh 71:8–20

71:8–12Page 570

ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا ٨

Then I invited them publicly.

ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا ٩

Then I announced to them and [also] confided to them secretly

فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ١٠

And said, 'Ask forgiveness of your Lord. Indeed, He is ever a Perpetual Forgiver.

يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ١١

He will send [rain from] the sky upon you in [continuing] showers

وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا ١٢

And give you increase in wealth and children and provide for you gardens and provide for you rivers.

﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّيَ أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ ارْتَقى في شَكْواهُ واعْتِذارِهِ بِأنَّ دَعْوَتَهُ كانَتْ مُخْتَلِفَةَ الحالاتِ في القَوْلِ مِن جَهْرٍ وإسْرارٍ، فَعَطْفُ الكَلامِ بِـ (ثُمَّ) الَّتِي تُفِيدُ في عَطْفِها الجُمَلَ أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ

صفحة ١٩٧

المَعْطُوفَةِ أهَمُّ مِن مَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلَيْها،؛ لِأنَّ اخْتِلافَ كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ ألْصَقُ بِالدَّعْوَةِ مِن أوْقاتِ إلْقائِها؛ لِأنَّ الحالَةَ أشَدُّ مُلابَسَةً بِصاحِبِها مِن مُلابَسَةِ زَمانِهِ. فَذَكَرَ أنَّهُ دَعاهم جِهارًا، أيْ: عَلَنًا.

وجِهارٌ: اسْمُ مَصْدَرِ جَهَرَ، وهو هُنا وصْفٌ لِمَصْدَرِ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾ [نوح: ٧]، أيْ: دَعْوَةً جِهارًا.

وارْتَقى فَذَكَرَ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الجَهْرِ والإسْرارِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الحالَتَيْنِ أقْوى في الدَّعْوَةِ وأغْلَظُ مِن إفْرادِ إحْداهُما. فَقَوْلُهُ ﴿أعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ﴿دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ذُكِرَ لِيُبْنى عَلَيْهِ عَطْفُ ﴿وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ .

والمَعْنى: أنَّهُ تَوَخّى ما يَظُنُّهُ أوْغَلَ إلى قُلُوبِهِمْ مِن صِفاتِ الدَّعْوَةِ فَجَهَرَ حِينَ يَكُونُ الجَهْرُ أجْدى مِثْلَ مَجامِعِ العامَّةِ، وأسَرَّ لِلَّذِينَ يَظُنُّهم مُتَجَنِّبِينَ لَوْمَ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِمْ في التَّصَدِّي لِسَماعِ دَعْوَتِهِ وبِذَلِكَ تَكُونُ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿دَعَوْتُهُمْ﴾، وقَوْلِهِ ﴿أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهُمْ﴾ مُوَزَّعَةً عَلى مُخْتَلَفِ النّاسِ.

وانْتَصَبَ جِهارًا بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الدَّعْوَةِ.

وانْتَصَبَ إسْرارًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُفِيدٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: إسْرارًا خَفِيًّا.

ووَجْهُ تَوْكِيدِ الإسْرارِ أنَّ إسْرارَ الدَّعْوَةِ كانَ في حالِ دَعْوَتِهِ سادَتَهم وقادَتَهم؛ لِأنَّهم يَمْتَعِضُونَ مِن إعْلانِ دَعَوْتِهِمْ بِمَسْمَعٍ مِن أتْباعِهِمْ.

وفَصَّلَ دَعْوَتَهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ فَقالَ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ فَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قالَهُ لَهم لَيْلًا ونَهارًا وجِهارًا وإسْرارًا.

ومَعْنى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾، آمِنُوا إيمانًا يَكُونُ اسْتِغْفارًا لِذَنْبِكم فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ غَفَرَ اللَّهُ لَكم.

وعَلَّلَ ذَلِكَ لَهم بِأنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِالغُفْرانِ صِفَةً ثابِتَةً تَعَهَّدَ اللَّهُ بِها لِعِبادِهِ المُسْتَغْفِرِينَ، فَأفادَ التَّعْلِيلَ بِحَرْفِ (إنَّ) وأفادَ ثُبُوتَ الصِّفَةِ لِلَّهِ بِذِكْرِ فِعْلِ (كانَ) . وأفادَ كَمالَ غُفْرانِهِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ بِقَوْلِهِ غَفّارًا.

صفحة ١٩٨

وهَذا وعْدٌ بِخَيْرِ الآخِرَةِ ورُتِّبَ عَلَيْهِ وعْدٌ بِخَيْرِ الدُّنْيا بِطَرِيقِ جَوابِ الأمْرِ، وهو ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ.

وكانُوا أهْلَ فِلاحَةٍ فَوَعَدَهم بِنُزُولِ المَطَرِ الَّذِي بِهِ السَّلامَةُ مِنَ القَحْطِ وبِالزِّيادَةِ في الأمْوالِ.

والسَّماءُ: هُنا المَطَرُ، ومِن أسْماءِ المَطَرِ السَّماءُ. وفي حَدِيثِ المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: أنَّهُ قالَ: «صَلّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ»، الحَدِيثَ. وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ:

إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا

والمِدْرارُ: الكَثِيرَةُ الدَّرِّ والدُّرُورِ، وهو السَّيَلانُ، يُقالُ: دَرَّتِ السَّماءُ بِالمَطَرِ، وسَماءٌ مِدْرارٌ.

ومَعْنى ذَلِكَ: أنْ يَتْبَعَ بَعْضُ الأمْطارِ بَعْضًا.

ومِدْرارٌ، زِنَةُ مُبالَغَةٍ، وهَذا الوَزْنُ لا تَلْحَقُهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ إلّا نادِرًا كَما في قَوْلِ سَهْلِ بْنِ مالِكٍ الفَزارِيِّ:

أصْبَحَ يَهْوى حُرَّةً مِعْطارَةَ

فَلِذَلِكَ لَمْ تُلْحَقُ التّاءُ هُنا مَعَ أنَّ اسْمَ السَّماءِ مُؤَنَّثٌ.

والإرْسالُ: مُسْتَعارٌ لِلْإيصالِ والإعْطاءِ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلَيْكم)؛ لِأنَّهُ إيصالٌ مِن عُلُوٍّ كَقَوْلِهِ ﴿وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ﴾ [الفيل: ٣] .

وأمْوالٌ: جَمْعُ مالٍ وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَكْسَبٍ يَبْذُلُهُ المَرْءُ في اقْتِناءِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ.

والمُرادُ بِالجَنّاتِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ النَّخِيلَ والأعْنابَ،؛ لِأنَّ الجَنّاتِ تَحْتاجُ إلى السَّقْيِ.

وإعادَةُ فِعْلِ (يَجْعَلْ) بَعْدَ واوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ لِلتَّوْكِيدِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ المَعْطُوفِ؛ لِأنَّ الأنْهارَ قِوامُ الجَنّاتِ وتَسْقِي المَزارِعَ والأنْعامَ.

صفحة ١٩٩

وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنْ اللَّهَ يُجازِي عِبادَهُ الصّالِحِينَ بِطِيبِ العَيْشِ قالَ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] وقالَ ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦] وقالَ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] .

71:13–14Page 571

مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا ١٣

What is [the matter] with you that you do not attribute to Allāh [due] grandeur

وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا ١٤

While He has created you in stages?1

﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ بَدَّلَ خِطابَهُ مَعَ قَوْمِهِ مِن طَرِيقَةِ النُّصْحِ والأمْرِ إلى طَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ بِقَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ .

وهُوَ اسْتِفْهامٌ صُورَتُهُ صُورَةُ السُّؤالِ عَنْ أمْرٍ ثَبَتَ لَهم في حالِ انْتِفاءِ رَجائِهِمْ تَوْقِيرَ اللَّهِ.

والمَقْصُودُ أنَّهُ لا شَيْءَ يَثْبُتُ لَهم صارِفٌ عَنْ تَوْقِيرِ اللَّهِ فَلا عُذْرَ لَكم في عَدَمِ تَوْقِيرِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا تَرْجُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، وكَلِمَةُ (ما لَكَ) ونَحْوُها تُلازِمُها حالٌ بَعْدَها نَحْوَ ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] .

وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ وفي تَعَلُّقِ مَعْمُولاتِهِ بِعَوامِلِهِ عَلى أقْوالٍ: بَعْضُها يَرْجِعُ إلى إبْقاءِ مَعْنى الرَّجاءِ عَلى مَعْناهُ المَعْرُوفِ وهو تَرَقُّبُ الأمْرِ، وكَذَلِكَ مَعْنى الوَقارِ عَلى المُتَعارَفِ وهو العَظَمَةُ المُقْتَضِيَةُ لِلْإجْلالِ، وبَعْضُها يَرْجِعُ إلى تَأْوِيلِ مَعْنى الرَّجاءِ، وبَعْضُها إلى تَأْوِيلِ مَعْنى الوَقارِ، ويَتَرَكَّبُ مِنَ الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ ومِنَ التَّأْوِيلِ أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ في كِلَيْهِما، أوْ أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ في أحَدِهِما مَعَ إبْقاءِ الآخَرِ عَلى ظاهِرِ مَعْناهُ.

فَعَلى حَمْلِ الرَّجاءِ عَلى المَعْنى المُتَعارَفِ الظّاهِرِ وحَمْلِ الوَقارِ كَذَلِكَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وابْنُ كَيْسانَ: ما لَكم لا تَرْجُونَ ثَوابًا مِنَ اللَّهِ ولا تَخافُونَ عِقابًا، أيْ: فَتَعْبُدُوهُ راجِينَ أنْ يُثِيبَكم عَلى عِبادَتِكم وتَوْقِيرِكم إيّاهُ. وهَذا التَّفْسِيرُ يَنْحُو إلى أنْ يَكُونَ في الكَلامِ اكْتِفاءٌ، أيْ: ولا تَخافُونَ

صفحة ٢٠٠

عِقابًا. وإنَّ نُكْتَةَ الِاكْتِفاءِ بِالتَّعَجُّبِ مِن عَدَمِ رَجاءِ الثَّوابِ: أنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَقْصِدَهُ أهْلُ الرَّشادِ والتَّقْوى. وإلى هَذا المَعْنى قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: إذْ صَدَّرَ بِقَوْلِهِ: ما لَكم لا تَكُونُونَ عَلى حالٍ تَأْمُلُونَ فِيها تَعْظِيمَ اللَّهِ إيّاكم في دارِ الثَّوابِ.

وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الكَلامُ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةً عَنْ حَثِّهِمْ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ رَجاءَ ثَوابِهِ وخَوْفَ عِقابِهِ؛ لِأنَّ مَن رَجا تَعْظِيمَ اللَّهِ إيّاهُ آمَنَ بِهِ وعَبَدَهُ وعَمِلَ الصّالِحاتِ.

وعَلى تَأْوِيلِ مَعْنى الرَّجاءِ قالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مَعْنى ﴿لا تَرْجُونَ﴾ لا تُبالُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً. قالَ قُطْرُبٌ: هَذِهِ لُغَةٌ حِجازِيَّةٌ لِمُضَرَ وهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ يَقُولُونَ: لَمْ أرْجُ أيْ: لَمْ أُبالِ، وقالَ الوالِبِيُّ والعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَعْنى ﴿لا تَرْجُونَ﴾ لا تَعْلَمُونَ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: لا تَرَوْنَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَألَهُ عَنْها نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ، فَأجابَهُ أنَّ الرَّجاءَ بِمَعْنى الخَوْفِ، وأنْشَدَ قَوْلَ أبِي ذُؤَيْبٍ:

إذا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها وحالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَواسِلُ

أيْ: لَمْ يَخَفْ لَسْعَها واسْتَمَرَّ عَلى اشْتِيارِ العَسَلِ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما يُوضَعُ الرَّجاءُ مَوْضِعَ الخَوْفِ؛ لِأنَّ مَعَ الرَّجاءِ طَرَفًا مِنَ الخَوْفِ مِنَ النّاسِ ومِن ثَمَّ اسْتُعْمِلَ الخَوْفُ بِمَعْنى العِلْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ خِفْتُمْ أنْ لا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآيَةَ. والمَعْنى: لا تَخافُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ وقُدْرَتَهُ بِالعُقُوبَةِ.

وعَلى تَأْوِيلِ الوَقارِ قالَ قَتادَةُ: الوَقارُ: العاقِبَةُ، أيْ: ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ عاقِبَةً، أيْ: عاقِبَةَ الإيمانِ، أيْ: أنَّ الكَلامَ كِنايَةٌ عَنِ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِاللَّهِ، وجَعَلَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ الوَقارَ بِمَعْنى الثَّباتِ، قالَ: ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أيْ: اثْبُتْنَ، ومَعْناهُ: ما لَكم لا تُثْبِتُونَ وحْدانِيَّةَ اللَّهِ.

وتَتَرَكَّبُ مِن هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ مَعانٍ أُخْرى مِن كَوْنِ الوَقارِ مُسْنَدًا في التَّقْرِيرِ إلى فاعِلِهِ أوْ إلى مَفْعُولِهِ، وهي لا تَخْفى.

وأمّا قَوْلُهُ (لِلَّهِ) فالأظْهَرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَرْجُونَ)، ويَجُوزُ في بَعْضِ التَّأْوِيلاتِ الماضِيَةِ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (وقارًا): إمّا تَعَلُّقَ فاعِلِ المَصْدَرِ بِمَصْدَرِهِ فَتَكُونُ اللّامُ

صفحة ٢٠١

فِي قَوْلِهِ (لِلَّهِ) لِشِبْهِ المِلْكِ، أيْ: الوَقارَ الَّذِي هو تَصَرُّفُ اللَّهِ في خَلْقِهِ إنْ شاءَ أنْ يُوَقِّرَكم، أيْ: يُكْرِمَكم بِالنَّعِيمِ، وإمّا تَعَلُّقَ مَفْعُولِ المَصْدَرِ، أيْ: أنْ تُوَقِّرُوا اللَّهَ وتَخْشَوْهُ ولا تَتَهاوَنُوا بِشَأْنِهِ تَهاوُنَ مَن لا يَخافُهُ فَتَكُونُ اللّامُ لامَ التَّقْوِيَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (لَكم) أوْ ضَمِيرِ تَرْجُونَ، أيْ: في حالِ تَحَقُّقِكم أنَّهُ خَلَقَكم أطْوارًا.

فَأمّا أنَّهُ خَلَقَهم فَمُوجِبٌ لِلِاعْتِرافِ بِعَظَمَتِهِ؛ لِأنَّهُ مُكَوِّنُهم وصانِعُهم فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الِاعْتِرافُ بِجَلالِهِ.

وأمّا كَوْنُ خَلْقِهِمْ أطْوارًا فَلِأنَّ الأطْوارَ الَّتِي يَعْلَمُونَها دالَّةٌ عَلى رِفْقِهِ بِهِمْ في ذَلِكَ التَّطَوُّرِ، فَذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِكُفْرِهِمُ النِّعْمَةَ، ولِأنَّ الأطْوارَ دالَّةٌ عَلى حِكْمَةِ الخالِقِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فَإنَّ تَطَوُّرَ الخَلْقِ مِن طَوْرِ النُّطْفَةِ إلى طَوْرِ الجَنِينِ إلى طَوْرِ خُرُوجِهِ طِفْلًا إلى طَوْرِ الصِّبا إلى طَوْرِ بُلُوغِ الأشُدِّ إلى طَوْرِ الشَّيْخُوخَةِ وطُرُوِّ المَوْتِ عَلى الحَياةِ وطَوْرِ البِلى عَلى الأجْسادِ بَعْدَ المَوْتِ، كُلُّ ذَلِكَ والذّاتُ واحِدَةٌ، فَهو دَلِيلٌ عَلى تَمَكُّنِ الخالِقِ مِن كَيْفِيّاتِ الخَلْقِ والتَّبْدِيلِ في الأطْوارِ، وهم يُدْرِكُونَ ذَلِكَ بِأدْنى التِفاتِ الذِّهْنِ، فَكانُوا مَحْقُوقِينَ بِأنْ يَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى مَعْرِفَةِ عَظَمَةِ اللَّهِ وتَوَقُّعِ عِقابِهِ؛ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى ذَلِكَ قائِمَةٌ بِأنْفُسِهِمْ، وهَلِ التَّصَرُّفُ فِيهِمْ بِالعِقابِ والإثابَةِ إلّا دُونَ التَّصَرُّفِ فِيهِمْ بِالكَوْنِ والفَسادِ.

والأطْوارُ: جَمْعُ طَوْرٍ، بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، والطَّوْرُ: التّارَةُ، وهي المَرَّةُ مِنَ الأفْعالِ أوْ مِنَ الزَّمانِ، فَأُرِيدَ مِنَ الأطْوارِ هُنا ما يَحْصُلُ في المَرّاتِ والأزْمانِ مِن أحْوالٍ مُخْتَلِفَةٍ،؛ لِأنَّهُ لا يُقْصَدُ مِن تَعَدُّدِ المَرّاتِ والأزْمانِ إلّا تَعَدُّدُ ما يَحْصُلُ فِيها، فَهو تَعَدُّدٌ بِالنَّوْعِ لا بِالتَّكْرارِ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

فَإنْ أفاقَ لَقَدْ طالَتْ عَمايَتُهُ ∗∗∗ والمَرْءُ يُخْلَقُ طَوْرًا بَعْدَ أطْوارِ

وانْتَصَبَ أطْوارًا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، أيْ: تَطَوُّرِ خَلْقِهِمْ؛ لِأنَّ أطْوارًا صارَ في تَأْوِيلِ أحْوالًا في أطْوارٍ.

71:15–16Page 571

أَلَمۡ تَرَوۡاْ كَيۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗا ١٥

Do you not consider how Allāh has created seven heavens in layers1

وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا ١٦

And made the moon therein a [reflected] light and made the sun a burning lamp?

صفحة ٢٠٢

﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ إنْ كانَ هَذا مِن حِكايَةِ كَلامِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ كَما جَرى عَلَيْهِ كَلامُ المُفَسِّرِينَ، كانَ تَخَلُّصًا مِنَ التَّوْبِيخِ والتَّعْرِيضِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِآثارِ وُجُودِ اللَّهِ ووَحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ، مِمّا في أنْفُسِهِمْ مِنَ الدَّلائِلِ، إلى ما في العالَمِ مِنها، لِما عَلِمْتَ مِن إيذانِ قَوْلِهِ ﴿وقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ [نوح: ١٤] مِن تَذْكِيرٍ بِالنِّعْمَةِ وإقامَةٍ لِلْحُجَّةِ، فَتَخَلَّصَ مِنهُ لِذِكْرِ حُجَّةٍ أُخْرى فَكانَ قَدْ نَبَّهَهم عَلى النَّظَرِ في أنْفُسِهِمْ أوَّلًا لِأنَّها أقْرَبُ ما يُحِسُّونَهُ ويَشْعُرُونَ بِهِ ثُمَّ عَلى النَّظَرِ في العالَمِ وما سُوِّيَ فِيهِ مِنَ العَجائِبِ الشّاهِدَةِ عَلى الخالِقِ العَلِيمِ القَدِيرِ.

وإنْ كانَ مِن خِطابِ اللَّهِ تَعالى لِلْأُمَّةِ وهو ما يَسْمَحُ بِهِ سِياقُ السُّورَةِ مِنَ الِاعْتِبارِ بِأحْوالِ الأُمَمِ الماضِيَةِ المُساوِيَةِ لِأحْوالِ المُشْرِكِينَ كانَ هَذا الكَلامُ اعْتِراضًا لِلْمُناسَبَةِ.

والهَمْزَةُ في (ألَمْ تَرَوْا) لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ مُكَنًّى بِهِ عَنِ الإنْكارِ عَنْ عَدَمِ العِلْمِ بِدَلائِلَ ما يَرَوْنَهُ.

والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً أيْ: ألَمْ تَعْلَمُوا، فَيَدْخُلُ فِيهِ المَرْئِيُّ مِن ذَلِكَ. وانْتَصَبَ (كَيْفَ) عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِـ تَرَوْا، فَـ (كَيْفَ) هُنا مُجَرَّدَةٌ عَنِ الِاسْتِفْهامِ مُتَمَحِّضَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى الكَيْفِيَّةِ، أيِ: الحالَةِ.

والمَعْنى: ألَسْتُمْ تَرَوْنَ هَيْئَةَ وحالَةَ خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ.

والسَّماواتُ: هُنا هي مَداراتٌ بِمَعْنى الكَواكِبِ فَإنَّ لِكُلِّ كَوْكَبٍ مَدارًا قَدْ يَكُونُ هو سَماءَهُ.

وقَوْلُهُ ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُ (سَبْعَ) مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، أوْ مِن أُمَّةِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ بِأنْ يَكُونُوا عَلِمُوا ذَلِكَ مِن قَبْلُ؛ فَيَكُونُ مِمّا شَمِلَهُ فِعْلُ (ألَمْ تَرَوْا) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيمًا لِلْمُخاطَبِينَ عَلى طَرِيقَةِ الإدْماجِ، ولَعَلَّهم كانُوا سَلَفًا لِلْكَلْدانِيِّينَ في ذَلِكَ.

و(طِباقًا): بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّها مُنْفَصِلٌ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ وأنْ بَعْضَها أعْلى مِن بَعْضٍ، سَواءٌ كانَتْ مُتَماسَّةً أوْ كانَ بَيْنَها ما يُسَمّى بِالخَلاءِ.

صفحة ٢٠٣

وقَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ صالِحٌ لِاعْتِبارِ القَمَرِ مِنَ السَّماواتِ، أيْ: الكَواكِبُ عَلى الِاصْطِلاحِ القَدِيمِ المَبْنِيِّ عَلى المُشاهَدَةِ،؛ لِأنَّ ظَرْفِيَّةَ (في) تَكُونُ لِوُقُوعِ المَحْوِيِّ في حاوِيَةٍ مِثْلَ الوِعاءِ، وتَكُونُ لِوُقُوعِ الشَّيْءِ بَيْنَ جَماعَتِهِ، كَما في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ ”«وتَبْقى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيها مُنافِقُوها» “، وقَوْلُ النُّمَيْرِيِّ:

تَضَوَّعَ مِسْكًا بَطْنُ نُعْمانَ أنْ مَشَتْ بِهِ زَيْنَبُ في نِسْوَةٍ خَفِراتِ

والقَمَرُ كائِنٌ في السَّماءِ المُماسَّةِ لِلْأرْضِ وهي المُسَمّاةُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا، واللَّهُ أعْلَمُ بِأبْعادِها.

وقَوْلُهُ ﴿وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ هو بِتَقْدِيرِ: وجَعَلَ الشَّمْسَ فِيهِنَّ سِراجًا، والشَّمْسُ مِنَ الكَواكِبِ.

والإخْبارُ عَنِ القَمَرِ بِأنَّهُ نُورٌ مُبالَغَةٌ في وصْفِهِ بِالإنارَةِ بِمَنزِلَةِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ. والقَمَرُ يُنِيرُ ضَوْءُهُ الأرْضَ إنارَةً مُفِيدَةً بِخِلافِ غَيْرِهِ مِن نُجُومِ اللَّيْلِ فَإنَّ إنارَتَها لا تُجْدِي البَشَرَ.

والسِّراجُ: المِصْباحُ الزّاهِرُ نُورُهُ الَّذِي يُوقَدُ بِفَتِيلَةٍ في الزَّيْتِ يُضِيءُ التِهابُها المُعَدَّلُ بِمِقْدارِ بَقاءِ مادَّةِ الزَّيْتِ تَغْمُرُها.

والإخْبارُ عَنِ الشَّمْسِ مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ وهو تَشْبِيهٌ، والقَصْدُ مِنهُ تَقْرِيبُ المُشَبَّهِ مِن إدْراكِ السّامِعِ، فَإنَّ السِّراجَ كانَ أقْصى ما يُسْتَضاءُ بِهِ في اللَّيْلِ وقَلَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَتَّخِذُهُ وإنَّما كانُوا يَرَوْنَهُ في أدْيِرَةِ الرُّهْبانِ أوْ قُصُورِ المُلُوكِ وأضْرابِهِمْ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحَ راهِبٍ ∗∗∗ أمالَ الذَّبالَ بِالسَّلِيطِ المُفَتَّلِ

ووَصَفُوا قَصْرَ غُمْدانَ بِالإضاءَةِ عَلى الطَّرِيقِ لَيْلًا.

ولَمْ يُخْبَرْ عَنِ الشَّمْسِ بِالضِّياءِ كَما في آيَةِ سُورَةِ يُونُسَ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ [يونس: ٥]، والمَعْنى واحِدٌ وهو الإضاءَةُ، فَلَعَلَّ إيثارَ السِّراجِ هُنا لِمُقارَبَةِ تَعْبِيرِ نُوحٍ في لُغَتِهِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ،؛ لِأنَّ الفَواصِلَ الَّتِي قَبْلَها جاءَتْ عَلى حُرُوفٍ صَحِيحَةٍ ولَوْ قِيلَ: ضِياءٌ، لَصارَتِ الفاصِلَةُ هَمْزَةً والهَمْزَةُ قَرِيبَةٌ مِن حُرُوفِ العِلَّةِ فَيَثْقُلُ الوَقْفُ عَلَيْها.

صفحة ٢٠٤

وفِي جَعْلِ القَمَرِ نُورًا إيماءٌ إلى أنَّ ضَوْءَ القَمَرِ لَيْسَ مِن ذاتِهِ فَإنَّ القَمَرَ مُظْلِمٌ وإنَّما يَسْتَضِيءُ بِانْعِكاسِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ عَلى ما يَسْتَقْبِلُها مِن وجْهِهِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ ذَلِكَ الِاسْتِقْبالِ مِن تَبَعُّضٍ وتَمامٍ وهو أثَرُ ظُهُورِهِ هِلالًا ثُمَّ اتِّساعُ اسْتِنارَتِهِ إلى أنْ يَصِيرَ بَدْرًا، ثُمَّ ارْتِجاعُ ذَلِكَ، وفي تِلْكَ الأحْوالِ يُضِيءُ عَلى الأرْضِ إلى أنْ يَكُونَ المَحاقُ. وبِعَكْسِ ذَلِكَ جُعِلَتِ الشَّمْسُ سِراجًا لِأنَّها مُلْتَهِبَةٌ وأنْوارُها ذاتِيَّةٌ فِيها صادِرَةٌ عَنْها إلى الأرْضِ وإلى القَمَرِ مِثْلَ أنْوارِ السِّراجِ تَمْلَأُ البَيْتَ وتَلْمَعُ أوانِي الفِضَّةِ ونَحْوِها مِمّا في البَيْتِ مِنَ الأشْياءِ المُقابِلَةِ.

وقَدِ اجْتَمَعَ في قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ اسْتِدْلالٌ وامْتِنانٌ.

71:17–18Page 571

وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا ١٧

And Allāh has caused you to grow from the earth a [progressive] growth.

ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا ١٨

Then He will return you into it and extract you [another] extraction.

﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ أنْشَأ الِاسْتِدْلالَ بِخَلْقِ السَّماواتِ حُضُورَ الأرْضِ في الخَيالِ فَأعْقَبَ نُوحٌ بِهِ دَلِيلَهُ السّابِقَ، اسْتِدْلالًا بِأعْجَبِ ما يَرَوْنَهُ مِن أحْوالِ ما عَلى الأرْضِ وهو حالُ المَوْتِ والإقْبارِ، ومَهَّدَ لِذَلِكَ ما يَتَقَدَّمُهُ مِن إنْشاءِ النّاسِ.

وأدْمَجَ في ذَلِكَ تَعْلِيمَهم بِأنَّ الإنْسانَ مَخْلُوقٌ مِن عَناصِرِ الأرْضِ مِثْلَ النَّباتِ وإعْلامَهم بِأنَّ بَعْدَ المَوْتِ حَياةً أُخْرى.

وأُطْلِقَ عَلى مَعْنى: أنْشَأكم، فِعْلُ أنْبَتَكم لِلْمُشابَهَةِ بَيْنَ إنْشاءِ الإنْسانِ وإنْباتِ النَّباتِ مِن حَيْثُ إنَّ كِلَيْهِما تَكْوِينٌ كَما قالَ تَعالى ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧]، أيْ: أنْشَأها وكَما يَقُولُونَ: زَرَعَكَ اللَّهُ لِلْخَيْرِ، ويَزِيدُ وجْهَ الشَّبَهِ هُنا قُرْبًا مِن حَيْثُ إنَّ إنْشاءَ الإنْسانِ مُرَكَّبٌ مِن عَناصِرِ الأرْضِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ أنْبَتَ أصْلَكم، أيْ: آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، قالَ تَعالى ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] .

ونَباتًا: اسْمٌ مِن أنْبَتَ، عُومِلَ مُعامَلَةَ المَصْدَرِ فَوَقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِـ (أنْبَتَكم) لِلتَّوْكِيدِ، ولَمْ يَجْرِ عَلى قِياسِ فِعْلِهِ فَيُقالُ: إنْباتًا،؛ لِأنَّ نَباتًا أخَفُّ فَلَمّا تَسَنّى الإتْيانُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فَصِيحٌ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ إلى الثَّقِيلِ كَمالًا في الفَصاحَةِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ (إخْراجًا) فَإنَّهُ لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ إلى: خُرُوجًا، لِعَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِألْفاظِ

صفحة ٢٠٥

الفَواصِلِ قَبْلَهُ المَبْنِيَّةِ عَلى ألِفٍ مِثْلِ ألِفِ التَّأْسِيسِ فَكَما تُعَدُّ مُخالَفَتُها في القافِيَةِ عَيْبًا كَذَلِكَ تُعَدُّ المُحافَظَةُ عَلَيْها في الأسْجاعِ والفَواصِلِ كَمالًا.

وقَدْ أُدْمِجَ الإنْذارُ بِالبَعْثِ في خِلالِ الِاسْتِدْلالِ، ولِكَوْنِهِ أهَمَّ رُتْبَةٍ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِأصْلِ الإنْشاءِ عُطِفَتِ الجُمْلَةُ بِـ (ثُمَّ) الدّالَّةِ عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الجُمْلَةِ هو فِعْلُ ويُخْرِجُكم، وأمّا قَوْلُهُ ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ﴾ فَهو تَمْهِيدٌ لَهُ.

وأكَّدَ (يُخْرِجُكم) بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ لِرَدِّ إنْكارِهِمُ البَعْثَ.

71:19–20Page 571

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطٗا ١٩

And Allāh has made for you the earth an expanse

لِّتَسۡلُكُواْ مِنۡهَا سُبُلٗا فِجَاجٗا ٢٠

That you may follow therein roads of passage.'"

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ هَذا اسْتِدْلالٌ وامْتِنانٌ، ولِذَلِكَ عُلِّقَ بِفِعْلِ (جَعَلَ) مَجْرُورٌ بِلامِ التَّعْلِيلِ وهو (لَكم) أيْ: لِأجْلِكم.

والبِساطُ: ما يُفْرَشُ لِلنَّوْمِ عَلَيْهِ والجُلُوسِ مِن ثَوْبٍ أوْ زُرْبِيَّةٍ، فالإخْبارُ عَنِ الأرْضِ بِبِساطٍ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، أيْ: كالبِساطِ. ووَجْهُ الشَّبَهِ تَناسُبُ سَطْحِ الأرْضِ في تَعادُلِ أجْزائِهِ بِحَيْثُ لا يُوجِعُ أرْجُلَ الماشِينَ ولا يُقِضُّ جُنُوبَ المُضْطَجِعِينَ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ حَجْمَ الأرْضِ كالبِساطِ؛ لِأنَّ حَجْمَ الأرْضِ كُرَوِيٌّ، وقَدْ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالعِلَّةِ الباعِثَةِ في قَوْلِهِ (لَكم)، والعِلَّةِ الغائِبَةِ في قَوْلِهِ ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا﴾ وحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ العِلَّتَيْنِ الإشارَةُ إلى جَمِيعِ النِّعَمِ الَّتِي تَحْصُلُ لِلنّاسِ مِن تَسْوِيَةِ سَطْحِ الأرْضِ مِثْلَ الحَرْثِ والزَّرْعِ، وإلى نِعَمِهِ خاصَّةً وهي السَّيْرُ في الأرْضِ وخُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّها أهَمُّ لِاشْتِراكِ كُلِّ النّاسِ في الِاسْتِفادَةِ مِنها.

والسُّبُلُ: جَمْعُ سَبِيلٍ وهو الطَّرِيقُ، أيْ: لِتَتَّخِذُوا لِأنْفُسِكم سُبُلًا مِنَ الأرْضِ تَهْتَدُونَ بِها في أسْفارِكم.

والفِجاجُ: جَمْعُ فَجٍّ، والفَجُّ: الطَّرِيقُ الواسِعُ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ عَلى الطَّرِيقِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ أوْسَعَ مِنَ الطَّرِيقِ المُعْتادِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском