Ibn 'AshurAl‑Jinn · 72:8–15

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Jinn 72:8–15

72:8–9Page 572

وَأَنَّا لَمَسۡنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدۡنَٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسٗا شَدِيدٗا وَشُهُبٗا ٨

And we have sought [to reach] the heaven but found it filled with powerful guards and burning flames.

وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا ٩

And we used to sit therein in positions for hearing,1 but whoever listens now will find a burning flame lying in wait for him.

﴿وإنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾ ﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾

قَرَأ الجُمْهُورُ ووافَقَهم أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ فَيَكُونُ مِن عَطْفِهِ عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ هو قَوْلُهُ ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ .

والتَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) في قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾) لِغَرابَةِ الخَبَرِ بِاعْتِبارِ ما يَلِيهِ مِن قَوْلِهِ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾) إلَخْ.

صفحة ٢٢٧

واللَّمْسُ: حَقِيقَتُهُ الجَسُّ بِاليَدِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى اخْتِبارِ أمْرٍ؛ لِأنَّ إحْساسَ اليَدِ أقْوى إحْساسٍ، فَشُبِّهَ بِهِ الِاخْتِبارُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ كَما أُطْلِقَ مُرادِفُهُ وهو المَسُّ عَلى الِاخْتِبارِ في قَوْلِ يَزِيدَ بْنِ الحَكَمِ الكِلابِيِّ:

مَسَسْنا مِنَ الآباءِ شَيْئًا فَكُلُّنا إلى نَسَبٍ في قَوْمِهِ غَيْرِ واضِعِ

أيْ: اخْتَبَرْنا نَسَبَ آبائِنا وآبائِكم فَكُنّا جَمِيعًا كِرامَ الآباءِ.

ومُلِئَتْ: مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى كَثُرَ فِيها. وحَقِيقَةُ المَلْءِ غَمْرُ فَراغِ المَكانِ أوِ الإناءِ بِما يَحُلُّ فِيهِ، فَأُطْلِقَ هُنا عَلى كَثْرَةِ الشُّهُبِ والحُرّاسِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ.

والحَرَسُ: اسْمُ جَمْعٍ لِلْحُرّاسِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ مِثْلَ خَدَمٍ، وإنَّما يُعْرَفُ الواحِدُ مِنهُ بِالحَرَسِيِّ. ووُصِفَ بِشَدِيدٍ، وهو مُفْرَدٌ نَظَرًا إلى لَفْظِ حَرَسٍ كَما يُقالُ: السَّلَفُ الصّالِحُ، ولَوْ نُظِرَ إلى ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الآحادِ لَجازَ أنْ يُقالَ: شِدادٌ. والطَّوائِفُ مِنَ الحَرَسِ أحْراسٌ.

والشُّهُبُ: جَمْعُ شِهابٍ، وهو القِطْعَةُ الَّتِي تَنْفَصِلُ عَنْ بَعْضِ النُّجُومِ فَتَسْقُطُ في الجَوِّ أوْ في الأرْضِ أوِ البَحْرِ وتَكُونُ مُضاءَةً عِنْدَ انْفِصالِها ثُمَّ يَزُولُ ضَوْءُها بِبُعْدِها عَنْ مُقابَلَةِ شُعاعِ الشَّمْسِ وتُسَمّى الواحِدُ مِنها عِنْدَ عُلَماءِ الهَيْئَةِ نَيْزَكًا بِاسْمِ الرُّمْحِ القَصِيرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في أوَّلِ سُورَةِ الصّافّاتِ.

والمَعْنى: إنَّنا اخْتَبَرْنا حالَ السَّماءِ لِاسْتِراقِ السَّمْعِ فَوَجَدْناها كَثِيرَةَ الحُرّاسِ مِنَ المَلائِكَةِ، وكَثِيرَةَ الشُّهُبِ لِلرَّجْمِ، فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ الشُّهُبَ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ بَعْثِ النَّبِيءِ ﷺ كَما ظَنَّهُ الجاحِظُ، فَإنَّ العَرَبَ ذَكَرُوا تَساقُطَ الشُّهُبِ في بَعْضِ شِعْرِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ كَما قالَ في الكَشّافِ وذَكَرَ شَواهِدَهُ مِنَ الشِّعْرِ الجاهِلِيِّ.

نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنها أنَّ الشُّهُبَ تَكاثَرَتْ في مُدَّةِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ حِفْظًا لِلْقُرْآنِ مِن دَسائِسِ الشَّياطِينِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾) وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ.

وهَذا الكَلامُ تَوْطِئَةٌ وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِمْ بَعْدَهُ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾) إلى آخِرِهِ، إذِ المَقْصُودُ أنْ يُخْبِرُوا مَن لا خَبَرَ عِنْدَهُ مِن نَوْعِهِمْ بِأنَّهم قَدْ تَبَيَّنُوا سَبَبَ شِدَّةِ حِراسَةِ السَّماءِ وكَثْرَةِ الشُّهُبِ فَإنَّ المُخْبَرِينَ - بِفَتْحِ الباءِ - يُشاهِدُونَهُ.

صفحة ٢٢٨

وقَوْلُهُ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾) إلَخْ، قَرَأهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ الَّذِينَ قَرَءُوا بِالكَسْرِ قَوْلَهُ (﴿وإنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾) وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ الَّذِينَ قَرَءُوا بِالفَتْحِ وهَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا لَمَسْنا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا﴾) . وإنَّما أُعِيدَ مَعَهُ كَلِمَةُ (وإنّا) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الخَبَرَ الَّذِي تَضَمَّنُهُ هو المَقْصُودُ وأنَّ ما قَبْلَهُ كالتَّوْطِئَةِ لَهُ، فَإعادَةُ (وإنّا) تَوْكِيدٌ لَفْظِيٌّ.

وحَقِيقَةُ القُعُودِ الجُلُوسُ وهو ضِدُّ القِيامِ، أيْ: هو جَعْلُ النِّصْفِ الأسْفَلِ مُباشِرًا لِلْأرْضِ مُسْتَقِرًّا عَلَيْها وانْتِصابُ النِّصْفِ الأعْلى. وهو هُنا مَجازٌ في مُلازَمَةِ المَكانِ زَمَنًا طَوِيلًا؛ لِأنَّ مُلازَمَةَ المَكانِ مِن لَوازِمِ القُعُودِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] .

والمَقاعِدُ: جَمْعُ مَقْعَدٍ، وهو مَفْعَلٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ القُعُودُ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى مَكانِ المُلازَمَةِ فَإنَّ القُعُودَ يُطْلَقُ عَلى مُلازَمَةِ الحُصُولِ، كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا

واللّامُ في قَوْلِهِ (لِلسَّمْعِ) لامُ العِلَّةِ أيْ: لِأجْلِ السَّمْعِ، أيْ: لِأنْ نَسْمَعَ ما يَجْرِي في العالَمِ العُلْوِيِّ مِن تَصارِيفِ المَلائِكَةِ بِالتَّكْوِينِ والتَّصْرِيفِ، ولَعَلَّ الجِنَّ مُنْساقُونَ إلى ذَلِكَ بِالجِبِلَّةِ، كَما تَنْساقُ الشَّياطِينُ إلى الوَسْوَسَةِ، وضَمِيرُ (مِنها) لِلسَّماءِ.

و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، أيْ: مِن ساحاتِها وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ (نَقْعُدُ)، ولَيْسَ المَجْرُورُ حالًا مِن (مَقاعِدَ) مُقَدَّمًا عَلى صاحِبِهِ؛ لِأنَّ السِّياقَ في الكَلامِ عَلى حالِهِمْ في السَّماءِ فالعِنايَةُ بِمُتَعَلِّقِ فِعْلِ القُعُودِ أوْلى، ونَظِيرُهُ قَوْلُ كَعْبٍ:

يَمْشِي القُرادُ عَلَيْها ثُمَّ يُزْلِقُهُ ∗∗∗ مِنها لَبانٌ وأقْرَبُ زَهالِيلُ

فَقَوْلُهُ (مِنها) مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (يُزْلِقُهُ) ولَيْسَ حالًا مِن (لَبانٍ) .

واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ جَرى عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ مَبْحَثٌ في مَباحِثِ فَصاحَةِ الكَلِماتِ نَسَبَهُ ابْنُ الأثِيرِ في المَثَلِ السّائِرِ إلى ابْنِ سِنانٍ الخَفاجِيِّ فَقالَ: إنَّهُ قَدْ يَجِيءُ مِنَ الكَلامِ ما مَعَهُ قَرِينُهُ فَأوْجَبَ قُبْحَهُ كَقَوْلِ الرَّضِيِّ في رِثاءِ الصّابِي:

أعْزِزْ عَلَيَّ بِأنْ أراكَ وقَدْ خَلا ∗∗∗ عَنْ جانِبَيْكَ مَقاعِدُ العُوّادِ

فَإنَّ إيرادَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أيْ: (مَقاعِدَ) في هَذا المَوْضِعِ صَحِيحٌ إلّا أنَّهُ يُوافِقُ ما

صفحة ٢٢٩

يُكْرَهُ ذِكْرُهُ لا سِيَّما وقَدْ أضافَهُ إلى مَن يُحْتَمَلُ إضافَتُهُ - أيْ: ما يُكْرَهُ - إلَيْهِ وهُمُ العُوّادُ. ولَوِ انْفَرَدَ لَكانَ الأمْرُ فِيهِ سَهْلًا. قالَ ابْنُ الأثِيرِ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ المَعِيبَةُ في شِعْرِ الرَّضِيِّ قَدْ جاءَتْ في القُرْآنِ فَجاءَتْ حَسَنَةً مَرْضِيَّةً في قَوْلِهِ تَعالى ﴿تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] وقَوْلِهِ ﴿وأنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾، ألا تَرى أنَّها في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ غَيْرُ مُضافَةٍ إلى مَن تَقْبُحُ إضافَتُها إلَيْهِ، ولَوْ قالَ الشّاعِرُ بَدَلًا مِن مَقاعِدِ العُوّادِ مَقاعِدَ الزِّيارَةِ لَزالَتْ تِلْكَ الهُجْنَةُ اهـ. وأقُولُ: إنَّ لِمُصْطَلَحاتِ النّاسِ في اسْتِعْمالِ الكَلِماتِ أثَرًا في وقْعِ الكَلِماتِ عِنْدَ الأفْهامِ.

والفاءُ الَّتِي فُرِّعَتْ ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (كُنّا)، وتَرَتَّبَ الشَّرْطُ وجَزاؤُهُ عَلَيْهِ. وتَقْدِيرُهُ: كُنّا نَقْعُدُ مِنها - أيْ: مِنَ السَّماءِ - مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَنَسْتَمِعُ أشْياءَ، فَمَن يَسْتَمِعُ الآنَ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ السَّماعِ.

وكَلِمَةُ (الآنَ) مُقابِلُ كَلِمَةِ (كُنّا)، أيْ: كانَ ذَلِكَ ثُمَّ انْقَضى.

وجِيءَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وجَوابِهِ في التَّفْرِيعِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ تَحْذِيرُ إخْوانِهِمْ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلِاسْتِماعِ؛ لِأنَّ المُسْتَمِعَ يَتَعَرَّضُ لِأذى الشُّهُبِ.

والجِنُّ لا تَنْكُفُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم مُنْساقُونَ إلَيْهِ بِالطَّبْعِ مَعَ ما يَنالُهم مِن أذى الرَّجْمِ والِاحْتِراقِ، شَأْنَ انْسِياقِ المَخْلُوقاتِ إلى ما خُلِقَتْ لَهُ مِثْلَ تَهافُتِ الفَراشِ عَلى النّارِ، لِاحْتِمالِ ضَعْفِ القُوَّةِ المُفَكِّرَةِ في الجِنِّ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَيْها الشَّهْوَةُ، ونَحْنُ نَرى البَشَرَ يَقْتَحِمُونَ الأخْطارَ والمَهالِكَ تَبَعًا لِلْهَوى مِثْلَ مُغامَراتِ الهُواةِ في البِحارِ والجِبالِ والثُّلُوجِ.

ووُقُوعُ شِهابًا في سِياقِ الشَّرْطِ يُفِيدُ العُمُومَ؛ لِأنَّ سِياقَ الشَّرْطِ بِمَنزِلَةِ سِياقِ النَّفْيِ في إفادَةِ عُمُومِ النَّكِرَةِ.

والرَّصَدُ: اسْمُ جَمْعِ راصِدٍ، وهو الحافِظُ لِلشَّيْءِ وهو وصْفٌ لِـ (شِهابًا)، أيْ: شُهُبًا راصِدَةً، ووَصْفُها بِالرَّصَدِ اسْتِعارَةٌ شُبِّهَتْ بِالحُرّاسِ الرّاصِدِينَ. وهَذا إشارَةٌ إلى انْقِراضِ الكِهانَةِ إذِ الكاهِنُ يَتَلَقّى مِنَ الجِنِّيِّ أنْباءً مُجْمَلَةً بِما يَتَلَقَّفُهُ الجِنِّيُّ مِن خَبَرِ الغَيْبِ تَلَقُّفَ اخْتِطافٍ ناقِصًا فَيُكْمِلُهُ الكاهِنُ بِحَدْسِهِ بِما يُناسِبُ مَجارِيَ أحْوالِ قَوْمِهِ وبَلَدِهِ. وفي الحَدِيثِ ”فَيَزِيدُ عَلى تِلْكَ الكَلِمَةِ مِائَةَ كِذْبَةٍ“ .

صفحة ٢٣٠

وأمّا اتِّصالُ نُفُوسِ الكُهّانِ بِالنُّفُوسِ الشَّيْطانِيَّةِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَناسُبٍ بَيْنَ النُّفُوسِ، ومُعْظَمُهُ أوْهامٌ «. وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الكُهّانِ فَقالَ لَيْسُوا بِشَيْءٍ» .

أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الجِنُّ يَسْتَمِعُونَ الوَحْيَ - أيْ: وحْيَ اللَّهِ إلى المَلائِكَةِ بِتَصارِيفِ الأُمُورِ - فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنِعُوا، فَقالُوا: ما هَذا إلّا لِأمْرٍ حَدَثَ، فَضَرَبُوا في الأرْضِ يَتَحَسَّسُونَ السَّبَبَ فَلَمّا وجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ قائِمًا يُصَلِّي بِمَكَّةَ قالُوا: هَذا الَّذِي حَدَثَ في الأرْضِ فَقالُوا لِقَوْمِهِمْ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] الآيَةَ، وأنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ ﴿قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١] وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ اهـ.

ولَعَلَّ كَيْفِيَّةَ حُدُوثِ رَجْمِ الجِنِّ بِالشُّهُبِ كانَ بِطَرِيقَةِ تَصْرِيفِ الوَحْيِ إلى المَلائِكَةِ في مَجارٍ تَمُرُّ عَلى مَواقِعِ انْقِضاضِ الشُّهُبِ حَتّى إذا اتَّصَلَتْ قُوى الوَحْيِ بِمَوْقِعِ أحَدِ الشُّهُبِ انْفَصَلَ الشِّهابُ بِقُوَّةِ ما يَغُطُّهُ مِنَ الوَحْيِ فَسَقَطَ مَعَ مَجْرى الوَحْيِ لِيَحْرُسَهُ مِنِ اقْتِرابِ المُسْتَرِقِ حَتّى يَبْلُغَ إلى المَلَكِ المُوحى إلَيْهِ فَلا يَجِدُ في طَرِيقِهِ قُوَّةً شَيْطانِيَّةً أوْ جِنِّيَّةً إلّا أحْرَقَها وبَخَّرَها فَهَلَكَتْ أوِ اسْتُطِيرَتْ، وبِذَلِكَ بَطَلَتِ الكِهانَةُ وكانَ ذَلِكَ مِن خَصائِصِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.

72:10Page 572

وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا ١٠

And we do not know [therefore] whether evil is intended for those on earth or whether their Lord intends for them a right course.

﴿وإنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾

قَرَأهُ الجُمْهُورُ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهو ظاهِرُ المَعْنى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ كَما تَقَدَّمَ فَيَكُونُ المَعْنى: وآمَنّا بِأنّا انْتَفى عِلْمُنا بِما يُرادُ بِالَّذِينَ في الأرْضِ، أيْ: النّاسِ، أيْ:؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَرِقُونَ عِلْمَ ذَلِكَ فَلَمّا حُرِسَتِ السَّماءُ انْقَطَعَ عِلْمُهم بِذَلِكَ. هَذا تَوْجِيهُ القِراءَةِ بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنّا) ومُحاوَلَةُ غَيْرِ هَذا تَكَلُّفٌ.

وهَذِهِ نَتِيجَةٌ ناتِجَةٌ عَنْ قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٩]) إلَخْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ السَّمْعَ كانَ لِمَعْرِفَةِ ما يَجْرِي بِهِ الأمْرُ مِنَ اللَّهِ لِلْمَلائِكَةِ ومِمّا يُخْبِرُهم بِهِ مِمّا يُرِيدُ إعْلامَهم بِهِ فَكانُوا عَلى عِلْمٍ مِن بَعْضِ ما يَتَلَقَّفُونَهُ فَلَمّا مُنِعُوا السَّمْعَ صارُوا لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَأخْبَرُوا إخْوانَهم بِهَذا عَساهم أنْ يَعْتَبِرُوا بِأسْبابِ هَذا التَّغَيُّرِ

صفحة ٢٣١

فَيُؤْمِنُوا بِالوَحْيِ الَّذِي حَرَسَهُ اللَّهُ مِن أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أحَدٌ قَبْلَ الَّذِي يُوحى بِهِ إلَيْهِ والَّذِي يَحْمِلُهُ إلَيْهِ.

فَحاصِلُ المَعْنى: إنّا الآنَ لا نَدْرِي ماذا أُرِيدَ بِأهْلِ الأرْضِ مِن شَرٍّ أوْ خَيْرٍ بَعْدَ أنْ كُنّا نَتَجَسَّسُ الخَبَرَ في السَّماءِ.

وهَذا تَمْهِيدٌ لِما سَيَقُولُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا مِنّا الصّالِحُونَ﴾ [الجن: ١١]) ثُمَّ قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ﴾ [الجن: ١٢]) ثُمَّ قَوْلِهِمْ (﴿وإنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ١٣]) إلى قَوْلِهِ ﴿فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] .

ومَفْعُولُ (نَدْرِي) هو ما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ وهو الَّذِي عَلَّقَ فِعْلَ (نَدْرِي) عَنِ العَمَلِ. والِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيٌّ وعادَةُ المُعْرِبِينَ لِمِثْلِهِ أنْ يُقَدِّرُوا مَفْعُولًا يُسْتَخْلَصُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ تَقْدِيرُهُ: لا نَدْرِي جَوابَ هَذا الِاسْتِفْهامِ، وذَلِكَ تَقْدِيرُ مَعْنًى لا تَقْدِيرُ إعْرابٍ. هَذا هو تَفْسِيرُ الآيَةَ عَلى المَعْنى الأكْمَلِ وهي مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] .

ولَيْسَ المُرادُ مِنها فِيما نَرى أنَّهم يَنْفُونَ أنْ يَعْلَمُوا ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذِهِ الشُّهُبِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُناسِبُ ما تَقَدَّمَ مِن أنَّهم آمَنُوا بِالقُرْآنِ إذْ قالُوا (﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ١]) وقَوْلُهم ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] فَذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّهم يَدْرُونَ أنَّ اللَّهَ أرادَ بِمَن في الأرْضِ خَيْرًا بِهَذا الدِّينِ وبِصَرْفِ الجِنِّ عَنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ.

وتَكْرِيرُ (إنَّ) واسْمِها لِلتَّأْكِيدِ لِكَوْنِ هَذا الخَبَرِ مُعَرَّضًا لِشَكِّ السّامِعِينَ مِنَ الجِنِّ الَّذِينَ لَمْ يَخْتَبِرُوا حِراسَةَ السَّماءِ.

والرَّشَدُ: إصابَةُ المَقْصُودِ النّافِعِ وهو وسِيلَةٌ لِلْخَيْرِ، فَلِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ مُقابِلًا لِلشَّرِّ وأُسْنِدَ فِعْلُ إرادَةِ الشَّرِّ إلى المَجْهُولِ ولَمْ يُسْنَدْ إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّ مُقابِلَهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾، جَرْيًا عَلى واجِبِ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعالى في تَحاشِي إسْنادِ الشَّرِّ إلَيْهِ.

72:11Page 572

وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدٗا ١١

And among us are the righteous, and among us are [others] not so; we were [of] divided ways.1

﴿وإنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾

صفحة ٢٣٢

قَرَأ الجُمْهُورُ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِها وهو مِن قَوْلِ الجِنِّ.

وقِراءَةُ فَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ، أيْ: آمَنّا بِأنّا مِنّا الصّالِحُونَ، أيْ: أيْقَنّا بِذَلِكَ وكُنّا في جَهالَةٍ عَنْ ذَلِكَ.

ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ آثارُ التَّوْفِيقِ فَعَلِمُوا أنَّهم أصْبَحُوا فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ صالِحُونَ وفَرِيقٌ لَيْسُوا بِصالِحِينَ، وهم يَعْنُونَ بِالصّالِحِينَ أنْفُسَهم وبِمَن دُونَ الصَّلاحِ بَقِيَّةُ نَوْعِهِمْ، فَلَمّا قامُوا مَقامَ دَعْوَةِ إخْوانِهِمْ إلى اتِّباعِ طَرِيقِ الخَيْرِ لَمْ يُصارِحُوهم بِنِسْبَتِهِمْ إلى الإفْسادِ بَلْ أُلْهِمُوا وقالُوا مِنّا الصّالِحُونَ، ثُمَّ تَلَطَّفُوا فَقالُوا: ومِنّا دُونَ ذَلِكَ، الصّادِقُ بِمَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ في الشَّرِّ والفَسادِ لِيَتَطَلَّبَ المُخاطَبُونَ دَلائِلَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، عَلى أنَّهم تَرَكُوا لَهُمُ احْتِمالَ أنْ يُعْنى بِالصّالِحِينَ الكامِلُونَ في الصَّلاحِ، فَيَكُونُ المَعْنِيُّ بِمَن دُونَ ذَلِكَ مَن هم دُونَ مَرْتَبَةِ الكَمالِ في الصَّلاحِ، وهَذا مِن بَلِيغِ العِباراتِ في الدَّعْوَةِ والإرْشادِ إلى الخَيْرِ.

ودُونَ: اسْمٌ بِمَعْنى (تَحْتَ)، وهو ضِدُّ فَوْقَ، ولِذَلِكَ كَثُرَ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ، أيْ: في مَكانٍ مُنْحَطٍّ عَنِ الصّالِحِينَ.

والتَّقْدِيرُ: ومِنّا فَرِيقٌ في مَرْتَبَةٍ دُونَهم.

وظَرْفِيَّةُ (دُونَ) مَجازِيَّةٌ. ووَقَعَ الظَّرْفُ هُنا ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَرِيقٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ويَطَّرِدُ حَذْفُ المَوْصُوفِ إذا كانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِحَرْفِ (مِن) مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ وكانَتِ الصِّفَةُ ظَرْفًا كَما هُنا، أوْ جُمْلَةً كَقَوْلِ العَرَبِ: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ.

وقَوْلُهُ ﴿كُنّا طَرائِقَ قِدَدًا﴾ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، شَبَّهَ تَخالُفَ الأحْوالِ والعَقائِدِ بِالطَّرائِقِ تُفْضِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنها إلى مَكانٍ لا تُفْضِي إلَيْهِ الأُخْرى.

وطَرائِقُ: جَمْعُ طَرِيقَةٍ، والطَّرِيقَةُ هي الطَّرِيقُ، ولَعَلَّها تَخْتَصُّ بِالطَّرِيقِ الواسِعِ الواضِحِ؛ لِأنَّ التّاءَ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلَ دارٍ ودارَةٍ، ومِثْلَ مَقامٍ ومَقامَةٍ، ولِذَلِكَ شُبِّهَ بِها أفْلاكُ الكَواكِبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] ووُصِفَتْ بِالمُثْلى في قَوْلِهِ ﴿ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] .

ووَصْفُ طَرائِقَ بِـ (قِدَدًا)، وهو اسْمُ جَمْعِ قِدَّةٍ بِكَسْرِ القافِ وتَشْدِيدِ

صفحة ٢٣٣

الدّالِ، والقِدَّةُ: القِطْعَةُ مِن جِلْدٍ ونَحْوِهِ المَقْطُوعَةُ طُولًا كالسَّيْرِ، شُبِّهَتِ الطَّرائِقُ في كَثْرَتِها بِالقِدَدِ المُقْتَطَعَةِ مِنَ الجِلْدِ يَقْطَعُها صانِعُ حِبالِ القِدِّ كانُوا يُقَيِّدُونَ بِها الأسْرى.

والمَعْنى: أنَّهم يَدْعُونَ إخْوَتَهم إلى وحْدَةِ الِاعْتِقادِ بِاقْتِفاءِ هُدى الإسْلامِ، فالخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْرِيضِ بِذَمِّ الِاخْتِلافِ بَيْنَ القَوْمِ وأنَّ عَلى القَوْمِ أنْ يَتَّحِدُّوا ويَتَطَلَّبُوا الحَقَّ لِيَكُونَ اتِّحادُهم عَلى الحَقِّ.

ولَيْسَ المَقْصُودُ مِنهُ فائِدَةَ الخَبَرِ؛ لِأنَّ المُخاطَبِينَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، والتَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ) مُتَوَجِّهٌ إلى المَعْنى التَّعْرِيضِيِّ.

72:12Page 572

وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعۡجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَن نُّعۡجِزَهُۥ هَرَبٗا ١٢

And we have become certain that we will never cause failure to Allāh upon earth, nor can we escape Him by flight.

﴿وإنّا ظَنَنّا أنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾

قَرَأ الجُمْهُورُ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (وإنّا) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] . والتَّقْدِيرُ: وآمَنّا بِأنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ في الأرْضِ. وذِكْرُ فِعْلِ (ظَنَنّا) تَأْكِيدٌ لَفْظِيٌّ لِفِعْلِ (آمَنّا) المُقَدَّرِ بِحَرْفِ العَطْفِ،؛ لِأنَّ الإيمانَ يَقِينٌ وأُطْلِقَ الظَّنُّ هُنا عَلى اليَقِينِ وهو إطْلاقٌ كَثِيرٌ.

لَمّا كانَ شَأْنُ الصَّلاحِ أنْ يَكُونَ مَرْضِيًّا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وشَأْنُ ضِدِّهِ بِعَكْسِ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] أعْقَبُوا لِتَعْرِيضِ الإقْلاعِ عَنْ ضِدِّ الصَّلاحِ بِما يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ قَدْ أعَدَّ لِغَيْرِ الصّالِحِينَ عِقابًا فَأيْقَنُوا أنَّ عِقابَ اللَّهِ لا يُفْلِتُ مِن أحَدٍ اسْتَحَقَّهُ. وقَدَّمُوهُ عَلى الأمْرِ بِالإيمانِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿وإنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى﴾ [الجن: ١٣]) الآيَةَ،؛ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ المَصالِحِ، والتَّخْلِيَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ، وقَدِ اسْتَفادُوا عِلْمَ ذَلِكَ مِمّا سَمِعُوا مِنَ القُرْآنِ ولَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مِن قَبْلُ، إذْ لَمْ يَكُونُوا مُخاطَبِينَ بِتَعْلِيمٍ في أُصُولِ العَقائِدِ، فَلَمّا ألْهَمَهُمُ اللَّهُ لِاسْتِماعِ القُرْآنِ وعَلِمُوا أُصُولَ العَقائِدِ حَذَّرُوا إخْوانَهُمُ اعْتِقادَ الشِّرْكِ، ووَصْفَ اللَّهِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِقادَ الباطِلَ لا يُقِرُّهُ الإدْراكُ المُسْتَقِيمُ بَعْدَ تَنْبِيهِهِ لِبُطْلانِهِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ هَذا النَّفَرَ مِنَ الجِنِّ نَذِيرًا لِإخْوانِهِمْ ومُرْشِدًا إلى الحَقِّ الَّذِي أرْشَدَهم إلَيْهِ القُرْآنُ، وهَذا لا يَقْتَضِي أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ بِشَرائِعِ الإسْلامِ.

صفحة ٢٣٤

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩] الآيَةَ، فَقَدْ أشارَ إلى أنَّ عِقابَهم عَلى الكُفْرِ والإشْراكِ، أوْ أُرِيدَ بِالجِنِّ الشَّياطِينُ فَإنَّ الشَّياطِينَ مِن جِنْسِ الجِنِّ.

والإعْجازُ: جَعْلُ الغَيْرِ عاجِزًا، أيْ: غَيْرَ قادِرٍ عَنْ أمْرٍ بِذِكْرٍ مَعَ ما يَدُلُّ عَلى العَجْزِ وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإفْلاتِ والنَّجاةِ كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطّائِيِّ:

ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها

أيْ: لا تَفُوتُنِي ولا تَخْرُجُ عَنْ مُكْنَتِي.

وذِكْرُ في الأرْضِ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِالهَرَبِ في قَوْلِهِ ﴿ولَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ الهَرَبُ مِنَ الرَّجْمِ بِالشُّهُبِ، أيْ: لا تَطْمَعُوا أنْ تَسْتَرِقُوا السَّمْعَ فَإنَّ رَجْمَ الشُّهُبِ في السَّماءِ لا يُخْطِئُكم، فابْتَدَأُوا الإنْذارَ مِن عَذابِ الدُّنْيا اسْتِنْزالًا لِقَوْمِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (نُعْجِزَ) الأوَّلُ بِمَعْنى مُغالِبٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] أيْ: لا يَغْلِبُونَ قُدْرَتَنا، ويَكُونُ في الأرْضِ مَقْصُودًا بِهِ تَعْمِيمُ الأمْكِنَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ [العنكبوت: ٢٢]، أيْ: في مَكانٍ كُنْتُمْ. والمُرادُ: أنّا لا نَغْلِبُ اللَّهَ بِالقُوَّةِ. ويَكُونُ (نُعْجِزَ) الثّانِي بِمَعْنى الإفْلاتِ، ولِذَلِكَ بُيِّنَ بِـ هَرَبًا، والهَرَبُ مَجازٌ في الِانْفِلاتِ مِمّا أرادَ اللَّهُ إلْحاقَهُ بِهِمْ مِنَ الرَّجْمِ والِاحْتِراقِ.

والظَّنُّ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في اليَقِينِ بِقَرِينَةِ تَأْكِيدِ المَظْنُونِ بِحَرْفِ (لَنْ) الدّالِّ عَلى تَأْبِيدِ النَّفْيِ وتَأْكِيدِهِ.

72:13Page 572

وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا ٱلۡهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن يُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخۡسٗا وَلَا رَهَقٗا ١٣

And when we heard the guidance [i.e., the Qur’ān], we believed in it. And whoever believes in his Lord will not fear deprivation or burden.1

﴿وإنّا لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾

قَرَأ الجُمْهُورُ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِها عَطْفًا عَلى المَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿فَآمَنّا بِهِ﴾ [الجن: ٢] .

والمَقْصُودُ بِالعَطْفِ قَوْلُهُ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾، وأمّا جُمْلَةُ ﴿لَمّا سَمِعْنا الهُدى آمَنّا بِهِ﴾ فَتَوْطِئَةٌ لِذَلِكَ.

صفحة ٢٣٥

بَعْدَ أنْ ذَكَّرُوا قَوْمَهم بِعَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا أوِ اطْمَأنُّوا بِتَذَكُّرِ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ، عادُوا إلى تَرْغِيبِهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ، وتَحْذِيرِهِمْ مِنَ الكُفْرِ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ. وأُرِيدَ بِالهُدى القُرْآنُ إذْ هو المَسْمُوعُ لَهم ووَصَفُوهُ بِالهُدى لِلْمُبالَغَةِ في أنَّهُ هادٍ.

ومَعْنى ﴿يُؤْمِن بِرَبِّهِ﴾، أيْ: بِوُجُودِهِ وانْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ كَما يُشْعِرُ بِهِ إحْضارُ اسْمِهِ بِعُنْوانِ الرَّبِّ إذِ الرَّبُّ هو الخالِقُ فَما لا يَخْلُقُ لا يُعْبَدُ.

وجُمْلَةُ ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ القَوْلِ المَحْكِيِّ عَنِ الجِنِّ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلامًا مِنَ اللَّهِ مُوَجَّهًا لِلْمُشْرِكِينَ، وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ.

والبَخْسُ: الغَبْنُ في الأجْرِ ونَحْوِهِ.

والرَّهَقُ: الإهانَةُ، أيْ: لا يَخْشى أنْ يُبْخَسَ في الجَزاءِ عَلى إيمانِهِ ولا أنْ يُهانَ. وفُهِمَ مِنهُ أنَّ مَن لا يُؤْمِنُ يُهانُ بِالعَذابِ. والخِلافُ في كَسْرِ هَمْزَةِ (إنّا) وفَتْحِها كالخِلافِ في الَّتِي قَبْلَها.

وجُمْلَةُ ﴿فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾ جَوابٌ لِشَرْطِ (مَن) جُعِلَتْ بِصُورَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَقُرِنَتْ بِالفاءِ مَعَ أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ فِعْلٌ، وشَأْنُ جَوابِ الشَّرْطِ أنْ لا يَقْتَرِنَ بِالفاءِ إلّا إذا كانَ غَيْرَ صالِحٍ لِأنْ يَكُونَ فِعْلَ الشَّرْطِ فَكانَ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ وهو فِعْلٌ مُضارِعٌ مُشِيرًا إلى إرادَةِ جَعْلِهِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِحَيْثُ تَكُونُ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً، والِاسْمِيَّةُ تَقْتَرِنُ بِالفاءِ إذا وقَعَتْ جَوابَ شَرْطٍ، فَكانَ التَّقْدِيرُ هُنا: فَهو لا يَخافُ، لِيَكُونَ دالًّا عَلى تَحْقِيقِ سَلامَتِهِ مِن خَوْفِ البَخْسِ والرَّهَقِ، ولِيَدُلَّ عَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِرَبِّهِ، فَتَقْدِيرُ المُسْنَدِ إلَيْهِ قَبْلَ الخَبَرِ الفِعْلِيِّ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ تارَّةً والتَّقَوِّيَ أُخْرى وقَدْ يَجْتَمِعانِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] . واجْتَمَعا هُنا كَما أشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ بِقَوْلِهِ: فَكانَ دالًّا عَلى تَحْقِيقِ أنَّ المُؤْمِنَ ناجٍ لا مَحالَةَ وأنَّهُ هو المُخْتَصُّ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ. وكَلامُ الكَشّافِ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ مَزِيَّةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وهو يَقْتَضِي تَوْجِيهَ العُدُولِ عَنْ جَزْمِ الفِعْلِ لِأجْلِ ذَلِكَ.

وقَدْ نَقُولُ: إنَّ العُدُولَ عَنْ تَجْرِيدِ الفِعْلِ مِنَ الفاءِ وعَنْ جَزْمِهِ لِدَفْعِ إيهامِ أنْ تَكُونَ (لا) ناهِيَةً، فَهَذا العُدُولُ صَراحَةٌ في إرادَةِ الوَعْدِ دُونَ احْتِمالِ إرادَةِ النَّهْيِ.

وفِي شَرْحِ الدَّمامِينِيِّ عَلى التَّسْهِيلِ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ فِعْلًا مَنفِيًّا

صفحة ٢٣٦

بِـ (لا) يَجُوزُ الِاقْتِرانُ بِالفاءِ وتَرْكُهُ. ولَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ، وكَلامُ الكَشّافِ يَقْتَضِي أنَّ الِاقْتِرانَ بِالفاءِ واجِبٌ إلّا إذا قُصِدَتْ مَزِيَّةٌ أُخْرى.

72:14Page 573

وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا ١٤

And among us are Muslims [in submission to Allāh], and among us are the unjust.1 And whoever has become Muslim - those have sought out the right course.

﴿وإنّا مِنّا المُسْلِمُونَ ومِنّا القاسِطُونَ﴾

قَرَأ الجُمْهُورُ وأبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ وخَلَفٌ بِفَتْحِها وهو مِن قَوْلِ الجِنِّ، وهو عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ. والمَقْصُودُ بِالعَطْفِ قَوْلُهُ ﴿فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ وما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ أيْ: أصْبَحْنا بَعْدَ سَماعِ القُرْآنِ مِنّا المُسْلِمُونَ، أيْ: الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ مِمّا يَلِيقُ بِحالِهِمْ ومِنّا القاسِطُونَ، أيْ: الكافِرُونَ المُعْرِضُونَ وهَذا تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِمْ (﴿وإنّا مِنّا الصّالِحُونَ ومِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١])؛ لِأنَّ فِيهِ تَصْرِيحًا بِأنَّ دُونَ ذَلِكَ هو ضِدُّ الصَّلاحِ.

والظّاهِرُ أنَّ مِن مُنْتَهى ما حُكِيَ عَنِ الجِنِّ مِنَ المُدْرَكاتِ الَّتِي عُبِّرَ عَنْها بِالقَوْلِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ.

72:15Page 573

وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا ١٥

But as for the unjust, they will be, for Hell, firewood.'

﴿فَمَن أسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا خارِجٌ عَنِ الكَلامِ المَحْكِيِّ عَنِ الجِنِّ، وأنَّهُ كَلامٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى لِمَوْعِظَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ النّاسِ فَهو في مَعْنى التَّذْيِيلِ. وإنَّما قُرِنَ بِالفاءِ لِتَفْرِيعِهِ عَلى القِصَّةِ لِاسْتِخْلاصِ العِبْرَةِ مِنها، فالتَّفْرِيعُ تَفْرِيعُ كَلامٍ عَلى كَلامٍ، ولَيْسَ تَفْرِيعَ مَعْنى الكَلامِ عَلى مَعْنى الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ.

والتَّحَرِّي: طَلَبُ الحَرا، بِفَتْحَتَيْنِ مَقْصُورًا واوِيًّا، وهو الشَّيْءُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ، يُقالُ: بِالحَرِيِّ أنْ تَفْعَلَ كَذا، وأحْرى أنْ تَفْعَلَ.

والرَّشَدُ: الهُدى والصَّوابُ، وتَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ.

والمَعْنى: أنَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ فَقَدْ تَوَخّى سَبَبَ النَّجاةِ وما يَحْصُلُ بِهِ الثَّوابُ؛ لِأنَّ الرَّشَدَ سَبَبُ ذَلِكَ.

والقاسِطُ: اسْمُ فاعِلِ (قَسَطَ) مِن بابِ ضَرَبَ، قَسْطًا، بِفَتْحِ القافِ وقُسُوطًا بِضَمِّها، أيْ: جارٍ فَهو كالظُّلْمِ يُرادُ بِهِ ظُلْمُ المَرْءِ نَفْسَهُ بِالإشْراكِ. وفي الكَشّافِ:

صفحة ٢٣٧

أنَّ الحَجّاجَ قالَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ حِينَ أرادَ قَتْلَهُ: ما تَقُولُ فِيَّ ؟ قالَ: قاسِطٌ عادِلٌ، فَقالَ القَوْمُ: ما أحْسَنَ ما قالَ - حَسِبُوا أنَّهُ وصَفَهُ بِالقِسْطِ بِكَسْرِ القافِ والعَدْلِ - فَقالَ الحَجّاجُ: يا جَهَلَةُ: إنَّهُ سَمّانِي ظالِمًا مُشْرِكًا، وتَلا لَهم قَوْلَهُ تَعالى ﴿وأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] اهـ.

وشَبَّهَ حُلُولَ الكافِرِينَ في جَهَنَّمَ بِحُلُولِ الحَطَبِ في النّارِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْلِيحِ والتَّحْقِيرِ، أيْ: هم لِجَهْلِهِمْ كالحَطَبِ الَّذِي لا يَعْقِلُ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا النّارَ الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] .

وإقْحامُ فِعْلِ (كانُوا) لِتَحْقِيقِ مَصِيرِهِمْ إلى النّارِ حَتّى كَأنَّهم كانُوا كَذَلِكَ مِن زَمَنٍ مَضى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском