Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Jinn 72:25–28
72:25–27Page 573
قُلۡ إِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٞ مَّا تُوعَدُونَ أَمۡ يَجۡعَلُ لَهُۥ رَبِّيٓ أَمَدًا ٢٥
Say, "I do not know if what you are promised is near or if my Lord will grant for it a [long] period."
عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا ٢٦
[He is] Knower of the unseen, and He does not disclose His [knowledge of the] unseen to anyone
إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا ٢٧
Except whom He has approved of messengers, and indeed, He sends before him [i.e., each messenger] and behind him observers1
﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيَ أمَدًا﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] كانَ المُشْرِكُونَ يُكْثِرُونَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَتى هَذا الوَعْدُ، وعَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها، وتَكَرَّرَتْ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ، فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن أضْعَفُ ناصِرًا﴾ [الجن: ٢٤] الآيَةَ، عَلِمَ أنَّهم سَيُعِيدُونَ ما اعْتادُوا قَوْلَهُ مِنَ السُّؤالِ عَنْ وقْتِ حُلُولِ الوَعِيدِ فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُعِيدَ عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ مِن جَوابِهِ.
صفحة ٢٤٧
فَجُمْلَةُ ﴿قُلْ إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ القَوْلَ المَأْمُورَ بِأنْ يَقُولَهُ جَوابٌ لِسُؤالِهِمُ المُقَدَّرِ.
والأمَدُ: الغايَةُ وأصْلُهُ في الأمْكِنَةِ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرٍ في حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ وجَعَلَ أمَدَها ثَنِيَّةَ الوَداعِ» أيْ: غايَةَ المُسابَقَةِ. ويُسْتَعارُ الأمَدُ لِمُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ مُعَيَّنَةٍ قالَ تَعالى ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ﴾ [الحديد: ١٦] وهو كَذَلِكَ هُنا. ومُقابَلَتُهُ بِـ (قَرِيبٍ) يُفِيدُ أنَّ المَعْنى أمْ يَجْعَلُ لَهُ أمَدًا بَعِيدًا.
وجُمْلَةُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ ﴿إنْ أدْرِي أقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ﴾ الآيَةَ.
وعالِمُ الغَيْبِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ، والضَّمِيرُ المَحْذُوفُ عائِدٌ إلى قَوْلِهِ رَبِّي. وهَذا الحَذْفُ مِن قَبِيلِ حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ حَذْفًا اتُّبِعَ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ إذا كانَ الكَلامُ قَدِ اشْتَمَلَ عَلى ذِكْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ وصِفاتِهِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ السَّكّاكِيُّ في المِفْتاحِ.
والغَيْبُ: مَصْدَرُ غابَ، إذا اسْتَتَرَ وخَفِيَ عَنِ الأنْظارِ، وتَعْرِيفُهُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.
وإضافَةُ صِفَةِ عالِمٍ إلى الغَيْبِ تُفِيدُ العِلْمَ بِكُلِّ الحَقائِقِ المُغَيَّبَةِ سَواءٌ كانَتْ ماهِيّاتٍ أوْ أفْرادًا فَيَشْمَلُ المَعْنى المَصْدَرِيَّ لِلْغَيْبِ مِثْلَ عِلْمِ اللَّهِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، ويَشْمَلُ الأُمُورَ الغائِبَةَ بِذاتِها مِثْلَ المَلائِكَةِ والجِنِّ. ويَشْمَلُ الذَّواتِ المُغَيَّبَةِ عَنْ عِلْمِ النّاسِ مِثْلَ الوَقائِعِ المُسْتَقْبَلَةِ الَّتِي يُخْبَرُ عَنْها أوِ الَّتِي لا يُخْبَرُ عَنْها، فَإيثارُ المَصْدَرِ هُنا؛ لِأنَّهُ اشْتَمَلَ لِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ مَعَ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ المُقَدَّرِ يُفِيدُ القَصْرَ، أيْ: هو عالِمُ الغَيْبِ لا أنا.
وفُرِّعَ عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى بِعِلْمِ الغَيْبِ جُمْلَةُ ﴿فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾، فالفاءُ لِتَفْرِيعِ حُكْمٍ عَلى حُكْمٍ، والحُكْمُ المُفَرَّعِ إتْمامٌ لِلتَّعْلِيلِ وتَفْصِيلٌ لِأحْوالِ عَدَمِ الِاطِّلاعِ عَلى غَيْبِهِ.
ومَعْنى ﴿لا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾: لا يُطْلِعُ ولا يُنْبِئُ بِهِ، وهو أقْوى مِن
صفحة ٢٤٨
(يَطَّلِعُ)؛ لِأنَّ (يُظْهِرُ) جاءَ مِنَ الظُّهُورِ وهو المُشاهَدَةُ، ولِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يُطْلِعُ، عُدِّيَ بِحَرْفِ (عَلى) .
ووُقُوعُ الفِعْلِ في حَيِّزِ النَّفْيِ يُفِيدُ العُمُومَ، وكَذَلِكَ وُقُوعُ مَفْعُولِهِ وهو نَكِرَةٌ في حَيِّزِهِ يُفِيدُ العُمُومَ.
وحَرْفُ (عَلى) مُسْتَعْمَلٌ في التَّمَكُّنِ مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى الغَيْبِ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٣] فَهو اسْتِعْلاءٌ مَجازِيٌّ.
واسْتُثْنِيَ مِن هَذا النَّفْيِ مَنِ ارْتَضاهُ لِيُطْلِعَهُ عَلى بَعْضِ الغَيْبِ، أيْ: عَلى غَيْبٍ أرادَ إظْهارَهُ مِنَ الوَحْيِ فَإنَّهُ مِن غَيْبِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ ما أرادَ اللَّهُ أنْ يُؤَيِّدَ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ مِن إخْبارٍ بِما سَيَحْدُثُ، أوْ إطْلاعٍ عَلى ضَمائِرِ بَعْضِ النّاسِ.
فَقَوْلُهُ ارْتَضى: مُسْتَثْنًى مِن عُمُومِ (أحَدًا) . والتَّقْدِيرُ: إلّا أحَدًا ارْتَضاهُ، أيْ: اخْتارَهُ لِلِاطِّلاعِ عَلى شَيْءٍ مِنَ الغَيْبِ لِحِكْمَةٍ أرادَها اللَّهُ تَعالى.
والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ لِقَصْدِ ما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ الإيماءِ إلى تَعْلِيلِ الخَبَرِ، أيْ: يُطْلِعُ اللَّهُ بَعْضَ رُسُلِهِ لِأجْلِ ما أرادَهُ اللَّهُ مِنَ الرِّسالَةِ إلى النّاسِ، فَيُعْلَمُ مِن هَذا الإيمانِ أنَّ الغَيْبَ الَّذِي يُطْلِعُ اللَّهُ عَلَيْهِ الرُّسُلَ هو مِن نَوْعِ ما لَهُ تَعَلُّقٌ بِالرِّسالَةِ، وهو غَيْبٌ ما أرادَ اللَّهُ إبْلاغَهُ إلى الخَلْقِ أنْ يَعْتَقِدُوهُ أوْ يَفْعَلُوهُ، وما لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ مِن أُمُورِ الآخِرَةِ، أوْ أُمُورِ الدُّنْيا، وما يُؤَيِّدُ بِهِ الرُّسُلَ عَنِ الإخْبارِ بِأُمُورٍ مُغَيَّبَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ في أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٢] .
والمُرادُ بِهَذا الإطْلاعُ المُحَقَّقُ المُفِيدُ عِلْمًا كَعِلْمِ المُشاهَدَةِ. فَلا تَشْمَلُ الآيَةُ ما قَدْ يَحْصُلُ لِبَعْضِ الصّالِحِينَ مِن شَرْحِ صَدْرٍ بِالرُّؤْيا الصّادِقَةِ، فَفي الحَدِيثِ («الرُّؤْيا الصّالِحَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ جُزْءٌ مِن سِتَّةٍ وأرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوءَةِ، أوْ بِالإلْهامِ» ) قالَ النَّبِيءُ ﷺ «قَدْ كانَ يَكُونُ في الأُمَمِ قَبْلَكم مُحَدَّثُونَ فَإنْ يَكُنْ في أُمَّتِي مِنهم أحَدٌ فَإنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ مِنهم» رَواهُ مُسْلِمٌ. قالَ مُسْلِمٌ: قالَ ابْنُ وهْبٍ: تَفْسِيرُ (مُحَدَّثُونَ): مُلْهَمُونَ.
وقَدْ قالَ مالِكٌ في الرُّؤْيا الحَسَنَةِ: إنَّها تَسُرُّ ولا تَغُرُّ، يُرِيدُ لِأنَّها قَدْ يَقَعُ الخَطَأُ في تَأْوِيلِها.
صفحة ٢٤٩
و﴿مِن رَسُولٍ﴾ بَيانٌ لِإبْهامِ (مَن) المَوْصُولَةِ فَدَلَّ عَلى أنَّ ماصَدَقَ (مَن) جَماعَةٌ مِنَ الرُّسُلِ، أيْ: إلّا الرُّسُلَ الَّذِينَ ارْتَضاهم، أيْ: اصْطَفاهم.
وشَمَلَ (رَسُولٍ) كُلَّ مُرْسَلٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيَشْمَلُ المَلائِكَةَ المُرْسَلِينَ إلى الرُّسُلِ بِإبْلاغِ وحْيٍ إلَيْهِمْ مِثْلَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وشَمَلَ الرُّسُلَ مِنَ البَشَرِ المُرْسَلِينَ إلى النّاسِ بِإبْلاغِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى إلَيْهِمْ مِن شَرِيعَةٍ أوْ غَيْرِها مِمّا بِهِ صَلاحُهم.
وهُنا أرْبَعَةُ ضَمائِرِ غَيْبَةٍ:
الأوَّلُ ضَمِيرُ (فَإنَّهُ) وهو عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (يَسْلُكُ) وهو لا مَحالَةَ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى كَما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (فَإنَّهُ) .
والثّالِثُ والرّابِعُ ضَمِيرا ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، وهُما عائِدانِ إلى (رَسُولٍ) أيْ: فَإنَّ اللَّهَ يَسْلُكُ، أيْ: يُرْسِلُ لِلرَّسُولِ رَصَدًا مِن بَيْنِ يَدَيِ الرَّسُولِ ﷺ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا، أيْ: مَلائِكَةٌ يَحْفَظُونَ الرَّسُولَ ﷺ مِن إلْقاءِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ ما يَخْلِطُ عَلَيْهِ ما أطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن غَيْبِهِ.
والسَّلْكُ حَقِيقَتُهُ: الإدْخالُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢] في سُورَةِ الحِجْرِ.
وأُطْلِقَ السَّلْكُ عَلى الإيصالِ المُباشِرِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالدُّخُولِ في الشَّيْءِ بِحَيْثُ لا مَصْرِفَ لَهُ عَنْهُ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ (﴿ومَن يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ نَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]) أيْ: يُرْسِلُ إلَيْهِ مَلائِكَةً مُتَّجِهِينَ إلَيْهِ لا يَبْتَعِدُونَ عَنْهُ حَتّى يَبْلُغَ إلَيْهِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الغَيْبِ، كَأنَّهم شُبِّهَ اتِّصالُهم بِهِ وحِراسَتُهم إيّاهُ بِشَيْءٍ داخِلٍ في أجْزاءِ جِسْمٍ. وهَذا مِن جُمْلَةِ الحِفْظِ الَّذِي حَفِظَ اللَّهُ بِهِ ذِكْرَهُ في قَوْلِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
والمُرادُ بِـ ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ الكِنايَةُ عَنْ جَمِيعِ الجِهاتِ، ومِن تِلْكَ الكِنايَةِ يَنْتَقِلُ إلى كِنايَةٍ أُخْرى عَنِ السَّلامَةِ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّحْرِيفِ.
صفحة ٢٥٠
والرَّصَدُ: اسْمُ جَمْعٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] . وانْتَصَبَ (رَصَدًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلِ (يَسْلُكُ) .
ويَتَعَلَّقُ (لِيَعْلَمَ) بِقَوْلِهِ (يَسْلُكُ)، أيْ: يَفْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ لِيُبَلِّغَ الغَيْبَ إلى الرَّسُولِ كَما أرْسَلَ إلَيْهِ لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِمّا يَلْبِسُ عَلَيْهِ الوَحْيَ فَيَعْلَمُ اللَّهُ أنَّ الرُّسُلَ أبْلَغُوا ما أُوحِيَ إلَيْهِمْ كَما بَعَثَهُ مِن دُونِ تَغْيِيرٍ، فَلَمّا كانَ عِلْمُ اللَّهِ بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ الوَحْيَ مُفَرَّعًا ومُسَبَّبًا عَنْ تَبْلِيغِ الوَحْيِ كَما أنْزَلَ اللَّهُ، جُعِلَ المُسَبَّبَ عِلَّةً وأُقِيمَ مَقامَ السَّبَبِ إيجازًا في الكَلامِ؛ لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَلى وفْقِ ما وقَعَ، وهَذا كَقَوْلِ إياسِ بْنِ قَبِيصَةَ:
وأقْبَلْتُ والخَطِّيُّ يَخْطِرُ بَيْنَنا لِأعْلَمَ مَن جَبانُها مِن شُجاعِها
أيْ: لِيَظْهَرَ مَن هو شُجاعٌ ومَن هو جَبانٌ فَأعْلَمُ ذَلِكَ. وهَذِهِ العِلَّةُ هي المَقْصِدُ الأهَمُّ مِنِ اطِّلاعِ مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ عَلى الغَيْبِ، وذِكْرُ هَذِهِ العِلَّةِ لا يَقْتَضِي انْحِصارَ عِلَلِ الِاطِّلاعِ فِيها.
وجِيءَ بِضَمِيرِ الإفْرادِ في قَوْلِهِ ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾ مُراعاةً لِلَفْظِ (رَسُولٍ)، ثُمَّ جِيءَ لَهُ بِضَمِيرِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا﴾ [الجن: ٢٨] مُراعاةً لِمَعْنى رَسُولٍ وهو الجِنْسُ، أيْ: الرُّسُلُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى السّابِقِ آنِفًا ﴿فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] .
والمُرادُ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ اللَّهِ وأدَّوُا الأمانَةَ عِلْمًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ جَزاؤُهُمُ الجَزِيلُ.
وفُهِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] أنَّ الغَيْبَ المُتَحَدَّثَ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةَ هو الغَيْبُ المُتَعَلِّقُ بِالشَّرِيعَةِ وأُصُولِها مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ،؛ لِأنَّ الكَلامَ المُسْتَثْنى مِنهُ هو نَفْيُ عِلْمِ الرَّسُولِ ﷺ بِقُرْبِ ما يُوعَدُونَ بِهِ أوْ بَعْدَهُ، وذَلِكَ مِن عَلائِقِ الجَزاءِ والبَعْثِ.
ويَلْحَقُ بِهِ ما يُوحى بِهِ إلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ لَيْسُوا رُسُلًا؛ لِأنَّ ما يُوحى إلَيْهِمْ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ تَأْيِيدًا لِشَرْعٍ سابِقٍ كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ والحَوارِيِّينَ أوْ أنْ يَكُونَ لِإصْلاحِ أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ مِثْلَ آدَمَ وأيُّوبَ.
واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ لَيْسَ بِمُقْتَضٍ أنْ يُثْبَتَ لِلْمُسْتَثْنى جَمِيعُ نَقائِضِ
صفحة ٢٥١
أحْوالِ الحُكْمِ الَّذِي لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ، بَلْ قُصارى ما يَقْتَضِيهِ أنَّهُ كالنَّقْضِ في المُناظَرَةِ يَحْصُلُ بِإثْباتٍ جُزْئِيٍّ مِن جُزْئِيّاتِ ما نَفاهُ الكَلامُ المَنقُوصُ، فَلَيْسَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ بِمُقْتَضٍ أنَّ الرَّسُولَ يَطَّلِعُ عَلى جَمِيعِ غَيْبِ اللَّهِ، وقَدْ بُيِّنَ النَّوْعُ المُطَّلَعُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] .
وقَرَأ رُوَيْسٌ، عَنْ يَعْقُوبَ (لِيُعْلَمَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ ﴿أنْ قَدْ أبْلَغُوا﴾ [الجن: ٢٨] نائِبٌ عَنِ الفاعِلِ، والفاعِلُ المَحْذُوفُ حُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ، أيْ: لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنْ قَدْ أبْلَغُوا.
72:28Page 573
لِّيَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُواْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمۡ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيۡهِمۡ وَأَحۡصَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ عَدَدَۢا ٢٨
That he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] may know1 that they have conveyed the messages of their Lord; and He has encompassed whatever is with them and has enumerated all things in number.
﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ الواوُ واوُ الحالِ أوِ اعْتِراضِيَّةٌ؛ لِأنَّ مَضْمُونَها تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾، أيْ: أحاطَ بِجَمِيعِ ما لَدى الرُّسُلِ مِن تَبْلِيغٍ وغَيْرِهِ، وأحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا عَدا ذَلِكَ، فَقَوْلُهُ ﴿وأحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصِ ما قَبْلَهُ بِعِلْمِهِ بِتَبْلِيغِهِمْ ما أُرْسِلَ إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ ﴿وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ تَعْمِيمٌ أشْمَلُ بَعْدَ تَعْمِيمٍ ما.
وعَبَّرَ عَنِ العِلْمِ بِالإحْصاءِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِعِلْمِ الأشْياءِ بِمَعْرِفَةِ الأعْدادِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ الأعْدادِ أقْوى، وقَوْلُهُ (عَدَدًا) تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ.
والعَدَدُ: بِالفَكِّ اسْمٌ لِمَعْدُودٍ، وبِالإدْغامِ مَصْدَرُ عَدَّ، فالمَعْنى هُنا: وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ مَعْدُودًا، وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ، بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَدَّهم عَدًّا﴾ [مريم: ٩٤] . وفَرَّقَ العَرَبُ بَيْنَ المَصْدَرِ والمَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَفْعُولَ أوْغَلُ في الِاسْمِيَّةِ مِنَ المَصْدَرِ فَهو أبْعَدُ عَنِ الإدْغامِ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الإدْغامِ لِلْأفْعالِ.
* * *
صفحة ٢٥٢
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُزَّمِّلِ
لَيْسَ لِهَذِهِ السُّورَةِ إلّا اسْمُ (سُورَةِ المُزَّمِّلِ) عُرِفَتْ بِالإضافَةِ لِهَذا اللَّفْظِ الواقِعِ في أوَّلِها، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ حِكايَةُ اللَّفْظِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ مَوْصُوفًا بِالحالِ الَّذِي نُودِيَ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] .
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي في قَوْلِ الجُمْهُورِ مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى نَهايَةِ السُّورَةِ فَذَلِكَ مَدَنِيٌّ. وحَكى القُرْطُبِيُّ مِثْلَ هَذا عَنِ الثَّعْلَبِيِّ.
وقالَ في الإتْقانِ: إنَّ اسْتِثْناءَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُّورَةِ يَرُدُّهُ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ نَزَلَ بَعْدَ نُزُولِ صَدْرِ السُّورَةِ بِسَنَةٍ، وذَلِكَ حِينَ فُرِضَ قِيامُ اللَّيْلِ في أوَّلِ الإسْلامِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ اهـ.
صفحة ٢٥٣
يَعْنِي وذَلِكَ كُلُّهُ بِمَكَّةَ، أيْ: فَتَكُونُ السُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةً فَتَعَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ [المزمل: ٢] أُمِرَ بِهِ في مَكَّةَ.
والرِّواياتُ تَظاهَرَتْ عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُّورَةِ نَزَلَ مَفْصُولًا عَنْ نُزُولِ ما قَبْلَهُ بِمُدَّةٍ مُخْتَلَفٍ في قَدْرِها، فَقالَتْ عائِشَةُ: نَزَلَ بَعْدَ صَدْرِ السُّورَةِ بِسَنَةٍ. ومِثْلُهُ رَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: نَزَلَ صَدْرُ السُّورَةِ بِمَكَّةَ ونَزَلَ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِها بِالمَدِينَةِ، أيْ: بَعْدَ نُزُولِ أوَّلِها بِسِنِينَ.
فالظّاهِرُ أنَّ الأصَحَّ أنَّ نُزُولَ (إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ) إلى آخِرِ السُّورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] إنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إنْباءً بِمُغَيَّبٍ عَلى وجْهِ المُعْجِزَةِ.
ورَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ يا أيُّها المُزَّمِّلُ، مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى هَذا الحالِ عَشْرَ سِنِينَ يَقُومُ اللَّيْلَ كَما أمَرَهُ اللَّهُ، وكانَتْ طائِفَةٌ مِن أصْحابِهِ يَقُومُونَ مَعَهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [المزمل: ٢٠] اهـ، أيْ: نَزَلَتِ الآياتُ الأخِيرَةُ في المَدِينَةِ بِناءً عَلى أنَّ مُقامَ النَّبِيءِ ﷺ بِمَكَّةَ كانَ عَشْرَ سِنِينَ، وهو قَوْلٌ جَمٌّ غَفِيرٌ.
والرِّواياتُ عَنْ عائِشَةَ مُضْطَرِبَةٌ بَعْضُها يَقْتَضِي أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ وأنَّ صَدْرَها نَزَلَ قَبْلَ آخِرِها بِسَنَةٍ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلاةِ وهو ما رَواهُ الحاكِمُ في نَقْلِ صاحِبِ الإتْقانِ. وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ نَزَلَ بِمَكَّةَ، وبَعْضُ الرِّواياتِ يَقُولُ فِيها: إنَّها كانَتْ تَفْرِشُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَصِيرًا فَصَلّى عَلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ فَتَسامَعَ النّاسُ فاجْتَمَعُوا فَخَرَجَ مُغْضَبًا وخَشِيَ أنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِمْ قِيامُ اللَّيْلِ ونَزَلَ ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢] فَكُتِبَتْ عَلَيْهِمْ بِمَنزِلَةِ الفَرِيضَةِ ومَكَثُوا عَلى ذَلِكَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ وضَعَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهم، فَأنْزَلَ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]، فَرَدَّهم إلى الفَرِيضَةِ ووَضَعَ عَنْهُمُ النّافِلَةَ. وهَذا ما رَواهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدَيْنِ إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عائِشَةَ، وهو يَقْتَضِي أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَدَنِيَّةٌ؛ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يَبْنِ بِعائِشَةَ إلّا في المَدِينَةِ، ولِأنَّ قَوْلَها ”فَخَرَجَ مُغْضَبًا“ يَقْتَضِي أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْتِهِ المُفْضِي إلى مَسْجِدِهِ، ويُؤَيِّدُهُ أخْبارٌ تُثْبِتُ قِيامَ اللَّيْلِ في مَسْجِدِهِ.
صفحة ٢٥٤
ولَعَلَّ سَبَبَ هَذا الِاضْطِرابِ اخْتِلاطٌ في الرِّوايَةِ بَيْنَ فَرْضِ قِيامِ اللَّيْلِ وبَيْنَ التَّرْغِيبِ فِيهِ.
ونَسَبَ القُرْطُبِيُّ إلى تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ قالَ: قالَ النَّخَعِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] كانَ النَّبِيءُ ﷺ مُتَزَمِّلًا بِقَطِيفَةِ عائِشَةَ، وهي مِرْطٌ نِصْفُهُ عَلَيْها وهي نائِمَةٌ ونِصْفُهُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ وهو يُصَلِّي اهـ، وإنَّما بَنى النَّبِيءُ ﷺ بِعائِشَةَ في المَدِينَةِ، فالَّذِي نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أنَّ أوَّلَ السُّورَةِ نَزَلَ بِمَكَّةَ لا مَحالَةَ كَما سَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، وأنَّ قَوْلَهُ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُّورَةِ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ سِنِينَ مِن نُزُولِ أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّ فِيهِ ناسِخًا لِوُجُوبِ قِيامِ اللَّيْلِ وأنَّهُ ناسِخٌ لِوُجُوبِ قِيامِ اللَّيْلِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وأنَّ ما رَوَوْهُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ أوَّلَ ما فُرِضَ قِيامُ اللَّيْلِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلاةِ غَرِيبٌ.
وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ الماوَرْدِيِّ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وقَتادَةَ قالا: إنَّ آيَتَيْنِ، وهُما ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] إلى قَوْلِهِ ﴿ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ.
واخْتُلِفَ في عَدِّ هَذِهِ السُّورَةِ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، والأصَحُّ الَّذِي تَضافَرَتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ: أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ سُورَةُ العَلَقِ واخْتُلِفَ فِيما نَزَلَ بَعْدَ سُورَةِ العَلَقِ، فَقِيلَ: سُورَةُ (ن والقَلَمِ)، وقِيلَ نَزَلَ بَعْدَ العَلَقِ سُورَةُ المُدَّثِّرِ، ويَظْهَرُ أنَّهُ الأرْجَحُ ثُمَّ قِيلَ نَزَلَتْ سُورَةُ المُزَّمِّلِ بَعْدَ القَلَمِ فَتَكُونُ ثالِثَةً. وهَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ في تَعْدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُدَّثِّرَ هي الثّانِيَةُ. يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ القَلَمُ ثالِثَةً والمُزَّمِّلُ رابِعَةً، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ المُزَّمِّلُ هي الثّالِثَةَ والقَلَمُ رابِعَةً، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُدَّثِّرَ نَزَلَتْ قَبْلَ المُزَّمِّلِ، وهو ظاهِرُ حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ في بَدْءِ الوَحْيِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ وسَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]) .
والأصَحُّ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]) ما في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الآتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]) الآيَةَ.
وعُدَّتْ آيُها في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ ثَمانِ عَشْرَةَ آيَةً، وفي عَدِّ أهْلِ البِصْرَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ، وفي عَدِّ مَن عَداهم عِشْرُونَ.
* * *
أغْراضُها
الإشْعارُ بِمُلاطَفَةِ اللَّهِ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ بِنِدائِهِ بِوَصْفِهِ بِصِفَةِ تَزَمُّلِهِ.
صفحة ٢٥٥
واشْتَمَلَتْ عَلى الأمْرِ بِقِيامِ النَّبِيءِ ﷺ غالِبَ اللَّيْلِ، والثَّناءِ عَلى طائِفَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَمَلُوا أنْفُسَهم عَلى قِيامِ اللَّيْلِ.
وعَلى تَثْبِيتِ النَّبِيءِ ﷺ بِتَحَمُّلِ إبْلاغِ الوَحْيِ.
والأمْرِ بِإدامَةِ إقامَةِ الصَّلاةِ وأداءِ الزَّكاةِ وإعْطاءِ الصَّدَقاتِ.
وأمْرِهِ بِالتَّمَحُّضِ لِلْقِيامِ بِما أمَرَهُ اللَّهُ مِنَ التَّبْلِيغِ وبِأنْ يَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ.
وأمْرِهِ بِالإعْراضِ عَنْ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ.
وتَكَفُّلِ اللَّهِ لَهُ بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وأنَّ جَزاءَهم بِيَدِ اللَّهِ.
والوَعِيدِ لَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ.
ووَعْظِهِمْ مِمّا حَلَّ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ لَمّا كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ إلَيْهِمْ.
وذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ ووَصْفِ أهْوالِهِ.
ونَسْخِ قِيامِ مُعْظَمِ اللَّيْلِ بِالِاكْتِفاءِ بِقِيامِ بَعْضِهِ رَعْيًا لِلْأعْذارِ المُلازِمَةِ.
والوَعْدِ بِالجَزاءِ العَظِيمِ عَلى أفْعالِ الخَيْراتِ.
والمُبادَرَةِ بِالتَّوْبَةِ، وأُدْمِجَ في ذَلِكَ أدَبُ قِراءَةِ القُرْآنِ وتَدَبُّرِهِ.
وأنَّ أعْمالَ النَّهارِ لا يُغْنِي عَنْها قِيامُ اللَّيْلِ.
وفِي هَذِهِ السُّورَةِ مَواضِعُ عَوِيصَةٌ وأسالِيبُ غامِضَةٌ فَعَلَيْكَ تَدَبُّرَها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences