Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Muddaththir 74:26–34
74:26–30Page 576
سَأُصۡلِيهِ سَقَرَ ٢٦
I will drive him into Saqar.1
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سَقَرُ ٢٧
And what can make you know what is Saqar?
لَا تُبۡقِي وَلَا تَذَرُ ٢٨
It lets nothing remain and leaves nothing [unburned],
لَوَّاحَةٞ لِّلۡبَشَرِ ٢٩
Altering [i.e., blackening] the skins.
عَلَيۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ ٣٠
Over it are nineteen [angels].
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ ﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾
جُمْلَةُ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ [المدثر: ١٨] إلى آخِرِ الآياتِ فَذَكَرَ وعِيدَهُ بِعَذابِ الآخِرَةِ.
صفحة ٣١١
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن جُمْلَةِ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ . والإصْلاءُ: جَعْلُ الشَّيْءِ صالِيًا، أيْ: مُباشِرًا حَرَّ النّارِ. وفِعْلُ صَلِيَ يُطْلَقُ عَلى إحْساسِ حَرارَةِ النّارِ، فَيَكُونُ لِأجْلِ التَّدَفُّئِ كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:
فَتَنَوَّرْتَ نارَها مِن بَعِيدٍ بِخَزازى أيّانَ مِنكَ الصِّلاءُ
أيْ: أنْتَ بَعِيدٌ مِنَ التَّدَفُّئِ بِها وكَما قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ:
لا تَصْطَلِي النّارَ إلّا مِجْمَرًا أرِجا ∗∗∗ قَدْ كَسَّرْتَ مِن يَلَنْجُوجٍ لَهُ وقَصا
ويُطْلَقُ عَلى الِاحْتِراقِ بِالنّارِ قالَ تَعالى ﴿سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد: ٣] في سُورَةِ أبِي لَهَبٍ وقالَ ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلّا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] في سُورَةِ اللَّيْلِ، وقالَ ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] في سُورَةِ النِّساءِ، والأكْثَرُ إذا ذُكِرَ لِفِعْلِ هَذِهِ المادَّةِ مَفْعُولٌ ثانٍ مِن أسْماءِ النّارِ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ بِمَعْنى الإحْراقِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ [النساء: ٣٠] في سُورَةِ النِّساءِ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ .
وسَقَرُ: عَلَمٌ لِطَبَقَةٍ مِن جَهَنَّمَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ الطَّبَقُ السّادِسُ مِن جَهَنَّمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: سَقَرُ هو الدَّرْكُ السّادِسُ مِن جَهَنَّمَ عَلى ما رُوِيَ، اهـ. واقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ. وجَرى كَلامُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ بِما يَقْتَضِي أنَّهم يُفَسِّرُونَ سَقَرَ بِما يُرادِفُ جَهَنَّمَ.
وسَقَرُ: مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ؛ لِأنَّهُ اسْمُ بُقْعَةٍ مِن جَهَنَّمَ أوِ اسْمُ جَهَنَّمَ وقَدْ جَرى ضَمِيرُ (سَقَرَ) عَلى التَّأْنِيثِ في قَوْلِهِ تَعالى لا تُبْقِي إلى قَوْلِهِ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ . وقِيلَ سَقَرُ مُعَرَّبٌ نَقَلَهُ في الإتْقانِ عَنِ الجَوالِيقِيِّ ولَمْ يَذْكُرِ الكَلِمَةَ المُعَرَّبَةَ ولا مِن أيَّةِ لُغَةٍ هو.
و﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَةٌ مِن (سَقَرَ)، أيْ: سَقَرُ الَّتِي حالُها لا يُنْبِئُكَ بِهِ مُنْبِئٌ وهَذا تَهْوِيلٌ لِحالِها.
و(ما سَقَرُ) في مَحَلِّ مُبْتَدَأٍ، وأصْلُهُ سَقَرُ ما، أيْ: ما هي، فَقَدَّمَ (ما)؛ لِأنَّهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ ولَهُ الصَّدارَةُ.
فَإنَّ (ما) الأُولى اسْتِفْهامِيَّةٌ. والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ يُدْرِيكَ، أيْ: يُعْلِمُكَ.
صفحة ٣١٢
و(ما) الثّانِيَةُ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ عَنْ (سَقَرَ) .
وجُمْلَةُ (لا تُبْقِي) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ التَّهْوِيلِ الَّذِي أفادَتْهُ جُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾، فَإنَّ مِن أهْوالِها أنَّها تُهْلِكُ كُلَّ مَن يَصْلاها. والجُمْلَةُ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ (سَقَرَ) .
وحُذِفَ مَفْعُولُ (تُبْقِي) لِقَصْدِ العُمُومِ، أيْ: لا تُبْقِي مِنهم أحَدًا أوْ لا تُبْقِي مِن أجْزائِهِمْ شَيْئًا.
وجُمْلَةُ (ولا تَذَرُ) عَطْفٌ عَلى (لا تُبْقِي) فَهي في مَعْنى الحالِ. ومَعْنى لا تَذَرُ، أيْ: لا تَتْرُكُ مَن يُلْقى فِيها، أيْ: لا تَتْرُكُهُ غَيْرَ مَصْلِيٍّ بِعَذابِها. وهَذِهِ كِنايَةٌ عَنْ إعادَةِ حَياتِهِ بَعْدَ إهْلاكِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] .
ولَوّاحَةٌ: خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ (سَقَرَ) . و(لَوّاحَةٌ) فَعّالَةٌ، مِنَ اللَّوْحِ وهو تَغْيِيرُ الذّاتِ مِن ألَمٍ ونَحْوِهِ، وقالَ الشّاعِرُ، وهو مِن شَواهِدِ الكَشّافِ ولَمْ أقِفْ عَلى قائِلِهِ:
تَقُولُ ما لاحَكَ يا مُسافِرْ ∗∗∗ يا ابْنَةَ عَمِّي لاحَنِي الهَواجِرْ
والبَشَرُ: يَكُونُ جَمْعَ بَشْرَةٍ، وهي جِلْدُ الإنْسانِ، أيْ: تُغَيِّرُ ألْوانَ الجُلُودِ فَتَجْعَلُها سُودًا، ويَكُونُ اسْمَ جَمْعٍ لِلنّاسِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.
وقَوْلُهُ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ (سَقَرَ) مِن قَوْلِهِ ﴿وما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ .
ومَعْنى (عَلَيْها) عَلى حِراسَتِها، فَـ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِتَشْبِيهِ التَّصَرُّفِ والوِلايَةِ بِالِاسْتِعْلاءِ كَما يُقالُ: فُلانٌ عَلى الشُّرْطَةِ، أوْ عَلى بَيْتِ المالِ، أيْ: يَلِي ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّ خَزَنَةَ سَقَرَ تِسْعَةَ عَشَرَ مَلَكًا.
وقالَ جَمْعٌ: إنَّ عَدَدَ تِسْعَةَ عَشَرَ: هم نُقَباءُ المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِجَهَنَّمَ.
وقِيلَ: تِسْعَةَ عَشَرَ صِنْفًا مِنَ المَلائِكَةِ وقِيلَ تِسْعَةَ عَشَرَ صَفًّا. وفي تَفْسِيرِ الفَخْرِ: ذَكَرَ أرْبابُ المَعانِي في تَقْدِيرِ هَذا العَدَدِ وُجُوهًا: أحَدُها قَوْلُ أهْلِ الحِكْمَةِ: إنَّ سَبَبَ فَسادِ النَّفْسِ هو القُوى الحَيَوانِيَّةُ والطَّبِيعِيَّةُ، أمّا الحَيَوانِيَّةُ فَهي الخَمْسُ الظّاهِرَةُ والخَمْسُ الباطِنَةُ، والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، فَمَجْمُوعُها اثْنَتا عَشْرَةَ. وأمّا القُوى الطَّبِيعِيَّةُ فَهي الجاذِبَةُ، والماسِكَةُ، والهاضِمَةُ، والدّافِعَةُ، والغاذِيَةُ، والنّامِيَةُ،
صفحة ٣١٣
والمُوَلِّدَةُ، فَهَذِهِ سَبْعَةٌ، فَتِلْكَ تِسْعَ عَشْرَةَ. فَلَمّا كانَ مَنشَأُ الآفاتِ هو هَذِهِ التِسْعَ عَشْرَةَ كانَ عَدَدُ الزَّبانِيَةِ كَذَلِكَ، اهـ.
والَّذِي أراهُ أنَّ المَلائِكَةَ التِسْعَةَ عَشَرَ مُوَزَّعُونَ عَلى دَرَكاتِ سَقَرَ أوْ جَهَنَّمَ لِكُلِّ دَرْكٍ مَلَكٌ فَلَعَلَّ هَذِهِ الدَّرَكاتِ مُعَيَّنٌ كُلُّ دَرْكٍ مِنها لِأهْلِ شُعْبَةٍ مِن شُعَبِ الكُفْرِ، ومِنها الدَّرْكُ الأسْفَلُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] في سُورَةِ النِّساءِ، فَإنَّ الكُفْرَ أصْنافٌ مِنها إنْكارُ وُجُودِ اللَّهِ، ومِنها الوَثَنِيَّةُ، ومِنها الشِّرْكُ بِتَعَدُّدِ الإلَهِ، ومِنها عِبادَةُ الكَواكِبِ، ومِنها عِبادَةُ الشَّياطِينِ والجِنِّ، ومِنها عِبادَةُ الحَيَوانِ، ومِنها إنْكارُ رِسالَةِ الرُّسُلِ، ومِنها المَجُوسِيَّةُ المانَوِيَّةُ والمَزْدَكِيَّةُ والزَّنْدَقَةُ، وعِبادَةُ البَشَرِ مِثْلَ المُلُوكِ، والإباحِيَّةُ ولَوْ مَعَ إثْباتِ الإلَهِ الواحِدِ.
وفِي ذِكْرِ هَذا العَدَدِ تَحَدٍّ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ يَبْعَثُهم عَلى تَصْدِيقِ القُرْآنِ إذْ كانَ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ عُلَماؤُهم كَما سَيَأْتِي قَوْلُهُ ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المدثر: ٣١] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ مِن (عَشَرَ) . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (تِسْعَةَ عَشْرَ) بِسُكُونِ العَيْنِ مِن (عَشْرَ) تَخْفِيفًا لِتَوالِي الحَرَكاتِ فِيما هو كالِاسْمِ الواحِدِ. ولا التِفاتَ إلى إنْكارِ أبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ فَإنَّها مُتَواتِرَةٌ.
74:31Page 576
وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةٗۖ وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ ٣١
And We have not made the keepers of the Fire except angels. And We have not made their number except as a trial for those who disbelieve - that those who were given the Scripture will be convinced and those who have believed will increase in faith and those who were given the Scripture and the believers will not doubt and that those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] and the disbelievers will say, "What does Allāh intend by this as an example?" Thus does Allāh send astray whom He wills and guide whom He wills. And none knows the soldiers of your Lord except Him. And it [i.e., mention of the Fire] is not but a reminder to humanity.
﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ رَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] قالَ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكم أُمَّهاتُكم إنَّ ابْنَ أبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكم أنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدَّهْمُ أفَيَعْجِزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ؟ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً﴾، أيْ: ما جَعَلْناهم رِجالًا فَيَأْخُذُ كُلُّ رَجُلٍ رَجُلًا، فَمَن ذا يَغْلِبُ المَلائِكَةَ، اهـ.
صفحة ٣١٤
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ أبا الأشَدِّ بْنَ كَلَدَةَ الجُمَحِيَّ قالَ مُسْتَهْزِئًا: لا يَهُولَنَّكُمُ التِّسْعَةَ عَشَرَ، أنا أدْفَعُ بِمَنكِبِي الأيْمَنِ عَشَرَةً وبِمَنكِبِي الأيْسَرِ تِسْعَةً ثُمَّ تَمُرُّونَ إلى الجَنَّةِ، وقِيلَ: قالَ الحارِثُ بْنُ كَلَدَةَ: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ واكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنِ، يُرِيدُ التَّهَكُّمَ مَعَ إظْهارِ فَرْطِ قُوَّتِهِ بَيْنَ قَوْمِهِ.
فالمُرادُ مِن أصْحابَ النّارِ خَزَنَتُها، وهُمُ المُتَقَدِّمُ ذِكْرُهم بِقَوْلِهِ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] .
والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأنْواعِ، أيْ: ما جَعَلْنا خَزَنَةَ النّارِ مِن نَوْعٍ إلّا مِن نَوْعِ المَلائِكَةِ.
وصِيغَةُ القَصْرِ تُفِيدُ قَلْبَ اعْتِقادِ أبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِ ما تَوَهَّمُوهُ أوْ تَظاهَرُوا بِتَوَهُّمِهِ أنَّ المُرادَ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَطَمِعَ أنْ يَخْلُصَ مِنهم هو وأصْحابُهُ بِالقُوَّةِ فَقَدْ قالَ أبُو الأشَدِّ بْنُ أُسَيْدٍ الجُمَحِيُّ: لا يَبْلُغُونَ ثَوْبِي حَتّى أُجْهِضَهم عَنْ جَهَنَّمَ، أيْ: أُنَحِّيَهم.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تَتْمِيمٌ في إبْطالِ تَوَهُّمِ المُشْرِكِينَ حَقارَةَ عَدَدِ خَزَنَةِ النّارِ، وهو كَلامٌ جارٍ عَلى تَقْدِيرِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ إذِ الكَلامُ قَدْ أثارَ في النُّفُوسِ تَساؤُلًا عَنْ فائِدَةِ جَعْلِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ تِسْعَةَ عَشَرَ وهَلّا كانُوا آلافًا لِيَكُونَ مَرْآهم أشَدَّ هَوْلًا عَلى أهْلِ النّارِ، أوْ هَلّا كانُوا مَلَكًا واحِدًا، فَإنَّ قُوى المَلائِكَةِ تَأْتِي كُلَّ عَمَلٍ يُسَخِّرُها اللَّهُ لَهُ، فَكانَ جَوابُ هَذا السُّؤالِ: أنَّ هَذا العَدَدَ قَدْ أظْهَرَ لِأصْنافِ النّاسِ مَبْلَغَ فَهْمِ الكُفّارِ لِلْقُرْآنِ. وإنَّما حَصَلَتِ الفِتْنَةُ مِن ذِكْرِ عَدَدِهِمْ في الآيَةِ السّابِقَةِ. فَقَوْلُهُ ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: وما جَعَلْنا ذِكْرَ عِدَّتِهِمْ إلّا فِتْنَةً. ولِاسْتِيقانِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، وازْدِيادِ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا، واضْطِرابِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَيَظْهَرُ ضَلالُ الضّالِّينَ واهْتِداءُ المُهْتَدِينَ. فاللَّهُ جَعَلَ عِدَّةَ خَزَنَةِ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ لِحِكْمَةٍ أُخْرى غَيْرِ ما ذُكِرَ هُنا اقْتَضَتْ ذَلِكَ الجَعْلَ يَعْلَمُها اللَّهُ.
والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّعٌ لِمَفْعُولٍ ثانٍ لِفِعْلِ (جَعَلْنا) تَقْدِيرُهُ جَعَلْنا عِدَّتَهم فِتْنَةً لا غَيْرَ، ولَمّا كانَتِ الفِتْنَةُ حالًا مِن أحْوالِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَمْ تَكُنْ مُرادًا مِنها ذاتُها بَلْ عُرُوضُها لِلَّذِينَ كَفَرُوا فَكانَتْ حالًا لَهم.
صفحة ٣١٥
والتَّقْدِيرُ: ما جَعَلْنا ذِكْرَ عِدَّتِهِمْ لِعِلَّةٍ وغَرَضٍ إلّا لِغَرَضِ فِتْنَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ فانْتَصَبَ (فِتْنَةً) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِفِعْلِ (جَعَلْنا) عَلى الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّعِ، وهو قَصْرٌ قُلِبَ لِلرَّدِّ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا إذِ اعْتَقَدُوا أنَّ عِدَّتَهم أمْرٌ هَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلَخْ. عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِفِعْلِ ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً﴾ . ولَوْلا أنَّ كَلِمَةَ (فِتْنَةً) مَنصُوبَةٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ (جَعَلْنا) لَكانَ حَقٌّ (لِيَسْتَيْقِنَ) أنْ يُعْطَفَ عَلى (فِتْنَةً) ولَكِنَّهُ جاءَ في نَظْمِ الكَلامِ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ (جَعَلْنا) وبِـ (فِتْنَةً)، عَلى وجْهِ التَّنازُعِ فِيهِ، أيْ: ما جَعَلْنا عِدَّتَهم لِلَّذِينَ كَفَرُوا إلّا فِتْنَةً لَهم إذْ لَمْ يَحْصُلْ لَهم مِن ذِكْرِها إلّا فَسادُ التَّأْوِيلِ، وتِلْكَ العِدَّةُ مَجْعُولَةٌ لِفَوائِدَ أُخْرى لِغَيْرِ الَّذِينَ كَفَرُوا الَّذِينَ يُفَوِّضُونَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ إلى عِلْمِ اللَّهِ وإلى تَدَبُّرٍ مُفِيدٍ.
والِاسْتِيقانُ: قُوَّةُ اليَقِينِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ. والمَعْنى: لِيَسْتَيْقِنُوا صِدْقَ القُرْآنِ حَيْثُ يَجِدُونَ هَذا العَدَدَ مُصَدِّقًا لِما في كُتُبِهِمْ.
والمُرادُ بِـ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ اليَهُودُ حِينَ يَبْلُغُهم ما في القُرْآنِ مِن مِثْلِ ما في كُتُبِهِمْ أوْ أخْبارِهِمْ. فَكانَ اليَهُودُ يَتَرَدَّدُونَ عَلى مَكَّةَ في التِّجارَةِ ويَتَرَدَّدُ عَلَيْهِمْ أهْلُ مَكَّةَ لِلْمِيرَةِ في خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ ويَثْرِبَ فَيَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَمّا يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ويَوَدُّ المُشْرِكُونَ لَوْ يَجِدُونَ عِنْدَ اليَهُودِ ما يُكَذِّبُونَ بِهِ أخْبارَ القُرْآنِ ولَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَجِدُوهُ ولَوْ وجَدُوهُ لَكانَ أيْسَرَ ما يَطْعَنُونَ بِهِ في القُرْآنِ.
والِاسْتِيقانُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَعْقُبَهُ الإيمانُ إذا صادَفَ عَقْلًا بَرِيئًا مِن عَوارِضِ الكُفْرِ كَما وقَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وقَدْ لا يَعْقُبُهُ الإيمانُ لِمُكابَرَةٍ أوْ حَسَدٍ أوْ إشْفاقٍ مِن فَواتِ جاهٍ أوْ مالٍ كَما كانَ شَأْنُ كَثِيرٍ مِنَ اليَهُودِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ كَثِيرًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] ولِذَلِكَ اقْتَصَرَتِ الآيَةُ عَلى حُصُولِ الِاسْتِيقانِ لَهم.
رَوى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدِهِ إلى جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قالَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ لِأُناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ هَلْ يَعْلَمُ نَبِيئُكم عَدَدَ خَزَنَةِ النّارِ ؟ . قالُوا: لا نَدْرِي حَتّى نَسْألَ نَبِيَّنا. فَجاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيءِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ غُلِبَ أصْحابُكُمُ اليَوْمَ،
صفحة ٣١٦
قالَ: وبِمَ غُلِبُوا ؟ قالَ: سَألَهم يَهُودُ: هَلْ يَعْلَمُ نَبِيُّكم عَدَدَ خَزَنَةِ النّارِ ؟ قالَ: فَما قالُوا ؟ قالَ: قالُوا لا نَدْرِي حَتّى نَسْألَ نَبِيَّنا، قالَ: أفَغُلِبَ قَوْمٌ سُئِلُوا عَمّا لا يَعْلَمُونَ ؟ فَقالُوا: لا نَعْلَمُ حَتّى نَسْألَ نَبِيَّنا - إلى أنْ قالَ جابِرٌ - فَلَمّا جاءُوا قالُوا: يا أبا القاسِمِ كَمْ عَدَدُ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ؟ قالَ: هَكَذا وهَكَذا في مَرَّةٍ عَشَرَةً وفي مَرَّةٍ عَشَرَةً وفي مَرَّةٍ تِسْعًا - بِإشارَةِ الأصابِعِ - قالُوا: نَعَمْ» إلَخْ. ولَيْسَ في هَذا ما يُلْجِئُ إلى اعْتِبارِ هَذِهِ الآيَةِ نازِلَةً بِالمَدِينَةِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ؛ لِأنَّ المُراجَعَةَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ في أخْبارِ القُرْآنِ مَأْلُوفَةٌ مِن وقْتِ كَوْنِ النَّبِيءِ ﷺ في مَكَّةَ.
قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في العارِضَةِ: حَدِيثُ جابِرٍ صَحِيحٌ والآيَةُ الَّتِي فِيها ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، فَكَيْفَ تَقُولُ اليَهُودُ هَذا ويَدْعُوهُمُ النَّبِيءُ لِلْجَوابِ وذَلِكَ كانَ بِالمَدِينَةِ، فَيَحْتَمِلُ أنَّ الصَّحابَةَ قالُوا: لا نَعْلَمُ؛؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا قَرَءُوا الآيَةَ ولا كانَتِ انْتَشَرَتْ عِنْدَهم، أيْ:؛ لِأنَّهم كانُوا مِنَ الأنْصارِ الَّذِينَ لَمْ يَتَلَقَّوْا هَذِهِ الآيَةَ مِن سُورَةِ المُدَّثِّرِ لِبُعْدِ عَهْدِ نُزُولِها بِمَكَّةَ وكانَ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ بِاليَهُودِ ويَسْألُهُمُ اليَهُودُ هُمُ الأنْصارُ. قالَ: ويَحْتَمِلُ أنَّ الصَّحابَةَ لَمْ يُمْكِنْهم أنْ يُعَيِّنُوا أنَّ التِّسْعَةَ عَشَرَ هُمُ الخَزَنَةُ دُونَ أنْ يُعَيِّنَهُمُ اللَّهُ حَتّى صَرَّحَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ اهـ. فَقَدْ ظَهَرَ مِصْداقُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَعْدَ سِنِينَ مِن وقْتِ نُزُولِهِ.
ومَعْنى ﴿ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِهِ في جُمْلَةِ ما يُؤْمِنُونَ بِهِ مِنَ الغَيْبِ فَيَزْدادُ في عُقُولِهِمْ جُزْئِيٌّ في جُزْئِيّاتِ حَقِيقَةِ إيمانِهِمْ بِالغَيْبِ، فَهي زِيادَةٌ كَمِّيَّةٌ لا كَيْفِيَّةٌ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ التَّصْدِيقُ والجَزْمُ وذَلِكَ لا يَقْبَلُ الزِّيادَةَ، وبِمِثْلِ هَذا يَكُونُ تَأْوِيلُ كُلِّ ما ورَدَ في زِيادَةِ الإيمانِ مِن أقْوالِ الكِتابِ والسُّنَّةِ وأقْوالِ سَلَفِ الأُمَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: لِيَنْتَفِيَ عَنْهُمُ الرَّيْبُ فَلا تَعْتَوِرُهم شُبْهَةٌ مِن بَعْدِ عِلْمِهِ؛ لِأنَّهُ إيقانٌ عَنْ دَلِيلٍ. وإنْ كانَ الفَرِيقانِ في العَمَلِ بِعِلْمِهِمْ مُتَفاوِتَيْنِ، فالمُؤْمِنُونَ عَلِمُوا وعَمِلُوا، والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ عَلِمُوا وعانَدُوا، فَكانَ عِلْمُهم حَجَّةً عَلَيْهِمْ وحَسْرَةً في نُفُوسِهِمْ.
والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِهِ: التَّمْهِيدُ لِذِكْرِ مُكابَرَةِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرِينَ في
صفحة ٣١٧
سُوءِ فَهْمِهِمْ لِهَذِهِ العِدَّةِ تَمْهِيدًا بِالتَّعْرِيضِ قَبْلَ التَّصْرِيحِ؛ لِأنَّهُ إذا قِيلَ ﴿ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ شَعَرَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ بِأنَّهم لَمّا ارْتابُوا في ذَلِكَ فَقَدْ كانُوا دُونَ مَرْتَبَةِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ؛ لِأنَّهم لا يُنازِعُونَ في أنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ أرْجَحُ مِنهم عُقُولًا وأسَدُّ قَوْلًا، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾، أيْ: لِيَقُولُوا هَذا القَوْلَ إعْرابًا عَمّا في نُفُوسِهِمْ مِنَ الطَّعْنِ في القُرْآنِ غَيْرَ عالِمِينَ بِتَصْدِيقِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ.
واللّامُ لامُ العاقِبَةِ مِثْلَ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] .
والمَرَضُ في القُلُوبِ: هو سُوءُ النِّيَّةِ في القُرْآنِ والرَّسُولِ ﷺ وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يَزالُوا في تَرَدُّدٍ بَيْنَ أنْ يُسْلِمُوا وأنْ يَبْقَوْا عَلى الشِّرْكِ مِثْلَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ المُنافِقُونَ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ ما ظَهَرُوا إلّا في المَدِينَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ.
وماذا أرادَ اللَّهُ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ فَإنَّ (ما) اسْتِفْهامِيَّةٌ، و(ذا) أصْلُهُ اسْمُ إشارَةٍ فَإذا وقَعَ بَعْدَ (ما) أوْ (مِن) الِاسْتِفْهامِيَّتَيْنِ أفادَ مَعْنى الَّذِي، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: ما الأمْرُ الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ بِهَذا الكَلامِ في حالِ أنَّهُ مَثَلٌ، والمَعْنى: لَمْ يُرِدِ اللَّهُ هَذا العَدَدَ المُمَثَّلِ بِهِ، وقَدْ كُنِّيَ بِنَفْيِ إرادَةِ اللَّهِ العَدَدَ عَنْ إنْكارِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قالَ ذَلِكَ، والمَعْنى: لَمْ يُرِدِ اللَّهُ العَدَدَ المُمَثَّلَ بِهِ فَكَنَّوْا بِنَفْيِ إرادَةِ اللَّهِ وصْفَ هَذا العَدَدِ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ أنْ يَكُونَ هَذا العَدَدُ مُوافِقًا لِلْواقِعِ؛ لِأنَّهم يَنْفُونَ فائِدَتَهُ وإنَّما أرادُوا تَكْذِيبَ أنْ يَكُونَ هَذا وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والإشارَةُ بِهَذا إلى قَوْلِهِ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] .
و(مَثَلًا) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن هَذا، والمَثَلُ: الوَصْفُ، أيْ: بِهَذا العَدَدِ وهو تِسْعَةَ عَشَرَ، أيْ: ما الفائِدَةُ في هَذا العَدَدِ دُونَ غَيْرِهِ مِثْلَ عِشْرِينَ.
والمَثَلُ: وصْفُ الحالَةِ العَجِيبَةِ، أيْ: ما وصَفَهُ مِن عَدَدِ خَزَنَةِ النّارِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥] الآيَةَ.
صفحة ٣١٨
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
* * *
﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ اسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ المُتَقَدِّمُ مِن قَوْلِهِ ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ مَثَلًا بِتَأْوِيلِ ما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ بِالمَذْكُورِ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الضَّلالِ الحاصِلِ لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ولِلْكافِرِينَ، والحاصِلِ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بَعْدَ أنِ اسْتَيْقَنُوا فَلَمْ يُؤْمِنُوا، يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ أنْ يُضِلَّهُ مِن عِبادِهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ الهُدى الَّذِي اهْتَداهُ المُؤْمِنُونَ فَزادَهم إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ يَهْدِي اللَّهُ مَن يَشاءُ.
والغَرَضُ مِن هَذا التَّشْبِيهِ تَقْرِيبُ المَعْنى المَعْقُولِ وهو تَصَرُّفُ اللَّهِ تَعالى بِخَلْقِ أسْبابِ الأحْوالِ العارِضَةِ لِلْبَشَرِ، إلى المَعْنى المَحْسُوسِ المَعْرُوفِ في واقِعَةِ الحالِ، تَعْلِيمًا لِلْمُسْلِمِينَ وتَنْبِيهًا لِلنَّظَرِ في تَحْصِيلِ ما يَنْفَعُ نُفُوسَهم.
ووَجْهُ الشَّبَهِ هو السَّبَبِيَّةُ في اهْتِداءِ مَن يَهْتَدِي وضَلالِ مَن يَضِلُّ، في أنَّ كُلًّا مِنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا وإرادَةً لِحِكْمَةٍ اقْتَضاها عِلْمُهُ تَعالى فَتَفاوَتَ النّاسُ في مَدى إفْهامِهِمْ فِيهِ بَيْنَ مُهْتَدٍ ومُرْتابٍ مُخْتَلِفِ المَرْتَبَةِ في رَيْبِهِ، ومُكابِرٍ كافِرٍ وسَيِّئِ فَهْمٍ كافِرٍ.
وهَذِهِ الكَلِمَةُ عَظِيمَةٌ في اخْتِلافِ تَلَقِّي العُقُولِ لِلْحَقائِقِ وانْتِفاعِهِمْ بِها أوْ ضِدِّهِ بِحَسَبِ اخْتِلافِ قَرائِحِهِمْ وفُهُومِهِمْ وتَراكِيبِ جِبِلّاتِهِمُ المُتَسَلْسِلَةِ مِن صَوابٍ إلى مِثْلِهِ، أوْ مِن تَرَدُّدٍ واضْطِرابٍ إلى مِثْلِهِ، أوْ مِن حَنَقٍ وعِنادٍ إلى مِثْلِهِ، فانْطَوى التَّشْبِيهُ مِن قَوْلِهِ كَذَلِكَ عَلى أحْوالٍ وصُوَرٍ كَثِيرَةٍ تَظْهَرُ في الخارِجِ.
وإسْنادُ الإضْلالِ إلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُوجِدُ الأسْبابِ الأصْلِيَّةِ في الجِبِلّاتِ، واقْتِباسُ الأهْواءِ وارْتِباطُ أحْوالِ العالَمِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، ودَعْوَةُ الأنْبِياءِ والصُّلَحاءِ إلى الخَيْرِ، ومُقاوَمَةُ أيِمَّةِ الضَّلالِ لِتِلْكَ الدَّعَواتِ تِلْكَ الأسْبابُ الَّتِي أدَّتْ بِالضّالِّينَ إلى ضَلالِهِمْ وبِالمُهْتَدِينَ إلى هُداهم. وكُلٌّ مِن خَلْقِ اللَّهِ. فَما عَلى الأنْفُسِ المُرِيدَةِ الخَيْرَ والنَّجاةَ إلّا التَّعَرُّضَ لِأحَدِ المَهِيعَيْنِ بَعْدَ التَّجَرُّدِ والتَّدَبُّرِ ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
صفحة ٣١٩
ومَشِيئَةُ اللَّهِ في ذَلِكَ تَعَلُّقُ عِلْمِهِ بِسُلُوكِ المُهْتَدِينَ والضّالِّينَ.
ومَحَلُّ (كَذَلِكَ) نَصْبٌ بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ؛ لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ هُنا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الصِّفَةُ، والتَّقْدِيرُ: يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إضْلالًا وهَدْيًا، كَذَلِكَ الإضْلالُ والهَدْيُ. ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
وقَدَّمَ وصْفَ المَفْعُولِ المُطْلَقِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا التَّشْبِيهِ لِما يُرْشِدُ إلَيْهِ مِن تَفْصِيلٍ عِنْدَ التَّدَبُّرِ فِيهِ، وحَصَلَ مِن تَقْدِيمِهِ مُحَسِّنُ الجَمْعِ ثُمَّ التَّقْسِيمُ إذْ جاءَ تَقْسِيمُهُ بِقَوْلِهِ ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ .
* * *
﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلّا هُوَ﴾ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِإبْطالِ التَّخَرُّصاتِ الَّتِي يَتَخَرَّصُها الضّالُّونَ ومَرْضى القُلُوبِ عِنْدَ سَماعِ الأخْبارِ عَنْ عالَمِ الغَيْبِ وأُمُورِ الآخِرَةِ مِن نَحْوِ: ما هَذى بِهِ أبُو جَهْلٍ في أمْرِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ يَشْمَلُ ذَلِكَ وغَيْرَهُ، فَلِذَلِكَ كانَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ حُكْمُ التَّذْيِيلِ.
والجُنُودُ: جَمْعُ جُنْدٍ، وهو اسْمٌ لِجَماعَةِ الجَيْشِ واسْتُعِيرَ هُنا لِلْمَخْلُوقاتِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لِتَنْفِيذِ أمْرِهِ لِمُشابَهَتِها الجُنُودَ في تَنْفِيذِ المُرادِ.
وإضافَةُ (رَبٍّ) إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ إضافَةُ تَشْرِيفٍ وتَعْرِيضٍ بِأنَّ مِن شَأْنِ تِلْكَ الجُنُودِ أنَّ بَعْضَها يَكُونُ بِهِ نَصْرُ النَّبِيءِ ﷺ . ونَفْيُ العِلْمِ هُنا نَفْيٌ لِلْعِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ بِأعْدادِها وصِفاتِها وخَصائِصِها بِقَرِينَةِ المَقامِ، فَإنَّ العِلْمَ بِعَدَدِ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ قَدْ حَصَلَ لِلنّاسِ بِإعْلامٍ مِنَ اللَّهِ لَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ ما وراءَ ذَلِكَ.
* * *
﴿وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ فِيهِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ أعْلاها أنْ يَكُونَ هَذا تَتِمَّةً لِقَوْلِهِ ﴿وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عَلى أنْ يَكُونَ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، أيْ: أنَّ النّافِعَ لَكم أنْ تَعْلَمُوا أنَّ الخَبَرَ عَنْ خَزَنَةِ النّارِ بِأنَّهم تِسْعَةَ عَشَرَ فائِدَتُهُ أنْ يَكُونَ ذِكْرى
صفحة ٣٢٠
لِلْبَشَرِ لِيَتَذَكَّرُوا دارَ العِقابِ بِتَوْصِيفِ بَعْضِ صِفاتِها؛ لِأنَّ في ذِكْرِ الصِّفَةِ عَوْنًا عَلى زِيادَةِ اسْتِحْضارِ المَوْصُوفِ، فَغَرَضُ القُرْآنِ الذِّكْرى، وقَدِ اتَّخَذَهُ الضّالُّونَ ومَرْضى القُلُوبِ لَهْوًا وسُخْرِيَةً ومِراءً بِالسُّؤالِ عَنْ جَعْلِهِمْ تِسْعَةَ عَشَرَ ولِمَ لَمْ يَكُونُوا عِشْرِينَ أوْ مِئاتٍ أوْ آلافًا.
وضَمِيرُ (هي) عَلى هَذا الوَجْهِ راجِعٌ إلى عِدَّتِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلى الكَلامِ السّابِقِ، وتَأْنِيثُ ضَمِيرِهِ لِتَأْوِيلِهِ بِالقِصَّةِ أوِ الصِّفَةِ أوِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ.
والمَعْنى: نَظِيرُ المَعْنى عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَرْجِعَ إلى (سَقَرَ) وإنَّما تَكُونُ (ذِكْرى) بِاعْتِبارِ الوَعِيدِ بِها وذِكْرِ أهْوالِها.
والقَصْرُ مُتَوَجِّهٌ إلى مُضافٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ تَقْدِيرُهُ: وما ذِكْرُها أوْ وصْفُها أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَرْجِعَ ضَمِيرُ (هي) إلى ﴿جُنُودَ رَبِّكَ﴾ والمَعْنى المَعْنى، والتَّقْدِيرُ التَّقْدِيرُ، أيْ: وما ذِكْرُها أوْ عِدَّةُ بَعْضِها.
وجَوَّزَ الزَّجّاجُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى نارِ الدُّنْيا، أيْ: أنَّها تُذَكِّرُ النّاسَ بِنارِ الآخِرَةِ، يُرِيدُ أنَّهُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١] ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾ [الواقعة: ٧٣] . وفِيهِ مُحَسِّنُ الِاسْتِخْدامِ.
وقِيلَ المَعْنى: وما عِدَّتُهم إلّا ذِكْرى لِلنّاسِ لِيَعْلَمُوا غِنى اللَّهِ عَنِ الأعْوانِ والجُنْدِ فَلا يَظَلُّوا في اسْتِقْلالِ تِسْعَةَ عَشَرَ تُجاهَ كَثْرَةِ أهْلِ النّارِ.
وإنَّما حَمَلَتِ الآيَةُ هَذِهِ المَعانِيَ بِحُسْنِ مَوْقِعِها في هَذا المَوْضِعِ وهَذا مِن بَلاغَةِ نَظْمِ القُرْآنِ. ولَوْ وقَعَتْ إثْرَ قَوْلِهِ ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] لَتَمَحَّضَ ضَمِيرُ ﴿وما هي إلّا ذِكْرى﴾ لِلْعَوْدِ إلى سَقَرَ، وهَذا مِنَ الإعْجازِ بِمَواقِعِ جُمَلِ القُرْآنِ كَما في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
وبَيْنَ لَفْظِ البَشَرِ المَذْكُورِ هُنا ولَفْظِ البَشَرِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٩] التَّجْنِيسُ التّامُّ.
74:32–34Page 576
كـَلَّا وَٱلۡقَمَرِ ٣٢
No! By the moon
وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ ٣٣
And [by] the night when it departs
وَٱلصُّبۡحِ إِذَآ أَسۡفَرَ ٣٤
And [by] the morning when it brightens,
صفحة ٣٢١
﴿كَلّا﴾ (كَلّا) حَرْفُ رَدْعٍ وإبْطالٍ. والغالِبُ أنْ يَقَعَ بَعْدَ كَلامٍ مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ أوْ مِن مُتَكَلِّمٍ وسامِعٍ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ( ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١]
فَيُفِيدُ الرَّدْعَ عَمّا تَضَمَّنَهُ الكَلامُ المَحْكِيُّ قَبْلَهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٧٩]) في سُورَةِ مَرْيَمَ، ويَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلى الكَلامِ إذا أُرِيدَ التَّعْجِيلُ بِالرَّدْعِ والتَّشْوِيقُ إلى سَماعِ ما بَعْدَهُ، وهو هُنا مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ إبْطالًا لِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِمْ: فَإذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا، فَيَكُونُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا ويَكُونُ قَوْلُهُ (والقَمَرِ) ابْتِداءَ كَلامٍ فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى (كَلّا) . ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَرْفَ إبْطالٍ مُقَدَّمًا عَلى الكَلامِ الَّذِي بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ (﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥] ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦]) تَقْدِيمَ اهْتِمامٍ لِإبْطالِ ما يَجِيءُ بَعْدَهُ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِ (﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦])، أيْ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَنْتَذِرُوا بِها فَلَمْ يَنْتَذِرْ أكْثَرُهم عَلى نَحْوِ مَعْنى قَوْلِهِ (﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣]) فَيَحَسُنُ أنْ تُوصَلَ في القِراءَةِ بِما بَعْدَها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences