Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Muddaththir 74:35–53
74:35–37Page 576
إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ ٣٥
Indeed, it [i.e., the Fire] is of the greatest [afflictions]
نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ ٣٦
As a warning to humanity -
لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَتَقَدَّمَ أَوۡ يَتَأَخَّرَ ٣٧
To whoever wills among you to proceed1 or stay behind.
﴿والقَمَرِ﴾ [المدثر: ٣٢] ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ (الواوُ المُفْتَتَحُ بِها هَذِهِ الجُمْلَةُ واوُ القَسَمِ، وهَذا القَسَمُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَهُ مُؤَكِّدًا لِما أفادَتْهُ ( كَلّا) مِنَ الإنْكارِ والإبْطالِ لِمَقالَتِهِمْ في شَأْنِ عِدَّةِ خَزَنَةِ النّارِ، فَتَكُونَ جُمْلَةُ (﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾) تَعْلِيلًا لِلْإنْكارِ الَّذِي أفادَتْهُ (كَلّا) ويَكُونَ ضَمِيرُ (إنَّها) عائِدًا إلى (سَقَرَ) أيْ هي جَدِيرَةٌ بِأنْ يُتَذَكَّرَ بِها فَلِذَلِكَ كانَ مَن لَمْ يَتَذَكَّرْ بِها حَقِيقًا بِالإنْكارِ عَلَيْهِ ورَدْعِهِ.
وجُمْلَةُ القَسَمِ عَلى هَذا الوَجْهِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَةِ وتَعْلِيلِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَسَمُ صَدْرًا لِلْكَلامِ الَّذِي بَعْدَهُ وجُمْلَةُ (﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾) جَوابُ القَسَمِ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى (سَقَرَ)، أيْ أنَّ سَقَرَ لَأعْظَمُ الأهْوالِ، فَلا تَجْزِي في مَعادِ ضَمِيرِ (إنَّها) جَمِيعُ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي جَرَتْ في ضَمِيرِ (﴿وما هي إلّا ذِكْرى﴾ [المدثر: ٣١]) .
صفحة ٣٢٢
وهَذِهِ ثَلاثَةُ أيْمانٍ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ فَإنَّ التَّأْكِيدَ اللَّفْظِيَّ إذا أُكِّدَ بِالتَّكْرارِ يُكَرَّرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ غالِبًا، أقْسَمَ بِمَخْلُوقٍ عَظِيمٍ، وبِحالَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
ومُناسَبَةُ القَسَمِ بِالقَمَرِ وبِاللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ أنَّ هَذِهِ الثَّلاثَةَ تَظْهَرُ بِها أنْوارٌ في خِلالِ الظَّلامِ فَناسَبَتْ حالَيِ الهُدى والضَّلالِ مِن قَوْلِهِ (﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١]) ومِن قَوْلِهِ (﴿وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١]) فَفي هَذا القَسَمِ تَلْوِيحٌ إلى تَمْثِيلِ حالِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ النّاسِ عِنْدَ نُزُولِ القُرْآنِ بِحالِ اخْتِراقِ النُّورِ في الظُّلْمَةِ.
وإدْبارُ اللَّيْلِ: اقْتِرابُ تَقَضِّيهِ عِنْدَ الفَجْرِ، وإسْفارُ الصُّبْحِ: ابْتِداءُ ظُهُورِ ضَوْءِ الفَجْرِ.
وكُلٌّ مِن (إذْ) و(إذا) واقِعانِ اسْمَيْ زَمانٍ مُنْتَصِبانِ عَلى الحالِ مِنَ اللَّيْلِ ومِنَ الصُّبْحِ، أيْ أُقْسِمُ بِهِ في هَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ الدّالَّةِ عَلى النِّظامِ المُحْكَمِ المُتَشابِهِ لِمَحْوِ اللَّهِ ظُلُماتِ الكُفْرِ بِنُورِ الإسْلامِ؛ قالَ تَعالى (﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١]) .
وقَدْ أُجْرِيَتْ جُمْلَةُ (﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾) مَجْرى المَثَلِ.
ومَعْنى (إحْدى) أنَّها المُتَوَحِّدَةُ المُتَمَيِّزِةُ مِن بَيْنِ الكُبَرِ في العِظَمِ لا نَظِيرَةَ لَها كَما يُقالُ: هو أحَدُ الرِّجالِ لا يُرادُ أنَّهُ واحِدٌ مِنهم، بَلْ يُرادُ أنَّهُ مُتَوَحِّدٌ فِيهِمْ بارِزٌ ظاهِرٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ [المدثر: ١١]) . وفي المَثَلِ ”هَذِهِ إحْدى حُظَيّاتِ لُقْمانَ“ .
وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ إذْ أدْبَرَ بِسُكُونِ ذالِ (إذْ) وبِفَتْحِ هَمْزَةِ أدْبَرَ وإسْكانِ دالِهِ، أقْسَمَ بِاللَّيْلِ في حالَةِ إدْبارِهِ الَّتِي مَضَتْ وهي حالَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ تَمْضِي وتَحْضُرُ وتُسْتَقْبَلُ، فَأيُّ زَمَنٍ اعْتُبِرَ مَعَها فَهي حَقِيقَةٌ بِأنْ يُقْسِمَ بِكَوْنِها فِيهِ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ بِالصُّبْحِ إذا أسْفَرَ مَعَ اسْمِ الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيِّ وأبُو جَعْفَرٍ (إذا دَبَرَ) بِفَتْحِ الذّالِ المُعْجَمَةِ مِن (إذا)، بَعْدَها ألِفٌ، وبِفَتْحِ الدّالِّ المُهْمَلَةِ مِن دَبَرَ عَلى أنَّهُ فِعْلُ مُضِيٍّ مُجَرَّدٌ، يُقالُ: دَبَرَ بِمَعْنى أدْبَرَ، ومِنهُ وصْفُهُ بِالدّابِرِ في قَوْلِهِمْ: أمْسِ الدّابِرُ، كَما يُقالُ: قَبَلَ بِمَعْنى أقْبَلَ، فَيَكُونُ القَسَمُ بِالحالَةِ
صفحة ٣٢٣
المُسْتَقْبَلَةِ مِن إدْبارِ اللَّيْلِ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، عَلى وِزانِ (﴿إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤]) في قِراءَةِ الجَمِيعِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَقِيمٌ فَقَدْ حَصَلَ في قِراءَةِ نافِعٍ ومُوافِقِيهِ تَفَنُّنٌ في القَسَمِ.
والكُبَرُ: جَمْعُ الكُبْرى في نَوْعِها، جَمَعُوهُ هَذا الجَمْعَ عَلى غَيْرِ قِياسِ بابِهِ؛ لِأنَّ فُعْلى حَقُّها أنَّ تُجْمَعَ جَمْعَ سَلامَةٍ عَلى كُبْرَياتٍ، وأمّا بِنْيَةُ فُعَلٍ فَإنَّها جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِفُعْلَةٍ كَغُرْفَةٍ وغُرَفٍ، لَكِنَّهم حَمَلُوا المُؤَنَّثَ بِالألِفِ عَلى المُؤَنَّثِ بِالهاءِ لِأنَّهم تَأوَّلُوهُ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ لِلْمُصِيبَةِ العَظِيمَةِ ولَمْ يَعْتَبِرُوهُ الخَصْلَةَ المَوْصُوفَةَ بِالكِبْرِ، أيْ أُنْثى الأكْبَرِ فَلِذَلِكَ جَعَلُوا ألِفَ التَّأْنِيثِ الَّتِي فِيهِ بِمَنزِلَةِ هاءِ التَّأْنِيثِ فَجَمَعُوهُ كَجَمْعِ المُؤَنَّثِ بِالهاءِ مِن وزْنِ فُعْلَةٍ ولَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ في أخَواتِهِ مِثْلِ عُظْمى.
وانْتَصَبَ نَذِيرًا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (إنَّها)، أيْ إنَّها لَعُظْمى العَظائِمِ في حالِ إنْذارِها لِلْبَشَرِ وكَفى بِها نَذِيرًا.
والنَّذِيرُ: المُنْذِرُ، وأصْلُهُ وصْفٌ بِالمَصْدَرِ لِأنَّ (نَذِيرًا) جاءَ في المَصادِرِ كَما جاءَ النَّكِيرُ، والمَصْدَرُ إذا وُصِفَ بِهِ أوْ أُخْبِرَ بِهِ يَلْزَمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ، وقَدْ كَثُرَ الوَصْفُ بِـ (النَّذِيرِ) حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ لِلْمُنْذِرِ.
وقَوْلُهُ (﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾) بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ مِن قَوْلِهِ لِلْبَشَرِ، وأُعِيدَ حَرْفُ الجَرِّ مَعَ البَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥])، وقَوْلِهِ (﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧] ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]) وقَوْلِهِ تَعالى (﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ [المائدة: ١١٤]) . والمَعْنى: إنَّها نَذِيرٌ لِمَن شاءَ أنْ يَتَقَدَّمَ إلى الإيمانِ والخَيْرِ لِيَنْتَذِرَ بِها، ولِمَن شاءَ أنْ يَتَأخَّرَ عَنِ الإيمانِ والخَيْرِ فَلا يَرْعَوِي بِنِذارَتِها لِأنَّ التَّقَدُّمَ مَشْيٌ إلى جِهَةِ الأمامِ فَكَأنَّ المُخاطَبَ يَمْشِي إلى جِهَةِ الدّاعِي إلى الإيمانِ وهو كِنايَةٌ عَنْ قَبُولِ ما يَدْعُو إلَيْهِ، وبِعَكْسِهِ التَّأخُّرُ، فَحَذْفُ مُتَعَلِّقِ ٠ (يَتَقَدَّمَ) و(يَتَأخَّرَ) لِظُهُورِهِ مِنَ السِّياقِ.
ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ: لِمَن شاءَ أنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْها، أيْ إلى سَقَرَ بِالإقْدامِ عَلى الأعْمالِ الَّتِي تُقَدِّمُهُ إلَيْها، أوْ يَتَأخَّرَ عَنْها بِتَجَنُّبِ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُقَرِّبَهُ مِنها.
وتَعْلِيقُ نَذِيرًا بِفِعْلِ المَشِيئَةِ إنْذارٌ لِمَن لا يَتَذَكَّرُ بِأنَّ عَدَمَ تَذَكُّرِهِ ناشِئٌ عَنْ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ فَتَبِعَتُهُ عَلَيْهِ لِتَفْرِيطِهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ المَثَلِ ”يَداكَ أوْكَتا وفُوكَ نَفَخَ“ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ قَوْلُهُ (﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩]) .
صفحة ٣٢٤
وفِي ضَمِيرِ (مِنكم) التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: لِمَن شاءَ مِنهم، أيْ مِنَ البَشَرِ.
74:38–48Page 576
كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ ٣٨
Every soul, for what it has earned, will be retained1
إِلَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡيَمِينِ ٣٩
Except the companions of the right,1.
فِي جَنَّٰتٖ يَتَسَآءَلُونَ ٤٠
[Who will be] in gardens, questioning each other
عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤١
About the criminals,
مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ ٤٢
[And asking them], "What put you into Saqar?"
قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ ٤٣
They will say, "We were not of those who prayed,
وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ ٤٤
Nor did we used to feed the poor.
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ ٤٥
And we used to enter into vain discourse with those who engaged [in it],
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ٤٦
And we used to deny the Day of Recompense
حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلۡيَقِينُ ٤٧
Until there came to us the certainty [i.e., death]."
فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ ٤٨
So there will not benefit them the intercession of [any] intercessors.
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿حَتّى أتِينا اليَقِينُ﴾ ﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ يُبَيِّنُ لِلسّامِعِ عُقْبى الِاخْتِيارِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ [المدثر: ٣٧]) أيْ كُلٌّ إنْسانٍ رَهْنٌ بِما كَسَبَ مِنَ التَّقَدُّمِ أوِ التَّأخُّرِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَهو عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ لِيَكْسِبَ ما يُفْضِي بِهِ إلى النَّعِيمِ أوْ إلى الجَحِيمِ.
ورَهِينَةٌ: خَبَرٌ عَنْ (كُلُّ نَفْسٍ) وهو بِمَعْنى مَرْهُونَةٍ.
والرَّهْنُ: الوِثاقُ والحَبْسُ ومِنهُ الرَّهْنُ في الدَّيْنِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى المُلازَمَةِ والمُقارَنَةِ، ومِنهُ: فَرَسا رِهانٍ، وكِلا المَعْنَيَيْنِ يَصِحُّ الحَمْلُ عَلَيْهِ هُنا عَلى اخْتِلافِ الحالِ، وإنَّما يَكُونُ الرَّهْنُ لِتَحْقِيقِ المُطالَبَةِ بِحَقٍّ يُخْشى أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ المَحْقُوقُ بِهِ، فالرَّهْنُ مُشْعِرٌ بِالأخْذِ بِالشِّدَّةِ ومِنهُ رَهائِنُ الحَرْبِ الَّذِينَ يَأْخُذُهُمُ الغالِبُ مِنَ القَوْمِ المَغْلُوبِينَ ضَمانًا لِئَلّا يَخِيسَ القَوْمُ بِشُرُوطِ الصُّلْحِ وحَتّى يُعْطُوا دِياتِ القَتْلى فَيَكُونَ الِانْتِقامُ مِنَ الرَّهائِنِ.
وبِهَذا يَكُونُ قَوْلُهُ (كُلُّ نَفْسٍ) مُرادًا بِهِ خُصُوصُ أنْفُسِ المُنْذِرِينَ مِنَ البَشَرِ فَهو مِنَ العامِّ المُرادِ بِهِ الخُصُوصُ بِالقَرِينَةِ، أيْ قَرِينَةِ ما تُعْطِيهِ مادَّةُ رَهِينَةٍ مِن مَعْنى الحَبْسِ والأسْرِ.
والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ لا لِلسَّبَبِيَّةِ.
وظاهِرُ هَذا أنَّهُ كَلامٌ مُنْصِفٌ ولَيْسَ بِخُصُوصِ تَهْدِيدِ أهْلِ الشَّرِّ.
صفحة ٣٢٥
ورَهِينَةٌ: مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فَعَيْلَةٍ كالشَّتِيمَةِ فَهو مِنَ المَصادِرِ المُقْتَرِنَةِ بِهاءٍ كَهاءِ التَّأْنِيثِ مِثْلَ الفُعُولَةِ والفَعّالَةِ، ولَيْسَ هو مِن بابِ فَعِيلٍ الَّذِي هو وصْفٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ مِثْلَ قَتِيلَةٍ، إذْ لَوْ قَصَدَ الوَصْفَ لَقِيلَ رَهِينٌ لِأنَّ فَعَيْلًا بِمَعْنى مَفْعُولٍ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ إذا جَرى عَلى مَوْصُوفِهِ كَما هُنا، والإخْبارُ بِالمَصَدَرِ لِلْمُبالَغَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِ مُسَوَّرِ بْنِ زِيادَةَ الحارِثِيِّ:
أبَعْدَ الَّذِي بِالنَّعْفِ نَعْفِ كُوَيْكِبٍ رَهِينَةِ رَمْسٍ ذِي تُرابٍ وجَنْدَلِ
ألا تَراهُ أثْبَتَ الهاءَ في صِفَةِ المُذَكَّرِ وإلّا لَما كانَ مُوجِبًا لِلتَّأْنِيثِ.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ (﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾) اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ.
وأصْحابُ اليَمِينِ هم أهْلُ الخَيْرِ جُعِلَتْ عَلاماتُهم في الحَشْرِ بِجِهاتِ اليَمِينِ في مُناوَلَةِ الصُّحُفِ وفي مَوْقِفِ الحِسابِ وغَيْرِ ذَلِكَ. فاليَمِينُ هو جِهَةُ أهْلِ الكَرامَةِ في الِاعْتِبارِ كَجِهَةِ يَمِينِ العَرْشِ أوْ يَمِينِ مَكانِ القُدْسِ يَوْمَ الحَشْرِ لا يُحِيطُ بِها وصْفُنا وجُعِلَتْ عَلامَةُ أهْلِ الشَّرِّ الشَّمالَ في تَناوُلِ صُحُفِ أعْمالِهِمْ وفي مَواقِفِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (في جَنّاتٍ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ (يَتَساءَلُونَ) قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ، و(يَتَساءَلُونَ) حالٌ مِن (أصْحابَ اليَمِينِ) وهو مَناطُ التَّفْصِيلِ الَّذِي جِيءَ لِأجْلِهِ بِالِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في جَنّاتٍ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: هم في جَنّاتٍ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ الِاسْتِثْناءِ ويَكُونُ يَتَساءَلُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ.
ومَعْنى (يَتَساءَلُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِ صِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلدَّلالَةِ عَلى صُدُورِ الفِعْلِ مِن جانِبَيْنِ، أيْ يَسْألُ أصْحابُ اليَمِينِ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ شَأْنِ المُجْرِمِينَ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾) بَيانًا لِجُمْلَةِ (يَتَساءَلُونَ) . وضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ سَلَكَكم يُؤْذِنُ بِمَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: فَيَسْألُونَ المُجْرِمِينَ ما سَلَكَكم في سَقَرَ، ولَيْسَ التِفاتًا، أوْ يَقُولُ بَعْضُ المَسْئُولِينَ لِأصْحابِهِمْ جَوابًا لِسائِلِيهِمْ قُلْنا لَهم: (﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾) .
صفحة ٣٢٦
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ التَّفاعُلِ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى تَكْرِيرِ الفِعْلِ أيْ يَكْثُرُ سُؤالُ كُلِّ أحَدٍ مِنهم سُؤالًا مُتَكَرِّرًا أوْ هو مِن تَعْدادِ السُّؤالِ لِأجْلِ تَعْدادِ السّائِلِينَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: ١]) في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ: هو كَقَوْلِكَ تَداعَيْنا. ونُقِلَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ هُنا: إذا كانَ المُتَكَلِّمُ مُفْرَدًا يُقالُ: دَعَوْتُ، وإذا كانَ المُتَكَلِّمُ مُتَعَدِّدًا يُقالُ: تَداعَيْنا، ونَظِيرُهُ، رَمَيْتُهُ، وتَرامَيْناهُ. ورَأيْتُ الهِلالَ وتَراءَيْناهُ ولا يَكُونُ هَذا تَفاعُلًا مِنَ الجانِبَيْنِ اهـ. ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ في سُورَةِ النِّساءِ، أيْ هو فِعْلٌ مِن جانِبٍ واحِدٍ ذِي عَدَدٍ كَثِيرٍ؛ وعَلى هَذا يَكُونُ مَفْعُولُ يَتَساءَلُونَ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾) .
والتَّقْدِيرُ: يَتَساءَلُونَ المُجْرِمِينَ عَنْهم، أيْ عَنْ سَبَبِ حُصُولِهِمْ في سَقَرَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ بَيانُ جُمْلَةِ يَتَساءَلُونَ بِجُمْلَةِ (﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾)، فَإنَّ ما سَلَكَكم في بَيانٍ لِلتَّساؤُلِ.
وأصْلُ مَعْنى سَلَكَهُ أدْخَلَهَبَيِنَ أجْزاءِ شَيْءٍ حَقِيقَةً ومِنهُ جاءَ سِلْكُ العِقْدِ، واسْتُعِيرَ هُنا لِلزَّجِّ بِهِمْ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الحِجْرِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ١٢]) وفي قَوْلِهِ (﴿نَسْلُكُهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]) في سُورَةِ الجِنِّ. والمَعْنى: ما زُجَّ بِكم في سَقَرَ.
فَإنْ كانَ السُّؤالُ عَلى حَقِيقَتِهِ والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في أصْلِ مَعْناهُ كانَ الباعِثُ عَلى السُّؤالِ: إمّا نِسْيانُ الَّذِي كانُوا عَلِمُوهُ في الدُّنْيا مِن أسْبابِ الثَّوابِ والعِقابِ فَيَبْقى عُمُومُ يَتَساءَلُونَ الرّاجِعُ إلى أصْحابِ اليَمِينِ وعُمُومُ المُجْرِمِينَ عَلى ظاهِرِهِ، فَكُلٌّ مِن أصْحابِ اليَمِينِ يُشْرِفُ عَلى المُجْرِمِينَ مِن أعالِي الجَنَّةِ فَيَسْألُهم عَنْ سَبَبِ وُلُوجِهِمُ النّارَ فَيَحْصُلُ جَوابُهم وذَلِكَ إلْهامٌ مِنَ اللَّهِ لِيَحْمَدَهُ أهْلُ الجَنَّةِ عَلى ما أخَذُوا بِهِ مِن أسْبابِ نَجاتِهِمْ مِمّا أصابَ المُجْرِمِينَ ويَفْرَحُوا بِذَلِكَ.
وإمّا أنْ يَكُونَ سُؤالًا مُوَجَّهًا مِن بَعْضِ أصْحابِ اليَمِينِ إلى ناسٍ كانُوا يَظُنُّونَهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَرَأوْهم في النّارِ مِنَ المُنافِقِينَ أوِ المُرْتَدِّينَ بَعْدَ مَوْتِ أصْحابِهِمْ، فَيَكُونُ المُرادُ بِأصْحابِ اليَمِينِ بَعْضَهم وبِالمُجْرِمِينَ بَعْضَهم وهَذا مِثْلُ ما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ [الصافات: ٢٨]) الآياتِ
صفحة ٣٢٧
فِي سُورَةِ الصّافّاتِ وقَوْلُهُ فِيها (﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] ﴿يَقُولُ أءِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٢]) إلى قَوْلِهِ (﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥]) .
وإنْ كانَ السُّؤالُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ وكانَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّنْدِيمِ، أوِ التَّوْبِيخِ فَعُمُومُ أصْحابِ اليَمِينِ وعُمُومُ المُجْرِمِينَ عَلى حَقِيقَتِهِ.
وأجابَ المُجْرِمُونَ بِذِكْرِ أسْبابِ الزَّجِّ بِهِمْ في النّارِ لِأنَّهم ما ظَنُّوا إلّا ظاهِرَ الِاسْتِفْهامِ، فَذَكَرُوا أرْبَعَةَ أسْبابٍ هي أُصُولُ الخَطايا وهي: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ الصَّلاةِ فَحَرَمُوا أنْفُسَهم مِنَ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ.
وأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُطْعِمِينَ المَساكِينَ وذَلِكَ اعْتِداءٌ عَلى ضُعَفاءِ النّاسِ بِمَنعِهِمْ حَقَّهم في المالِ.
وأنَّهم كانُوا يَخُوضُونَ خَوْضَهُمُ المَعْهُودَ الَّذِي لا يَعْدُو عَنْ تَأْيِيدِ الشِّرْكِ وأذى الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ.
وأنَّهم كَذَّبُوا بِالجَزاءِ فَلَمْ يَتَطَلَّبُوا ما يُنْجِيهِمْ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ إيمانِهِمْ، سَلَكُوا بِها طَرِيقَ الإطْنابِ المُناسِبَ لِمَقامِ التَّحَسُّرِ والتَّلَهُّفِ عَلى ما فاتَ، فَكَأنَّهم قالُوا لِأنّا لَمْ نَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ أهْلَ الإيمانِ اشْتَهَرُوا بِأنَّهم أهْلُ الصَّلاةِ، وبِأنَّهم في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ، وبِأنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وبِيَوْمِ الدِّينِ ويُصَدِّقُونَ الرُّسُلَ وقَدْ جَمَعَها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ (﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣] ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]) .
وأصْلُ الخَوْضِ الدُّخُولُ في الماءِ، ويُسْتَعارُ كَثِيرًا لِلْمُحادَثَةِ المُتَكَرِّرَةِ، وقَدِ اشْتُهِرَ إطْلاقُهُ في القُرْآنِ عَلى الجِدالِ واللَّجاجِ غَيْرِ المَحْمُودِ قالَ تَعالى (﴿ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]) وغَيْرَ ذَلِكَ، وقَدْ جَمَعَ الإطْلاقَيْنَ قَوْلُهُ تَعالى (﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]) .
وبِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ الأسْبابِ الأرْبَعَةِ في جَوابِهِمْ فَضْلًا عَنْ مَعْنى الكِنايَةِ، لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ ما يَدُلُّ لِلْقائِلِينَ بِأنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ.
ويَوْمُ الدِّينِ: يَوْمُ الجَزاءِ والجَزاءِ.
صفحة ٣٢٨
واليَقِينُ: اسْمُ مَصْدَرِ يَقِنَ كَفَرِحَ، إذا عَلِمَ عِلْمًا لا شَكَّ مَعَهُ ولا تَرَدُّدَ.
وإتْيانُهُ مُسْتَعارٌ لِحُصُولِهِ بَعْدُ إنْ لَمْ يَكُنْ حاصِلًا، شُبِّهَ الحُصُولُ بَعْدَ الِانْتِفاءِ بِالمَجِيءِ بَعْدَ المَغِيبِ.
والمَعْنى: حَتّى حَصَلَ لَنا العِلْمُ بِأنَّ ما كُنّا نُكَذِّبُ بِهِ ثابِتٌ، فَقَوْلُهُ (﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾) عَلى هَذا الوَجْهِ غايَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾) .
ويُطْلَقُ اليَقِينُ أيْضًا عَلى المَوْتِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ حُصُولُهُ لِكُلِّ حَيٍّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا هُنا كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]) . فَتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿حَتّى أتانا اليَقِينُ﴾) غايَةً لِلْجُمَلِ الأرْبَعِ الَّتِي قَبْلَها مِن قَوْلِهِ (﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾) إلى (بِيَوْمِ الدِّينِ) .
والمَعْنى: كُنّا نَفْعَلُ ذَلِكَ مُدَّةَ حَياتِنا كُلِّها.
وفِي الأفْعالِ المُضارِعَةِ في قَوْلِهِ (لَمْ نَكُ، ونَخُوضُ، نُكَذِّبُ ") إيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ دَيْدَنُهم ومُتَجَدِّدٌ مِنهم طُولَ حَياتِهِمْ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ المُسْلِمَ الَّذِي أضاعَ إقامَةَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ مُسْتَحِقٌّ حَظًّا مِن سَقَرَ عَلى مِقْدارِ إضاعَتِهِ وعَلى ما أرادَ اللَّهُ مِن مُعادَلَةِ حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ، وظَواهِرِهِ وسَرائِرِهِ، وقَبْلَ الشَّفاعَةِ وبَعْدَها.
وقَدْ حَرَمَ اللَّهُ هَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ الكافِرِينَ أنْ تَنْفَعَهُمُ الشَّفاعَةُ فَعَسى أنْ تَنْفَعَ الشَّفاعَةُ المُؤْمِنِينَ عَلى أقْدارِهِمْ.
وفِي قَوْلِهِ (﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾) إيماءٌ إلى ثُبُوتِ الشَّفاعَةِ لِغَيْرِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى الجُمْلَةِ، وتَفْصِيلُها في صِحاحِ الأخْبارِ.
وفاءُ (﴿فَما تَنْفَعُهم شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾) تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾)، أيْ فَهم دائِمُونَ في الارْتِهانِ في سَقَرَ.
74:49–51Page 577
فَمَا لَهُمۡ عَنِ ٱلتَّذۡكِرَةِ مُعۡرِضِينَ ٤٩
Then what is [the matter] with them that they are, from the reminder, turning away
كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ ٥٠
As if they were alarmed donkeys
فَرَّتۡ مِن قَسۡوَرَةِۭ ٥١
Fleeing from a lion?
صفحة ٣٢٩
﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنْفَرَةٌ﴾ ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ ١ ) تَفْرِيعٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الإعْراضِ عَنْ ما فِيهِ تَذْكِرَةٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿وما هي إلّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١]) .
وجِيءَ بِاسْمِ التَّذْكِرَةِ الظّاهِرِ دُونَ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرٍ نَحْوَ: أنْ يُقالَ: عَنْها مُعْرِضِينَ، لِئَلّا يَخْتَصَّ الإنْكارُ والتَّعْجِيبُ بِإعْراضِهِمْ عَنْ تَذْكِرَةِ الإنْذارِ بِسَقَرَ، بَلِ المَقْصُودُ التَّعْمِيمُ لِإعْراضِهِمْ عَنْ كُلِّ تَذْكِرَةٍ وأعْظَمُها تَذْكِرَةُ القُرْآنِ كَما هو المُناسِبُ لِلْإعْراضِ قالَ تَعالى (﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤]) .
وما لَهُمُ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن غَرابَةِ حالِهِمْ بِحَيْثُ تَجْدُرُ أنْ يَسْتَفْهِمَ عَنْها المُسْتَفْهِمُونَ وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ المُلازَمَةِ، و(لَهم) خَبَرٌ عَنْ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ. والتَّقْدِيرُ: ما ثَبَتَ لَهم، ومُعْرِضِينَ حالٌ مِن ضَمِيرِ (لَهم)، أيْ يَسْتَفْهِمُ عَنْهم في هَذِهِ الحالَةِ العَجِيبَةِ.
وتَرْكِيبُ: ما لَكَ ونَحْوَهُ، لا يَخْلُو مِن حالٍ تَلْحَقُ بِضَمِيرِهِ مُفْرَدَةٍ أوْ جُمْلَةٍ نَحْوَ ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ في سُورَةِ يُوسُفَ. وقَوْلِهِ تَعالى (﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠]) في سُورَةِ الِانْشِقاقِ. وقَوْلِهِ (﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٦]) في سُورَةِ الصّافّاتِ وسُورَةِ القَلَمِ. و”عَنِ التَّذْكِرَةِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مُعْرِضِينَ“ .
وشُبِّهَتْ حالَةُ إعْراضِهِمُ المُتَخَيَّلَةُ بِحالَةِ فِرارِ حُمُرٍ نافِرَةٍ مِمّا يُنَفِّرُها.
والحُمُرُ: جَمْعُ حِمارٍ، وهو الحِمارُ الوَحْشِيُّ، وهو شَدِيدُ النِّفارِ إذا أحَسَّ بِصَوْتِ القانِصِ وهَذا مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ.
وقَدْ كَثُرَ وصْفُ النَّفْرَةِ وسُرْعَةِ السَّيْرِ والهَرَبِ بِالوَحْشِ مِن حُمُرٍ أوْ بَقَرِ وحْشٍ إذا أحْسَسْنَ بِما يَرْهَبْنَهُ كَما قالَ لَبِيدٌ في تَشْبِيهِ راحِلَتِهِ في سُرْعَةِ سَيْرِها بِوَحْشِيَّةٍ لَحِقَها الصَّيّادُ:
فَتَوَجَّسَتْ رِزَّ الأنِيسِ فَراعَـهَـا عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ والأنِيسُ سَقامُها
وقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ في شِعْرِ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ كَما في مُعَلَّقَةِ طَرَفَةَ، ومُعَلَّقَةِ لَبِيدٍ، ومُعَلَّقَةِ الحارِثِ، وفي أراجِيزِ الحَجّاجِ ورُؤْبَةَ ابْنِهِ وفي شِعْرِ ذِي الرُّمَّةِ.
صفحة ٣٣٠
والسِّينُ والتّاءُ في (مُسْتَنْفِرَةٌ) لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ مِثْلُ: اسْتَكْمَلَ واسْتَجابَ واسْتَعْجَبَ واسْتَسْخَرَ واسْتَخْرَجَ واسْتَنْبَطَ، أيْ نافِرَةٌ نِفارًا قَوِيًّا فَهي تَعْدُو بِأقْصى سُرْعَةِ العَدْوِ.
وقَرَأ نافِعُ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (مُسْتَنْفَرَةٌ) بِفَتْحِ الفاءِ، أيِ اسْتَنْفَرَها مُسْتَنْفِرٌ، أيْ أنْفَرَها، فَهو مِنِ اسْتَنْفَرَهُ المُتَعَدِّي بِمَعْنى أنْفَرَهُ. وبِناءُ الفِعْلِ لِلنّائِبِ يُفِيدُ الإجْمالَ ثُمَّ التَّفْصِيلَ بِقَوْلِهِ (﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾) .
وقَرَأها الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الفاءِ، أيِ اسْتَنْفَرَتْ هي مِثْلَ: اسْتَجابَ فَيَكُونُ جُمْلَةُ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ بَيانًا لِسَبَبِ نُفُورِها.
وفِي تَفْسِيرِ الفَخْرِ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ: سَألْتُ أبا سَوّارٍ الغَنَوِيَّ وكانَ أعْرابِيًّا فَصِيحًا فَقُلْتُ: كَأنَّهم حُمُرُ ماذا ؟ فَقالَ: مُسْتَنْفَرَةٌ: بِفَتْحِ الفاءِ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّما هو فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ. فَقالَ: أفَرَّتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قالَ: فَمُسْتَنْفِرَةٌ إذَنْ، فَكَسَرَ الفاءَ.
و”قَسْوَرَةٍ“ قِيلَ هو اسْمُ جَمْعِ قَسْوَرَ وهو الرّامِي، أوْ هو جَمْعٌ عَلى خِلافِ القِياسِ إذْ لَيْسَ قِياسُ فَعْلَلَ أنْ يُجْمَعَ عَلى فَعْلَلَةٍ. وهَذا تَأْوِيلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما فَيَكُونُ التَّشْبِيهُ جارِيًا عَلى مُراعاةِ الحالَةِ المَشْهُورَةِ في كَلامِ العَرَبِ.
وقِيلَ: القَسْوَرَةُ مُفْرَدٌ، وهو الأسَدُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ الأسَدُ بِالحَبَشِيَّةِ، فَيَكُونُ اخْتِلافُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ اخْتِلافًا لَفْظِيًّا، وعَنْهُ: أنَّهُ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ قَسْوَرُ اسْمَ الأسَدِ، فَلَعَلَّهُ أرادَ أنَّهُ لَيْسَ في أصْلِ العَرَبِيَّةِ. وقَدْ عَدَّهُ ابْنُ السُّبْكِيِّ في الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ بِغَيْرِ لُغَةِ العَرَبِ في أبْياتٍ ذَكَرَ فِيها ذَلِكَ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ: القَسْوَرُ الأسَدُ والقَسْوَرَةُ كَذَلِكَ، أنَّثُوهُ كَما قالُوا: أُسامَةُ، وعَلى هَذا فَهو تَشْبِيهٌ مُبْتَكَرٌ لِحالَةِ إعْراضٍ مَخْلُوطٍ بِرُعْبٍ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ قَوارِعُ القُرْآنِ فاجْتَمَعَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ تَمْثِيلانِ.
وإيثارُ لَفْظِ ”قَسْوَرَةٌ“ هُنا لِصَلاحِيَتِهِ لِلتَّشْبِيهَيْنِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
74:52Page 577
بَلۡ يُرِيدُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُؤۡتَىٰ صُحُفٗا مُّنَشَّرَةٗ ٥٢
Rather, every person among them desires that he1 would be given scriptures spread about.2
صفحة ٣٣١
﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾
إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ لِذِكْرِ حالَةٍ أُخْرى مِن أحْوالِ عِنادِهِمْ إذْ «قالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ وغَيْرُهُما مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ: لا نُؤْمِنُ لَكَ حَتّى يَأْتِيَ إلى كُلِّ رَجُلٍ مِنّا كِتابٌ فِيهِ مِنَ اللَّهِ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ»، وهَذا مِن أفانِينِ تَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ.
وجُمِعَ (صُحُفٌ) إمّا لِأنَّهم سَألُوا أنْ يَكُونَ كُلُّ أمْرٍ أوْ نَهْيٍ تَأْتِي الواحِدَ مِنهم في شَأْنِهِ صَحِيفَةٌ، وإمّا لِأنَّهم لَمّا سَألُوا أنْ تَأْتِيَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم صَحِيفَةٌ بِاسْمِهِ، وكانُوا جَماعَةً مُتَّفِقِينَ جُمِعَ لِذَلِكَ فَكَأنَّ الصُّحُفَ جَمِيعَها جاءَتْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم.
والمُنَشَّرَةُ: المَفْتُوحَةُ المَقْرُوءَةُ أيْ لا نَكْتَفِي بِصَحِيفَةٍ مَطْوِيَّةٍ لا نَعْلَمُ ما كُتِبَ فِيها ومُنَشَّرَةٌ مُبالَغَةٌ في مَنشُورَةٍ. والمُبالَغَةُ وارِدَةٌ عَلى ما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ (نَشَرَ) المُجَرَّدُ مِن كَوْنِ الكِتابِ مَفْتُوحًا واضِحًا مِنَ الصُّحُفِ المُتَعارِفَةِ. وفي حَدِيثِ الرَّجْمِ: فَنَشَرُوا التَّوْراةَ.
( ﴿كَلّا بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾
(كَلّا) إبْطالٌ لِظاهِرِ كَلامِهِمْ ومُرادِهِمْ مِنهُ ورَدْعٌ عَنْ ذَلِكَ، أيْ لا يَكُونُ لَهم ذَلِكَ.
ثُمَّ أضْرَبَ عَلى كَلامِهِمْ بِإبْطالٍ آخَرَ بِحَرْفِ الإضْرابِ فَقالَ (﴿بَلْ لا يَخافُونَ الآخِرَةَ﴾) أيْ لَيْسَ ما قالُوهُ إلّا تَنَصُّلًا فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ كِتابٌ ما آمَنُوا وهم يَخافُونَ الآخِرَةَ، أيْ لا يُؤْمِنُونَ بِها فَكُنِّيَ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ بِالآخِرَةِ بِعَدَمِ الخَوْفِ مِنها، لِأنَّهم لَوْ آمَنُوا بِها لَخافُوها إذِ الشَّأْنُ أنْ يُخافَ عَذابُها إذا كانَتْ إحالَتُهُمُ الحَياةَ الآخِرَةَ أصْلًا لِتَكْذِيبِهِمْ بِالقُرْآنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences