Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Qiyamah 75:26–36
75:26–30Page 578
كـَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ٢٦
No! When it [i.e., the soul] has reached the collar bones1
وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ ٢٧
And it is said, "Who will cure [him]?"
وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ ٢٨
And he [i.e., the dying one] is certain that it is the [time of] separation
وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ٢٩
And the leg is wound about the leg,1
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ ٣٠
To your Lord, that Day, will be the procession.1
﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ ﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾ ﴿وظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾
رَدْعٌ ثانٍ عَلى قَوْلِ الإنْسانِ (﴿أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ٦])، مُؤَكِّدٌ لِلرَّدْعِ الَّذِي قَبْلَهُ في قَوْلِهِ (﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠]) . ومَعْناهُ زَجْرٌ عَنْ إحالَةِ البَعْثِ فَإنَّهُ واقِعٌ غَيْرُ بَعِيدٍ فَكُلُّ أحَدٍ يُشاهِدُهُ حِينَ الِاحْتِضارِ لِلْمَوْتِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ (﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾)، أُتْبِعَ تَوْصِيفُ أشْراطِ القِيامَةِ المُباشِرَةِ لِحُلُولِهِ بِتَوْصِيفِ أشْراطِ حُلُولِ التَّهَيُّؤِ الأوَّلِ لِلِقائِهِ مِن مُفارَقَةِ الحَياةِ الأُولى.
صفحة ٣٥٧
وعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يَقُولُونَ: القِيامَةُ القِيامَةُ، وإنَّما قِيامَةُ أحَدِهِمْ مَوْتُهُ، وعَنْ عَلْقَمَةَ أنَّهُ حَضَرَ جِنازَةً فَلَمّا دُفِنَ قالَ: (أمّا هَذا فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ)، فَحالَةُ الِاحْتِضارِ هي آخِرُ أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا يَعْقُبُها مَصِيرُ الرُّوحِ إلى تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى مُباشَرَةً.
وهُوَ رَدْعٌ عَنْ إيثارِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ارْتَدِعُوا وتَنَبَّهُوا عَلى ما بَيْنَ أيْدِيكم مِنَ المَوْتِ الَّذِي عِنْدَهُ تَنْقَطِعُ العاجِلَةُ وتَنْتَقِلُونَ إلى الآجِلَةِ، فَيَكُونُ رَدْعًا عَلى مَحَبَّةِ العاجِلَةِ وتَرْكِ العِنايَةِ في الآخِرَةِ، فَلَيْسَ مُؤَكِّدًا لِلرَّدْعِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠]) بَلْ هو رَدْعٌ عَلى ما تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الرَّدْعُ مِن إيثارِ العاجِلَةِ عَلى الآخِرَةِ.
و(﴿إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِالكَوْنِ الَّذِي يُقَدَرُ في الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ (إلى رَبِّكَ) . والمَعْنى: المَساقُ يَكُونُ إلى رَبِّكَ إذا بَلَغَتِ التَّراقِي.
وجُمْلَةُ (﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾) بَيانٌ لِلرَّدْعِ وتَقْرِيبٌ لِإبْطالِ الِاسْتِبْعادِ المَحْكِيِّ عَنْ مُنْكِرِي البَعْثِ بِقَوْلِهِ (﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ٦]) .
و(إذا) ظَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، وهو مُنْتَصِبٌ بِجَوابِهِ أعْنِي قَوْلَهُ (﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾) .
وتَقْدِيمُ (إلى رَبِّكَ) عَلى مُتَعَلِّقِهِ وهو (المَساقُ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ مَناطُ الإنْكارِ مِنهم.
وضَمِيرُ (بَلَغَتْ) راجِعٌ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِن فِعْلِ (بَلَغَتْ) ومِن ذِكْرِ (التَّراقِيَ) فَإنَّ فِعْلَ (﴿بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾) يَدُلُّ أنَّها رُوحُ الإنْسانِ. والتَّقْدِيرُ: إذا بَلَغَتِ الرُّوحُ أوِ النَّفْسُ. وهَذا التَّقْدِيرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ الَّذِي أُسْنِدَ إلى الضَّمِيرِ بِحَسَبِ عُرْفِ أهْلِ اللِّسانِ، ومَثَلُهُ قَوْلُ حاتِمٍ الطّائِيِّ:
أماوِيَّ ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَـتَـى إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ
أيْ إذا حَشْرَجَتِ النَّفْسُ. ومِن هَذا البابِ قَوْلُ العَرَبِ ”أرْسَلَتْ“ يُرِيدُونَ: أرْسَلَتِ السَّماءُ المَطَرَ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الواقِعُ.
صفحة ٣٥٨
والأنْفاسُ: جَمْعُ نَفَسٍ بِفَتْحِ الفاءِ، وهو أنْسَبُ بِالحَقائِقِ.
والتَّراقِي: جَمْعُ تَرْقُوَةٍ - بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ الرّاءِ وضَمِّ القافِ وفَتْحِ الواوِ مُخَفَّفَةٍ وهاءِ تَأْنِيثٍ - وهي ثُغْرَةُ النَّحْرِ، ولِكُلِّ إنْسانٍ تَرْقُوَتانِ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ.
فالجَمْعُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في التَّثْنِيَةِ لِقَصْدِ تَخْفِيفِ اللَّفْظِ وقَدْ أُمِنَ اللَّبْسُ، لِأنَّ في تَثْنِيَةِ تَرْقُوَةٍ شَيْئًا مِنَ الثِّقَلِ لا يُناسِبُ أفْصَحَ كَلامٍ، وهَذا مِثْلُ ما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]) في سُورَةِ التَّحْرِيمِ.
ومَعْنى (﴿بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾): أنَّ الرُّوحَ بَلَغَتِ الحَنْجَرَةَ حَيْثُ تَخْرُجُ الأنْفاسُ الأخِيرَةُ فَلا يُسْمَعُ صَوْتُها إلّا في جِهَةِ التَّرْقُوَةِ وهي آخِرُ حالاتِ الِاحْتِضارِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]) الآيَةَ.
واللّامُ في (التَّراقِيَ) مِثْلُ اللّامِ في (المَساقُ) فَيُقالُ: هي عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ بَلَغَتْ رُوحُهُ تَراقِيَهُ، أيِ الإنْسانِ.
ومَعْنى (﴿وقِيلَ مَن راقٍ﴾) وقالَ قائِلٌ: مَن يَرْقِي هَذا رُقْياتٍ لِشِفائِهِ ؟ أيْ سَألَ أهْلُ المَرِيضِ عَنْ وِجْدانِ أحَدٍ يَرْقِي، وذَلِكَ عِنْدَ تَوَقُّعِ اشْتِدادِ المَرَضِ بِهِ. والبَحْثُ عَنْ عارِفٍ بِرُقْيَةِ المَرِيضِ عادَةٌ عَرَبِيَّةٌ ورَدَ ذِكْرُها في حَدِيثِ السَّرِيَّةِ الَّذِينَ أتَوْا عَلى حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ إذْ لُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ فَعَرَضَ لَهم رَجُلٌ مِن أهْلِ الحَيِّ، فَقالَ: هَلْ فِيكم مِن راقٍ ؟ إنَّ في الماءِ رَجُلًا لَدِيغًا أوْ سَلِيمًا. رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ في الرُقْيا بِفاتِحَةِ الكِتابِ.
والرُقْيا بِالقَصْرِ، ويُقالُ بَهاءِ تَأْنِيثٍ: هي كَلامٌ خاصٌّ مُعْتَقَدٌ نَفْعُهُ يَقُولُهُ قائِلٌ عِنْدَ المَرِيضِ واضِعًا يَدَهُ في وقْتِ القِراءَةِ عَلى مَوْضِعِ الوَجَعِ مِنَ المَرِيضِ أوْ عَلى رَأْسِ المَرِيضِ، أوْ يَكْتُبُهُ الكاتِبُ في خِرْقَةٍ، أوْ ورَقَةٍ وتُعَلَّقُ عَلى المَرِيضِ، وكانَتْ مِن خَصائِصِ التَّطَبُّبَ يَزْعُمُونَ أنَّها تَشْفِي مِن صَرَعِ الجُنُونِ ومِن ضُرِّ السُّمُومِ ومِنَ الحُمّى.
ويَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِها ناسٌ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَلَقَّوْنَها مِن عارِفِينَ فَلِذَلِكَ سَمَّوُا الرّاقِيَ ونَحْوَهُ عَرّافًا، قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ:
بَذَلْتُ لِعَرّافِ اليَمامَةِ حُكْمَـهُ ∗∗∗ وعَرّافِ نَجْدٍ إنْ هُما شَفَيانِي
فَما تَرَكا مِن عُوذَةٍ يَعْرِفانِهَـا ∗∗∗ ولا رُقْيَةٍ بِـهَـا رَقَـيانِـيِ
صفحة ٣٥٩
وقالَ النّابِغَةُ يَذْكُرُ حالَةَ مَن لَدَغَتْهُ أفْعى:
تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سَمْعِها ∗∗∗ تُطْلِقُهُ طَوْرًا وطَوْرًا تُراجِـعُ
وكانَ الرّاقِي يَنْفُثُ عَلى المَرْقِيِّ ويَتْفُلُ، وأشارَ إلَيْهِ الحَرِيرِيُّ في المَقامَةِ التّاسِعَةِ والثَلاثِينَ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ إنَّهُ طَمَسَ المَكْتُوبَ عَلى غَفْلَةٍ، وتَفَلَ عَلَيْهِ مِائَةَ تَفْلَةٍ.
وأصْلُ الرُّقْيَةِ: ما ورِثَهُ العَرَبُ مِن طَلَبِ البَرَكَةِ بِأهْلِ الصَّلاحِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ، فَأصْلُها وارِدٌ مِنَ الأدْيانِ السَّماوِيَّةِ، ثُمَّ طَرَأ عَلَيْها سُوءُ الوَضْعِ عِنْدَ أهْلِ الضَّلالَةِ فَألْحَقُوها بِالسِّحْرِ أوْ بِالطِّبِّ، ولِذَلِكَ يَخْلِطُونَها مِن أقْوالٍ رُبَّما كانَتْ غَيْرَ مَفْهُومَةٍ، ومِن أشْياءَ كَأحْجارٍ أوْ أجْزاءَ مِن عَظْمِ الحَيَوانِ أوْ شَعَرِهِ، فاخْتَلَطَ أمْرُها في الأُمَمِ الجاهِلَةِ، وقَدْ جاءَ في الإسْلامِ الِاسْتِشْفاءُ بِالقُرْآنِ والدَّعَواتِ المَأْثُورَةِ المُتَقَبَلَّةِ مِن أرْبابِها وذَلِكَ مِن قَبِيلِ الدُّعاءِ.
والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (ظَنَّ) عائِدٌ إلى الإنْسانِ في قَوْلِهِ (﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ﴾ [القيامة: ٥]) أيِ الإنْسانُ الفاجِرُ.
والظَّنُّ: العِلْمُ المُقارِبُ لِلْيَقِينِ، وضَمِيرُ (أنَّهُ) ضَمِيرُ شَأْنٍ، أيْ وأيْقَنَ أنَّهُ، أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الفِراقُ، أيْ فِراقُ الحَياةِ.
وقَوْلُهُ (﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾) إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ، فالمَعْنى التِفافُ ساقَيِ المُحْتَضِرِ بَعْدَ مَوْتِهِ إذْ تُلَفُّ الأكْفانُ عَلى ساقَيْهِ ويُقْرَنُ بَيْنَهُما في ثَوْبِ الكَفَنِ فَكُلُّ ساقٍ مِنهُما مُلْتَفَّةٌ صُحْبَةَ السّاقِ الأُخْرى، فالتَّعْرِيفُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وهَذا نِهايَةُ وصْفِ الحالَةِ الَّتِي تَهَيَّأ بِها لِمَصِيرِهِ إلى القَبْرِ الَّذِي هو أوَّلُ مَراحِلِ الآخِرَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْثِيلًا فَإنَّ العَرَبَ يَسْتَعْمِلُونَ السّاقَ مَثَلًا في الشِّدَّةِ وجِدِّ الأمْرِ تَمْثِيلًا بِساقِ السّاعِي أوِ النّاهِضِ لِعَمَلٍ عَظِيمٍ، يَقُولُونَ: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقٍ.
وأنْشَدَ ابْنُ عَبّاسٍ قَوْلَ الرّاجِزِ:
صَبْرًا عَنَـاقُ إنَّـهُ لَـشِـرْبَـاقْ
قَدْ سَنَّ لِي قَوْمُكَ ضَرْبَ الأعْناقِ ∗∗∗ وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقْ
صفحة ٣٦٠
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢]) في سُورَةِ القَلَمِ.
فَمَعْنى (﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾) طَرَأتْ مُصِيبَةٌ عَلى مُصِيبَةٍ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ (إلى رَبِّكَ) التِفاتٌ عَنْ طَرِيقِ خِطابِ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ (﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠]) لِأنَّهُ لَمّا كانَ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ حَسُنَ التَّفَنُّنُ فِيهِ.
والتَّعْرِيفُ في (المَساقُ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ الَّذِي يَعُمُّ النّاسَ كُلَّهم بِما فِيهِمِ الإنْسانُ الكافِرُ المَرْدُودُ عَلَيْهِ. ولَكَ أنْ تُعَبِّرَ عَنِ اللّامِ بِأنَّها عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ مَساقُ الإنْسانِ الَّذِي يَسْألُ: أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ.
والمَساقُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِـ (ساقَ)، وهو تَسْيِيرُ ماشٍ أمامَ مُسَيِّرِهِ إلى حَيْثُ يُرِيدُ مُسَيِّرُهُ، وضِدُّهُ القَوْدُ، وهو هُنا مَجازٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الإحْضارِ والإيصالِ إلى حَيْثُ يَلْقى جَزاءَ رَبِّهِ.
وسُلِكُ في الجُمَلِ الَّتِي بَعْدَ (إذا) مَسْلَكُ الإطْنابِ لِتَهْوِيلِ حالَةِ الِاحْتِضارِ عَلى الكافِرِ وفي ذَلِكَ إيماءٌ إلى أنَّ الكافِرَ يَتَراءى لَهُ مَصِيرُهُ في حالَةِ احْتِضارِهِ، وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ «قالَ مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ ومَن كَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ قالَتْ عائِشَةُ أوْ بَعْضُ أزْواجِهِ: إنّا نَكْرَهُ المَوْتَ. قالَ: لَيْسَ ذاكَ ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوانِ اللَّهِ وكَرامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ فَأحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ وأحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ، وإنَّ الكافِرَ إذا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذابِ اللَّهِ وعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أكْرَهُ إلَيْهِ مِمّا أمامَهُ فَكَرِهَ لِقاءَ اللَّهِ وكَرِهَ اللَّهُ لِقاءَهُ» .
75:31–35Page 578
فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ٣١
And he [i.e., the disbeliever] had not believed, nor had he prayed.
وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٣٢
But [instead], he denied and turned away.
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ ٣٣
And then he went to his people, swaggering [in pride].
أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰ ٣٤
Woe to you, and woe!
ثُمَّ أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰٓ ٣٥
Then woe to you, and woe!
( ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ يَتَمَطّى﴾ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ ﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ٦]) .
فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإنْسانِ في قَوْلِهِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) أيْ لِجَهْلِهِ البَعْثَ لَمْ يَسْتَعِدَّ لَهُ.
صفحة ٣٦١
وحُذِفَ مَفْعُولُ (كَذَّبَ) لِيَشْمَلَ كُلَّ ما كَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، والتَّقْدِيرُ: كَذَّبَ الرَّسُولَ والقُرْآنَ وبِالبَعْثِ، وتَوَلّى عَنِ الِاسْتِجابَةِ لِشَرائِعِ الإسْلامِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاءُ تَفْرِيعًا وعَطْفًا عَلى قَوْلِهِ (﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠])، أيْ فَقَدْ فارَقَ الحَياةَ وسِيقَ إلى لِقاءِ اللَّهِ خالِيًا مِنَ العُدَّةِ لِذَلِكَ اللِّقاءِ.
وفِي الكَلامِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ تَقْدِيرُهُ: فَقَدْ عَلِمَ أنَّهُ قَدْ خَسِرَ وتَنَدَّمَ عَلى ما أضاعَهُ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ اليَوْمِ.
وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢١]) .
وفِعْلُ (صَدَّقَ) مُشْتَقٌّ مِنَ التَّصْدِيقِ، أيْ تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ والقُرْآنِ وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ (﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾) .
والمَعْنى: فَلا آمَنَ بِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَسَّرَ (صَدَّقَ) بِمَعْنى أعْطى الصَّدَقَةَ، وهو غَيْرُ جارٍ عَلى قِياسِ التَّصْرِيفِ إذْ حَقُّهُ أنْ يُقالَ: تَصَدَّقَ، عَلى أنَّهُ لا يُساعِدُ الِاسْتِدْراكَ في قَوْلِهِ (﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾) .
وعُطِفَ (﴿ولا صَلّى﴾) عَلى نَفْيِ التَّصْدِيقِ تَشْوِيهًا لَهُ بِأنَّ حالَهُ مُبائِنُ لِأحْوالِ أهْلِ الإسْلامِ. والمَعْنى: فَلَمْ يُؤْمِن ولَمْ يُسْلِمْ.
و(لا) نافِيَةٌ دَخَلَتْ عَلى الفِعْلِ الماضِي والأكْثَرُ في دُخُولِها عَلى الماضِي أنْ يُعْطَفَ عَلَيْها نَفْيٌ آخَرُ وذَلِكَ حِينَ يَقْصِدُ المُتَكَلِّمُ أمْرَيْنِ مِثْلَ ما هُنا وقَوْلِ زُهَيْرٍ:
فَلا هو أخْفاها ولَمْ يَتَقَدَّمْ
وهَذا مَعْنى قَوْلِ الكِسائِيِّ (لا) بِمَعْنى لَمْ ولَكِنَّهُ يُقْرَنُ بِغَيْرِهِ يَقُولُ العَرَبُ: لا عَبْدُ اللَّهِ خارِجٌ ولا فُلانٌ، ولا يَقُولُونَ: مَرَّرْتُ بِرَجُلٍ لا مُحْسِنٍ حَتّى يُقالَ: ولا مُجْمِلٍ اهـ. فَإذا لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ نَفْيٌ آخَرُ فَلا يُؤْتى بَعْدَها بِفِعْلِ مُضِيٍّ إلّا في إرادَةِ الدُّعاءِ نَحْوَ لا فُضَّ فُوكَ وشَذَّ ما خالَفَ ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١]) فَإنَّهُ عَلى تَأْوِيلِ تَكْرِيرِ النَّفْيِ لِأنَّ مَفْعُولَ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِحَرْفِ (لا) وهو العَقَبَةُ يَتَضَمَّنُ عِدَّةَ أشْياءَ مَنفِيَّةً بَيَّنَها قَوْلُهُ (﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أوْ إطْعامٌ﴾ [البلد: ١٢])
صفحة ٣٦٢
إلى قَوْلِهِ (﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]) . فَلَمّا كانَ ذَلِكَ مُتَعَلِّقَ الفِعْلِ المَنفِيِّ كانَ الفِعْلُ في تَأْوِيلِ تَكْرِيرِ النَّفْيِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكُّ رَقَبَةٍ ولا أطْعَمَ يَتِيمًا ولا أطْعَمَ مِسْكِينًا ولا آمَنَ.
وجُمْلَةُ (﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَلا صَدَّقَ﴾) .
وحَرْفُ (لَكِنْ) المُخَفَّفُ النُّونِ بِالأصالَةِ أيِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مُخَفَّفَ النُّونِ المُشَدَّدَةِ أُخْتَ (إنَّ) هو حَرْفُ اسْتِدْراكٍ، أيْ نَقْضٍ لِبَعْضِ ما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَهُ إمّا لِمُجَرَّدِ تَوْكِيدِ المَعْنى بِذِكْرِ نَقِيضِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥])، وإمّا لِبَيانِ إجْمالٍ في النَّفْيِ الَّذِي قَبْلَهُ نَحْوَ (﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠]) .
وحَرْفُ (لَكِنْ) المُخَفَّفُ لا يَعْمَلُ إعْرابًا فَهو حَرْفُ ابْتِداءٍ ولِذَلِكَ أكْثَرُ وُقُوعِهِ بَعْدَ واوِ العَطْفِ وجُمْلَةُ (﴿ولَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾) أفادَتْ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما تَوْكِيدُ قَوْلِهِ (﴿فَلا صَدَّقَ﴾) بِقَوْلِهِ (كَذَّبَ)، وثانِيهُما زِيادَةُ بَيانِ مَعْنى (﴿فَلا صَدَّقَ﴾) بِأنَّهُ تَوَلّى عَمْدًا لِأنَّ عَدَمَ التَّصْدِيقِ لَهُ أحْوالٌ، ونَظِيرُهُ في غَيْرِ الِاسْتِدْراكِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤]) .
والتَّكْذِيبُ: تَكْذِيبُهُ بِالبَعْثِ وبِالقُرْآنِ وبِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
والتَّوَلِّي: الإعْراضُ عَنْ دَعْوَتِهِ إلى النَّظَرِ والتَّدَبُّرِ في القُرْآنِ.
وفاعِلُ (صَدَّقَ) والأفْعالُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ ضَمائِرُ عائِدَةٌ عَلى الإنْسانِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ.
و(يَتَمَطّى): يَمْشِي المُطَيْطاءَ - بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الطّاءِ بَعْدَها ياءٌ ثُمَّ طاءٌ مَقْصُورَةٌ ومَمْدُودَةٌ - وهي التَّبَخْتُرُ.
وأصْلُ يَتَمَطّى: يَتَمَطَّطُ، أيْ يَتَمَدَّدُ لِأنَّ المُتَبَخْتِرَ يَمُدُّ خُطاهُ وهي مِشْيَةُ المُعْجَبِ بِنَفْسِهِ. وهُنا انْتَهى وصْفُ الإنْسانِ المُكَذِّبِ.
والمَعْنى: أنَّهُ أهْمَلَ الِاسْتِعْدادَ لِلْآخِرَةِ ولَمْ يَعْبَأْ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ وذَهَبَ إلى أهْلِهِ مُزْدَهِيًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُفَكِّرٍ في مَصِيرِهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها مِن قَوْلِهِ (﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾)
صفحة ٣٦٣
نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، قالَ: ثُمَّ كادَتْ هَذِهِ الآيَةُ تُصَرِّحُ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى (يَتَمَطّى) فَإنَّها كانَتْ مِشْيَةَ بَنِي مَخْزُومٍ وكانَ أبُو جَهْلٍ يُكْثِرُ مِنها اهـ. وفِيهِ نَظَرٌ سَيَأْتِي قَرِيبًا.
فَقَوْلُهُ (﴿أوْلى لَكَ﴾) وعِيدٌ، وهي كَلِمَةُ تَوَعُّدٍ تَجْرِي مَجْرى المَثَلِ في لُزُومِ هَذا اللَّفْظِ لَكِنْ تَلْحَقُهُ عَلاماتُ الخِطابِ والغَيْبَةِ والتَّكَلُّمِ، والمُرادُ بِهِ ما يُرادُ بِقَوْلِهِمْ: ويْلٌ لَكَ، مِن دُعاءٍ عَلى المَجْرُورِ بِاللّامِ بَعْدَها، أيْ دُعاءٍ بِأنْ يَكُونَ المَكْرُوهُ أدْنى شَيْءٍ مِنهُ.
(فَأوْلى): اسْمُ تَفْضِيلٍ مِن ولِيَ، وفاعِلُهُ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ عائِدٌ عَلى مُقَدَّرٍ مَعْلُومٍ في العُرْفِ، فَيُقَدِّرُهُ كُلُّ سامِعٍ بِما يَدُلُّ عَلى المَكْرُوهِ، قالَ الأصْمَعِيُّ مَعْناهُ: قارَبَكَ ما تَكْرَهُ، قالَتِ الخَنْساءُ:
هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُومِ ∗∗∗ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَهَـا
وكانَ القانِصُ إذا أفْلَتَهُ الصَّيْدُ يُخاطِبُ الصَّيْدَ بِقَوْلِهِ أوْلى لَكَ وقَدْ قِيلَ: إنَّ مِنهُ قَوْلَهُ تَعالى (﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠]) مِن قَوْلِهِ (﴿فَأوْلى لَهم طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢٠]) في سُورَةِ القِتالِ عَلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ يَجْعَلُ (﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١]) مُسْتَأْنَفًا ولَيْسَ فاعِلًا لِاسْمِ التَّفْضِيلِ. وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ إلى أنْ (أوْلى) عَلَمٌ لِمَعْنى الوَيْلِ وأنَّ وزْنَهُ أفْعَلُ مِنَ الوَيْلِ وهو الهَلاكُ، فَأصْلُ تَصْرِيفِهِ أوْيَلُ لَكَ، أيْ أشَدُّ هَلاكًا لَكَ فَوَقَعَ فِيهِ القَلْبُ - لِطَلَبِ التَّخْفِيفِ - بِأنْ أُخِّرَتِ الياءُ إلى آخَرِ الكَلِمَةِ وصارَ أوْلى بِوَزْنِ أفْلَحَ، فَلَمّا تَحَرَّكَ حَرْفُ العِلَّةِ وانْفَتَحَ ما قَبْلَهُ قُلِبَ ألِفًا فَقالُوا: أوْلى في صُورَةِ وزْنِ فَعْلى.
والكافُ خِطابٌ لِلْإنْسانِ المُصَرِّحِ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ في الآياتِ السّابِقَةِ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ إظْهارًا وإضْمارًا، وعَدَلَ هُنا عَنْ طَرِيقِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِمُواجَهَةِ الإنْسانِ بِالدُّعاءِ لِأنَّ المُواجَهَةَ أوْقَعُ في التَّوْبِيخِ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: أوْلى لَهُ.
وقَوْلُهُ (فَأوْلى) تَأْكِيدٌ ”لِأوْلى لَكَ“ جِيءَ فِيهِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يُدْعى عَلَيْهِ بِأنْ يَعْقُبَهُ المَكْرُوهُ ويُعْقَبَ بِدُعاءٍ آخَرَ.
صفحة ٣٦٤
قالَ قَتادَةُ: إنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ فاسْتَقْبَلَهُ أبُو جَهْلٍ عَلى بابِ بَنِيَ مَخْزُومٍ فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ فَلَبَّبَ أبا جَهِلٍ بِثِيابِهِ وقالَ لَهُ أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى قالَ أبُو جَهْلٍ: يَتَهَدَّدُنِي مُحَمَّدٌ - أيْ يَسْتَعْمِلُ كَلِمَةَ الدُّعاءِ في إرادَةِ التَّهْدِيدِ - فَواللَّهِ إنِّي لَأعَزُّ أهْلِ الوادِي. وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾) كَما قالَ لِأبِي جَهْلٍ.
وقَوْلُهُ (﴿ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾) تَأْكِيدٌ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ ولِتَأْكِيدِهِ السّابِقِ.
وجِيءَ بِحَرْفِ (ثُمَّ) لِعَطْفِ الجُمْلَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ هَذا التَّأْكِيدَ ارْتِقاءٌ في الوَعِيدِ، وتَهْدِيدٌ بِأشَدَّ مِمّا أفادَهُ التَّهْدِيدُ وتَأْكِيدُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣]) .
وأحْسَبُ أنَّ المُرادَ: كُلُّ إنْسانٍ كافِرٍ كَما يَقْتَضِيهِ أوَّلُ الكَلامِ مِن قَوْلِهِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) إلى قَوْلِهِ (﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤])، وما أبُو جَهْلٍ إلّا مِن أوَّلِهِمْ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ تَوَعَّدَهُ بِاللَّفْظِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ تَهْدِيدًا لِأمْثالِهِ.
وكَلِماتُ المُتَقَدِّمِينَ في كَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبَ نُزُولِ شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ كَلِماتٌ فِيها تَسامُحٌ.
75:36Page 578
أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى ٣٦
Does man think that he will be left neglected?1
( ﴿أيَحْسِبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ عادَ بِهِ الكَلامُ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ وهو ما ابْتُدِئَ بِهِ فارْتَبَطَ بِقَوْلِهِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيَحْسَبُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ويَحْسَبُ أنْ نَتْرُكَهُ في حالَةِ العَدَمِ.
وزِيدَ هُنا أنَّ مُقْتَضى الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ إيقاعُهُ بِقَوْلِهِ (﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾) كَما سَتَعْلَمُهُ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌ مِثْلَ الَّذِي سَبَقَهُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) .
وأصْلُ مَعْنى التَرْكِ: مُفارَقَةُ شَيْءٍ شَيْئًا اخْتِيارًا مِنَ التّارِكِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى
صفحة ٣٦٥
إهْمالِ أحَدٍ شَيْئًا وعَدَمِ عِنايَتِهِ بِأحْوالِهِ وبِتَعَهُّدِهِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في المَعْنى المَجازِيِّ.
والمُرادُ بِما يُتْرَكُ عَلَيْهِ الإنْسانُ هُنا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ حالُ العَدَمِ دُونَ إحْياءٍ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) وقَوْلُهُ (﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣]) .
وعُدِلَ عَنْ بِناءِ فِعْلِ يُتْرَكُ لِلْفاعِلِ فَبُنِيَ لِلنّائِبِ إيجازًا لِأجْلِ العِلْمِ بِالفاعِلِ مِن قَوْلِهِ السّابِقِ (﴿أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣]) فَكَأنَّهُ قالَ: أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ نَتْرُكَهُ دُونَ بَعْثٍ وأنْ نُهْمِلَ أعْمالَهُ سُدًى. فَجاءَ ذِكْرُ (سُدًى) هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإدْماجِ فِيما سِيقَ لَهُ الكَلامُ، إيماءً إلى أنْ مُقْتَضى حِكْمَةِ خَلْقِ الإنْسانِ أنْ لا يَتْرُكَهُ خالِقُهُ بَعْدَ المَوْتِ فَلا يُحْيِيهِ لِيُجازِيَهُ عَلى ما عَمِلَهُ في حَياتِهِ الأُولى.
وفِي إعادَةِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾) تَهْيِئَةٌ لِما سَيَعْقِبُهُ مِن دَلِيلِ إمْكانِ البَعْثِ مِن جانِبِ المادَّةِ بِقَوْلِهِ (﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً﴾ [القيامة: ٣٧]) إلى آخَرِ السُّورَةِ.
فَقَوْلُهُ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾) تَكْرِيرٌ وتَعْدادٌ لِلْإنْكارِ عَلى الكافِرِينَ تَكْذِيبَهم بِالبَعْثِ، ألا تَرى أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ وصْفِ يَوْمِ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الحِسابِ عَلى ما قَدَّمَ الإنْسانُ وأخَّرَ.
ومَعْنى هَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى (﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]) .
وسُدًى بِضَمِّ السِّينِ والقَصْرِ: اسْمٌ بِمَعْنى المُهْمَلِ ويُقالُ: سُدًى بِفَتْحِ السِّينِ والضَّمُّ أكْثَرُ وهو اسْمٌ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ والجَمْعُ يُقالُ: إبِلٌ سُدًى، وجَمَلٌ سُدًى، ويُشْتَقُّ مِنهُ فِعْلٌ فَيُقالُ: أسْدى إبِلَهُ وأسْدَيْتُ إبِلِي، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ.
ولَمْ يُفَسِّرْ صاحِبُ الكَشّافِ هَذِهِ الكَلِمَةَ وكَذَلِكَ الرّاغِبُ في المُفْرَداتِ ووَقَعَ (سُدًى) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يُتْرَكَ“ .
فَإنَّ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وأبْدَعَ تَرْكِيبَهُ ووَهَبَهُ القُوى العَقْلِيَّةَ الَّتِي لَمْ يُعْطِها غَيْرَهُ مِن أنْواعِ الحَيَوانِ لِيَسْتَعْمِلَها في مَنافِعَ لا تَنْحَصِرُ أوْ في ضِدِّ
صفحة ٣٦٦
ذَلِكَ مِن مَفاسِدَ جَسِيمَةٍ، لا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ أنْ يُهْمِلَهُ مِثْلَ الحَيَوانِ فَيَجْعَلَ الصّالِحِينَ كالمُفْسِدِينَ، والطّائِعِينَ لِرَبِّهِمْ كالمُجْرِمِينَ، وهو العَلِيمُ القَدِيرُ المُتَمَكِّنُ بِحِكْمَتِهِ وقُدْرَتِهِ أنْ يَجْعَلَ إلَيْهِ المَصِيرَ، فَلَوْ أهْمَلَهُ لَفازَ أهْلُ الفَسادِ في عالَمِ الكَسادِ، ولَمْ يُلاقِ الصّالِحُونَ مِن صَلاحِهِمْ إلّا الأنْكادَ، ولا يُناسِبُ حِكْمَةَ الحَكِيمِ إهْمالُ النّاسِ يَهِيمُونَ في كُلِّ وادٍ، وتَرْكُهم مَضْرِبًا لِقَوْلِ المَثَلِ ”فَإنَّ الرِّيحَ لِلْعادِي“ ولِذَلِكَ قالَ في جانِبِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وُقُوعِ البَعْثِ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣])، أيْ لا نُعِيدَ خَلْقَهُ ونَبْعَثَهُ لِلْجَزاءِ كَما أبْلَغْناهم، وجاءَ في جانِبِ حِكْمَتِهِ بِما يُشابِهُ الأُسْلُوبَ السّابِقَ فَقالَ (﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾) مَعَ زِيادَةِ فائِدَةٍ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ جُمْلَةُ (﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾)، أيْ لا يَحْسَبُ أنْ يُتْرَكَ غَيْرَ مَرْعِيٍّ بِالتَّكْلِيفِ كَما تُتْرَكُ الإبِلُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي المُجازاةَ. وعَنِ الشّافِعِيِّ: لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ بِالقُرْآنِ فِيما عَلِمْتُ أنَّ السُّدى الَّذِي لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى اهـ. وقَدْ تَبَيَّنَ مِن هَذا أنَّ قَوْلَهُ (﴿أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ) كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ لِأنَّ التَّكْلِيفَ في الحَياةِ الدُّنْيا مَقْصُودٌ مِنهُ الجَزاءُ في الآخِرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences