Ibn 'AshurAl‑Insan · 76:23–29

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Insan 76:23–29

76:23–24Page 579

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا ٢٣

Indeed, it is We who have sent down to you, [O Muḥammad], the Qur’ān progressively.

فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا ٢٤

So be patient for the decision of your Lord and do not obey from among them a sinner or ungrateful [disbeliever].

صفحة ٤٠٢

﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾

مِن هُنا يَبْتَدِئُ ما لا خِلافَ في أنَّهُ مَكِّيٌّ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.

وعَلى كِلا القَوْلَيْنِ فَهَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ ويَجِيءُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ أنَّ السُّورَةَ كُلَّها مَكِّيَّةٌ وهو الأرْجَحُ، أنَّهُ اسْتِئْنافٌ لِلِانْتِقالِ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى ثُبُوتِ البَعْثِ بِالحُجَّةِ والتَّرْهِيبِ والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ بِهِ والتَّرْغِيبِ والوَعْدِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ بِمُرَهِّباتٍ ومُرَغِّباتٍ هي مِنَ الأحْوالِ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ البَعْثِ، فَلَمّا اسْتَوْفى ذَلِكَ ثُنِيَ عِنانُ الكَلامِ إلى تَثْبِيتِ الرَّسُولِ ﷺ والرَّبْطِ عَلى قَلْبِهِ لِدِفاعِ أنْ تَلْحَقَهُ آثارُ الغَمِّ عَلى تَصَلُّبِ قَوْمِهِ في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِمّا شَأْنُهُ أنْ يُوهِنَ العَزِيمَةَ البَشَرِيَّةَ، فَذَكَّرَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ نَزَّلَ عَلَيْهِ الكِتابَ لِئَلّا يَعْبَأ بِتَكْذِيبِهِمْ.

وفِي إيرادِ هَذا بَعْدَ طُولِ الكَلامِ في أحْوالِ الآخِرَةِ، قَضاءٌ لِحَقِّ الِاعْتِناءِ بِأحْوالِ النّاسِ في الدُّنْيا فابْتُدِئَ بِحالِ أشْرَفِ النّاسِ وهو الرَّسُولُ ﷺ ثُمَّ بِحالِ الَّذِينَ دَعاهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بَيْنَ مَن (﴿يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ [الإنسان: ٢٧]) و(﴿مَنِ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٩]) فَأدْخَلَهم في رَحْمَتِهِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ.

وتَأْكِيدُ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِضَمِيرٍ مُنْفَصِلٍ في قَوْلِهِ (﴿إنّا نَحْنُ﴾) لِتَقْرِيرِ مَدْلُولِ الضَّمِيرِ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِلتَّنْبِيهِ عَلى عَظَمَةِ ذَلِكَ الضَّمِيرِ لِيُفْضِيَ بِهِ إلى زِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ إذْ يَتَقَرَّرُ أنَّهُ فِعْلُ مَن ذَلِكَ الضَّمِيرانِ لَهُ لِأنَّهُ لا يَفْعَلُ إلّا فِعْلًا مَنُوطًا بِحِكْمَةٍ وأقْصى الصَّوابِ.

وهَذا مِنَ الكِنايَةِ الرَّمْزِيَّةِ. وبَعْدُ فالخَبَرُ بِمَجْمُوعِهِ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ مَعْناهِ وهو التَّثْبِيتُ والتَّأْيِيدُ فَمَجْمُوعُهُ كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ.

وإيثارُ فِعْلِ (نَزَّلْنا) الدّالِّ عَلى تَنْزِيلِهِ مُنَجَّمًا آياتٍ وسُوَرًا تَنْزِيلًا مُفَرَّقًا إدْماجٌ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ذَلِكَ كانَ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي أوْمَأ إلَيْها تَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) وتَأْكِيدُ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ بِالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، فاجْتَمَعَ فِيهِ تَأْكِيدٌ عَلى تَأْكِيدٍ وذَلِكَ

صفحة ٤٠٣

يُفِيدُ مُفادَ القَصْرِ إذْ لَيْسَ الحَصْرُ والتَّخْصِيصُ إلّا تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدٍ كَما قالَ السَّكّاكِيُّ، فالمَعْنى: ما نَزَّلَ عَلَيْكَ القُرْآنَ إلّا أنا.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قالُوا (﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]) فَجَعَلُوا تَنْزِيلَهُ مُفَرَّقًا شُبْهَةً في أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

والمَعْنى: ما أنْزَلَهُ مُنَجَّمًا إلّا أنا واقْتَضَتْ حِكْمَتِي أنْ أُنْزِلَهُ عَلَيْكَ مُنَجَّمًا.

وفُرِّعَ عَلى هَذا التَّمْهِيدِ أمْرُهُ بِالصَّبْرِ عَلى أعْباءِ الرِّسالَةِ وما يَلْقاهُ فِيها مِن أذى المُشْرِكِينَ، وشَدُّ عَزِيمَتِهِ أنْ لا تَخُورَ.

وسَمّى ذَلِكَ حُكْمًا لِأنَّ الرِّسالَةَ عَنِ اللَّهِ لا خِيَرَةَ لِلْمُرْسَلِ في قَبُولِها والِاضْطِلاعِ بِأُمُورِها، ولِأنَّ ما يَحُفُّ بِها مِن مَصاعِبِ إصْلاحِ الأُمَّةِ وحَمْلِها عَلى ما فِيهِ خَيْرُها في العاجِلِ والآجِلِ، وتَلَقِّي أصْنافِ الأذى في خِلالِ ذَلِكَ حَتّى يُتِمَّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، كالحُكْمِ عَلى الرَّسُولِ بِقَبُولِ ما يَبْلُغُ مُنْتَهى الطّاقَةِ إلى أجَلٍ مُعَيَّنٍ عِنْدَ اللَّهِ.

وعُدِّيَ فِعْلُ (اصْبِرْ) بِاللّامِ لِتَضْمِينِ الصَّبْرِ مَعْنى الخُضُوعِ والطّاعَةِ لِلْأمْرِ الشّاقِّ، وقَدْ يُعَدّى بِحَرْفِ (عَلى) كَما قالَ تَعالى (﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠]) . ومُناسَبَةُ مَقامِ الكَلامِ تُرَجِّحُ إحْدى التَّعْدِيَتَيْنِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولِرَبِّكَ فاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧]) في سُورَةِ المُدَّثِّرِ.

ولَما كانَ مِن ضُرُوبِ إعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ دَعْوَتِهِ ضَرْبٌ فِيهِ رَغَباتٌ مِنهم مِثْلُ أنْ يَتْرُكَ قَرْعَهم بِقَوارِعِ التَّنْزِيلِ مِن تَأْفِينِ رَأْيِهِمْ وتَحْقِيرِ دِينِهِمْ وأصْنامِهِمْ، ورُبَّما عَرَضُوا عَلَيْهِ الصِّهْرَ مَعَهم، أوْ بَذْلَ المالِ مِنهم، أُعْقِبَ أمْرُهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما هو مِن ضُرُوبِ الإعْراضِ في صَلابَةٍ وشِدَّةٍ، بِأنْ نَهاهُ عَنْ أنْ يُطِيعَهم في الضَّرْبِ الآخَرِ مِن ضُرُوبِ الإعْراضِ الواقِعِ في قالَبِ اللِّينِ والرَّغْبَةِ.

وفِي هَذا النَّهْيِ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ لِأنَّ النَّهْيَ عَنْهُ يَشْمَلُ كُلَّ ما يَرْفَعُ مُوجِباتِ الصَّبْرِ المُرادِ هُنا.

والمَقْصُودُ مِن هَذا النَّهْيِ تَأْيِيسُهم مِنِ اسْتِجابَتِهِ لَهم حِينَ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ لِأنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّ ما عَرَضُوهُ عَلَيْهِ سَيَكُونُ صارِفًا لَهُ عَمّا هو قائِمٌ بِهِ مِنَ الدَّعْوَةِ إذْ هم بُعَداءُ عَنْ إدْراكِ ماهِيَّةِ الرِّسالَةِ ونَزاهَةِ الرَّسُولِ ﷺ .

صفحة ٤٠٤

والطّاعَةُ: امْتِثالُ الطَّلَبِ بِفِعْلِ المَطْلُوبِ وبِالكَفِّ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ فَقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَعْمِدُونَ إلى الطَّلَبِ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَفْعَلَ ما يَرْغَبُونَ، مِثْلَ طَرْدِ ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ مِنَ المَجْلِسِ، والإتْيانِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ تَبْدِيلِهِ بِما يُشايِعُ أحْوالَهم، وأنْ يَكُفَّ عَمّا لا يُرِيدُونَ وُقُوعَهُ مِن تَحْقِيرِ آلِهَتِهِمْ، والجَهْرِ بِصَلاتِهِ، فَحَذَّرَهُ اللَّهُ مِنَ الِاسْتِماعِ لِقَوْلِهِمْ وإياسِهِمْ مِن حُصُولِ مَرْغُوبِهِمْ.

ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ: ولا تُطِعْهم، أوْ ولا تُطِعْ مِنهم أحَدًا، فَعَدَلَ عَنْهُ إلى (﴿آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾) لِلْإشارَةِ بِالوَصْفَيْنِ إلى أنَّ طاعَتَهم تُفْضِي إلى ارْتِكابِ إثْمٍ أوْ كُفْرٍ، لِأنَّهم في ذَلِكَ يَأْمُرُونَهُ ويَنْهَوْنَهُ غالِبًا فَهم لا يَأْمُرُونَ إلّا بِما يُلائِمُ صِفاتِهِمْ.

فالمُرادُ بِالآثِمِ والكَفُورِ: الصِّنْفانِ مِنَ المَوْصُوفِينَ، وتَعْلِيقُ الطّاعَةِ المَنهِيِّ عَنْها بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مُشْعِرٌ بِأنَّ الوَصْفَيْنِ عِلَّةٌ في النَّهْيِ.

والآثِمُ والكَفُورُ مُتَلازِمانِ فَكانَ ذِكْرُ أحَدِ الوَصْفَيْنِ مُغْنِيًا عَنِ الآخَرِ ولَكِنْ جَمَعَ بَيْنَهُما لِتَشْوِيهِ حالِ المُتَّصِفِ بِهِما قالَ تَعالى (﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦]) .

وفِي ذِكْرِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ إشارَةٌ أيْضًا إلى زَعِيمَيْنِ مِن زُعَماءِ الكُفْرِ والعِنادِ وهُما عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، لِأنَّ عُتْبَةَ اشْتُهِرَ بِارْتِكابِ المَآثِمِ والفُسُوقِ، والوَلِيدَ اشْتُهِرَ بِشِدَّةِ الشَّكِيمَةِ في الكُفْرِ والعُتُوِّ. وقَدْ كانا كافِرَيْنِ فَأُشِيرَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِما هو عَلَمٌ فِيهِ بَيْنَ بَقِيَّةِ المُشْرِكِينَ مِن كَثْرَةِ المَآثِمِ لِأوَّلِهِما. والمُبالَغَةِ في الكُفْرِ لِثانِيهِما، فَلِذَلِكَ صِيغَتْ لَهُ صِيغَةُ المُبالَغَةِ (كَفُورٌ) .

قِيلَ عَرَضَ عُتْبَةُ عَلى النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَرْجِعَ عَنْ دَعْوَةِ النّاسِ إلى الإسْلامِ ويُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ وكانَتْ مِن أجْمَلِ نِساءِ قُرَيْشٍ. وعَرَضَ الوَلِيدُ عَلَيْهِ أنْ يُعْطِيَهُ مِنَ المالِ ما يُرْضِيهِ ويَرْجِعَ عَنِ الدَّعْوَةِ، وكانَ الوَلِيدُ مِن أكْثَرِ قُرَيْشٍ مالًا وهو الَّذِي قالَ اللَّهُ في شَأْنِهِ (﴿وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢]) . فَيَكُونُ في إيثارِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ بِالذِّكْرِ إدْماجٌ لِذَمِّهِما وتَلْمِيحٌ لِقِصَّتِهِما.

وأيًّا ما كانَ فَحَرْفُ (أوْ) لَمْ يَعْدُ أصْلَ مَعْناهُ مِن عَطْفِ تَشْرِيكِ أحَدِ شَيْئَيْنِ أوْ أشْياءَ في خَبَرٍ أوْ طَلَبٍ، وهَذا التَّشْرِيكُ يُفِيدُ تَخْيِيرًا، أوْ إباحَةً، أوْ تَقْسِيمًا، أوْ شَكًّا، أوْ تَشْكِيكًا بِحَسَبِ المَواقِعِ وبِحَسَبِ عَوامِلِ الإعْرابِ لِتَدْخُلَ (أوْ) الَّتِي

صفحة ٤٠٥

تُضْمَرُ بَعْدَها (أنْ) فَتَنْصِبَ المُضارِعَ. وكَوْنُ المُشَرَّكِ بِها واحِدًا مِن مُتَعَدِّدٍ مُلازِمٌ لِمَواقِعِها كُلِّها.

فَمَعْنى الآيَةِ نَهْيٌ عَنْ طاعَةِ أحَدِ هَذَيْنِ المَوْصُوفَيْنِ ويَعْلَمُ أنَّ طاعَةَ كِلَيْهِما مَنهِيٌّ عَنْها بِدَلالَةِ الفَحْوى لِأنَّهُ إذا أطاعَهُما مَعًا فَقَدْ تَحَقَّقَ مِنهُ طاعَةُ أحَدِهِما وزِيادَةٌ.

ومَوْقِعُ مِنهم مَوْقِعُ الحالِ مِن (آثِمًا) فَإنَّهُ صِفَةُ (آثِمًا) فَلَمّا قُدِّمَتِ الصِّفَةُ عَلى المَوْصُوفِ صارَتْ حالًا.

و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ. والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِها عائِدٌ لِلْمُشْرِكِينَ، ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ لِأنَّهم مَعْلُومُونَ مِن سِياقِ الدَّعْوَةِ أوْ لِأنَّهُمُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ (﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾) أيْ لا كَما يَزْعُمُ المُشْرِكُونَ أنَّكَ جِئْتَ بِهِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ، ومِن قَوْلِهِ (﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾)، أيْ عَلى أذى المُشْرِكِينَ.

ويُؤَوَّلُ المَعْنى: ولا تُطِعْ أحَدًا مِنَ المُشْرِكِينَ.

76:25–26Page 579

وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٢٥

And mention the name of your Lord [in prayer] morning and evening

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا ٢٦

And during the night prostrate to Him and exalt [i.e., praise] Him a long [part of the] night.

﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾

أيْ أقْبِلْ عَلى شَأْنِكَ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ وذِكْرِ اللَّهِ بِأنْواعِ الذِّكْرِ. وهَذا إرْشادٌ إلى ما فِيهِ عَوْنٌ لَهُ عَلى الصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَ.

والمُرادُ بِالبُكْرَةِ والأصِيلِ اسْتِغْراقُ أوْقاتِ النَّهارِ، أيْ لا يَصُدُّكَ إعْراضُهم عَنْ مُعاوَدَةِ الدَّعْوَةِ وتَكْرِيرِها طَرَفَيِ النَّهارِ. ويَدْخُلُ في ذِكْرِ اللَّهِ الصَّلَواتُ مِثْلُ قَوْلِهِ (﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥]) . وكَذَلِكَ النَّوافِلُ الَّتِي هي مِن خَصائِصِ النَّبِيءِ ﷺ بَيْنَ مَفْرُوضٍ مِنها وغَيْرِ مَفْرُوضٍ. فالأمْرُ في قَوْلِهِ (واذْكُرِ) مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ الطَّلَبِ مِن وُجُوبٍ ونَفْلٍ.

وذِكْرُ اسْمِ الرَّبِّ يَشْمَلُ تَبْلِيغَ الدَّعْوَةِ ويَشْمَلُ عِبادَةَ اللَّهِ في الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ والنَّوافِلِ ويَشْمَلُ المَوْعِظَةَ بِتَخْوِيفِ عِقابِهِ ورَجاءِ ثَوابِهِ.

صفحة ٤٠٦

وقَوْلُهُ ( ﴿بُكْرَةً وأصِيلًا﴾

يَشْمَلُ أوْقاتَ النَّهارِ كُلَّها المَحْدُودَةَ مِنها كَأوْقاتِ الصَّلَواتِ وغَيْرَ المَحْدُودِ كَأوْقاتِ النَّوافِلِ، والدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ.

وبُكْرَةً هي أوَّلُ النَّهارِ، وأصِيلًا عَشِيًّا.

وقَوْلُهُ (﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾) إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّيْلَ وقْتُ تَفَرُّغٍ مِن بَثِّ الدَّعْوَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا) إلى قَوْلِهِ (﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]) الآيَةَ وهَذا خاصٌّ بِصَلاةِ اللَّيْلِ فَرْضًا ونَفْلًا.

وقَوْلُهُ (وسَبِّحْهُ) جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿مِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ﴾) فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّسْبِيحَ التَّنَفُّلُ.

والتَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ بِالقَوْلِ وبِالِاعْتِقادِ، ويَشْمَلُ الصَّلَواتَ والأقْوالَ الطَّيِّبَةَ والتَّدَبُّرَ في دَلائِلِ صِفاتِ اللَّهِ وكَمالاتِهِ، وغَلَبَ إطْلاقُ مادَّةِ التَّسْبِيحِ عَلى الصَّلاةِ النّافِلَةِ، وقالَ تَعالى (﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨])، أيْ مِنَ اللَّيْلِ. وعَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ: ”وسَبِّحْهُ“ هُنا صَلاةُ التَّطَوُّعِ في اللَّيْلِ، وقَوْلُهُ ”طَوِيلًا“ صِفَةُ ”لَيْلًا“ وحَيْثُ وصَفَ اللَّيْلَ بِالطُّولِ بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ فِيهِ، عُلِمَ أنَّ لَيْلًا أُرِيدَ بِهِ أزْمانُ اللَّيْلِ لِأنَّهُ مَجْمُوعُ الوَقْتِ المُقابِلِ لِلنَّهارِ، لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ المِقْدارُ كُلُّهُ لَمْ يَكُنْ في وصْفِهِ بِالطُّولِ جَدْوى، فَتَعَيَّنَ أنَّ وصْفَ الطُّولِ تَقْيِيدٌ لِلْأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ، أيْ سَبِّحْهُ أكْثَرَ اللَّيْلِ، فَهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]) إلى (﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤]) أوْ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِنِ (اسْجُدْ) وسَبِّحْهُ.

وانْتَصَبَ (لَيْلًا) عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِـ (سَبِّحْهُ) .

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ زَيْدٍ: أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ وأوْقاتِها بِناءً عَلى أنَّ الأصِيلَ يُطْلَقُ عَلى وقْتِ الظُّهْرِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ وسَبِّحْهُ إشارَةً إلى قِيامِ اللَّيْلِ.

وهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٧]) وقَوْلِهِ تَعالى (﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩] ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠]) .

76:27Page 580

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا ٢٧

Indeed, these [disbelievers] love the immediate and leave behind them1 a grave Day.

صفحة ٤٠٧

﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾

تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ إطاعَتِهِمْ في قَوْلِهِ (﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤])، أيْ لِأنَّ خُلُقَهُمُ الِانْصِبابُ عَلى الدُّنْيا مَعَ الإعْراضِ عَنِ الآخِرَةِ إذْ هم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلَوْ أعْطاهم لَتَخَلَّقَ بِخُلُقِهِمْ قالَ تَعالى (﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ﴾ [النساء: ٨٩]) الآيَةَ. فَمَوْقِعُ (إنَّ) مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ وهي بِمَنزِلَةِ فاءِ السَّبَبِيَّةِ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ.

و(هَؤُلاءِ) إشارَةٌ إلى حاضِرِينَ في ذِهْنِ المُخاطَبِ لِكَثْرَةِ الحَدِيثِ عَنْهم، وقَدِ اسْتَقْرَيْتُ مِنَ القُرْآنِ أنَّهُ إذا أطْلَقَ (هَؤُلاءِ) دُونَ سَبْقِ ما يَكُونُ مُشارًا إلَيْهِ فالمَقْصُودُ بِهِ المُشْرِكُونَ، وقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ) في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ تَعالى (﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ [هود: ١٠٩]) في سُورَةِ هُودٍ.

وقَدْ تَنَزَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَحَبَّةِ الدُّنْيا فَقالَ «ما لِي ولِلدُّنْيا» فَلَيْسَ لَهُ مَحَبَّةٌ لِأُمُورِها عَدا النِّساءَ والطِّيبَ كَما قالَ «حُبِّبَ إلَيَّ مِن دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ» .

فَأمّا النِّساءُ فالمَيْلُ إلَيْهِنَّ مَرْكُوزٌ في طَبْعِ الذُّكُورِ، وما بِالطَّبْعِ لا يَتَخَلَّفُ، وفي الأُنْسِ بِهِنَّ انْتِعاشٌ لِلرُّوحِ فَتَناوُلُهُ مَحْمُودٌ إذا وقَعَ عَلى الوَجْهِ المُبَرَّأِ مِنَ الإيقاعِ في فَسادٍ وما هو الأمْثَلُ تَناوُلُ الطَّعامِ وشُرْبُ الماءِ قالَ تَعالى (﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]) .

وأمّا الطِّيبُ فَلِأنَّهُ مُناسِبٌ لِلتَّزْكِيَةِ النَّفْسِيَّةِ.

وصِيغَةُ المُضارِعِ في يُحِبُّونَ تَدُلُّ عَلى تَكَرُّرِ ذَلِكَ، أيْ أنَّ ذَلِكَ دَأْبُهم ودَيْدَنُهم لا يُشارِكُونَ مَعَ حُبِّ العاجِلَةِ حُبَّ الآخِرَةِ، والعاجِلَةُ: صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ تَقْدِيرُهُ: الحَياةُ العاجِلَةُ، أوِ الدّارُ العاجِلَةُ. والمُرادُ بِها مُدَّةُ الحَياةِ الدُّنْيا.

وكَثُرَ في القُرْآنِ إطْلاقُ العاجِلَةِ عَلى الدُّنْيا كَقَوْلِهِ (﴿كَلّا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ وتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢٠]) فَشاعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ تَسْمِيَةُ الدُّنْيا بِالعاجِلَةِ.

صفحة ٤٠٨

ومُتَعَلِّقُ يُحِبُّونَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: نَعِيمٌ أوْ مَنافِعُ لِأنَّ الحُبَّ لا يَتَعَلَّقُ بِذاتِ الدُّنْيا.

وفِي إيثارِ ذِكْرِ الدُّنْيا بِوَصْفِ العاجِلَةِ تَوْطِئَةٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الذَّمِّ لِأنَّ وصْفَ العاجِلَةِ يُؤْذِنُ بِأنَّهم آثَرُوها لِأنَّها عاجِلَةٌ. وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ إذْ رَضُوا بِالدُّونِ لِأنَّهُ عاجِلٌ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن شِيَمِ أهْلِ التَّبَصُّرِ، فَقَوْلُهُ (﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾) واقِعٌ مَوْقِعَ التَّكْمِيلِ لِمَناطِ ذَمِّهِمْ وتَحْمِيقِهِمْ لِأنَّهم لَوْ أحَبُّوا الدُّنْيا مَعَ الِاسْتِعْدادِ لِلْآخِرَةِ لَما كانُوا مَذْمُومِينَ قالَ تَعالى حِكايَةً لِقَوْلِ النّاصِحِينَ لِقارُونَ (﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٧٧]) . وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧]) إذْ كانَ مَناطُ الذَّمِّ فِيهِ هو أنْ قَصَرُوا أنْفُسَهم عَلى عِلْمِ أُمُورِ الدُّنْيا مَعَ الإعْراضِ عَنِ العِلْمِ بِالآخِرَةِ. د

ومُثِّلُوا بِحالِ مَن يَتْرُكُ شَيْئًا وراءَهُ فَهو لا يَسْعى إلَيْهِ وإنَّما يَسْعى إلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ.

وإنَّما أعْرَضُوا عَنْهُ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِحُلُولِهِ فَكَيْفَ يَسْعَوْنَ إلَيْهِ.

وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَذَرُونَ تَقْتَضِي أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ وأنَّ ذَلِكَ مُتَجَدِّدٌ فِيهِمْ ومُتَكَرِّرٌ لا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ ذَلِكَ التَّرْكِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِحُلُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ، فالمُسْلِمُونَ لا يَذَرُونَ وراءَهم هَذا اليَوْمَ لِأنَّهم لا يَخْلُونَ مِن عَمَلٍ لَهُ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَهم في التَّقْوى.

واليَوْمُ الثَّقِيلُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، وُصِفَ بِالثَّقِيلِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِشِدَّةِ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِنَ المَتاعِبِ والكُرُوبِ فَهو كالشَّيْءِ الثَّقِيلِ الَّذِي لا يُسْتَطاعُ حَمْلُهُ.

والثِّقَلُ: يُسْتَعارُ لِلشِّدَّةِ والعُسْرِ قالَ تَعالى (﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]) وقالَ (﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]) .

76:28Page 580

نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا ٢٨

We have created them and strengthened their forms, and when We will, We can change their likenesses with [complete] alteration.

صفحة ٤٠٩

﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾

لَمّا كانَ الإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم (﴿يَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧]) يَتَضَمَّنُ أنَّهم يُنْكِرُونَ وُقُوعَ ذَلِكَ اليَوْمِ كَما قَدَّمْناهُ وكانَ الباعِثُ لَهم عَلى إنْكارِهِ شُبْهَةَ اسْتِحالَةِ إعادَةِ الأجْسادِ بَعْدَ بِلاها وفَنائِها، وكانَ الكَلامُ السّابِقُ مَسُوقًا مَساقَ الذَّمِّ لَهم، والإنْكارِ عَلَيْهِمْ جِيءَ هُنا بِما هو دَلِيلٌ لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ وإبْطالٌ لِشُبْهَتِهِمْ بِبَيانِ إمْكانِ إعادَةِ خَلْقِهِمْ يُعِيدُهُ الَّذِي خَلَقَهم أوَّلَ مَرَّةٍ كَما قالَ تَعالى (﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]) وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الحائِمَةِ حَوْلَ هَذا المَعْنى.

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِالمُبْتَدَأِ المُخْبَرِ عَنْهُ بِالخَبَرِ الفِعْلِيِّ دُونَ أنْ تُفْتَتَحَ بِـ (﴿خَلَقْناهُمْ﴾) أوْ نَحْنُ خالِقُونَ، لِإفادَةِ تَقَوِّي الخَبَرِ وتَحْقِيقِهِ بِالنَّظَرِ إلى المَعْنِيِّينَ بِهَذا الكَلامِ وإنْ لَمْ يَكُنْ خِطابًا لَهم ولَكِنَّهم هُمُ المَقْصُودُ مِنهُ.

وتَقْوِيَةُ الحُكْمِ بِناءٌ عَلى تَنْزِيلِ أُولَئِكَ المَخْلُوقِينَ مَنزِلَةَ مَن يَشُكُّ في أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم حَيْثُ لَمْ يَجْرُءُوا عَلى مُوجِبِ العِلْمِ فَأنْكَرُوا أنَّ اللَّهَ يُعِيدُ الخَلْقَ بَعْدَ البِلى فَكَأنَّهم يُسْنِدُونَ الخَلْقَ الأوَّلَ لِغَيْرِهِ. وتَقَوِّي الحُكْمِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا شاءَ بَدَّلَ أمْثالَهم بِإعادَةِ أجْسادِهِمْ فَلِذَلِكَ لَمْ يُحْتَجْ إلى تَأْكِيدِ جُمْلَةِ (﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾) اسْتِغْناءً بِتَوَلُّدِ مَعْناها عَنْ مَعْنى الَّتِي قَبْلَها وإنْ كانَ هو أوْلى بِالتَّقْوِيَةِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ. وهَذا التَّقَوِّي هُنا مُشْعِرٌ بِأنَّ كَلامًا يَعْقُبُهُ هو مَصَبُّ التَّقَوِّي، ونَظِيرُهُ في التَّقَوِّي والتَّفْرِيعِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٧]) إلى قَوْلِهِ (﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦٠]) فَإنَّ المُفَرَّعَ هو (﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨]) وما اتَّصَلَ بِهِ. وجُمْلَةُ (﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٧]) مُعْتَرِضَةٌ وقَدْ مَضى في سُورَةِ الواقِعَةِ.

فَأمْثالُهم: هي الأجْسادُ الثّانِيَةُ إذْ هي أمْثالٌ لِأجْسادِهِمُ المَوْجُودَةِ حِينَ التَّنْزِيلِ.

والشَّدُّ: الإحْكامُ وإتْقانُ ارْتِباطِ أجْزاءِ الجَسَدِ بَعْضِها بِبَعْضٍ بِواسِطَةِ العِظامِ والأعْصابِ والعُرُوقِ إذْ بِذَلِكَ يَسْتَقِلُّ الجِسْمُ.

والأسْرُ: الرَّبْطُ وأُطْلِقَ هُنا عَلى الإحْكامِ والإتْقانِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ.

صفحة ٤١٠

والمَعْنى: أحْكَمْنا رَبْطَ أجْزاءِ أجْسامِهِمْ فَكانَتْ مَشْدُودًا بَعْضُها عَلى بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ: (﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾) إخْبارٌ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُبَدِّلَهم بِناسٍ آخَرِينَ.

فَحَذْفُ مَفْعُولِ (﴿شِئْنا﴾) لِدَلالَةِ جَوابِ (إذا) عَلَيْهِ كَما هو الشَّأْنُ في فِعْلِ المَشِيئَةِ غالِبًا.

واجْتِلابُ (إذا) في هَذا التَّعْلِيقِ لِأنَّ شَأْنَ (إذا) أنْ تُفِيدَ اليَقِينَ بِوُقُوعِ ما قُيِّدَ بِها بِخِلافِ حَرْفِ (إنْ) فَهو إيماءٌ إلى أنَّ حُصُولَ هَذِهِ المَشِيئَةِ مُسْتَقْرَبُ الوُقُوعِ.

فَيَجُوزُ أنَّ يَكُونَ هَذا بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ لِقَوْلِهِ (﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ﴾) إلَخْ، ويُحْمَلُ الشَّرْطُ عَلى التَّحَقُّقِ قالَ تَعالى (﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦]) .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (﴿وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾) تَهْدِيدًا لَهم عَلى إعْراضِهِمْ وجُحُودِهِمْ لِلْبَعْثِ، أيْ لَوْ شِئْنا لَأهْلَكْناهم وخَلَقْنا خَلْقًا آخَرَ مِثْلَهم كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ) .

ويَكُونُ (إذا) مُرادًا بِهِ تَحَقُّقُ التَّلازُمِ بَيْنَ شَرْطِ (إذا) وجَوابِها، أيِ الجُمْلَةِ المُضافِ إلَيْها، والجُمْلَةِ المُتَعَلِّقِ بِها.

وفِعْلُ التَّبْدِيلِ يَقْتَضِي مُبَدَّلًا ومُبَدَّلًا بِهِ وأيُّهُما اعْتَبَرْتَهُ في مَوْضِعِ الآخَرِ صَحَّ لِأنَّ كُلَّ مُبَدَّلٍ بِشَيْءٍ هو أيْضًا مُبَدَّلٌ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، ولا سِيَّما إذا لَمْ يَكُنْ في المَقامِ غَرَضٌ بِبَيانِ المَرْغُوبِ في اقْتِنائِهِ والمَسْمُوحِ بِبَذْلِهِ مِنَ الشَّيْئَيْنِ المُسْتَبْدَلَيْنِ، فَحُذِفَ مِنَ الكَلامِ هُنا مُتَعَلِّقُ (بَدَّلْنا) وهو المَجْرُورُ بِالباءِ لِأنَّهُ أوْلى بِالحَذْفِ، وأُبْقِيَ المَفْعُولُ.

وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الواقِعَةِ في قَوْلِهِ (﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١])، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنّا لَقادِرُونَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ [المعارج: ٤٠]) في سُورَةِ المَعارِجِ فالتَّقْدِيرُ: بَدَّلْنا مِنهم.

والأمْثالُ: جَمْعُ مِثْلٍ وهو المُماثِلُ في ذاتٍ أوْ صِفَةٍ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ أمْثالُهم في أشْكالِ أجْسادِهِمْ وهو التَّبْدِيلُ الَّذِي سَيَكُونُ في المَعادِ.

صفحة ٤١١

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أمْثالُهم في أنَّهم أُمَمٌ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ البَعْثَ يَحْصُلُ بِخَلْقِ أجْسامٍ عَلى مِثالِ الأجْسادِ الَّتِي كانَتْ في الحَياةِ الدُّنْيا لِلْأرْواحِ الَّتِي كانَتْ فِيها.

وانْتَصَبَ (تَبْدِيلًا) عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُوَكِّدِ لِعامِلِهِ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ تَبْدِيلٌ حَقِيقِيٌّ، ولِلتَّوَصُّلِ بِالتَّنْوِينِ إلى تَعْظِيمِهِ وعُجُوبَتِهِ.

76:29Page 580

إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٢٩

Indeed, this is a reminder, so he who wills may take to his Lord a way.

﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِن بَسْطِ التَّذْكِيرِ والِاسْتِدْلالِ إلى فَذْلَكَةِ الغَرَضِ وحَوْصَلَتِهِ، إشْعارًا بِانْتِهاءِ المَقْصُودِ وتَنْبِيهًا إلى فائِدَتِهِ، ووَجْهِ الِانْتِفاعِ بِهِ، والحَثِّ عَلى التَّدَبُّرِ فِيهِ، واسْتِثْمارِ ثَمَرَتِهِ، وبِاعْتِبارِ ما تَفَرَّعَ عَنْ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن قَوْلِهِ (﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ﴾) إلَخْ يَقْوى مَوْقِعُ الفَذْلَكَةِ لِلْجُمْلَةِ وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِأنَّ حالَ المُخاطَبِينَ عَدَمُ اهْتِمامِهِمْ بِها فَهم يُنْكِرُونَ أنَّها تَذْكِرَةٌ.

والإشارَةُ إلى الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أوْ إلى السُّورَةِ ولِذَلِكَ أُتِيَ بِاسْمِ الإشارَةِ المُؤَنَّثِ.

والتَّذْكِرَةُ: مَصْدَرُ ذَكَّرَهُ مِثْلَ التَّزْكِيَةِ، أيْ أُكَلِّمُهُ كَلامًا يُذَكِّرُهُ بِهِ ما عَسى أنْ يَكُونَ نَسِيَهُ أُطْلِقَتْ هُنا عَلى المَوْعِظَةِ بِالإقْلاعِ عَنْ عَمَلٍ سَيِّئٍ والإقْبالِ عَلى عَمَلٍ صالِحٍ وعَلى وُضُوحِ الخَيْرِ والشَّرِّ لِمَن تَذَكَّرَ، أيْ تَبَصَّرَ بِتَشْبِيهِ حالَةِ المُعْرِضِ عَنِ الخَيْرِ المَشْغُولِ عَنْهُ بِحالَةِ النّاسِي لَهُ لِأنَّ شَأْنَهُ ألّا يُفَرِّطَ فِيهِ إلّا مَن كانَ ناسِيًا لِما فِيهِ مِن نَفْعٍ لَهُ.

وفُرِّعَ عَلَيْهِ الحَثُّ عَلى سُلُوكِ سَبِيلِ مَرْضاةِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ (﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾)، أيْ لَيْسَ بَعْدَ هَذِهِ التَّذْكِرَةِ إلّا العَمَلُ بِها إذا شاءَ المُتَذَكِّرُ أنْ يَعْمَلَ بِها.

فَفِي قَوْلِهِ (مَن شاءَ) حَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ بِذَلِكَ لِأنَّ مَشِيئَةَ المَرْءِ في مِكْنَتِهِ فَلا يَمْنَعُهُ مِنها إلّا سُوءُ تَدْبِيرِهِ.

وهَذا حَثٌّ وتَحْرِيضٌ فِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهم أبَوْا أنْ يَتَذَكَّرُوا عِنادًا وحَسَدًا.

واتِّخاذُ السَّبِيلِ: سُلُوكُهُ، عُبِّرَ عَنِ السُّلُوكِ بِالِاتِّخاذِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ بِتَشْبِيهٍ

صفحة ٤١٢

فَفِي قَوْلِهِ (﴿اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾) اسْتِعارَتانِ لِأنَّ السَّبِيلَ مُسْتَعارٌ لِسَبَبِ الفَوْزِ بِالنَّعِيمِ والزُّلْفى.

ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ (﴿إلى رَبِّهِ﴾) بِـ ”سَبِيلًا“، أيْ سَبِيلًا مُبَلِّغَةً إلى اللَّهِ، ولا يَخْتَلِفُ العُقَلاءُ في شَرَفِ ما يُوصِلُ إلى الرَّبِّ أيْ إلى إكْرامِهِ لِأنَّ ذَلِكَ قَرارَةُ الخَيْراتِ ولِذَلِكَ عُبِّرَ بِرَبٍّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ (مَن شاءَ) إذْ سَعادَةُ العَبْدِ في الحُظْوَةِ عِنْدَ رَبِّهِ.

وهَذِهِ السَّبِيلُ هي التَّوْبَةُ فالتّائِبُ مِثْلُ الَّذِي كانَ ضالًّا، أوْ آبِقًا فاهْتَدى إلى الطَّرِيقِ الَّتِي يَرْجِعُ مِنها إلى مَقْصِدِهِ، أوْ سَلَكَ الطَّرِيقَ إلى مَوْلاهُ.

وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском