Ibn 'AshurAl‑Mursalat · 77:20–37

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mursalat 77:20–37

77:20–23Page 581

أَلَمۡ نَخۡلُقكُّم مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٢٠

Did We not create you from a liquid disdained?

فَجَعَلۡنَٰهُ فِي قَرَارٖ مَّكِينٍ ٢١

And We placed it in a firm lodging [i.e., the womb]

إِلَىٰ قَدَرٖ مَّعۡلُومٖ ٢٢

For a known extent.

فَقَدَرۡنَا فَنِعۡمَ ٱلۡقَٰدِرُونَ ٢٣

And We determined [it], and excellent [are We] to determine.

﴿ألَمْ نَخْلُقْكم مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ ﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿فَقَدَّرْنا فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾

تَقْرِيرٌ أيْضًا يَجْرِي فِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦])، جِيءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ تَعْدادِ الخِطابِ في مَقامِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.

وكُلٌّ مِنَ التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ مِن مُقْتَضَياتِ تَرْكِ العَطْفِ لِشَبَهِهِ بِالتَّكْرِيرِ في أنَّهُ تَكْرِيرُ مَعْنًى وإنْ لَمْ يَكُنْ تَكْرِيرَ لَفْظٍ، والتَّكْرِيرُ شَبِيهٌ بِالأعْدادِ المَسْرُودَةِ فَكانَ حَقُّهُ تَرْكَ العَطْفِ فِيهِ.

وقَدْ جاءَ هُنا التَّقْرِيرُ عَلى ثُبُوتِ الإيجادِ بَعْدَ العَدَمِ إيجادًا مُتْقَنًا دالًّا عَلى كَمالِ الحِكْمَةِ والقُدْرَةِ لِيُفْضى بِذَلِكَ التَّقْرِيرِ إلى التَّوْبِيخِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ والإعادَةِ وإلى إثْباتِ البَعْثِ بِإمْكانِهِ بِإعادَةِ الخَلْقِ كَما بُدِئَ أوَّلَ مَرَّةٍ وكَفى بِذَلِكَ مُرَجِّحًا لِوُقُوعِ هَذا المُمْكِنِ لِأنَّ القُدْرَةَ تَجْرِي عَلى وِفْقِ الإرادَةِ بِتَرْجِيحِ جانِبِ إيجادِ المُمْكِنِ عَلى عَدَمِهِ.

والماءُ: هو ماءُ الرَّجُلِ. والمَهِينُ: الضَّعِيفُ فَعِيلٌ مِن مَهُنَ، إذا ضَعُفَ، ومِيمُهُ أصْلِيَّةٌ ولَيْسَ هو مِن مادَّةِ هانَ.

صفحة ٤٣١

وهَذا الوَصْفُ كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنْ عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى إذْ خَلَقَ مِن هَذا الماءِ الضَّعِيفِ إنْسانًا شَدِيدَ القُوَّةِ عَقْلًا وجِسْمًا.

وحَرْفُ (مِن) لِلِابْتِداءِ لِأنَّ تَكْوِينَ الإنْسانِ نَشَأ مِن ذَلِكَ الماءِ كَما تَقُولُ هَذِهِ النَّخْلَةَ مِن نُواةٍ تَوْزَرِيَّةٍ.

وجُعِلَ خَلْقُ الإنْسانِ مِن ماءِ الرَّجُلِ لِأنَّهُ لا يَتِمُّ تَخَلُّقُهُ إلّا بِذَلِكَ الماءِ إذا لاقى بُوَيْضاتِ الدَّمِ في الرَّحِمِ، فاقْتَصَرَتِ الآيَةُ عَلى ما هو مَشْهُورٌ بَيْنَ النّاسِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنَ النَّبِيءُ ﷺ تَكْوِينَ الجَنِينِ مِن ماءِ المَرْأةِ وماءِ الرَّجُلِ.

وقَوْلُهُ (﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾) تَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّةِ الخَلْقِ عَلى سَبِيلِ الإدْماجِ مَعَ مُناسَبَتِهِ لِأنَّ لَهُ دَخْلًا في تَبْيِينِ إمْكانِ الإعادَةِ إذْ شَدِيدُ القُدْرَةِ لا يُعْجِزُهُ شَيْءُ، ولِذَلِكَ ذَيَّلَهُ بِقَوْلِهِ (﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾) عَلى التَّفْسِيرَيْنِ الآتِيَيْنِ.

والقَرارُ: مَحَلُّ القُرُورِ والمُكْثِ.

ومَكِينٍ: صِفَةٌ لِـ قَرارٍ، أيْ مَكانٍ مُتَمَكِّنٍ في ذَلِكَ فَهو فَعِيلٌ مَن مَكُنَ مَكانَةً، إذا ثَبَتَ ورَسَخَ.

ووُصِفَ القَرارُ بِالمَكِينِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: مَكِينُ الحالِ والمُسْتَقَرُّ فِيهِ. فالتَّقْدِيرُ: مَكِينٌ فِيهِ. والمُرادُ بِالقَرارِ المَكِينِ: الرَّحِمُ.

والقَدَرُ: بِفَتْحِ الدّالِّ المِقْدارُ المُعَيَّنُ المَضْبُوطُ، والمُرادُ مِقْدارٌ مِنَ الزَّمانِ وهو مُدَّةُ الحَمْلِ.

وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ (فَقَدَّرْنا) بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الدّالِ مِن قَدَرَ المُتَعَدِّي وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: قَدَّرَ بِالتَّشْدِيدِ تَقْدِيرًا فَهو مُقَدَّرٌ، وقَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ قَدْرًا فَهو قادِرٌ، إذا جَعَلَ الشَّيْءَ عَلى مِقْدارٍ مُناسِبٍ لِما جُعِلَ لَهُ.

والمَعْنى: فَقَدَّرْنا الخَلْقَ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩]) وقَوْلِهِ (﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]) .

صفحة ٤٣٢

والفاءُ في قَوْلِهِ ”فَقَدَّرْنا“ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ (﴿فَجَعَلْناهُ في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ ﴿إلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾) أيْ جَعَلْناهُ في الرَّحِمِ إلى انْتِهاءِ أمَدِ الحَمْلِ فَقَدَّرْنا أطْوارَ خَلْقِكم حَتّى أخْرَجْناكم أطْفالًا.

والفاءُ في (﴿فَنِعْمَ القادِرُونَ﴾) لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَدَّرْنا أيْ تَفْرِيعِ إنْشاءِ ثَناءٍ، أيْ فَدَلَّ تَقْدِيرُنا عَلى أنَّنا نِعْمَ القادِرُونَ، أيْ كانَ تَقْدِيرُنا تَقْدِيرَ أفْضَلِ قادِرٍ، وهَذا تَنْوِيهٌ بِذَلِكَ الخَلْقِ العَجِيبِ بِالقُدْرَةِ.

والقادِرُونَ: اسْمُ فاعِلٍ مِن قَدَرَ اللّازِمِ إذا كانَ ذا قُدْرَةٍ وبِذَلِكَ يَكُونُ الكَلامُ تَأْسِيسًا لا تَأْكِيدًا، أيْ فَنِعْمَ القادِرُونَ عَلى الأشْياءِ.

وعَلامَةُ الجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ مِثْلَ نُونِ (قَدَّرْنا) فَإنَّ القُدْرَةَ لَمّا أتَتْ بِما هو مُقْتَضى الحِكْمَةِ كانَتْ قُدْرَةً جَدِيرَةً بِالمَدْحِ.

77:24Page 581

وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٢٤

Woe, that Day, to the deniers.

﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾

هُوَ نَحْوُ ما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ المُوالِي هو لَهُ.

77:25–27Page 581

أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ كِفَاتًا ٢٥

Have We not made the earth a container

أَحۡيَآءٗ وَأَمۡوَٰتٗا ٢٦

Of the living and the dead?

وَجَعَلۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ شَٰمِخَٰتٖ وَأَسۡقَيۡنَٰكُم مَّآءٗ فُرَاتٗا ٢٧

And We placed therein lofty, firmly set mountains and have given you to drink sweet water.

﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتًا﴾ ﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾ ﴿وجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾

جاءَ هَذا التَّقْرِيرُ عَلى سُنَنٍ سابِقِيهِ في عَدَمِ العَطْفِ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ لِلتَّوْبِيخِ، وهو تَقْرِيرٌ لَهم بِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن خَلْقِ الأرْضِ بِما فِيها مِمّا فِيهِ مَنافِعُهم كَما قالَ تَعالى (﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣]) .

ومَحَلُّ الِامْتِنانِ هو قَوْلُهُ أحْياءً، وأمّا قَوْلُهُ وأمْواتًا فَتَتْمِيمٌ وإدْماجٌ.

وكِفاتٌ: اسْمٌ لِلشَّيْءِ الَّذِي يُكْفَتُ فِيهِ، أيْ يُجْمَعُ ويُضَمُّ فِيهِ، فَهو اسْمٌ جاءَ عَلى صِيغَةِ الفِعالِ مِن كَفَتَ، إذا جَمَعَ، ومِنهُ سُمِّي الوِعاءُ: كِفاتًا، كَما سُمِّيَ ما يَعِي الشَّيْءَ: وِعاءً، وما يَضُمُّ الشَّيْءَ: الضِّمامَ.

و”أحْياءً“ مَفْعُولُ ”كِفاتًا“ لِأنَّ (كِفاتًا) فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ كَأنَّهُ قِيلَ كافِتَةً أحْياءً. وقَدْ يَقُولُونَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ كِفاتًا وكُلُّ ذَلِكَ مُتَقارِبٌ.

صفحة ٤٣٣

وأمْواتًا عُطِفَ عَلَيْهِ وهو إدْماجٌ وتَتْمِيمٌ لِأنَّ فِيهِ مُشاهَدَةَ المُلازَمَةِ بَيْنَ الأحْياءِ والأمْواتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الحَياةَ هي المَقْصُودُ مِنَ الخِلْقَةِ.

وهَذا تَقْرِيرٌ لَهم بِالِاعْتِرافِ بِالأحْوالِ المُشاهَدَةِ في الأرْضِ الدّالَّةِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ.

وتَنْوِينُ (﴿أحْياءً وأمْواتًا﴾) لِلتَّعْظِيمِ مُرادًا بِهِ التَّكْثِيرُ ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ بِهِما مُعَرَّفَيْنِ بِاللّامِ، وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذَيْنِ الجَمْعَيْنِ ما في مَعْنَيَيْهِما مِنَ التَّذْكِيرِ بِالحَياةِ والمَوْتِ.

وقَدْ تَصَدّى الكَلامُ لِإثْباتِ البَعْثِ بِشَواهِدَ ثَلاثَةٍ:

أحَدُها: بِحالِ الأُمَمِ البائِدَةِ في انْقِراضِها.

الثّانِي: بِحالِ تَكْوِينِ الإنْسانِ.

الثّالِثُ: مَصِيرُ الكُلِّ إلى الأرْضِ وفي كُلِّ ذَلِكَ إبْطالٌ لِإحالَتِهِمْ وُقُوعَ البَعْثِ لِأنَّهم زَعَمُوا اسْتِحالَتَهُ فَأُبْطِلَتْ دَعْواهم بِإثْباتِ إمْكانِ البَعْثِ فَإنَّهُ إذْ ثَبَتَ الإمْكانُ بَطُلَتِ الِاسْتِحالَةُ فَلَمْ يُبْقَ إلّا النَّظَرُ في أدِلَّةِ تَرْجِيحِ وُقُوعِ ذَلِكَ المُمْكِنِ.

وفِي الآيَةِ امْتِنانٌ يَجْعَلُ الأرْضَ صالِحَةً لِدَفْنِ الأمْواتِ، وقَدْ ألْهَمَ اللَّهُ لِذَلِكَ ابْنَ آدَمَ حِينَ قَتَلَ أخاهُ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ المائِدَةِ، فَيُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ وُجُوبُ الدَّفْنِ في الأرْضِ إلّا إذا تَعَذَّرَ ذَلِكَ كالَّذِي يَمُوتُ في سَفِينَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ مَراسِي الأرْضِ أوْ لا تَسْتَطِيعُ الإرْساءَ، أوْ كانَ الإرْساءُ يَضُرُّ بِالرّاكِبِينَ أوْ يُخافُ تَعَفُّنُ الجُثَّةِ فَإنَّها يُرْمى بِها في البَحْرِ وتُثَقَّلُ بِشَيْءٍ لِتَرْسُبَ إلى غَرِيقِ الماءِ. وعَلَيْهِ فَلا يَجُوزُ إحْراقُ المَيِّتِ كَما يَفْعَلُ مَجُوسُ الهِنْدِ، وكانَ يَفْعَلُهُ بَعْضُ الرُّومانِ، ولا وضْعُهُ لِكَواسِرِ الطَّيْرِ كَما كانَ يَفْعَلُ مَجُوسُ الفُرْسِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَتَمَدَّحُونَ بِالمَيِّتِ الَّذِي تَأْكُلُهُ السِّباعُ أوِ الضِّباعُ وهو الَّذِي يَمُوتُ قَتِيلًا في فَلاةٍ، قالَ تَأبَّطَ:

لا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُـحَـرَّمٌ عَلَيْكم ولَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ

وهَذا مِن جَهالَةِ الجاهِلِيَّةِ وكُفْرانِ النِّعْمَةِ.

واحْتَجَّ ابْنُ القاسِمِ مِن أصْحابِ مالِكٍ بِهَذِهِ الآيَةِ لِكَوْنِ القَبْرِ حِرْزًا فَأوْجَبَ

صفحة ٤٣٤

القَطْعَ عَلى مَن سَرَقَ مِنَ القَبْرِ كَفَنًا أوْ ما يَبْلُغُ رُبْعَ دِينارٍ، وقالَ مالِكُ: القَبْرُ حِوَزٌ لِلْمَيِّتِ كَما أنَّ البَيْتَ حِوَزٌ لِلْحَيِّ.

وفِي مَفاتِيحِ الغَيْبِ عَنْ تَفْسِيرِ القَفّالِ: أنَّ رَبِيعَةَ اسْتَدَلَّ بِها عَلى ذَلِكَ.

والرَّواسِي: جَمْعُ رَأْسٍ، أيْ جِبالًا رَواسِي، أيْ ثَوابِتَ في الأرْضِ قالَ السَّمَوْألُ:

رَسا أصْلُهُ تَحْتَ الثَّرى وسَما بِهِ ∗∗∗ إلى النَّجْمِ فَرْعٌ لا يُنالُ طَـوِيلُ

وجُمِعَ عَلى فَواعِلَ لِوُقُوعِهِ صِفَةً لِمُذَكَّرٍ غَيْرِ عاقِلٍ وهَذا امْتِنانٌ بِخَلْقِ الجِبالِ لِأنَّهم كانُوا يَأْوُونَ إلَيْها ويَنْتَفِعُونَ بِما فِيها مِن كَلَأٍ وشَجَرٍ قالَ تَعالى (﴿والجِبالَ أرْساها مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٢]) .

والشّامِخاتُ: المُرْتَفَعاتُ.

وعُطِفَ (﴿وأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾) لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الجِبالِ لِأنَّها تَنْحَدِرُ مِنها المِياهُ تَجْرِي في أسافِلِها وهي الأوْدِيَةُ وتُقِرُّ في قَراراتٍ وحِياضٍ وبُحَيْراتٍ.

والفُراتُ: العَذْبُ وهو ماءُ المَطَرِ.

وتَنْوِينُ (شامِخاتٍ) و(﴿ماءً فُراتًا﴾) لِلتَّعْظِيمِ لِدَلالَةِ ذَلِكَ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ.

77:28–29Page 581

وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٢٨

Woe, that Day, to the deniers.

ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٩

[They will be told], "Proceed to that which you used to deny.

﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾

تَكْرِيرٌ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ مِثْلَ نَظِيرِهِ الواقِعِ ثانِيًا في هَذِهِ السُّورَةِ.

77:30–31Page 581

ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ ظِلّٖ ذِي ثَلَٰثِ شُعَبٖ ٣٠

Proceed to a shadow [of smoke] having three columns

لَّا ظَلِيلٖ وَلَا يُغۡنِي مِنَ ٱللَّهَبِ ٣١

[But having] no cool shade and availing not against the flame."

﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩] ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾

هَذا خِطابٌ لِلْمُكَذِّبِينَ في يَوْمِ الحَشْرِ فَهو مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ صِيغَةُ الخِطابِ بِالِانْطِلاقِ دُونَ وُجُودِ مُخاطَبٍ يُؤْمَرُ بِهِ الآنَ.

صفحة ٤٣٥

والضَّمِيرُ المُقَدَّرُ مَعَ القَوْلِ المَحْذُوفِ عائِدٌ إلى المُكَذِّبِينَ، أيْ يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ.

والأمْرُ بِانْطِلاقِهِمْ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْخِيرِ لِأنَّهم تَنْطَلِقُ بِهِمْ مَلائِكَةُ العَذابِ قَسْرًا.

وما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ هو جَهَنَّمُ وعُبِّرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ لِما تَتَضَمَّنُهُ الصِّلَةُ مِنَ النِّداءِ عَلى خَطَئِهِمْ وضَلالِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ عَبْدَةِ بْنِ الطَّبِيبِ:

إنَّ الَّذِينَ تُرَوْنَـهُـمْ إخْـوانَـكُـمْ يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا

وجُمْلَةُ (﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ﴾) إلى آخِرِها، بَدَلُ اشْتِمالٍ أوْ مُطابِقٍ مِن جُمْلَةِ (﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩]) .

وأُعِيدَ فِعْلُ (انْطَلِقُوا) عَلى طَرِيقَةِ التَّكْرِيرِ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ أوِ الإهانَةِ والدَّفْعِ، ولِأجْلِهِ أُعِيدَ فِعْلُ انْطَلِقُوا، وحَرْفُ (إلى) .

ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ، فَإعادَةُ العامِلِ في البَدَلِ لِلتَّأْكِيدِ في مَقامِ التَّقْرِيعِ.

وأُرِيدَ بِالظِّلِّ دُخانُ جَهَنَّمَ لِكَثافَتِهِ، فَعُبِّرَ عَنْهُ بِالظِّلِّ تَهَكُّمًا بِهِمْ لِأنَّهم يَتَشَوَّقُونَ ظِلًّا يَأْوُونَ إلى بَرْدِهِ.

وأُفْرِدَ ظِلٌّ هُنا لِأنَّهُ جُعِلَ لَهم ذَلِكَ الدُّخانُ في مَكانٍ واحِدٍ لِيَكُونُوا مُتَراصِّينَ تَحْتَهُ لِأنَّ ذَلِكَ التَّراصَّ يَزِيدُهم ألَمًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ انْطَلِقُوا الثّانِي بِكَسْرِ اللّامِ مِثْلَ انْطَلِقُوا الأوَّلِ، وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ اللّامِ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي عَلى مَعْنى أنَّهم أُمِرُوا بِالِانْطِلاقِ إلى النّارِ فانْطَلَقُوا إلى دُخانِها، وإنَّما لَمْ يَعْطِفْ بِالفاءِ لِقَصْدِ الِاسْتِئْنافِ لِيَكَوِنَ خَبَرًا آخَرَ عَنْ حالِهِمْ.

والشُّعَبُ: اسْمُ جَمْعِ شُعْبَةٍ وهي الفَرِيقُ مِنَ الشَّيْءِ والطّائِفَةُ مِنهُ، أيْ ذِي ثَلاثِ طَوائِفَ وأُرِيدَ بِها طَوائِفُ مِنَ الدُّخانِ فَإنَّ النّارَ إذا عَظُمَ اشْتِعالُها تَصاعَدَ دُخانُها مِن طَرَفَيْها ووَسَطِها لِشِدَّةِ انْضِغاطِهِ في خُرُوجِهِ مِنها.

صفحة ٤٣٦

فَوُصِفَ الدُّخانُ بِأنَّهُ ذُو ثَلاثِ شُعَبٍ لِأنَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَدْ قِيلَ في سَبَبِ ذَلِكَ: إنَّ شُعْبَةً مِنهُ عَنِ اليَمِينِ وشُعْبَةً عَنِ اليَسارِ وشُعْبَةً مِن فَوْقُ، قالَ الفَخْرُ: وأقُولُ هَذا غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ لِأنَّ الغَضَبَ عَنْ يَمِينِهِ والشَّهْوَةَ عَنْ شِمالِهِ والقُوَّةَ الشَّيْطانِيَّةَ في دِماغِهِ، ومَنبَعُ جَمِيعِ الآفاتِ الصّادِرَةِ عَنِ الإنْسانِ في عَقائِدِهِ وفي أعْمالِهِ لَيْسَ إلّا هَذِهِ الثَّلاثَةَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ ها هُنا ثَلاثُ دَرَجاتٍ وهي: الحِسُّ، والخَيالُ، والوَهْمُ. وهي مانِعَةٌ لِلرُّوحِ مِنَ الِاسْتِنارَةِ بِأنْوارِ عالِمِ القُدُسِ اهـ.

والظَّلِيلُ: القَوِيُّ في ظِلالِهِ، اشْتُقَّ لَهُ وصْفٌ مِنِ اسْمِهِ لِإفادَةِ كَمالِهِ فِيما يُرادُ مِنهُ مِثْلَ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وشِعْرٌ شاعِرٌ، أيْ لَيْسَ هو مِثْلَ ظِلِّ المُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى (﴿ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]) . وفي هَذا تَحْسِيرٌ لَهم وهو في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى (﴿وظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣]) .

وجُرَّ ظَلِيلٌ عَلى النَّعْتِ لِـ ”ظِلٍّ“، وأُقْحِمَتْ (لا) فَصارَتْ مِن جُمْلَةِ الوَصْفِ ولا يَظْهَرُ فِيها إعْرابٌ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]) وشَأْنُ لا إذا أُدْخِلَتْ في الوَصْفِ أنْ تُكَرَّرَ فَلِذَلِكَ أُعِيدَتْ في قَوْلِهِ (﴿ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾) .

والإغْناءُ: جَعْلُ الغَيْرِ غَنِيًّا، أيْ غَيْرَ مُحْتاجٍ في ذَلِكَ الغَرَضِ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ (مِن) عَلى مَعْنى البَدَلِيةِ أوْ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: يَبْعُدُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧]) . وبِذَلِكَ سَلَبَ عَنْ هَذا الظِّلِّ خَصائِصَ الظِّلالِ لِأنَّ شَأْنَ الظِّلِّ أنْ يُنَفِّسَ عَنِ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ ألَمَ الحَرِّ.

77:32–33Page 581

إِنَّهَا تَرۡمِي بِشَرَرٖ كَٱلۡقَصۡرِ ٣٢

Indeed, it throws sparks [as huge] as a fortress,

كَأَنَّهُۥ جِمَٰلَتٞ صُفۡرٞ ٣٣

As if they were yellowish [black] camels.

﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾ ﴿كَأنَّهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ﴾

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن تَمامِ ما يُقالُ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ قِيلَ لَهُمُ (﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩])، فَإنَّهم بَعْدَ أنْ حَصَلَ لَهُمُ اليَأْسُ مِمّا يُنَفِّسُ عَنْهم ما يَلْقَوْنَ مِنَ العَذابِ، وقِيلَ لَهم: انْطَلِقُوا إلى دُخانِ جَهَنَّمَ رُبَّما شاهَدُوا ساعَتَئِذٍ جَهَنَّمَ تَقْذِفُ

صفحة ٤٣٧

بِشَرَرِها فَيُرَوِّعُهُمُ المَنظَرُ، أوْ يُشاهِدُونَها عَنْ بُعْدٍ لا تَتَّضِحُ مِنهُ الأشْياءُ وتَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مَخائِلُ تَوَقُّعِهِمْ أنَّهم بالِغُونَ إلَيْهِ فَيُزادُونَ رَوْعًا وتَهْوِيلًا، فَيُقالُ لَهم: إنَّ جَهَنَّمَ تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ كَأنَّهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا في أثْناءِ حِكايَةِ حالِهِمْ، أوْ في خِتامِ حِكايَةِ حالِهِمْ.

فَضَمِيرُ (إنَّها) عائِدٌ إلى جَهَنَّمَ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ (﴿ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩]) كَما يُقالُ لِلَّذِي يُساقُ إلى القَتْلِ وقَدْ رَأى رَجُلًا بِيَدِهِ سَيْفٌ فاضْطَرَبَ لِرُؤْيَتِهِ فَيُقالُ لَهُ: إنَّهُ الجَلّادُ.

وإجْراءُ تِلْكَ الأوْصافِ في الإخْبارِ عَنْها لِزِيادَةِ التَّرْوِيعِ والتَّهْوِيلِ، فَإنْ كانُوا يَرَوْنَ ذَلِكَ الشَّرَرَ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ فَوَصَفَهُ لَهم لِتَأْكِيدِ التَّرْوِيعِ والتَّهْوِيلِ بِتَظاهُرِ السَّمْعِ مَعَ الرُّؤْيَةِ. وإنْ كانُوا عَلى بُعْدٍ مِنهُ فالوَصْفُ لِلْكَشْفِ عَنْ حالِهِ الفَظِيعَةِ.

وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهم حِينَئِذٍ لا يَشُكُّونَ في ذَلِكَ سَواءٌ رَأوْهُ أوْ أُخْبِرُوا بِهِ.

والشَّرَرُ: اسْمُ جَمْعِ شَرَرَةٍ: وهي القِطْعَةُ المُشْتَعِلَةُ مِن دَقِيقِ الحَطَبِ يَدْفَعُها لَهَبُ النّارِ في الهَواءِ مِن شِدَّةِ التِهابِ النّارِ.

والقَصْرُ: البِناءُ العالِي. والتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، أيْ كالقُصُورِ لِأنَّهُ شُبِّهَ بِهِ جَمْعٌ، وهَذا التَّعْرِيفُ مِثْلُ تَعْرِيفِ الكِتابِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ [الحديد: ٢٥])، أيِ الكُتُبَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الكِتابُ أكْثَرُ مِنَ الكُتُبِ، أيْ كُلِّ شَرَرَةٍ كَقَصْرٍ، وهَذا تَشْبِيهٌ في عِظَمِ حَجْمِهِ.

وقَوْلُهُ (﴿كَأنَّهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ﴾) تَشْبِيهٌ في حَجْمِهِ ولَوْنِهِ وحَرَكَتِهِ في تَطايُرِهِ بِجِمالاتٍ صُفْرٍ. وضَمِيرُ ”كَأنَّهُ“ عائِدٌ إلى شَرَرٍ.

والجِمالاتُ: بِكَسْرِ الجِيمِ جَمْعُ جِمالَةٍ وهي اسْمُ جَمْعِ طائِفَةٍ مِنَ الجِمالِ، أيْ: تُشْبِهُ طَوائِفَ مِنَ الجِمالِ مُتَوَزِّعَةً فِرَقًا، وهَذا تَشْبِيهٌ مُرَكَّبٌ لِأنَّهُ تَشْبِيهٌ في هَيْئَةِ الحَجْمِ مَعَ لَوْنِهِ مَعَ حَرَكَتِهِ. والصُّفْرَةُ: لَوْنُ الشَّرَرِ إذا ابْتَعَدَ عَنْ لَهِيبِ نارِهِ.

صفحة ٤٣٨

وقَرَأ الجُمْهُورُ (جِمالاتٌ) بِكَسْرِ الجِيمِ وألِفٍ بَعْدَ اللّامِ فَهو جَمْعُ جِمالَةٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ ”جِمالَةٌ“ بِكَسْرِ الجِيمِ بِدُونِ ألِفٍ بَعْدَ اللّامِ وهو جَمْعُ جَمَلٍ مِثْلَ حَجَرٍ وحِجارَةٍ.

وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (جُمالاتٌ) بِضَمِّ الجِيمِ وألِفٍ بَعْدَ اللّامِ جَمْعَ جُمالَةٍ بِالضَّمِّ وهي حَبْلٌ تُشَدُّ بِهِ السَّفِينَةُ، ويُسَمّى القَلْسُ - بِقافٍ مَفْتُوحَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ - والتَّقْدِيرُ: كَأنَّ الواحِدَةَ مِنها جُمالَةٌ، و(صُفْرٌ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ نَعْتٌ لِـ (جُمالاتٌ) أوْ لِـ (شَرَرٍ) .

قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: وقالَ أبُو العَلاءِ - يَعْنِي المَعَرِّي - في صِفَةِ نارِ قَوْمٍ مَدَحَهم بِالكَرَمِ:

حَمْراءَ ساطِعَةَ الذَّوائِبِ في الدُّجى تَرْمِي بِكُلِّ شَرارَةٍ كَـطِـرافِ

شَبَّهَ الشَّرارَةَ بِالطِّرافِ وهو بَيْتُ الأدْمِ في العِظَمِ والحُمْرَةِ وكَأنَّهُ قَصَدَ بِخُبْثِهِ أنْ يَزِيدَ عَلى تَشْبِيهِ القُرْآنِ ولِتَبَجُّحِهِ بِما سُوِّلَ لَهُ مِن تَوَهُّمِ الزِّيادَةِ جاءَ في صَدْرِ بَيْتِهِ بِقَوْلِهِ ”حَمْراءَ“ تَوْطِئَةً لَها ومُناداةً عَلَيْها وتَنْبِيهًا لِلسّامِعِينَ عَلى مَكانِها، ولَقَدْ عَمِيَ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ عَمى الدّارِينَ عَنْ قَوْلِهِ عِزَّ وعَلا (﴿كَأنَّهُ جِمالاتٌ صُفْرٌ﴾) فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ كَبَيْتٍ أحْمَرَ وعَلى أنَّ في التَّشْبِيهِ بِالقَصْرِ وهو الحِصْنُ تَشْبِيهًا مِن جِهَتَيْنِ مِن جِهَةِ العِظَمِ ومِن جِهَةِ الطُّولِ في الهَواءِ فَأبْعَدَ اللَّهُ إغْرابَهُ في طِرافِهِ وما نَفَخَ شِدْقَيْهِ مِنِ اسْتِطْرافِهِ اهـ.

وأقُولُ: هَذا الكَلامُ ظَنُّ سُوءِ بِالمَعَرِّي لَمْ يُشَمَّ مِن كَلامِهِ، ولا نَسَبَهُ إلَيْهِ أحَدٌ مِن أهْلِ نَبْزِهِ ومَلامِهِ، زادَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ في طُنْبُورِ أصْحابِ النِّقْمَةِ، لِنَبْزِ المَعَرِّي ولَمْزِهِ نَغْمَةٌ.

قالَ الفَخْرُ: كانَ الأوْلى لِصاحِبِ الكَشّافِ أنْ لا يَذْكُرَ ذَلِكَ - أيْ لِأنَّهُ ظَنُّ سُوءٍ بِلا دَلِيلٍ - .

وقالَ الطِّيبِيُّ: ولَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلى مِثْلِ المَعَرِّي: أنَّ الكَلامَ بِآخِرِهِ لِأنَّ اللَّهَ شَبَّهَ الشَّرارَةَ: أوَّلًا حِينَ تَنْفَصِلُ عَنِ النّارِ بِالقَصْرِ في العِظَمِ، وثانِيًا حِينَ تَأْخُذُ في الِارْتِفاعِ والِانْبِساطِ فَتَنْشَقُّ عَنْ أعْدادٍ لا نِهايَةَ لَها بِالجِمالاتِ في التَّفَرُّقِ

صفحة ٤٣٩

واللَّوْنِ والعِظَمِ والثِّقَلِ، ونُظِرَ في ذَلِكَ إلى الحَيَوانِ وأنَّ تِلْكَ الحَرَكاتِ اخْتِيارِيَّةٌ وكُلُّ ذَلِكَ مَفْقُودٌ في بَيْتِهِ.

77:34Page 581

وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٣٤

Woe, that Day, to the deniers.

﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾

تَكْرِيرٌ لِقَصْدِ تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ الأحْياءِ والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ الواقِعِ ثانِيًا في هَذِهِ السُّورَةِ.

77:35–37Page 581

هَٰذَا يَوۡمُ لَا يَنطِقُونَ ٣٥

This is a Day they will not speak,

وَلَا يُؤۡذَنُ لَهُمۡ فَيَعۡتَذِرُونَ ٣٦

Nor will it be permitted for them to make an excuse.

وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ٣٧

Woe, that Day, to the deniers.

﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾

إنْ كانَتِ الإشارَةُ عَلى ظاهِرِها كانَ المُشارُ إلَيْهِ هو اليَوْمُ الحاضِرُ وهو يَوْمُ الفَصْلِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ ما يُقالُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩]) فَيَكُونُ في الِانْتِقالِ مِن خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ انْطَلِقُوا إلى إجْراءِ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ عَلَيْهِمْ، التِفاتٌ يَزِيدُهُ حُسْنًا أنَّهم قَدِ اسْتَحَقُّوا الإعْراضَ عَنْهم بَعْدَ إهانَتِهِمْ بِخِطابِ انْطَلِقُوا.

وهَذا الوَجْهُ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ (﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨])، ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ مَوْقِعُ تَكْرِيرِ التَّوْبِيخِ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ (﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩]) وهو مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، واسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ لِلْقَرِيبِ.

وإنْ كانَتِ الإشارَةُ إلى المَذْكُورِ في اللَّفْظِ وهو يَوْمُ الفَصْلِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ بِأنَّ فِيهِ الوَيْلَ لِلْمُكَذِّبِينَ، كانَ هَذا الكَلامُ مُوَجَّهًا إلى الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالقُرْآنِ كُلِّهِمْ إنْذارًا لِلْمُشْرِكِينَ مِنهم وإنْعامًا عَلى المُؤْمِنِينَ، فَكانَتْ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ جارِيَةً عَلى أصْلِها وكانَتْ عائِدَةً عَلى المُكَذِّبِينَ مِن قَوْلِهِ (﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]) وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩])، وجُمْلَةِ (﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨]) . واسْمُ الإشارَةِ الَّذِي هو إشارَةٌ إلى القَرِيبِ مُسْتَعْمَلٌ في مُشارٍ إلَيْهِ بَعِيدٍ بِاعْتِبارِ قُرْبِ الحَدِيثِ عَنْهُ عَلى ضَرْبٍ مِنَ المَجازِ أوِ التَّسامُحِ.

صفحة ٤٤٠

واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ و(﴿يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾) خَبَرٌ عَنْهُ.

وجُمْلَةُ (لا يَنْطِقُونَ) مُضافٌ إلَيْها (يَوْمُ)، أيْ هو يَوْمٌ يُعْرَفُ بِمَدْلُولِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وعَدَمُ تَنْوِينِ (يَوْمُ) لِأجْلِ إضافَتِهِ إلى الجُمْلَةِ كَما يُضافُ (حِينَ) . والأفْصَحُ في هَذِهِ الأزْمانِ ونَحْوَهُ إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ مُفْتَتَحَةٍ بِـ (لا) النّافِيَةِ أنْ يَكُونَ مُعْرَبًا، وهو لُغَةُ مُضَرَ العُلْيا. وأمّا مُضَرُ السُّفْلى فَهم يَبْنُونَهُ عَلى الفَتْحِ دائِمًا.

وعَطْفُ (﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾) عَلى جُمْلَةِ (لا يَنْطِقُونَ)، أيْ لا يُؤْذَنُ إذْنًا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ اعْتِذارُهم، أيْ لا يُؤْذَنُ لَهم في الِاعْتِذارِ. فالِاعْتِذارُ هو المَقْصُودُ بِالنَّفْيِ، وجَعَلَ نَفْيَ الإذْنِ لَهم تَوْطِئَةً لِنَفْيِ اعْتِذارِهِمْ، ولِذَلِكَ جاءَ فَيَعْتَذِرُونَ مَرْفُوعًا ولَمْ يَجِئْ مَنصُوبًا عَلى جَوابِ النَّفْيِ إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ نَفْيَ الإذْنِ وتَرَتَّبَ نَفْيُ اعْتِذارِهِمْ عَلى نَفْيِ الإذْنِ لَهم إذْ لا مَحْصُولَ لِذَلِكَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ نَصْبُ (فَيَعْتَذِرُونَ) مُساوِيًا لِلرَّفْعِ بَلْ ولا جائِزًا بِخِلافِ نَحْوِ (﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]) فَإنَّ نَفِيَ القَضاءِ عَلَيْهِمْ وهم في العَذابِ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ لِأنَّهُ اسْتِمْرارٌ في عَذابِهِمْ ثُمَّ أُجِيبُ بِأنَّهُ لَوْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ لَماتُوا، أيْ فَقَدُوا الإحْساسَ، فَمَعْنى الجَوابِيَّةِ هُنالِكَ مِمّا يَقْصِدُ. ولِذا فَلا حاجَةَ هُنا إلى ما ادَّعاهُ أبُو البَقاءِ أنَّ فَيَعْتَذِرُونَ اسْتِئْنافٌ تَقْدِيرُهُ: فَهم يَعْتَذِرُونَ، ولا إلى ما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ تَبَعًا لِلطَّبَرِيِّ: إنَّهُ يُنْصَبُ لِأجْلِ تَشابُهِ رُءُوسِ الآياتِ، وبَعْدُ فَإنَّ مَناطَ النَّصْبِ في جَوابِ النَّفْيِ قَصْدُ المُتَكَلِّمِ جَعْلَ الفِعْلِ جَوابًا لِلنَّفْيِ لا مُجَرَّدَ وُجُودِ فِعْلٍ مُضارِعٍ بَعْدَ فِعْلٍ مَنفِيٍّ.

واعْلَمْ أنَّهُ لا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ الآياتِ الَّتِي جاءَ فِيها ما يَقْضِي أنَّهم يَعْتَذِرُونَ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]) لِأنَّ وقْتَ انْتِفاءِ نُطْقِهِمْ يَوْمُ الفَصْلِ.

وأمّا نُطْقُهُمُ المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ (﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]) فَذَلِكَ صُراخُهم في جَهَنَّمَ بَعْدَ انْقِضاءِ يَوْمِ الفَصْلِ، وبِنَحْوِ هَذا أجابَ ابْنُ عَبّاسٍ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ حِينَ قالَ نافِعٌ: إنِّي أجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ قالَ اللَّهُ (﴿ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١])، وقالَ (﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]) فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَتَساءَلُونَ في النَّفْخَةِ الأُولى حِينَ نُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ فَلا يَتَساءَلُونَ حِينَئِذٍ، ثُمَّ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ. والَّذِي يَجْمَعُ الجَوابَ عَنْ

صفحة ٤٤١

تِلْكَ الآياتِ وعَنْ أمْثالِها هو أنَّهُ يَجِبُ التَّنَبُّهُ إلى مَسْألَةِ الوِحْداتِ في تَحَقُّقِ التَّناقُضِ.

* * *

﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ (﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾) الآيَةَ عَلى أوَّلِ الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ ذَلِكَ، أوْ هو وارِدٌ لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ (﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾) عَلى ثانِي الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فِيهِ فَيَكُونُ تَكْرِيرًا لِنَظِيرِهِ الواقِعِ بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩]) إلى قَوْلِهِ صُفْرٌ اقْتَضى تَكْرِيرُهُ عَقِبَهُ أنَّ جُمْلَةَ (﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾) إلَخْ تَتَضَمَّنُ حالَةً مِن أحْوالِهِمْ يَوْمَ الحَشْرِ لَمْ يَسْبِقْ ذِكْرُها فَكانَ تَكْرِيرُ (﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]) بَعْدَها لِوُجُودِ مُقْتَضِي تَكْرِيرِ الوَعِيدِ لِلسّامِعِينَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском