Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Mursalat 77:38–50
77:38–39Page 581
هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِۖ جَمَعۡنَٰكُمۡ وَٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨
This is the Day of Judgement; We will have assembled you and the former peoples.
فَإِن كَانَ لَكُمۡ كَيۡدٞ فَكِيدُونِ ٣٩
So if you have a plan, then plan against Me.
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾
تَكْرِيرٌ لِتَوْبِيخِهِمْ بَعْدَ جُمْلَةِ (﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩])، شُيِّعَ بِهِ القَوْلُ الصّادِرُ بِطَرْدِهِمْ وتَحْقِيرِهِمْ، فَإنَّ المَطْرُودَ يُشَيَّعُ بِالتَّوْبِيخِ، فَهو مِمّا يُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ، ولَمْ تُعْطَفْ بِالواوِ لِأنَّها وقَعَتْ مَوْقِعَ التَّذْيِيلِ لِلطَّرْدِ، وذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ الفَصْلِ سَواءٌ كانَ التَّكْرِيرُ بِإعادَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى، أمْ كانَ بِإعادَةِ المَعْنى والغَرَضِ.
والإشارَةُ إلى المَشْهَدِ الَّذِي يُشاهِدُونَهُ مِن حُضُورِ النّاسِ ومُعَدّاتِ العَرْضِ والحِسابِ لِفَصْلِ القَضاءِ بِالجَزاءِ.
والإخْبارُ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ بِأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ بِاعْتِبارِ أنَّهم يَتَصَوَّرُونَ ما كانُوا يَسْمَعُونَ في الدُّنْيا مِن مُحاجَّةٍ عَلَيْهِمْ لِإثْباتِ يَوْمٍ يَكُونُ فِيهِ الفَصْلُ وكانُوا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ وما يَتَعَذَّرُونَ بِما يَقَعُ فِيهِ، فَصارَتْ صُورَةُ ذَلِكَ اليَوْمِ حاضِرَةً في تَصَوُّرِهِمْ دُونَ إيمانِهِمْ بِهِ فَكانُوا الآنَ مُتَهَيِّئِينَ لِأنْ يُوقِنُوا بِأنَّ هَذا هو اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ بِحُلُولِهِ، وقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ اليَوْمُ مِن قَبْلُ بِأنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ، أيِ القَضاءِ وقَدْ رَأوْا أُهْبَةَ القَضاءِ.
صفحة ٤٤٢
وجُمْلَةُ (﴿جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾) بَيانٌ لِلْفَصْلِ بِأنَّهُ الفَصْلُ في النّاسِ كُلِّهِمْ لِجَزاءِ المُحْسِنِينَ والمُسِيئِينَ كُلِّهِمْ، فَلا جَرَمَ جُمِعَ في ذَلِكَ اليَوْمِ الأوَّلُونَ والآخَرُونَ قالَ تَعالى (﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩]) .
والمُخاطَبُونَ بِضَمِيرِ جَمَعْناكم: المُشْرِكُونَ الَّذِينَ سَبَقَ الكَلامُ لِتَهْدِيدِهِمْ وهُمُ المُكَذِّبُونَ بِالقُرْآنِ، لِأنَّ عَطْفَ والأوَّلِينَ عَلى الضَّمِيرِ يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِجَمِيعِ المُكَذِّبِينَ مِثْلَ الضَّمائِرِ الَّتِي قَبْلَهُ، لِأنَّ الأوَّلِينَ مِن جُمْلَةِ المُكَذِّبِينَ فَلا يُقالُ لَهم: جَمَعْناكم والأوَّلِينَ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَخْتَصَّ بِالمُكَذِّبِينَ بِالقُرْآنِ.
والمَعْنى: جَمَعْناكم والسّابِقِينَ قَبْلَكم مِنَ المُكَذِّبِينَ.
وقَدْ أُنْذِرُوا بِما حَلَّ بِالأوَّلِينَ أمْثالِهِمْ مِن عَذابِ الدُّنْيا في قَوْلِهِ (﴿ألَمْ نُهْلِكِ الأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦]) . فَأُرِيدَ تَوْقِيفُهم يَوْمَئِذٍ عَلى صِدْقِ ما كانُوا يُنْذَرُونَ بِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا مِن مَصِيرِهِمْ إلى ما صارَ إلَيْهِ أمْثالُهم، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ بِذِكْرِ الأُمَمِ الَّتِي جاءَتْ مِن بَعْدِهِمْ.
وبِاعْتِبارِ هَذا الضَّمِيرِ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾) فَكانَ تَخَلُّصًا إلى تَوْبِيخِ الحاضِرِينَ عَلى ما يَكِيدُونَ بِهِ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْمُسْلِمِينَ قالَ تَعالى (﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا وأكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥]) وأنَّ كَيْدَهم زائِلٌ وأنَّ سُوءَ العُقْبى عَلَيْهِمْ.
وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ (﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾)، أيْ فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ اليَوْمَ كَما كانَ لَكم في الدُّنْيا، أيْ: كَيْدٌ بِدِينِي ورَسُولِي فافْعَلُوهُ.
والأمْرُ لِلتَّعْجِيزِ، والشَّرْطُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّذْكِيرِ بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ في الدُّنْيا، والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالعَجْزِ عَنِ الكَيْدِ يَوْمَئِذٍ حَيْثُ مُكِّنُوا مِنَ البَحْثِ عَمّا عَسى أنْ يَكُونَ لَهم مِنَ الكَيْدِ فَإذا لَمْ يَسْتَطِيعُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ سُجِّلَ عَلَيْهِمُ العَجْزُ، وهَذا مِنَ العَذابِ الَّذِي يُعَذَّبُونَهُ إذْ هو مِن نَوْعِ العَذابِ النَّفْسانِيِّ وهو أوْقَعُ عَلى العاقِلِ مِنَ العَذابِ الجُسْمانِيِّ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾
تَكْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ وهو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ كاتِّصالِ نَظِيرِهِ المَذْكُورِ آنِفًا.
77:41–44Page 581
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي ظِلَٰلٖ وَعُيُونٖ ٤١
Indeed, the righteous will be among shades and springs
وَفَوَٰكِهَ مِمَّا يَشۡتَهُونَ ٤٢
And fruits from whatever they desire,
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣
[Being told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٤٤
Indeed, We thus reward the doers of good.
صفحة ٤٤٣
﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا خِتامَ الكَلامِ الَّذِي هو تَقْرِيعٌ لِلْمُشْرِكِينَ حُكِيَ لَهم فِيهِ نَعِيمُ المُؤْمِنِينَ الَّذِي لا يُشاهِدُهُ المُشْرِكُونَ لِبُعْدِهِمْ عَنْ مَكانِهِ فَيُحْكى لَهم يَوْمَئِذٍ فِيما يُقالُ لَهم لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ وتَنْدِيمًا لَهم عَلى ما فَرَّطُوا فِيهِ مِمّا بادَرَ إلَيْهِ المُتَّقُونَ المُؤْمِنُونَ فَفازُوا، فَيَكُونُ هَذا مِن جُمْلَةِ القَوْلِ الَّذِي حُذِفَ فِعْلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ انْطَلِقُوا إلَخْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا ابْتِداءَ كَلامٍ مُسْتَأْنَفٍ انْتَقَلَ بِهِ إلى ذِكْرِ نَعِيمِ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ وتَعْرِيضًا لِتَرْغِيبٍ مِنَ المُشْرِكِينَ المَوْجُودِينَ في الإقْلاعِ عَنْهُ لِيَنالُوا كَرامَةَ المُتَّقِينَ.
وظِلالٌ: جَمْعُ ظِلٍّ، وهي ظِلالٌ كَثِيرَةٌ لِكَثْرَةِ شَجَرِ الجَنَّةِ وكَثْرَةِ المُسْتَظِلِّينَ بِظِلِّها، ولِأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم ظِلًّا يَتَمَتَّعُ فِيهِ هو ومَن إلَيْهِ، وذَلِكَ أوْقَعُ في النَّعِيمِ.
والتَّعْرِيفُ في المُتَّقِينَ لِلِاسْتِغْراقِ، فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُتَّقِينَ كَوْنٌ في ظِلالٍ.
و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ وهي ظَرْفِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلظِّلالِ لِأنَّ المُسْتَظِلَّ يَكُونُ مَظْرُوفًا في الظِّلِّ، وظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْعُيُونِ والفَواكِهِ تَشْبِيهًا لِكَثْرَةِ ما حَوْلَهم مِنَ العُيُونِ والفَواكِهِ بِإحاطَةِ الظُّرُوفِ، وقَوْلُهُ (﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾) صِفَةُ فَواكِهَ. وجَمْعُ (فَواكِهَ) الفَواكِهُ وغَيْرُها، فالتَّبْعِيضُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ (مِن) تَبْعِيضٌ مِن أصْنافِ الشَّهَواتِ لا مِن أصْنافِ الفَواكِهِ فَأفادَ أنَّ تِلْكَ الفَواكِهَ مَضْمُومَةٌ إلى مَلاذٍ أُخْرى مِمّا اشْتَهَوْهُ.
وجُمْلَةُ (﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾) مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، وذَلِكَ المَحْذُوفُ في مَوْقِعِ الحالِ مِنَ المُتَّقِينَ، والتَّقْدِيرُ: مَقُولًا لَهم كُلُوا واشْرَبُوا.
والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ القَوْلِ كَرامَتُهم بِعَرْضٍ تَناوَلَ النَّعِيمَ عَلَيْهِمْ كَما يَفْعَلُهُ المُضِيفُ بِضُيُوفِهِ فالأمْرُ في (﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾) مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ.
صفحة ٤٤٤
وهَنِيئًا دُعاءُ تَكْرِيمٍ كَما يُقالُ لِلشّارِبِ أوِ الطَّعامِ في الدُّنْيا: هَنِيئًا مَرِيئًا، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]) في سُورَةِ النِّساءِ.
و”هَنِيئًا“ وصْفٌ لِمَوْصُوفٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾) وذَلِكَ المَوْصُوفُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مِن (﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾) مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ لِقَصْدِ الدُّعاءِ مِثْلَ: سَقْيًا، ورَعْيًا في الدُّعاءِ بِالخَيْرِ، وتَبًّا وسُحْقًا في ضِدِّهِ.
والباءُ في (﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾) لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ لِإفادَةِ تَسَبُّبِ ما بَعْدَها في وُقُوعِ مُتَعَلِّقِهِ، أيْ كُلُوا واشْرَبُوا بِسَبَبِ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ وذَلِكَ مِن إكْرامِهِمْ بِأنْ جَعَلَ ذَلِكَ الإنْعامَ حَقًّا لَهم.
وجُمْلَةُ (﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِمّا يُقالُ لِلْمُتَّقِينَ بَعْدَ أنْ قِيلَ لَهم كُلُوا واشْرَبُوا إلَخْ مَسُوقَةً إلَيْهِمْ مَساقَ زِيادَةِ الكَرامَةِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِمْ، أيْ هَذا النَّعِيمِ الَّذِي أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكم هو سُنَّتُنا في جَزاءِ المُحْسِنِينَ فَإذْ قَدْ كُنْتُمْ مِنَ المُحْسِنِينَ فَذَلِكَ جَزاءٌ لَكم نِلْتُمُوهُ بِأنَّكم مِن أصْحابِ الحَقِّ في مِثْلِهِ، فَفي هَذا هَزٌّ مِن أعْطافِ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ.
والمَعْنى عَلَيْهِ: أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تُقالُ لِكُلِّ مُتَّقٍ مِنهم، أوْ لِكُلِّ جَماعَةٍ مِنهم مُجْتَمِعَةٍ عَلى نَعِيمِ الجَنَّةِ، ولِيَعْلَمُوا أيْضًا أنَّ أمْثالَهم في الجَنّاتِ الأُخْرى لَهم مِنَ الجَزاءِ مِثْلَ ما هم يَنْعَمُونَ بِهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُوَجَّهَةً إلى المُكَذِّبِينَ المَوْجُودِينَ بَعْدَ أنْ وصَفَ لَهم ما يَنْعَمُ بِهِ المُتَّقُونَ إثْرَ قَوْلِهِ (﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾) إلَخْ، قَصَدَ مِنها التَّعْرِيضَ بِأنَّ حِرْمانَهم مِن مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ هُمُ الَّذِينَ قَضَوْا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ إذْ أبَوْا أنْ يَكُونُوا مِنَ المُحْسِنِينَ تَكْمِلَةً لِتَنْدِيمِهِمْ وتَحْسِيرِهِمُ الَّذِي بُودِئُوا بِهِ مِن قَوْلِهِ (﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾) إلى آخِرِهِ، أيْ إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ دُونَ أمْثالِكُمُ المُسِيئِينَ.
ومَوْقِعُ الجُمْلَةِ عَلى كِلا الاعْتِبارَيْنِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فِيما قَبْلَها، ومِن أجْلِ الإشْعارِ بِهَذا التَّعْلِيلِ افْتُتِحَتْ بِـ (إنَّ) مَعَ خُلُوِّ المَقامِ عَنِ التَّرَدُّدِ في الخَبَرِ إذِ المَوْقِفُ يَوْمَئِذٍ مَوْقِفُ الصِّدْقِ والحَقِيقَةِ، فَلِذَلِكَ كانَتْ (إنَّ) مُتَمَحِضِةً لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ وحِينَئِذٍ تَصِيرُ مُغْنِيَةً غِناءَ فاءِ التَّسَبُّبِ وتُفِيدُ مُفادَ التَّعْلِيلِ
صفحة ٤٤٥
والرَّبْطُ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٧٠]) وتَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ (كَذَلِكَ) إلى النَّعِيمِ المُشاهَدِ إنْ كانَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي فِيها إشارَةً مُوَجَّهَةً إلى المُتَّقِينَ، أوِ الإشارَةُ إلى النَّعِيمِ المَوْصُوفِ في قَوْلِهِ (﴿فِي ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾) إنْ كانَتِ الجُمْلَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى اسْمِ الإشارَةِ مُوَجَّهَةً إلى المُكَذِّبِينَ.
والجُمْلَةُ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ تُفِيدُ مَعْنى التَّذْيِيلِ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن شِبْهِ عُمُومِ كَذَلِكَ، ومِن عُمُومِ المُحْسِنِينَ، فاجْتَمَعَ فِيها التَّعْلِيلُ والتَّذْيِيلُ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ هي عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في جُمْلَةِ (﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١]) تَكْرِيرٌ لِنَظائِرِها. واليَوْمُ المُضافُ إلى (إذْ) ذاتِ تَنْوِينِ العِوَضِ هو يَوْمُ صُدُورِ تِلْكَ المَقالَةِ.
وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي في جُمْلَةِ (﴿إنَّ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ﴾ [المرسلات: ٤١]) إلَخْ فَهي مُتَّصِلَةٌ بِتِلْكَ الجُمْلَةِ لِمُقابَلَةِ ذِكْرِ نَعِيمِ المُؤْمِنِينَ المُطْنَبِ في وصْفِهِ بِذِكْرِ ضِدِّهِ لِلْمُشْرِكِينَ بِإيجازٍ حاصِلٍ مِن كَلِمَةِ (ويْلٌ) لِتَحْصُلَ مُقابَلَةُ الشَّيْءِ بِضِدِّهِ ولِتَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَأْكِيدًا لِنَظائِرِها، واليَوْمُ المُضافُ إلى (إذْ) يَوْمٌ غَيْرُ مَذْكُورٍ ولَكِنَّهُ مِمّا يَقْتَضِيهُ كَوْنُ المُتَّقِينَ في ظِلالٍ وعُيُونٍ وفَواكِهَ لِيَعْلَمَ بِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَهم في يَوْمِ القِيامَةِ.
77:46Page 581
كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجۡرِمُونَ ٤٦
[O disbelievers], eat and enjoy yourselves a little; indeed, you are criminals.
﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾
خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ المَوْجُودِينَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المرسلات: ٧]) وهو اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ (﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [المرسلات: ٤٤]) إذْ يُثِيرُ في نُفُوسِ المُكَذِّبِينَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ القَوارِعِ ما يُكْثِرُ خُطُورُهُ في نُفُوسِهِمْ مِن أنَّهم في هَذِهِ الدُّنْيا في نِعْمَةٍ مُحَقَّقَةٍ وأنَّ ما يُوعَدُونَ بِهِ غَيْرُ واقِعٍ فَقِيلَ لَهم (﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾) .
فالأمْرُ في قَوْلِهِ (﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا﴾) مُسْتَعْمَلٌ في الإمْهالِ والإنْذارِ، أيْ لَيْسَ أكْلُكم وتَمَتُّعُكم بِلَذّاتِ الدُّنْيا بِشَيْءٍ لِأنَّهُ تَمَتُّعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواكُمُ العَذابُ الأبَدِيُّ قالَ
صفحة ٤٤٦
تَعالى (﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦]) .
وجُمْلَةُ (﴿إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾) خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالسُّوءِ، أيْ أنَّ إجْرامَكم مُهْوٍ بِكم إلى العَذابِ، وذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِن مُقابَلَةِ وصْفِهِمْ بِالإجْرامِ بِوَصْفِ المُتَّقِينَ بِالإحْسانِ إذِ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ، فالجُمْلَةُ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِرَدِّ إنْكارِهِمْ كَوْنَهم مُجْرِمِينَ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ) هو مِثْلُ نَظِيرِهِ المَذْكُورِ ثانِيًا في هَذِهِ السُّورَةِ.
ويَزِيدُ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ لَهُ ارْتِباطًا خاصًّا بِجُمْلَةِ (﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ [المرسلات: ٤٦]) لِما في (تَمَتَّعُوا قَلِيلًا) مِنَ الكِنايَةِ عَنْ تَرَقُّبِ سُوءِ عاقِبَةٍ لَهم فَيَقَعُ قَوْلُهُ (﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٤٩]) مَوْقِعَ البَيانِ لِتِلْكَ الكِنايَةِ، أيْ كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا الآنَ ووَيْلٌ لَكم يَوْمَ القِيامَةِ.
77:48Page 581
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرۡكَعُواْ لَا يَرۡكَعُونَ ٤٨
And when it is said to them, "Bow [in prayer]," they do not bow.
﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ (لِلْمُكَذِّبِينَ)، والتَّقْدِيرُ: والَّذِينَ إذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ، فَإنَّ (ال) الدّاخِلَةَ عَلى الأوْصافِ المُشْتَقَّةِ بِمَنزِلَةِ اسْمِ المَوْصُولِ غالِبًا، ولِذَلِكَ جَعَلَها النُّحاةُ في عِدادِ أسْماءِ المَوْصُولِ وجَعَلُوا الوَصْفَ الدّاخِلَةَ عَلَيْهِ صِلَةً لَها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (﴿كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ [المرسلات: ٤٦]) والِانْتِقالُ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ التِفاتٌ.
وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فَهو مِنَ الإدْماجِ لِيَنْعِيَ عَلَيْهِمْ مُخالَفَتَهُمُ المُسْلِمِينَ في الأعْمالِ الدّالَّةِ عَلى الإيمانِ الباطِنِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ إيمانِهِمْ لِأنَّ الصَّلاةَ عِمادُ الدِّينِ ولِذَلِكَ عُبِّرَ عَنِ المُشْرِكِينَ بِـ (﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥]) .
صفحة ٤٤٧
والمَعْنى: إذا قِيلَ لَهم آمِنُوا وارْكَعُوا لا يُؤْمِنُونَ ولا يَرْكَعُونَ كَما كُنِّيَ عَنْ عَدَمِ الإيمانِ لِما حُكِيَ عَنْهم في الآخِرَةِ (﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٢]) إلى آخِرِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ (﴿إنَّكم مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦]) . وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها يُفِيدُ تَهْدِيدَهم لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى التَّكْذِيبِ أوْ عَلى الإجْرامِ، وكِلاهُما سَبَبٌ لِلتَّهْدِيدِ بِجَزاءِ السُّوءِ في يَوْمِ الفَصْلِ.
ولَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ مَعْنى المُصَلِّينَ لِلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ.
﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِثْلُ نَظِيرِها المُوالِيَةِ هي لَهُ، إذْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]) ويَكُونُ التَّعْبِيرُ بِـ ”المُكَذِّبِينَ“ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ وصْفِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ. والتَّقْدِيرُ: ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لَهم أوْ لَكم فَهي تَهْدِيدٌ ناشِئٌ عَنْ جُمْلَةِ (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨])، ويَكُونُ اليَوْمُ المُشارُ إلَيْهِ بِـ (يَوْمَئِذٍ) الزَّمانُ الَّذِي يُفِيدُهُ (إذا) مِن قَوْلِهِ (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا﴾ [المرسلات: ٤٨]) الَّذِي يُجازى فِيهِ بِالوَيْلِ لِلْمُجْرِمِينَ الَّذِينَ إذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ، أيْ لا يُؤْمِنُونَ، وتُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا وتَأْكِيدًا لِنَظِيرِها المَذْكُورِ ثانِيًا في هَذِهِ السُّورَةِ.
77:50Page 581
فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ٥٠
Then in what statement after it [i.e., the Qur’ān] will they believe?
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾
الفاءُ فَصِيحَةٌ تُنْبِئُ عَنْ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا القُرْآنِ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ، وقَدْ دَلَّ عَلى تَعْيِينِ هَذا المُقَدَّرِ ما تَكَرَّرَ في آياتِ (﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]) فَإنَّ تَكْذِيبَهم بِالقُرْآنِ وما جاءَ فِيهِ مِن وُقُوعِ البَعْثِ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ التَّعْجِيبِيِ مِن حالِهِمْ، أيْ إذا لَمْ يُصَدِّقُوا بِالقُرْآنِ مَعَ وُضُوحِ حُجَّتِهِ فَلا يُؤْمِنُونَ بِحَدِيثِ غَيْرِهِ.
صفحة ٤٤٨
والمَقْصُودُ أنَّ القُرْآنَ بالِغُ الغايَةِ في وُضُوحِ الدِّلالَةِ ونُهُوضِ الحُجَّةِ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ لا يُؤْمِنُونَ بِكَلامٍ يَسْمَعُونَهُ عَقِبَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ بَعْدَهُ يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ صِفَةَ حَدِيثٍ فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، والمُرادُ بِالبُعْدِيَّةِ: تَأخَّرُ الزَّمانِ، ويُقَدَّرُ مَعْنى بالِغٍ أوْ مَسْمُوعٍ بَعْدَ بُلُوغِ القُرْآنِ أوْ سَماعِهِ سَواءٌ كانَ حَدِيثًا مَوْجُودًا قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، أوْ حَدِيثًا يُوجَدُ بَعْدَ القُرْآنِ، فَلَيْسَ المَعْنى أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِحَدِيثٍ جاءَ قَبْلَ القُرْآنِ مِثْلَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ وغَيْرِهِما مِنَ المَواعِظِ والأخْبارِ، بَلِ المُرادُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِحَدِيثٍ غَيْرِهِ بَعْدَ أنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إلَيْهِمْ كَلامٌ أوَضَحُ دَلالَةً وحُجَّةً مِنَ القُرْآنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (بَعْدَهُ) مُتَعَلِّقًا بِـ يُؤْمِنُونَ فَهو ظَرْفُ لَغْوٍ ويَبْقى لَفْظُ (حَدِيثٍ) مَنفِيًّا بِلا قَيْدِ وصْفِ أنَّهُ بَعْدَ القُرْآنِ، والمَعْنى: لا يُؤْمِنُونَ بَعْدَ القُرْآنِ بِكُلِّ حَدِيثٍ.
وضَمِيرُ ”بَعْدَهُ“ عائِدٌ إلى القُرْآنِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ لِيَكُونَ مُعادًا لِلضَّمِيرِ ولَكِنَّهُ اعْتُبِرَ كالمَذْكُورِ لِأنَّهُ مَلْحُوظٌ لِأذْهانِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ مِن أيّامِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم بِهِ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في أواخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ فَضُمَّهُ إلى ما هُنا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”بَعْدَهُ“ عائِدًا إلى القَوْلِ المَأْخُوذِ مِن (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨]) فَإنَّ أمْرَهم بِالرُّكُوعِ الَّذِي هو كِنايَةٌ عَنِ الإيمانِ كانَ بِأقْوالِ القُرْآنِ.
* * *
صفحة ٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ النَّبَأِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أكْثَرِ المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ وكُتُبِ السُّنَّةِ (سُورَةَ النَّبَأِ) لِوُقُوعِ كَلِمَةِ (النَّبَأِ) في أوَّلِها.
وسُمِّيَتْ في بَعْضِ المَصاحِفِ وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ والكَشّافِ (سُورَةَ عَمَّ يَتَساءَلُونَ)، وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ سَمّاها (سُورَةَ عَمَّ)، أيْ: بِدُونِ زِيادَةِ (يَتَساءَلُونَ) تَسْمِيَةً لَها بِأوَّلِ جُمْلَةٍ فِيها.
وتُسَمّى (سُورَةَ التَّساؤُلِ) لِوُقُوعِ يَتَساءَلُونَ في أوَّلِها. وتُسَمّى (سُورَةَ المُعْصِراتِ) لِقَوْلِهِ تَعالى فِيها: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [النبإ: ١٤] فَهَذِهِ خَمْسَةُ أسْماءٍ. واقْتَصَرَ الإتْقانُ عَلى أرْبَعَةِ أسْماءٍ: عَمَّ، والنَّبَأُ، والتَّساؤُلُ، والمُعْصِراتُ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وعُدَّتِ السُّورَةَ الثَّمانِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المَعارِجِ وقَبْلَ سُورَةِ النّازِعاتِ.
وفِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ ما يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في أوَّلِ البَعْثِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: " كانَتْ قُرَيْشٌ تَجْلِسُ لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ فَتَتَحَدَّثُ فِيما بَيْنَها؛ فَمِنهُمُ المُصَدِّقُ ومِنهُمُ المُكَذِّبُ بِهِ، فَنَزَلَتْ (﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١]) .
وعَنِ الحَسَنِ لَمّا بُعِثَ النَّبِيءُ ﷺ جَعَلُوا يَتَساءَلُونَ بَيْنَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ١]، يَعْنِي: الخَبَرَ العَظِيمَ.
وعَدَّ آيَها أصْحابُ العَدَدِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ والبَصْرَةِ أرْبَعِينَ، وعَدَّها أهْلُ مَكَّةَ وأهْلُ الكُوفَةِ إحْدى وأرْبَعِينَ آيَةً.
* * *
صفحة ٦
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى وصْفِ خَوْضِ المُشْرِكِينَ في شَأْنِ القُرْآنِ وما جاءَ بِهِ مِمّا يُخالِفُ مُعْتَقَداتِهِمْ، ومِن ذَلِكَ إثْباتُ البَعْثِ، وسُؤالُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَنِ الرَّأْيِ في وُقُوعِهِ مُسْتَهْزِئِينَ بِالإخْبارِ عَنْ وُقُوعِهِ.
وتَهْدِيدُهم عَلى اسْتِهْزائِهِمْ.
وفِيها إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ بِخَلْقِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي هي أعْظَمُ مِن خَلْقِ الإنْسانِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وبِالخَلْقِ الأوَّلِ لِلْإنْسانِ وأحْوالِهِ.
ووَصْفُ الأهْوالِ الحاصِلَةِ عِنْدَ البَعْثِ مِن عَذابِ الطّاغِينَ مَعَ مُقابَلَةِ ذَلِكَ بِوَصْفِ نَعِيمِ المُؤْمِنِينَ.
وصِفَةُ يَوْمِ الحَشْرِ إنْذارًا لِلَّذِينَ جَحَدُوا بِهِ والإيماءُ إلى أنَّهم يُعاقَبُونَ بِعَذابٍ قَرِيبٍ قَبْلَ عَذابِ يَوْمِ البَعْثِ.
وأُدْمِجَ في ذَلِكَ أنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعالى مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَةِ الأشْياءِ أعْمالُ النّاسِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences