Ibn 'AshurAn‑Naba · 78:21–30

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

An-Naba 78:21–30

78:21–23Page 582

إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا ٢١

Indeed, Hell has been lying in wait

لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا ٢٢

For the transgressors, a place of return,

لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا ٢٣

In which they will remain for ages [unending].

﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ في مَوْضِعِ خَبَرٍ ثانٍ لِ (إنَّ) مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧] والتَّقْدِيرُ: إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا فِيهِ لِلطّاغِينَ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: (مِرْصادًا) أيْ: مِرْصادًا فِيهِ، أيْ: في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ لِأنَّ مَعْنى المِرْصادِ مُقْتَرِبٌ مِن مَعْنى المِيقاتِ؛ إذْ كِلاهُما مُحَدِّدٌ لِجَزاءِ الطّاغِينَ.

ودُخُولُ حَرْفِ (إنَّ) في خَبَرِ (إنَّ) يُفِيدُ تَأْكِيدًا عَلى التَّأْكِيدِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ التَّأْكِيدِ الدّاخِلُ عَلى قَوْلِهِ: يَوْمَ الفَصْلِ عَلى حَدِّ قَوْلِ جَرِيرٍ:

إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [الحج: ١٧] كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الحَجِّ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ مِن تَمامِ ما خُوطِبُوا بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ [النبإ: ١٨] .

والتَّعْبِيرُ بِ (الطّاغِينَ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِوَصْفِ الطُّغْيانِ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ (لَكم مَآبًا) .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا عَنْ جُمْلَةِ ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧] وما لَحِقَ بِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُثِيرُ في نُفُوسِ السّامِعِينَ تَطَلُّبَ ماذا سَيَكُونُ بَعْدَ تِلْكَ الأهْوالِ، فَأُجِيبُ بِمَضْمُونِ ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ الآيَةَ. وعَلَيْهِ؛ فَلَيْسَ في قَوْلِهِ: (لِلطّاغِينَ) تَخْرِيجٌ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ.

وابْتُدِئَ بِذِكْرِ جَهَنَّمَ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَهْدِيدٍ؛ إذِ ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ بِذِكْرِ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ بِالبَعْثِ، ولِما سَنَذْكُرُهُ مِن تَرْتِيبِ نَظْمِ هَذِهِ الجُمَلِ.

صفحة ٣٥

وجَهَنَّمُ: اسْمٌ لِدارِ العَذابِ في الآخِرَةِ. قِيلَ: وهو اسْمٌ مُعَرَّبٌ، فَلَعَلَّهُ مُعَرَّبٌ عَنِ العِبْرانِيَّةِ أوْ عَنْ لُغَةٍ أُخْرى سامِيَّةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمِرْصادُ: مَكانُ الرَّصْدِ، أيِ: الرَّقابَةِ، وهو بِوَزْنِ مِفْعالٍ الَّذِي غَلَبَ في اسْمِ آلَةِ الفِعْلِ، مِثْلَ مِضْمارٍ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي تُضَمَّرُ فِيهِ الخَيْلُ، ومِنهاجٍ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْهَجُ مِنهُ.

والمَعْنى: إنَّ جَهَنَّمَ مَوْضِعٌ يَرْصُدُ مِنهُ المُوَكَّلُونَ بِها، ويَتَرَقَّبُونَ مَن يُزْجى إلَيْها مَن أهْلِ الطُّغْيانِ كَما يَتَرَقَّبُ أهْلُ المِرْصادِ مَن يَأْتِيهِ مِن عَدُوٍّ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِرْصادٌ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ المِفْعالِ، أيْ: رَصْدًا. والإخْبارُ بِهِ عَنْ جَهَنَّمَ لِلْمُبالَغَةِ حَتّى كَأنَّها أصْلُ الرَّصْدِ، أيْ: لا تُفْلِتُ أحَدًا مِمَّنْ حَقَّ عَلَيْهِمْ دُخُولُها.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِرْصادٌ زِنَةَ مُبالَغَةٍ لِلرّاصِدِ الشَّدِيدِ الرَّصْدِ، مِثْلَ صِفَةِ مِغْيارٍ ومِعْطارٍ، وُصِفَتْ بِهِ جَهَنَّمُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ ولَمْ تَلْحَقْهُ (ها) التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ جَهَنَّمَ شُبِّهَتْ بِالواحِدِ مِنَ الرَّصَدِ - بِتَحْرِيكِ الصّادِ -، وهو الواحِدُ مِنَ الحَرَسِ الَّذِي يَقِفُ بِالمَرْصَدِ إذْ لا يَكُونُ الحارِسُ إلّا رَجُلًا.

ومُتَعَلَّقُ (مِرْصادًا) مَحْذُوفٌ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ .

والتَّقْدِيرُ: مِرْصادًا لِلطّاغِينَ، وهَذا أحْسَنُ؛ لِأنَّ قَرائِنَ السُّورَةِ قِصارٌ فَيَحْسُنُ الوَقْفُ عِنْدَ (مِرْصادًا) لِتَكُونَ قَرِينَةً.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (لِلطّاغِينَ) مُتَعَلِّقًا بِ (مِرْصادًا) وتَجْعَلَ مُتَعَلَّقَ (مَآبًا) مُقَدَّرًا دَلَّ عَلَيْهِ (لِلطّاغِينَ) فَيَكُونُ كالتَّضْمِينِ في الشِّعْرِ؛ إذْ كانَتْ بَقِيَّةً لِما في القَرِينَةِ الأُولى في القَرِينَةِ المُوالِيَةِ فَتَكُونُ القَرِينَةُ طَوِيلَةً.

ولَوْ شِئْتَ أنْ تَجْعَلَ (لِلطّاغِينَ) مُتَنازَعًا فِيهِ بَيْنَ (مِرْصادًا) أوْ (مَآبًا) فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ مَعْنًى.

وأُقْحِمَ (كانَتْ) دُونَ أنْ يُقالَ: إنَّ جَهَنَّمَ مِرْصادٌ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ جَعْلَها

صفحة ٣٦

مِرْصادًا أمْرٌ مُقَدَّرٌ لَها كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧] وفِيهِ إيماءٌ إلى سَعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ أعَدَّ في أزَلِهِ عِقابًا لِلطّاغِينَ.

ومَآبًا: مَكانُ الأوْبِ وهو الرُّجُوعُ، أُطْلِقَ عَلى المَقَرِّ والمَسْكَنِ إطْلاقًا أصْلُهُ كِنايَةٌ، ثُمَّ شاعَ اسْتِعْمالُهُ فَصارَ اسْمًا لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يَسْتَقِرُّ بِهِ المَرْءُ.

ونُصِبَ (مَآبًا) عَلى الحالِ مِن (جَهَنَّمَ) أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِفِعْلِ (كانَتْ) أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (مِرْصادًا) لِأنَّ الرَّصْدَ يَشْتَمِلُ عَلى أشْياءَ مَقْصُودَةٍ، مِنها أنْ يَكُونُوا صائِرِينَ إلى جَهَنَّمَ.

و(لِلطّاغِينَ) مُتَعَلِّقُ بِ (مَآبًا) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإدْخالِ الرَّوْعِ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ بِشِرْكِهِمْ طَغَوْا عَلى اللَّهِ، وهَذا أحْسَنُ كَما عَلِمْتَ آنِفًا. ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مُتَعَلِّقًا بِ (مِرْصادًا) أوْ مُتَنازَعًا فِيهِ بَيْنَ (مِرْصادًا) أوْ مُتَنازَعًا فِيهِ بَيْنَ (مِرْصادًا) و(مَآبًا) كَما عَلِمْتَ آنِفًا.

والطُّغْيانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ في عَدَمِ الِاكْتِراثِ بِحَقِّ الغَيْرِ والكِبْرُ، والتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْعَهْدِ، فالمُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَأْتُونَ أفْواجًا﴾ [النبإ: ١٨] فَهو إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِقَصْدِ الإيماءِ إلى سَبَبِ جَعْلِ جَهَنَّمَ لَهم؛ لِأنَّ الشِّرْكَ أقْصى الطُّغْيانِ؛ إذِ المُشْرِكُونَ بِاللَّهِ أعْرَضُوا عَنْ عِبادَتِهِ ومُتَكَبِّرُونَ عَلى رَسُولِهِ ﷺ حَيْثُ أنِفُوا مِن قَبُولِ دَعْوَتِهِ، وهُمُ المَقْصُودُ مِن مُعْظَمِ ما في هَذِهِ السُّورَةِ كَما يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ [النبإ: ٢٧] ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ [النبإ: ٢٨] . هَذا وإنَّ المُسْلِمِينَ المُسْتَخِفِّينَ بِحُقُوقِ اللَّهِ، أوِ المُعْتَدِينَ عَلى النّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، واحْتِقارًا لا لِمُجَرَّدِ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ، لَهم حَظٌّ مِن هَذا الوَعِيدِ بِمِقْدارِ اقْتِرابِهِمْ مِن حالِ أهْلِ الكُفْرِ.

واللّابِثُ: المُقِيمُ بِالمَكانِ. وانْتُصِبَ (لابِثِينَ) عَلى الحالِ مِنَ الطّاغِينَ.

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ (﴿لابِثِينَ﴾) عَلى صِيغَةِ جَمْعِ لابِثٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ (لابِثِينَ) عَلى صِيغَةِ جَمْعِ (لَبِثٍ) مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ، مِثْلَ حَذِرٍ عَلى خِلافٍ فِيهِ، أوْ مِنَ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَتَقْتَضِي أنَّ اللَّبِثَ شَأْنُهُ كالَّذِي يَجْثُمُ في مَكانٍ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ.

وأحْقابٌ: جَمْعُ حُقُبٍ - بِضَمَّتَيْنِ -، وهو زَمَنٌ طَوِيلٌ نَحْوَ الثَّمانِينَ سَنَةً، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] في سُورَةِ الكَهْفِ.

صفحة ٣٧

وجَمْعُهُ هَنا مُرادٌ بِهِ الطُّولُ العَظِيمُ؛ لِأنَّ أكْثَرَ اسْتِعْمالِ الحُقُبِ والأحْقابِ أنْ يَكُونَ في حَيْثُ يُرادُ تَوالِي الأزْمانِ، ويُبَيِّنُ هَذا الآياتُ الأُخْرى الدّالَّةُ عَلى خُلُودِ المُشْرِكِينَ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى المَعْرُوفِ الشّائِعِ في الكَلامِ كِنايَةً بِهِ عَنِ الدَّوامِ دُونَ انْتِهاءٍ.

ولَيْسَ فِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ لِهَذا اللُّبْثِ نِهايَةً حَتّى يُحْتاجَ إلى دَعْوى نَسْخِ ذَلِكَ بِآياتِ الخُلُودِ وهو وهْمٌ؛ لِأنَّ الأخْبارَ لا تُنْسَخُ، أوْ يُحْتاجَ إلى جَعْلِ الآيَةِ لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن شَأْنِ القُرْآنِ المَكِّيِّ الأوَّلِ، إذْ قَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ أيّامَئِذٍ صالِحِينَ مُخْلِصِينَ مُجِدِّينَ في أعْمالِهِمْ.

78:24–26Page 582

لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا ٢٤

They will not taste therein [any] coolness or drink.

إِلَّا حَمِيمٗا وَغَسَّاقٗا ٢٥

Except scalding water and [foul] purulence -

جَزَآءٗ وِفَاقًا ٢٦

An appropriate recompense.1

﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلّا حَمِيمًا وغَساقًا﴾ ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ .

هَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا ثانِيَةً مِنَ الطّاغِينَ أوْ حالًا أُولى مِنَ الضَّمِيرِ في (لابِثِينَ)، وأنْ تَكُونَ خَبَرًا ثالِثًا لِـ ﴿كانَتْ مِرْصادًا﴾ [النبإ: ٢١] .

وضَمِيرُ (فِيها) عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ عائِدٌ إلى جَهَنَّمَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِ (أحْقابًا)، أيْ: لا يَذُوقُونَ في تِلْكَ الأحْقابِ بَرْدًا ولا شَرابًا إلّا حَمِيمًا وغَسّاقًا. فَضَمِيرُ (فِيها) عَلى هَذا الوَجْهِ عائِدٌ إلى الأحْقابِ.

وحَقِيقَةُ الذَّوْقِ: إدْراكُ طَعْمِ الطَّعامِ والشَّرابِ. ويُطْلَقُ عَلى الإحْساسِ بِغَيْرِ الطُّعُومِ مَجازِيًّا. وشاعَ في كَلامِهِمْ، يُقالُ: ذاقَ الألَمَ، وعَلى وِجْدانِ النَّفْسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] . وقَدِ اسْتُعْمِلَ هُنا في مَعْنَيَيْهِ؛ حَيْثُ نَصَبَ (بَرْدًا) و(شَرابًا) .

والبَرْدُ: ضِدُّ الحَرِّ، وهو تَنْفِيسٌ لِلَّذِينَ عَذابُهُمُ الحَرُّ، أيْ: لا يُغاثُونَ بِنَسِيمٍ بارِدٍ، والبَرْدُ ألَذُّ ما يَطْلُبُهُ المَحْرُورُ. وعَنْ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ ونَفَرٍ قَلِيلٍ تَفْسِيرُ البَرْدِ بِالنَّوْمِ، وأنْشَدُوا شاهِدَيْنِ غَيْرَ واضِحَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فَحَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ، وعَطْفُ ﴿ولا شَرابًا﴾ يُناكِدُهُ. والشَّرابُ: ما يُشْرَبُ، والمُرادُ بِهِ الماءُ الَّذِي يُزِيلُ العَطَشَ. والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ.

صفحة ٣٨

والغَسّاقُ: قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِ السِّينِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ بِتَشْدِيدِ السِّينِ، وهُما لُغَتانِ فِيهِ. ومَعْناهُ الصَّدِيدُ الَّذِي يَسِيلُ مِن جُرُوحِ الحَرْقِ وهو المُهْلُ، وتَقَدَّما في سُورَةِ ص.

واسْتِثْناءُ ﴿حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ مِن (بَرْدًا) أوْ (شَرابًا) عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُرَتَّبِ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ الحَمِيمَ لَيْسَ مِن جِنْسِ البَرْدِ في شَيْءٍ؛ إذْ هو شَدِيدُ الحَرِّ، ولِأنَّ الغَسّاقَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الشَّرابِ؛ إذْ لَيْسَ المُهْلُ مِن جِنْسِ الشَّرابِ.

والمَعْنى: يَذُوقُونَ الحَمِيمَ؛ إذْ يُراقُ عَلى أجْسادِهِمْ، والغَسّاقَ؛ إذْ يَسِيلُ عَلى مَواضِعِ الحَرْقِ فَيَزِيدُ ألَمَهم.

وصُورَةُ الِاسْتِثْناءِ هُنا مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ في الصُّورَةِ.

و(جَزاءً) مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (يَذُوقُونَ)، أيْ: حالَةَ كَوْنِ ذَلِكَ جَزاءً، أيْ: مُجازًى بِهِ، فالحالُ هُنا مَصْدَرٌ مُؤَوَّلٌ بِمَعْنى الوَصْفِ وهو أبْلَغُ مِنَ الوَصْفِ.

والوِفاقُ: مَصْدَرُ وافَقَ وهو مُؤَوَّلٌ بِالوَصْفِ، أيْ: مُوافِقًا لِلْعَمَلِ الَّذِي جُوزُوا عَلَيْهِ، وهو التَّكْذِيبُ بِالبَعْثِ وتَكْذِيبُ القُرْآنِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ [النبإ: ٢٧] ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ [النبإ: ٢٨] .

فَإنَّ ذَلِكَ أصْلُ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وهُما أصْلانِ: أحَدُهُما عَدَمِيٌّ وهو إنْكارُ البَعْثِ، والآخَرُ وُجُودِيٌّ وهو نِسْبَتُهُمُ الرَّسُولَ ﷺ والقُرْآنَ لِلْكَذِبِ، فَعُوقِبُوا عَلى الأصْلِ العَدَمِيِّ بِعِقابٍ عَدَمِيٍّ وهو حِرْمانُهم مِنَ البَرْدِ والشَّرابِ، وعَلى الأصْلِ الوُجُودِيِّ بِجَزاءٍ وُجُودِيٍّ وهو الحَمِيمُ يُراقُ عَلى أجْسادِهِمْ والغَسّاقُ يَمُرُّ عَلى جِراحِهِمْ.

78:27–28Page 582

إِنَّهُمۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ حِسَابٗا ٢٧

Indeed, they were not expecting an account

وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كِذَّابٗا ٢٨

And denied Our verses with [emphatic] denial.

صفحة ٣٩

﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا﴾ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ [النبإ: ٢١] إلى قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبإ: ٢٦] ولِذَلِكَ فُصِلَتْ.

وضَمِيرُ (إنَّهم) عائِدٌ إلى الطّاغِينَ.

وحَرْفُ (إنَّ) لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولَيْسَتْ لِرَدِّ الإنْكارِ؛ إذْ لا يُنْكِرُ أحَدٌ أنَّهم لا يَرْجُونَ حِسابًا وأنَّهم مُكَذِّبُونَ بِالقُرْآنِ، وشَأْنُ (إنَّ) إذا قُصِدَ بِها مُجَرَّدُ الِاهْتِمامِ أنْ تَكُونَ قائِمَةً مَقامَ فاءِ التَّفْرِيعِ مُفِيدَةً لِلتَّعْلِيلِ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ٧٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما قَبْلَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَذُوقُوا﴾ [النبإ: ٣٠] .

وقَدْ عَلِمْتَ مُناسَبَةَ جَزاءِهِمْ لِجُرْمِهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبإ: ٢٦] مِمّا يَزِيدُ وجْهَ التَّعْلِيلِ وُضُوحًا.

وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ نَفْيٌ لِرَجائِهِمْ وُقُوعَ الجَزاءِ.

والرَّجاءُ اشْتُهِرَ في تَرَقُّبِ الأمْرِ المَحْبُوبِ، والحِسابُ لَيْسَ خَيْرًا لَهم حَتّى يُجْعَلَ نَفْيُ تَرَقُّبِهِ مِن قَبِيلِ نَفْيِ الرَّجاءِ، فَكانَ الظّاهِرُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ تَرَقُّبِهِ بِمادَّةِ التَّوَقُّعِ الَّذِي هو تَرَقُّبُ الأمْرِ المَكْرُوهِ، فَيَظْهَرُ أنَّ وجْهَ العُدُولِ عَنِ التَّعْبِيرِ بِمادَّةِ التَّوَقُّعِ إلى التَّعْبِيرِ بِمادَّةِ الرَّجاءِ أنَّ اللَّهَ لَمّا أخْبَرَ عَنْ جَزاءِ الطّاغِينَ وعَذابِهِمْ تَلَقّى المُسْلِمُونَ ذَلِكَ بِالمَسَرَّةِ، وعَلِمُوا أنَّهم ناجُونَ مِمّا سَيَلْقاهُ الطّاغُونَ، فَكانُوا مُتَرَقِّبِينَ يَوْمَ الحِسابِ تَرَقُّبَ رَجاءٍ، فَنَفْيُ رَجاءِ يَوْمِ الحِسابِ عَنِ المُشْرِكِينَ جامِعٌ بِصَرِيحِهِ مَعْنى عَدَمِ إيمانِهِمْ بِوُقُوعِهِ، وبِكِنايَتِهِ رَجاءَ المُؤْمِنِينَ وُقُوعَهُ بِطَرِيقَةِ الكِنايَةِ التَّعْرِيضِيَّةِ تَعْرِيضًا بِالمُسْلِمِينَ، وهي أيْضًا تَلْوِيحِيَّةٌ لِما في لازِمِ مَدْلُولِ الكَلامِ مِنَ الخَفاءِ.

ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ (يَرْجُونَ) بِمَعْنى: يَخافُونَ، وهو تَفْسِيرٌ بِحاصِلِ المَعْنى، ولَيْسَ تَفْسِيرًا لِلَّفْظِ.

وفَعْلُ (كانُوا) دالٌّ عَلى أنَّ انْتِفاءَ رَجائِهِمُ الحِسابَ وصْفٌ مُتَمَكِّنٌ مِن

صفحة ٤٠

نُفُوسِهِمْ وهم كائِنُونَ عَلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِفِعْلِ (كانُوا) أنَّهم كانُوا كَذَلِكَ فانْقَضى؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ إخْبارٌ عَنْهم في حِينِ نُزُولِ الآيَةِ وهم في الدُّنْيا، ولَيْسَتْ مِمّا يُقالُ لَهم أوْ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ.

وجِيءَ بِفِعْلِ (يَرْجُونَ) مُضارِعًا لِلدِّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ انْتِفاءِ ما عُبِّرَ عَنْهُ بِالرَّجاءِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كُلَّما أُعِيدَ لَهم ذِكْرُ يَوْمِ الحِسابِ جَدَّدُوا إنْكارَهُ وكَرَّرُوا شُبُهاتِهِمْ عَلى نَفْيِ إمْكانِهِ لِأنَّهم قالُوا ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] .

والحِسابُ: العَدُّ، أيْ: عَدُّ الأعْمالِ والتَّوْقِيفُ عَلى جَزائِها، أيْ: لا يَرْجُونَ وُقُوعَ حِسابٍ عَلى أعْمالِ العِبادِ يَوْمَ الحَشْرِ.

و(كَذَّبُوا) عَطْفٌ عَلى لا يَرْجُونَ، أيْ: وإنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا، أيْ: بِآياتِ القُرْآنِ.

والمَعْنى: كَذَّبُوا ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الآياتُ مِن إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ ورِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

ولِكَوْنِ تَكْذِيبِهِمْ بِذَلِكَ قَدِ اسْتَقَرَّ في نُفُوسِهِمْ ولَمْ يَتَرَدَّدُوا فِيهِ جِيءَ في جانِبِهِ بِالفِعْلِ الماضِي لِأنَّهم قالُوا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥] .

وكِذّابٌ: - بِكَسْرِ الكافِ وتَشْدِيدِ الذّالِ - مَصْدَرُ كَذَّبَ. والفِعّالُ - بِكَسْرِ أوَّلِهِ وتَشْدِيدِ عَيْنِهِ - مَصْدَرُ فَعَّلَ مِثْلَ التَّفْعِيلِ، ونَظائِرُهُ: القِصّارُ مَصْدَرُ قَصَّرَ، والقِضّاءُ مَصْدَرُ قَضّى، والخِرّاقُ مَصْدَرُ خَرَّقَ - المُضاعَفِ -، والفِسّارُ مَصْدَرُ فَسَّرَ. وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ أصْلَ هَذا المَصْدَرِ مِنَ اللُّغَةِ اليَمَنِيَّةِ، يُرِيدُ: وتَكَلَّمَ بِهِ العَرَبُ، فَقَدْ أنْشَدُوا لِبَعْضِ بَنِي كِلابٍ:

لَقَدْ طالَ ما ثَبَّطْتَنِي عَنْ صَحابَتِي وعَنْ حِوَجَ قِضّاؤُها مِن شِفائِيا

وأُوثِرَ هَذا المَصْدَرُ هُنا دُونَ التَّكْذِيبِ لِمُراعاةِ التَّماثُلِ في فَواصِلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنَّها عَلى نَحْوِ ألِفِ التَّأْسِيسِ في القَوافِي، والفَواصِلُ كالأسْجاعِ ويَحْسُنُ في الأسْجاعِ ما يَحْسُنُ في القَوافِي.

صفحة ٤١

وفِي الكَشّافِ: وفِعّالُ فَعَّلَ كُلُّهُ فاشٍ في كَلامِ فُصَحاءَ مِنَ العَرَبِ، لا يَقُولُونَ غَيْرَهُ.

وانْتُصِبَ (كِذّابًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ لِإفادَةِ شِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ.

78:29Page 582

وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ كِتَٰبٗا ٢٩

But all things We have enumerated in writing.

﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ كِتابًا﴾

اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمَلِ الَّتِي سِيقَتْ مَساقَ التَّعْلِيلِ وبَيْنَ جُمْلَةِ (فَذُوقُوا) . وفائِدَةُ هَذا الِاعْتِراضِ المُبادَأةُ بِإعْلامِهِمْ أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ فَلا يَدَعُ شَيْئًا مِن سَيِّئاتِهِمْ إلّا يُحاسِبُهم عَلَيْهِ؛ ما ذَكَرَ هُنا وما لَمْ يَذْكُرْ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا وكَذَّبُوا بِآياتِنا، وفَعَلُوا مِمّا عَدا ذَلِكَ وكُلُّ ذَلِكَ مَحْصِيٌّ عِنْدَنا.

ونُصِبَ (كُلَّ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ (أحْصَيْناهُ) عَلى طَرِيقَةِ الِاشْتِغالِ بِضَمِيرِهِ.

والإحْصاءُ: حِسابُ الأشْياءِ لِضَبْطِ عَدَدِها، فالإحْصاءُ كِنايَةٌ عَنِ الضَّبْطِ والتَّحْصِيلِ.

وانْتُصِبَ (كِتابًا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِـ (أحْصَيْناهُ) والتَّقْدِيرُ: إحْصاءَ كِتابَةٍ، فَهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الكِتابَةِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ الضَّبْطِ؛ لِأنَّ الأُمُورَ المَكْتُوبَةَ مَصُونَةٌ عَنِ النِّسْيانِ والإغْفالِ، فَبِاعْتِبارِ كَوْنِهِ كِنايَةً عَنِ الضَّبْطِ جاءَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِ (أحْصَيْنا) .

78:30Page 582

فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا ٣٠

"So taste [the penalty], and never will We increase you except in torment."1

﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾

الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والتَّسَبُّبِ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ [النبإ: ٢١] وما اتَّصَلَ بِها، ولَمّا غُيِّرَ أُسْلُوبُ الخَبَرِ إلى الخِطابِ بَعْدَ أنْ كانَ جارِيًا بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ - ولَمْ يَكُنْ مَضْمُونُ الخَبَرِ مِمّا يَجْرِي في الدُّنْيا فَيُظَنُّ أنَّهُ خِطابُ تَهْدِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ - تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُفَرَّعُ قَوْلًا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ (ذُوقُوا) الَّذِي لا يُقالُ إلّا يَوْمَ الجَزاءِ،

صفحة ٤٢

فالتَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهم ذُوقُوا إلى آخِرِهِ، ولِهَذا فَلَيْسَ في ضَمِيرِ الخِطابِ التِفاتٌ، فالمُفَرَّعُ بِالفاءِ هو فِعْلُ القَوْلِ المَحْذُوفِ.

والأمْرُ في ذُوقُوا مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ.

وفُرِّعَ عَلى (فَذُوقُوا) ما يَزِيدُ تَنْكِيدَهم وتَحْسِيرَهم بِإعْلامِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ سَيَزِيدُهم عَذابًا فَوْقَ ما هم فِيهِ.

والزِّيادَةُ: ضَمُّ شَيْءٍ إلى غَيْرِهِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ أوْ غَرَضٍ واحِدٍ، قالَ تَعالى: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥] وقالَ ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾ [نوح: ٢٨]، أيْ: لا تَزِدْهم - عَلى ما هم فِيهِ مِنَ المَساوِي - إلّا الإهْلاكَ.

فالزِّيادَةُ المَنفِيَّةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ زِيادَةَ نَوْعٍ آخَرَ مِن عَذابٍ يَكُونُ حاصِلًا لَهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ زِيادَةً مِن نَوْعِ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ بِتَكْرِيرِهِ في المُسْتَقْبَلِ.

والمَعْنى: فَسَنَزِيدُكم عَذابًا زِيادَةً مُسْتَمِرَّةً في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ، فَصِيغَ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذا المَعْنى بِهَذا التَّرْكِيبِ الدَّقِيقِ؛ إذِ ابْتُدِئَ بِنَفْيِ الزِّيادَةِ بِحَرْفِ تَأْبِيدِ النَّفْيِ وأُرْدِفَ الِاسْتِثْناءُ المُقْتَضِي ثُبُوتَ نَقِيضِ حُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ لِلْمُسْتَثْنى فَصارَتْ دِلالَةُ الِاسْتِثْناءِ عَلى مَعْنى: سَنَزِيدُكم عَذابًا مُؤَبَّدًا. وهَذا مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ وهو أُسْلُوبٌ طَرِيفٌ مِنَ التَّأْكِيدِ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ إعادَةُ لَفْظٍ، فَإنَّ زِيادَةَ العَذابِ تَأْكِيدٌ لِلْعَذابِ الحاصِلِ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الوَعِيدَ بِزِيادَةِ العَذابِ في المُسْتَقْبَلِ جِيءَ في أُسْلُوبِ نَفْيِهِ بِحَرْفِ نَفْيِ المُسْتَقْبَلِ، وهو (لَنْ) المُفِيدُ تَأْكِيدَ النِّسْبَةِ المَنفِيَّةِ وهي ما دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ قَيْدَ تَأْبِيدِ نَفْيِ الزِّيادَةِ - الَّذِي يُفِيدُهُ حَرْفُ (لَنْ) في جانِبِ المُسْتَثْنى مِنهُ - يَسْرِي إلى إثْباتِ زِيادَةِ العَذابِ في جانِبِ المُسْتَثْنى، فَيَكُونُ مَعْنى جُمْلَةِ الِاسْتِثْناءِ: سَنَزِيدُكم عَذابًا أبَدًا، وهو مَعْنى الخُلُودِ في العَذابِ. وفي هَذا الأُسْلُوبِ ابْتِداءٌ مُطْمِعٌ بِانْتِهاءٍ مُؤْيِسٍ، وذَلِكَ أشَدُّ حُزْنًا وغَمًّا بِما يُوهِمُهم أنَّ ما أُلْقُوا فِيهِ هو مُنْتَهى التَّعْذِيبِ حَتّى إذا ولَجَ ذَلِكَ أسْماعَهم فَحَزِنُوا لَهُ أُتْبِعَ بِأنَّهم

صفحة ٤٣

يَنْتَظِرُهم عَذابٌ آخَرُ أشَدُّ، فَكانَ ذَلِكَ حُزْنًا فَوْقَ حَزْنٍ، فَهَذا مِنوالُ هَذا النَّظْمِ وهو مُؤَذِّنٌ بِشِدَّةِ الغَضَبِ.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ، وأبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ، وأبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أشَدُّ ما نَزَلَ في أهْلِ النّارِ، وقَدْ أُسْنِدَ هَذا إلى النَّبِيءِ ﷺ مِن حَدِيثٍ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ: «سَألْتُ النَّبِيءَ ﷺ عَنْ أشَدِّ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ عَلى أهْلِ النّارِ ؟ فَقالَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا»﴾ . وفي سَنَدِهِ جِسْرُ بْنُ فَرْقَدٍ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا.

وفِي ابْنِ عَطِيَّةَ: أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَواهُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ سَنَدَهُ، وتَعَدُّدُ طُرُقِهِ يَكْسِبُهُ قُوَّةً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском