Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
An-Naba 78:8–13
﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾
مَعْطُوفٌ عَلى التَّقْرِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ [النبإ: ٦] . والتَّقْدِيرُ: وخْلَقْناكم أزْواجًا، فَكانَ التَّقْرِيرُ هُنا عَلى أصْلِهِ؛ إذِ المُقَرَّرُ عَلَيْهِ هو وُقُوعُ الخَلْقِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ألَمْ نَخْلُقْكم أزْواجًا.
صفحة ١٦
وعَبَّرَ هُنا بِفِعْلِ الخَلْقِ دُونَ الجَعْلِ؛ لِأنَّهُ تَكْوِينُ ذَواتِهِمْ، فَهو أدَقُّ مِنَ الجَعْلِ.
وضَمِيرِ الخِطابِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ وُجِّهَ إلَيْهِمُ التَّقْرِيرُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ [النبإ: ٦]، وهو التِفاتٌ مِن طَرِيقِ الغَيْبَةِ إلى طَرِيقِ الخِطابِ.
والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنْ كانَ فِعْلًا مُضارِعًا فَدُخُولُ (لَمْ) عَلَيْهِ صَيَّرَهُ في مَعْنى الماضِي لِما هو مُقَرَّرٌ مِن أنَّ (لَمْ) تَقْلِبُ مَعْنى المُضارِعِ إلى المُضِيِّ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ عَطْفُ (خَلَقْناكم) عَلى ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ [النبإ: ٦] ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٧]، والكُلُّ تَقْرِيرٌ عَلى شَيْءٍ مَضى.
وإنَّما عُدِلَ عَنْ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ فِعْلًا مُضارِعًا مِثْلَ المَعْطُوفِ هو عَلَيْهِ؛ لِأنَّ صِيغَةَ المُضارِعِ تُسْتَعْمَلُ لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ لِلْفِعْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨]، فالإتْيانُ بِالمُضارِعِ في ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ [النبإ: ٦] يُفِيدُ اسْتِدْعاءَ إعْمالِ النَّظَرِ في خَلْقِ الأرْضِ والجِبالِ؛ إذْ هي مَرْئِيّاتٌ لَهم. والأكْثَرُ أنْ يَغْفُلَ النّاظِرُونَ عَنِ التَّأمُّلِ في دَقائِقِها لِتَعَوُّدِهِمْ بِمُشاهَدَتِها مِن قَبْلِ سِنِّ التَّفَكُّرِ، فَإنَّ الأرْضَ تَحْتَ أقْدامِهِمْ لا يَكادُونَ يَنْظُرُونَ فِيها بَلْهَ أنْ يَتَفَكَّرُوا في صُنْعِها، والجِبالَ يَشْغَلُهم عَنِ التَّفَكُّرِ في صُنْعِها شُغْلُهم بِتَجَشُّمِ صُعُودِها، والسَّيْرِ في وعْرِها، وحِراسَةِ سَوائِمِهِمْ مِن أنْ تَضِلَّ شِعابَها، وصَرْفِ النَّظَرِ إلى مَسالِكِ العَدُوِّ عِنْدَ الِاعْتِلاءِ إلى مَراقِبِها، فَأُوثِرَ الفِعْلُ المُضارِعُ مَعَ ذِكْرِ المَصْنُوعاتِ الحَرِيَّةِ بِدِقَّةِ التَّأمُّلِ واسْتِخْلاصِ الِاسْتِدْلالِ لِيَكُونَ إقْرارُهم مِمّا قَرَّرُوا بِهِ عَلى بَصِيرَةٍ، فَلا يَجِدُوا إلى الإنْكارِ سَبِيلًا.
وجِيءَ بِفِعْلِ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ وما بَعْدَهُ؛ لِأنَّ مَفاعِيلَ فِعْلِ (خَلَقْنا) وما عُطِفَ عَلَيْهِ لَيْسَتْ مُشاهَدَةً لَهم.
وذُكِرَ لَهم مِنَ المَصْنُوعاتِ ما هو شَدِيدُ الِاتِّصالِ بِالنّاسِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تَتَوارَدُ أحْوالُها عَلى مُدْرِكاتِهِمْ دَوامًا؛ فَإقْرارُهم بِها أيْسَرُ؛ لِأنَّ دِلالَتَها قَرِيبَةٌ مِنَ البَدِيهِيِّ. وقَدْ أعْقَبَ الِاسْتِدْلالَ بِخَلْقِ الأرْضِ وجِبالِها بِالِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ النّاسِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ إثْباتِ التَّفَرُّدِ بِالخَلْقِ وبَيْنَ الدِّلالَةِ عَلى إمْكانِ إعادَتِهِمْ، والدَّلِيلُ في خَلْقِ النّاسِ عَلى الإبْداعِ العَظِيمِ الَّذِي الخَلْقُ الثّانِي مِن نَوْعِهِ أمْكَنُ في نُفُوسِ المُسْتَدَلِّ عَلَيْهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] . ولِلْمُناسَبَةِ الَّتِي قَدَّمْنا ذِكْرَها في تَوْجِيهِ
صفحة ١٧
الِابْتِداءِ بِخَلْقِ الأرْضِ في الِاسْتِدْلالِ فَهي أنَّ مِنَ الأرْضِ يَخْرُجُ النّاسُ لِلْبَعْثِ فَكَذَلِكَ ثُنِّيَ بِالِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ النّاسِ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ سَيُعادُ خَلْقُهم يَوْمَ البَعْثِ وهُمُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأرْضِ، وفي هَذا المَعْنى جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦] ﴿أوَ لا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٦٦] .
وانْتَصَبَ أزْواجًا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في (خَلَقْناكم)؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الِاسْتِدْلالُ بِخَلْقِ النّاسِ وبِكَوْنِ النّاسِ أزْواجًا، فَلَمّا كانَ المُناسِبُ لِفِعْلِ خَلَقْنا أنْ يَتَعَدّى إلى الذَّواتِ جِيءَ بِمَفْعُولِهِ ضَمِيرَ ذَواتِ النّاسِ، ولَمّا كانَ المُناسِبُ لِكَوْنِهِمْ أزْواجًا أنْ يُساقَ مَساقَ إيجادِ الأحْوالِ جِيءَ بِهِ حالًا مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في (خَلَقْناكم)، ولَوْ صُرِّحَ لَهُ بِفِعْلٍ لَقِيلَ: وخَلَقْناكم وجَعَلْناكم أزْواجًا، عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ [النبإ: ٦] ومِمّا يَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ [النبإ: ٩] .
والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ وهو اسْمٌ لِلْعَدَدِ الَّذِي يُكَرِّرُ الواحِدَ تَكْرِيرَةً واحِدَةً، وقَدْ وُصِفَ بِهِ كَما يُوصَفُ بِأسْماءِ العَدَدِ في نَحْوِ قَوْلِ لَبِيدٍ:
حَتّى إذا سَلَخا جُمادى سِتَّةً
ثُمَّ غَلَبَ الزَّواجُ عَلى كُلٍّ مِنَ الذَّكَرِ وأُنْثاهُ مِنَ الإنْسانِ والحَيَوانِ، فَقَوْلُهُ: (أزْواجًا) أفادَ أنْ يَكُونَ الذَّكَرُ زَوْجًا لِلْأُنْثى والعَكْسُ، فالذَّكَرُ زَوْجٌ لِأُنْثاهُ والأُنْثى زَوْجٌ لِذَكَرِها، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ إيماءٌ إلى ما في ذَلِكَ الخَلْقِ مِن حِكْمَةِ إيجادِ قُوَّةِ التَّناسُلِ مِنَ اقْتِرانِ الذَّكَرِ بِالأُنْثى، وهو مَناطُ الإيماءِ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ إعادَةِ الأجْسادِ، فَإنَّ القادِرَ عَلى إيجادِ هَذا التَّكْوِينِ العَجِيبِ ابْتِداءً بِقُوَّةِ التَّناسُلِ قادِرٌ عَلى إيجادِ مِثْلِهِ بِمِثْلِ تِلْكَ الدِّقَّةِ أوْ أدَقَّ.
وفِيهِ اسْتِدْلالٌ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ، وامْتِنانٌ عَلى النّاسِ بِأنَّهُ خَلَقَهم، وأنَّهُ خَلَقَهم بِحالَةٍ تَجْعَلُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الصِّنْفَيْنِ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ لَهُ زَوْجًا
صفحة ١٨
لِيَحْصُلَ التَّعاوُنُ والتَّشارُكُ في الأُنْسِ والتَّنَعُّمِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ [الأعراف: ١٨٩] ولِذَلِكَ صِيغَ هَذا التَّقْرِيرُ بِتَعْلِيقِ فِعْلِ (خَلَقْنا) بِضَمِيرِ النّاسِ. وجُعِلَ أزْواجًا حالًا مِنهُ لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ الِاعْتِبارُ بِكِلا الأمْرَيْنِ دُونَ أنْ يُقالَ: وخَلَقْنا لَكم أزْواجًا.
وفِي ذَلِكَ حَمْلٌ لَهم عَلى الشُّكْرِ بِالإقْبالِ عَلى النَّظَرِ فِيما بُلِّغَ إلَيْهِمْ عَنِ اللَّهِ الَّذِي أسْعَفَهم بِهَذِهِ النِّعَمِ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَعْرِيضٌ بِأنَّ إعْراضَهم عَنْ قَبُولِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ ومُكابَرَتَهم فِيما بَلَغَهم مِن ذَلِكَ كُفْرانٌ لِنِعْمَةِ واهِبِ النِّعَمِ.
﴿وجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ .
انْتَقَلَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ النّاسِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِهِمْ، وخَصَّ مِنها الحالَةَ الَّتِي هي أقْوى أحْوالِهِمُ المَعْرُوفَةِ شَبَهًا بِالمَوْتِ الَّذِي يَعْقُبُهُ البَعْثُ، وهي حالَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ لا يَخْلُونَ مِنَ الشُّعُورِ بِما فِيها مِنَ العِبْرَةِ؛ لِأنَّ تَدْبِيرَ نِظامِ النَّوْمِ وما يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ اليَقَظَةِ أشْبَهُ حالٍ بِحالِ المَوْتِ وما يَعْقُبُهُ مِنَ البَعْثِ.
وأُوثِرَ فِعْلُ (جَعَلْنا) لِأنَّ النَّوْمَ كَيْفِيَّةٌ يُناسِبُها فِعْلُ الجَعْلِ لا فِعْلُ الخَلْقِ المُناسِبِ لِلذَّواتِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ [النبإ: ٦] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبإ: ١٠] .
فَإضافَةُ نَوْمٍ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لَيْسَتْ لِلتَّقْيِيدِ لِإخْراجِ نَوْمِ غَيْرِ الإنْسانِ، فَإنَّ نَوْمَ الحَيَوانِ كُلَّهُ سُباتٌ، ولَكِنَّ الإضافَةَ لِزِيادَةِ التَّنْبِيهِ لِلِاسْتِدْلالِ، أيْ أنَّ دَلِيلَ البَعْثِ قائِمٌ بَيِّنٌ في النَّوْمِ الَّذِي هو مِن أحْوالِكم، وأيْضًا لِأنَّ في وصْفِهِ بِسُباتٍ امْتِنانًا، والِامْتِنانُ خاصٌّ بِهِمْ، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] .
والسُّباتُ - بِضَمِّ السِّينِ وتَخْفِيفِ الباءِ -: اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى السَّبْتِ، أيِ: القَطْعِ، أيْ: جَعَلْناهُ لَكم قَطْعًا لِعَمَلِ الجَسَدِ بِحَيْثُ لا بُدَّ لِلْبَدَنِ مِنهُ، وإلى هَذا أشارَ ابْنُ الأعْرابِيِّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ؛ إذْ جَعَلا المَعْنى: وجَعَلْنا نَوْمَكم راحَةً، فَهو تَفْسِيرُ مَعْنًى.
صفحة ١٩
وإنَّما أُوثِرَ لَفْظُ (سُباتٍ) لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِالقَطْعِ عَنِ العَمَلِ لِيُقابِلَهُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبإ: ١١] كَما سَيَأْتِي.
ويُطْلَقُ السُّباتُ عَلى النَّوْمِ الخَفِيفِ، ولَيْسَ مُرادًا في هَذِهِ الآيَةِ؛ إذْ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا، ولا نَوْمًا خَفِيفًا.
وفِي تَفْسِيرِ الفَخْرِ: طَعَنَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: السُّباتُ هو النَّوْمُ، فالمَعْنى: وجَعَلْنا نَوْمَكم نَوْمًا. وأخَذَ في تَأْوِيلِها وُجُوهًا ثَلاثَةً مِن أقْوالِ المُفَسِّرِينَ لا يَسْتَقِيمُ مِنها إلّا ما قالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ أنَّ السُّباتَ القَطْعُ كَما قالَ تَعالى: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ [القصص: ٧٢] وهو المَعْنى الأصْلِيُّ لِتَصارِيفِ مادَّةِ سَبَتَ.
وأنْكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ سِيدَهْ أنْ يَكُونَ فِعْلُ سَبَتَ بِمَعْنى اسْتَراحَ، أيْ: لَيْسَ مَعْنى اللَّفْظِ، فَمَن فَسَّرَ السُّباتَ بِالرّاحَةِ أرادَ تَفْسِيرَ حاصِلِ المَعْنى.
وفِي هَذا امْتِنانٌ عَلى النّاسِ بِخَلْقِ نِظامِ النَّوْمِ فِيهِمْ لِتَحْصُلَ لَهم راحَةٌ مِن أتْعابِ العَمَلِ الَّذِي يَكْدَحُونَ لَهُ في نَهارِهِمْ، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَ النَّوْمَ حاصِلًا لِلْإنْسانِ بِدُونِ اخْتِيارِهِ، فالنَّوْمُ يُلْجِئُ الإنْسانَ إلى قَطْعِ العَمَلِ لِتَحْصُلَ راحَةٌ لِمَجْمُوعِهِ العَصَبِيِّ الَّذِي رُكْنُهُ في الدِّماغِ، فَبِتِلْكَ الرّاحَةِ يَسْتَجِدُّ العَصَبُ قُواهُ الَّتِي أوْهَنَها عَمَلُ الحَواسِّ وحَرَكاتُ الأعْضاءِ وأعْمالُها، بِحَيْثُ لَوْ تَعَلَّقَتْ رَغْبَةُ أحَدٍ بِالسَّهَرِ لا بُدَّ لَهُ مِن أنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ، وذَلِكَ لُطْفٌ بِالإنْسانِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ ما بِهِ مَنفَعَةُ مَدارِكِهِ قَسْرًا عَلَيْهِ لِئَلّا يَتَهاوَنَ بِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ أقَلَّ النّاسِ نَوْمًا أقْصَرُهم عُمْرًا، وكَذَلِكَ الحَيَوانُ.
﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ .
مِن إتْمامِ الِاسْتِدْلالِ الَّذِي قَبْلَهُ وما فِيهِ مِنَ المِنَّةِ؛ لِأنَّ كَوْنَ اللَّيْلِ لِباسًا حالَةٌ مُهَيِّئَةٌ لِتَكَيُّفِ النَّوْمِ ومُعِينَةٌ عَلى هَنائِهِ والِانْتِفاعِ بِهِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ ظُلْمَةٌ عارِضَةٌ في الجَوِّ مِن مُزايَلَةِ ضَوْءِ الشَّمْسِ عَنْ جُزْءٍ مِن كُرَةِ الأرْضِ، وبِتِلْكَ الظُّلْمَةِ تَحْتَجِبُ المَرْئِيّاتِ عَنِ الإبْصارِ فَيَعْسُرُ المَشْيُ والعَمَلُ والشُّغْلُ ويَنْحَطُّ النَّشاطُ، فَتَتَهَيَّأُ الأعْصابُ لِلْخُمُولِ ثُمَّ يَغْشاها النَّوْمُ، فَيَحْصُلُ السُّباتُ بِهَذِهِ المُقَدِّماتِ العَجِيبَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ
صفحة ٢٠
نِظامُ اللَّيْلِ آيَةً عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ وبَدِيعِ تَقْدِيرِهِ.
وكانَ دَلِيلًا عَلى أنَّ إعادَةَ الأجْسامِ بَعْدَ الفَناءِ غَيْرُ مُتَعَذِّرَةٍ عَلَيْهِ تَعالى، فَلَوْ تَأمَّلَ المُنْكِرُونَ فِيها لَعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى البَعْثِ، فَلَمّا كَذَّبُوا خَبَرَ الرَّسُولِ ﷺ بِهِ، وفي ذَلِكَ امْتِنانٌ عَلَيْهِمْ بِهَذا النِّظامِ الَّذِي فِيهِ اللُّطْفُ بِهِمْ وراحَةُ حَياتِهِمْ، لَوْ قَدَّرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ لَشَكَرُوهُ وما أشْرَكُوا، فَكانَ تَذَكُّرُ حالَةِ اللَّيْلِ سَرِيعَ الخُطُورِ بِالأذْهانِ عِنْدَ ذِكْرِ حالَةِ النَّوْمِ، فَكانَ ذِكْرُ النَّوْمِ مُناسَبَةً لِلِانْتِقالِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِحالَةِ اللَّيْلِ عَلى حَسَبِ أفْهامِ السّامِعِينَ.
والمَعْنى مِن جَعْلِ اللَّيْلِ لِباسًا يَحُومُ حَوْلَ وصْفِ حالَةٍ خاصَّةٍ بِاللَّيْلِ عُبِّرَ عَنْها بِاللِّباسِ.
فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللِّباسُ مَحْمُولًا عَلى مَعْنى الِاسْمِ وهو المَشْهُورُ في إطْلاقِهِ، أيْ: ما يَلْبَسُهُ الإنْسانُ مِنَ الثِّيابِ، فَيَكُونُ وصْفُ اللَّيْلِ بِهِ عَلى تَقْدِيرِ كافِ التَّشْبِيهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: جَعَلْنا اللَّيْلَ لِلْإنْسانِ كاللِّباسِ لَهُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ وجْهُ الشَّبَهِ هو التَّغْشِيَةَ، وتَحْتَهُ ثَلاثَةُ مَعانٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّيْلَ ساتِرٌ لِلْإنْسانِ كَما يَسْتُرُهُ اللِّباسُ، فالإنْسانُ في اللَّيْلِ يَخْتَلِي بِشُؤُونِهِ الَّتِي لا يَرْتَكِبُها في النَّهارِ؛ لِأنَّهُ لا يُحِبُّ أنْ تَراها الأبْصارُ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِإبْطالِ أصْلٍ مِن أُصُولِ الدَّهْرِيِّينَ أنَّ اللَّيْلَ رَبُّ الظَّلَمَةِ، وهو مُعْتَقَدُ المَجُوسِ، وهُمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ المَخْلُوقاتِ كُلَّها مَصْنُوعَةٌ مِن أصْلَيْنِ، أيْ إلَهَيْنِ: إلَهُ النُّورِ وهو صانِعُ الخَيْرِ، وإلَهُ الظُّلْمَةِ وهو صانِعُ الشَّرِّ. ويُقالُ لَهُمُ الثَّنَوِيَّةُ لِأنَّهم أثْبَتُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ، وهم فِرَقٌ مُخْتَلِفَةُ المَذاهِبِ في تَقْرِيرِ كَيْفِيَّةِ حُدُوثِ العالَمِ عَنْ ذَيْنِكَ الأصْلَيْنِ، وأشْهَرُ هَذِهِ الفِرَقِ فِرْقَةٌ تُسَمّى المانَوِيَّةُ نِسْبَةً إلى رَجُلٍ يُقالُ لَهُ (مانِي) فارِسِيٍّ قَبْلَ الإسْلامِ، وفِرْقَةٌ تُسَمّى مَزْدَكِيَّةٌ نِسْبَةً إلى رَجُلٍ يُقالُ لَهُ (مَزْدَكُ) فارِسِيٍّ قَبْلَ الإسْلامِ. وقَدْ أخَذَ أبُو الطَّيِّبِ مَعْنى هَذا التَّعْرِيضِ بِقَوْلِهِ:
وكَمْ لِظَلامِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِن يَدٍ تُخَبِّرُ أنَّ المانَوِيَّةَ تَكْذِبُ
المَعْنى الثّانِي مِن مَعْنَيَيْ وجْهِ الشَّبَهِ بِاللِّباسِ: أنَّهُ المُشابَهَةُ في الرِّفْقِ بِاللّابِسِ والمُلاءَمَةُ لِراحَتِهِ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ راحَةً لِلْإنْسانِ وكانَ مُحِيطًا بِجَمِيعِ حَواسِّهِ وأعْصابِهِ
صفحة ٢١
شُبِّهَ بِاللِّباسِ في ذَلِكَ، ونُسِبَ مُجْمَلُ هَذا المَعْنى إلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، السُّدِّيِّ، وقَتادَةَ إذْ فَسَّرُوا (سُباتًا) سَكَنًا.
المَعْنى الثّالِثُ: أنَّ وجْهَ الشَّبَهِ بِاللِّباسِ هو الوِقايَةُ، فاللَّيْلُ يَقِي الإنْسانَ مِنَ الأخْطارِ والِاعْتِداءِ عَلَيْهِ، فَكانَ العَرَبُ لا يُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ في اللَّيْلِ، وإنَّما تَقَعُ الغارَةُ صَباحًا، ولِذَلِكَ إذا غِيرَ عَلَيْهِمْ يَصْرُخُ الرَّجُلُ بِقَوْمِهِ بِقَوْلِهِ: يا صَباحاهُ. ويُقالُ: صَبَّحَهُمُ العَدُوُّ. وكانُوا إذا أقامُوا حَرَسًا عَلى الرُّبى ناظُورَةَ عَلى ما عَسى أنْ يَطْرُقَهم مِنَ الأعْداءِ يُقِيمُونَهُ نَهارًا فَإذا أظْلَمَ اللَّيْلُ نَزَلَ الحَرَسُ، كَما قالَ لَبِيدٌ يَذْكُرُ ذَلِكَ ويَذْكُرُ فَرَسَهُ:
حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ ∗∗∗ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُهاأسْهَلْتُ وانْتَصَبَتْ كَجِذْعٍ مُنِيفَةٍ ∗∗∗ جَرْداءَ يَحْصَرُ دُونَها جُرّامُها
﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ .
لَمّا ذُكِرَ خَلْقُ نِظامِ اللَّيْلِ قُوبِلَ بِخَلْقِ نِظامِ النَّهارِ، فالنَّهارُ: الزَّمانُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ مُنْتَشِرًا عَلى جُزْءٍ كَبِيرٍ مِنَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ. وفِيهِ عِبْرَةٌ بِدِقَّةِ الصُّنْعِ وإحْكامِهِ؛ إذْ جُعِلَ نِظامانِ مُخْتَلِفانِ مَنشَؤُهُما سُطُوعُ نُورِ الشَّمْسِ واحْتِجابُهُ فَوْقَ الأرْضِ، وهُما نِعْمَتانِ لِلْبَشَرِ مُخْتَلِفَتانِ في الأسْبابِ والآثارِ، فَنِعْمَةُ اللَّيْلِ راجِعَةٌ إلى الرّاحَةِ والهُدُوءِ، ونِعْمَةُ النَّهارِ راجِعَةٌ إلى العَمَلِ والسَّعْيِ؛ لِأنَّ النَّهارَ يَعْقُبُ اللَّيْلَ فَيَكُونُ الإنْسانُ قَدِ اسْتَجَدَّ راحَتَهُ واسْتَعادَ نَشاطَهُ ويَتَمَكَّنُ مِن مُخْتَلِفِ الأعْمالِ بِسَبَبِ إبْصارِ الشُّخُوصِ والطُّرُقِ.
ولَمّا كانَ مُعْظَمُ العَمَلِ في النَّهارِ لِأجْلِ المَعاشِ أُخْبِرَ عَنِ النَّهارِ بِأنَّهُ مَعاشٌ، وقَدْ أشْعَرَ ذِكْرُ النَّهارِ بَعْدَ ذِكْرِ كُلٍّ مِنَ النَّوْمِ واللَّيْلِ بِمُلاحَظَةِ أنَّ النَّهارَ ابْتِداءُ وقْتِ اليَقَظَةِ الَّتِي هي ضِدُّ النَّوْمِ فَصارَتْ مُقابَلَتُهُما بِالنَّهارِ في تَقْدِيرِ: وجَعَلْنا النَّهارَ واليَقَظَةَ فِيهِ مَعاشًا، فَفي الكَلامِ اكْتِفاءٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ، وبِذَلِكَ حَصَلَ بَيْنَ الجُمَلِ الثَّلاثِ مُطابَقَتانِ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ لَفْظًا وضِمْنًا.
صفحة ٢٢
والمَعاشُ: يُطْلَقُ مَصْدَرَ عاشَ إذا حَيِيَ، فالمَعاشُ: الحَياةُ، ويُطْلَقُ اسْمًا لِما بِهِ عَيْشُ الإنْسانِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
والمَعْنَيانِ صالِحانِ لِلْآيَةِ؛ إذْ يَكُونُ المَعْنى: وجَعَلْنا النَّهارَ حَياةً لَكم. شُبِّهَتِ اليَقَظَةُ فِيهِ الحَياةَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: وجَعَلْنا النَّهارَ مَعِيشَةً لَكم، والإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ مَعِيشَةٌ مَجازٌ أيْضًا بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ؛ لِأنَّ النَّهارَ سَبَبٌ لِلْعَمَلِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِحُصُولِ المَعِيشَةِ، وذَلِكَ يُقابِلُ جَعْلَ اللَّيْلِ سُباتًا بِمَعْنى الِانْقِطاعِ عَنِ العَمَلِ، قالَ تَعالى: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣] .
فَفِي مُقابَلَةِ السُّباتِ بِالمَعاشِ عَلى هَذَيْنِ الِاعْتِبارَيْنِ مُطابَقَتانِ مِنَ المُحَسِّناتِ.
78:12Page 582
وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا ١٢
And constructed above you seven strong [heavens]
﴿وبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ .
ناسَبَ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ - وهُما مِن مَظاهِرِ الأُفُقِ المُسَمّى سَماءً - أنْ يُتْبَعَ ذَلِكَ وما سَبَقَهُ مِن خَلْقِ العالَمِ السُّفْلِيِّ بِذِكْرِ خَلْقِ العَوالِمِ العُلْوِيَّةِ.
والبِناءُ: جَعْلُ الجاعِلِ أوْ صُنْعُ الصّانِعِ بَيْتًا أوْ قَصْرًا مِن حِجارَةٍ وطِينٍ أوْ مِن أثْوابٍ أوْ مِن أدَمٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وهو مَصْدَرُ بَنى، فَبَيْتُ المَدَرِ مَبْنِيٌّ، والخَيْمَةُ مَبْنِيَّةٌ، والطِّرافُ والقُبَّةُ مِنَ الأدَمِ مَبْنِيّانِ. والبِناءُ يَسْتَلْزِمُ الإعْلاءَ عَلى الأرْضِ، فَلَيْسَ الحَفْرُ بِناءً، ولا نَقْرُ الصُّخُورِ في الجِبالِ بِناءً. قالَ الفَرَزْدَقُ:
إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ
فَذَكَرَ الدَّعائِمَ وهي مِن أجْزاءِ الخَيْمَةِ.
واسْتُعِيرَ فِعْلُ (بَنَيْنا) في هَذِهِ الآيَةِ لِمَعْنى: خَلَقْنا ما هو عالٍ فَوْقَ النّاسِ؛ لِأنَّ تَكْوِينَهُ عالِيًا يُشْبِهُ البِناءَ.
ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: (فَوْقَكم) إيماءً إلى وجْهِ الشَّبَهِ في إطْلاقِ فِعْلِ (بَنَيْنا)، ولَيْسَ ذَلِكَ تَجْرِيدًا لِلِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الفَوْقِيَّةَ لا تَخْتَصُّ بِالمَبْنِيّاتِ، مَعَ ما فِيهِ مِن تَنْبِيهِ النُّفُوسِ لِلِاعْتِبارِ والنَّظَرِ في تِلْكَ السَّبْعِ الشِّدادِ.
والمُرادُ بِالسَّبْعِ الشِّدادِ: السَّماواتُ، فَهو مِن ذِكْرِ الصِّفَةِ وحَذْفِ المَوْصُوفِ
صفحة ٢٣
لِلْعِلْمِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]، ولِذَلِكَ جاءَ الوَصْفُ بِاسْمِ العَدَدِ المُؤَنَّثِ؛ إذِ التَّقْدِيرُ: سَبْعَ سَماواتٍ.
فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسَّبْعِ الكَواكِبُ السَّبْعَةُ المَشْهُورَةُ بَيْنَ النّاسِ يَوْمَئِذٍ وهي: زُحَلُ، والمُشْتَرِي، والمِرِّيخُ، والشَّمْسُ، والزُّهْرَةُ، وعُطارِدُ، والقَمَرُ. وهَذا تَرْتِيبُها بِحَسَبِ ارْتِفاعِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ بِما دَلَّ عَلَيْهِ خُسُوفُ بَعْضِها بِبَعْضٍ حِينِ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ ضَوْءِ الشَّمْسِ الَّتِي تَكْتَسِبُ بَقِيَّةُ الكَواكِبِ النُّورَ مِن شُعاعِ الشَّمْسِ.
وهَذا المَحْمَلُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ بِها أظْفَرُ، لِأنَّ المُخاطَبِينَ لا يَرَوْنَ السَّماواتِ السَّبْعَ ويَرَوْنَ هَذِهِ السَّيّاراتِ ويَعْهَدُونَها دُونَ غَيْرِها مِنَ السَّيّاراتِ الَّتِي اكْتَشَفَها عُلَماءُ الفَلَكِ مِن بَعْدُ، وهي سِتْوَرْنُ ونِبْتُونُ وأُورانُوسُ، وهي في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى لا مَحالَةَ، لِقَوْلِهِ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] وأنَّ اللَّهَ لا يَقُولُ إلّا حَقًّا وصِدْقًا، ويُقَرِّبُ لِلنّاسِ المَعانِيَ بِقَدْرِ أفْهامِهِمْ رَحْمَةً بِهِمْ.
فَأمّا الأرْضُ فَقَدْ عُدَّتْ أخِيرًا في الكَواكِبِ السَّيّارَةِ وحُذِفَ القَمَرُ مِنَ الكَواكِبِ لِتَبَيُّنِ أنَّ حَرَكَتَهُ تابِعَةٌ لِحَرَكَةِ الأرْضِ، إلّا أنَّ هَذا لا دَخْلَ لَهُ في الِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ وقَعَ بِما هو مَعْلُومٌ مُسَلَّمٌ يَوْمَئِذٍ والكُلُّ مِن صُنْعِ اللَّهِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسَّماواتِ السَّبْعِ طَبَقاتٌ عُلْوِيَّةٌ يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى، وقَدِ اقْتَنَعَ النّاسُ مُنْذُ القِدَمِ بِأنَّها سَبْعُ سَماواتٍ.
وشِدادٌ: جَمْعُ شَدِيدَةٍ، وهي المَوْصُوفَةُ بِالشِّدَّةِ، والشِّدَّةُ: القُوَّةُ.
والمَعْنى: أنَّها مَتِينَةُ الخَلْقِ قَوِيَّةُ الأجْرامِ لا يَخْتَلُّ أمْرُها ولا تَنْقُصُ عَلى مَرِّ الأزْمانِ.
﴿وجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا﴾
ذِكْرُ السَّماواتِ يُناسِبُهُ ذِكْرُ أعْظَمِ ما يُشاهِدُهُ النّاسُ في فَضائِها وذَلِكَ الشَّمْسُ، فَفي ذَلِكَ مَعَ العِبْرَةِ بِخَلْقِها عِبْرَةٌ في كَوْنِها عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ ومِنَّةٌ عَلى النّاسِ بِاسْتِفادَتِهِمْ مِن نُورِها فَوائِدَ جَمَّةً.
صفحة ٢٤
والسِّراجُ: حَقِيقَتُهُ المِصْباحُ الَّذِي يُسْتَضاءُ بِهِ، وهو إناءٌ يُجْعَلُ فِيهِ زَيْتٌ وفي الزَّيْتِ خِرْقَةٌ مَفْتُولَةٌ تُسَمّى الذُّبالَةَ تُشْعَلُ بِنارٍ فَتُضِيءُ ما دامَ فِيها بَلَلُ الزَّيْتِ.
والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، والغَرَضُ مِنَ التَّشْبِيهِ تَقْرِيبُ صِفَةِ المُشَبَّهِ إلى الأذْهانِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ نُوحٍ.
وزِيدَ ذَلِكَ التَّقْرِيبُ بِوَصْفِ السِّراجِ بِالوَهّاجِ، أيِ: الشَّدِيدِ السَّنا.
والوَهّاجُ: أصْلُهُ الشَّدِيدُ الوَهَجِ (بِفَتْحِ الواوِ وفَتْحِ الهاءِ، ويُقالُ بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الهاءِ) وهو الِاتِّقادُ، يُقالُ: وهَجَتِ النّارُ إذا اضْطَرَمَتِ اضْطِرامًا شَدِيدًا.
ويُطْلَقُ الوَهّاجُ عَلى المُتَلَأْلِئِ المُضِيءِ وهو المُرادُ هُنا؛ لِأنَّ وصْفَ وهّاجٍ أُجْرِيَ عَلى سِراجٍ، أيْ: سِراجًا شَدِيدَ الإضاءَةِ، ولا يُقالُ: سِراجٌ مُلْتَهِبٌ.
قالَ الرّاغِبُ: الوَهَجُ حُصُولُ الضَّوْءِ والحَرِّ مِنَ النّارِ. وفي الأساسِ عَدَّ قَوْلَهم: سِراجٌ وهّاجٌ في قِسْمِ الحَقِيقَةِ. وعَلَيْهِ جَرى قَوْلُهُ في الكَشّافِ ”مُتَلَأْلِئًا وقّادًا، وتَوَهَّجَتِ النّارُ، إذْ تَلَمَّظَتْ فَتَوَهَّجَتْ بِضَوْئِها وحَرِّها“، فَإذَنْ يَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنِ الشَّمْسِ بِالسِّراجِ في هَذِهِ الآيَةِ هو مَوْقِعَ التَّشْبِيهِ.
ولِذَلِكَ أُوثِرَ فِعْلُ (جَعَلْنا) دُونَ: خَلَقْنا؛ لِأنَّ كَوْنَها سِراجًا وهّاجًا حالَةٌ مِن أحْوالِها، وإنَّما يُعَلَّقُ فِعْلُ الخَلْقِ بِالذَّواتِ.
فالمَعْنى: وجَعَلْنا لَكم سِراجًا وهّاجًا، أوْ وجَعَلْنا في السَّبْعِ الشِّدادِ سِراجًا وهّاجًا، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] سَواءٌ قَدَّرَتْ ضَمِيرَ (فِيها) عائِدًا إلى (السَّماءِ) أوْ إلى (البُرُوجِ)؛ لِأنَّ البُرُوجَ هي بُرُوجُ السَّماءِ.
وقَوْلُهُ: سِراجًا اسْمُ جِنْسٍ؛ فَقَدْ يُرادُ بِهِ الواحِدُ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ الشَّمْسُ أوِ القَمَرُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences