Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:17–19
8:17Page 179
فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧
And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.1 And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw2 that He might test the believers with a good test.3 Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾
الأظْهَرُ أنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ جُمْلَةِ ”إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم“ تُفْصِحُ عَنْ مُقَدَّرٍ قَبْلَها شَرْطٌ أوْ غَيْرُهُ، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ شَرْطًا فَتَكُونَ رابِطَةً لِجَوابِهِ، والتَّقْدِيرُ هُنا إذا عَلِمْتُمْ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى المَلائِكَةِ بِضَرْبِ أعْناقِ المُشْرِكِينَ وقَطْعِ أيْدِيهِمْ فَلَمْ تَقْتُلُوهم أنْتُمْ ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم أيْ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّكم لَمْ تَقْتُلُوهم أنْتُمْ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ صاحِبِ الكَشّافِ هُنا وتَبِعَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ في آخِرِ بابِ النَّهْيِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ عاطِفَةً عَلى جُمْلَةِ ”﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ [الأنفال: ١٥]“ أيْ يَتَفَرَّعُ عَلى النَّهْيِ عَنْ أنْ تُوَلُّوا المُشْرِكِينَ الأدْبارَ تَنْبِيهُكم إلى أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي دَفَعَ المُشْرِكِينَ عَنْكم وأنْتُمْ أقَلُّ مِنهم عَدَدًا وعُدَّةً، والتَّفْرِيعُ بِالفاءِ تَفْرِيعُ العِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ، فَإنَّ كَوْنَ قَتْلِ المُشْرِكِينَ ورَمْيِهِمْ حاصِلًا مِنَ اللَّهِ لِأمْنِ المُسْلِمِينَ يُفِيدُ تَعْلِيلًا وتَوْجِيهًا لِنَهْيِهِمْ عَنْ أنْ يُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ، ولِأمْرِهِمُ الصَّبْرَ والثَّباتَ وهو تَعْرِيضٌ بِضَمانِ تَأْيِيدِ اللَّهِ إيّاهم إنِ امْتَثَلُوا لِقَوْلِهِ ”﴿واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]“ فَإنَّهم إذا امْتَثَلُوا ما أمَرَهُمُ اللَّهُ كانَ اللَّهُ ناصِرَهم، وذَلِكَ يُؤَكِّدُ الوَعِيدَ عَلى تَوْلِيَةِ الأدْبارِ لِأنَّهُ يَقْطَعُ عُذْرَ المُتَوَلِّينَ والفارِّينَ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ - تَعالى - في وقْعَةِ أُحُدٍ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] .
وإذْ قَدْ تَضَمَّنَتِ الجُمْلَةُ إخْبارًا عَنْ حالَةِ أفْعالٍ فَعَلَها المُخاطَبُونَ، كانَ المَقْصُودُ إعْلامَهم بِنَفْيِ ما يَظُنُّونَهُ مِن أنَّ حُصُولَ قَتْلِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ بِأسْبابِ ضَرْبِ سُيُوفِ المُسْلِمِينَ، فَأنَّبَأهم أنَّ تِلْكَ السُّيُوفَ ما كانَ يَحِقُّ لَها أنْ تُؤَثِّرَ ذَلِكَ التَّأْثِيرَ المُصِيبَ المُطَّرِدَ العامَّ الَّذِي حَلَّ بِأبْطالٍ ذَوِي شَجاعَةٍ، وذَوِي شَوْكَةٍ وشِكَّةٍ، وإنَّما كانَ ضَرْبُ سُيُوفِ المُسْلِمِينَ صُورِيًّا، أكْرَمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِمُقارَنَتِهِ فِعْلَ اللَّهِ - تَعالى - الخارِقَ لِلْعادَةِ، فالمَنفِيُّ هو الضَّرْبُ الكائِنُ سَبَبَ القَتْلِ في العادَةِ، وبِذَلِكَ كانَ القَتْلُ الحاصِلُ يَوْمَئِذٍ مُعْجِزَةً لِلرَّسُولِ ﷺ وكَرامَةً لِأصْحابِهِ، ولَيْسَ المَنفِيُّ تَأْثِيرَ الضَّرْبِ
صفحة ٢٩٤
فِي نَفْسِ الأمْرِ بِناءً عَلى القَضاءِ والقَدَرِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْقَتْلِ الحاصِلِ يَوْمَ بَدْرٍ مَزِيَّةٌ عَلى أيِّ قَتْلٍ يَقَعُ بِالحَقِّ أوْ بِالباطِلِ، في جاهِلِيَّةٍ أوْ إسْلامٍ، وذَلِكَ سِياقُ الآيَةِ الَّذِي هو تَكْرِيمُ المُسْلِمِينَ وتَعْلِيلُ نَهْيِهِمْ عَنِ الفِرارِ إذا لَقُوا.
ولَيْسَ السِّياقُ لِتَعْلِيمِ العَقِيدَةِ الحَقِّ.
وأصْلُ الخَبَرِ المَنفِيِّ أنْ يَدُلَّ عَلى انْتِفاءِ صُدُورِ المُسْنَدِ عَنِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، لا أنْ يَدُلَّ عَلى انْتِفاءِ وُقُوعِ المُسْنَدِ أصْلًا فَلِذَلِكَ صَحَّ النَّفْيُ في قَوْلِهِ ”﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾“ مَعَ كَوْنِ القَتْلِ حاصِلًا، وإنَّما المَنفِيُّ كَوْنُهُ صادِرًا عَنْ أسْبابِهِمْ.
ووَجْهُ الِاسْتِدْراكِ المُفادِ بِ ”لَكِنَّ“ أنَّ الخَبَرَ نَفى أنْ يَكُونَ القَتْلُ الواقِعُ صادِرًا عَنِ المُخاطَبِينَ فَكانَ السّامِعُ بِحَيْثُ يَتَطَلَّبُ أكانَ القَتْلُ حَقِيقَةً أمْ هو دُونَ القَتْلِ، ومَن كانَ فاعِلًا لَهُ، فاحْتِيجَ إلى الِاسْتِدْراكِ بِقَوْلِهِ ”﴿ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾“ .
وقَدَّمَ المُسْنَدَ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ”﴿ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾“ دُونَ أنْ يُقالَ ولَكِنْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ لا الِاخْتِصاصُ، لِأنَّ نَفْيَ اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ أنَّهُمُ القاتِلُونَ قَدْ حَصَلَ مِن جُمْلَةِ النَّفْيِ، فَصارَ المُخاطَبُونَ مُتَطَلِّبِينَ لِمَعْرِفَةِ فاعِلِ قَتْلِ المُشْرِكِينَ فَكانَ مُهِمًّا عِنْدَهم تَعْجِيلُ العِلْمِ بِهِ.
* * *
﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾
اسْتِطْرادٌ بِذِكْرِ تَأْيِيدٍ إلَهِيٍّ آخَرَ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ في الكَلامِ السّابِقِ، وهو إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ وابْنُ إسْحاقَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أنْ حَرَّضَ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ أتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَأخَذَ حَفْنَةً مِنَ الحَصْباءِ فاسْتَقْبَلَ بِها المُشْرِكِينَ ثُمَّ قالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ، ثُمَّ نَفَحَهم بِها ثُمَّ أمَرَ أصْحابَهُ فَقالَ: شُدُّوا، فَكانَتِ الهَزِيمَةُ عَلى المُشْرِكِينَ، وقالَ غَيْرُهُ لَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا أصابَهُ شَيْءٌ مِنَ الحَصا في عَيْنَيْهِ فَشُغِلَ بِعَيْنَيْهِ فانْهَزَمُوا»، فَلِكَوْنِ الرَّمْيِ قِصَّةً مَشْهُورَةً بَيْنَهم حَذَفَ مَفْعُولَ الرَّمْيِ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ، وهَذا أصَحُّ الرِّواياتِ، والمُرادُ بِالرَّمْيِ رَمْيُ الحَصْباءِ في وُجُوهِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وفِيهِ رِواياتٌ أُخْرى لا تُناسِبُ مَهْيَعَ السُّورَةِ، فالخِطابُ في قَوْلِهِ ”رَمَيْتَ“ لِلنَّبِيءِ ﷺ .
والرَّمْيُ حَقِيقَتُهُ إلْقاءُ شَيْءٍ أمْسَكَتْهُ اليَدُ، ويُطْلَقُ الرَّمْيُ عَلى الإصابَةِ بِسُوءٍ مِن
صفحة ٢٩٥
فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
رَمى اللَّهُ في تِلْكَ الأكُفِّ الكَوانِعِ
أيْ أصابَها بِما يَشَلُّها - وقَوْلِ جَمِيلٍ:
رَمى اللَّهُ في عَيْنَيْ بُثَيْنَةَ بِالقَذى ∗∗∗ وفي الغُرِّ مِن أنْيابِها بِالقَوارِحِ
وقَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ [النور: ٦]“ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”رَمَيْتَ“ الأوَّلُ وقَوْلُهُ ”﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾“ مُسْتَعْمَلَيْنِ في مَعْناهُما المَجازِيِّ أيْ وما أصَبْتَ أعْيُنَهم بِالقَذى ولَكِنَّ اللَّهَ أصابَها بِهِ لِأنَّها إصابَةٌ خارِقَةٌ لِلْعادَةِ فَهي مُعْجِزَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وكَرامَةٌ لِأهْلِ بَدْرٍ فَنُفِيَتْ عَنِ الرَّمْيِ المُعْتادِ وأُسْنِدَتْ إلى اللَّهِ لِأنَّها بِتَقْدِيرٍ خَفِيٍّ مِنَ اللَّهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ”إذْ رَمَيْتَ“ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ. وفي القُرْطُبِيِّ عَنْ ثَعْلَبٍ أنَّ المَعْنى: وما رَمَيْتَ الفَزَعَ والرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ إذْ رَمَيْتَ بِالحَصْباءِ فانْهَزَمُوا، وفِيهِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: إنَّ رَمَيْتَ الأوَّلَ والثّانِي و”رَمى“ مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعانِيها الحَقِيقِيَّةِ وهو ما دَرَجَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وجَعَلُوا المَنفِيَّ هو الرَّمْيُ الحَقِيقِيُّ، والمُثْبَتَ في قَوْلِهِ ”إذْ رَمَيْتَ“ هو الرَّمْيُ المَجازِيُّ وجَعَلَهُ السَّكاكِيُّ مِنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ العَقْلِيَّيْنِ فَجَعَلَ ”ما رَمَيْتَ“ نَفْيًا لِلرَّمْيِ الحَقِيقِيِّ، وجَعَلَ ”إذْ رَمَيْتَ“ لِلرَّمْيِ المَجازِيِّ.
وقَوْلُهُ ”إذْ رَمَيْتَ“ زِيادَةُ تَقْيِيدٍ لِلرَّمْيِ وأنَّهُ الرَّمْيُ المَعْرُوفُ المَشْهُورُ، وإنَّما احْتِيجَ إلَيْهِ في هَذا الخَبَرِ ولَمْ يُؤْتَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِ ”﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾“ لِأنَّ القَتْلَ لَمّا كانَتْ لَهُ أسْبابٌ كَثِيرَةٌ كانَ اخْتِصاصُ سُيُوفِ المُسْلِمِينَ بِتَأْثِيرِهِ غَيْرَ مُشاهَدٍ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَوْتَ قَدْ يَحْصُلُ مِن غَيْرِ فِعْلِ فاعِلٍ غَيْرِ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ نَفْيُ ذَلِكَ التَّأْثِيرِ وإسْنادُ حُصُولِهِ إلى مُجَرَّدِ فِعْلِ اللَّهِ مُحْتاجًا إلى التَّأْكِيدِ بِخِلافِ كَوْنِ رَمْيِ الحَصى الحاصِلِ بِيَدِ الرَّسُولِ ﷺ حاصِلًا مِنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُشاهَدٌ لا يَقْبَلُ الِاحْتِمالَ فاحْتِيجَ في نَفْيِهِ إلى التَّأْكِيدِ إبْطالًا لِاحْتِمالِ المَجازِ في النَّفْيِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى نَفْيِ رَمْيٍ كامِلٍ، فَإنَّ العَرَبَ قَدْ يَنْفُونَ الفِعْلَ ومُرادُهم نَفْيُ كَمالِهِ حَتّى قَدْ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الشَّيْءِ وإثْباتِهِ أوْ نَفْيِ ضِدِّهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ
أيْ شَيْئًا مُجْدِيًا، فَدَلَّ قَوْلُهُ ”إذْ رَمَيْتَ“ عَلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفْيِ في قَوْلِهِ ”وما رَمَيْتَ“
صفحة ٢٩٦
هُوَ الرَّمْيُ بِمَعْنى أثَرِهِ وحُصُولِ المَقْصُودِ مِنهُ، ولَيْسَ المُرادُ نَفْيَ وُقُوعِ الرَّمْيِ مِثْلَ المُرادِ في قَوْلِهِ ”﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾“ لِأنَّ الرَّمْيَ واقِعٌ مِن يَدِ النَّبِيءِ ﷺ ولَكِنَّ المُرادَ نَفْيُ تَأْثِيرِهِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ الرَّمْيِ إصابَةُ عُيُونِ أهْلِ جَيْشِ المُشْرِكِينَ وما كانَ ذَلِكَ بِالَّذِي يَحْصُلُ بِرَمْيِ اليَدِ، لِأنَّ أثَرَ رَمْيِ البَشَرِ لا يَبْلُغُ أثَرُهُ مَبْلَغَ تِلْكَ الرَّمْيَةِ، فَلَمّا ظَهَرَ مِن أثَرِها ما عَمَّ الجَيْشَ كُلَّهم، عُلِمَ انْتِفاءُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الرَّمْيَةُ مَدْفُوعَةً بِيَدِ مَخْلُوقٍ ولَكِنَّها مَدْفُوعَةٌ بِقُدْرَةِ الخالِقِ الخارِجَةِ عَنِ الحَدِّ المُتَعارَفِ، وأنَّ المُرادَ بِإثْباتِ الرَّمْيِ في قَوْلِهِ ”﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾“ كالقَوْلِ في ”﴿ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾“ .
وقَرَأ نافِعٌ والجُمْهُورُ ”ولَكِنَّ“ بِتَشْدِيدِ النُّونِ في المَوْضِعَيْنِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِسُكُونِ النُّونِ فِيهِما.
* * *
﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ ”﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾“ الآيَةَ، وقَوْلُهُ ”﴿وما رَمَيْتَ﴾“ الآيَةَ، فَإنَّ قَتْلَهُمُ المُشْرِكِينَ وإصابَةَ أعْيُنِهِمْ كانا لِغَرَضِ هَزْمِ المُشْرِكِينَ فَهو العِلَّةُ الأصْلِيَّةُ، ولَهُ عِلَّةٌ أُخْرى وهي أنْ يُبْلِيَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بَلاءً حَسَنًا أيْ يُعْطِيَهم عَطاءً حَسَنًا يَشْكُرُونَهُ عَلَيْهِ فَيَظْهَرُ ما يَدُلُّ عَنْ قِيامِهِمْ بِشُكْرِهِ مِمّا تُخْتَبَرُ بِهِ طَوِيَّتُهم لِمَن لا يَعْرِفُها، وهَذا العَطاءُ هو النَّصْرُ والغَنِيمَةُ في الدُّنْيا والجَنَّةُ في الآخِرَةِ.
واعْلَمْ أنَّ أصْلَ مادَّةِ هَذا الفِعْلِ هي البَلاءُ وجاءَ مِنهُ الإبْلاءُ بِالهَمْزِ وتَصْرِيفُ هَذا الفِعْلِ أغْفَلَهُ الرّاغِبُ في المُفْرَداتِ ومَن رَأيْتُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهو مُضارِعُ أبْلاهُ إذا أحْسَنَ إلَيْهِ مُشْتَقٌّ مِنَ البَلاءِ والبَلْوى الَّذِي أصْلُهُ الِاخْتِبارُ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى إصابَةِ أحَدٍ أحَدًا بِشَيْءٍ يَظْهَرُ بِهِ مِقْدارُ تَأثُّرِهِ، والغالِبُ أنَّ الإصابَةَ بِشَرٍّ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلى ما يَشْمَلُ الإصابَةَ بِخَيْرٍ قالَ - تَعالى - ”﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]“ وهو إطْلاقٌ كَنائِيٌّ، وشاعَ ذَلِكَ الإطْلاقُ الكِنائِيُّ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ المَعْنى الصَّرِيحِ، وبَقِيَ الفِعْلُ المُجَرَّدُ صالِحًا لِلْإصابَةِ بِالشَّرِّ والخَيْرِ، واسْتَعْمَلُوا ”أبْلاهُ“ مَهْمُوزٌ أيْ أصابَهُ بِخَيْرٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ”يُقالُ: مِنَ الخَيْرِ أبْلَيْتُهُ إبْلاءً ومِنَ الشَّرِّ بَلَوْتُهُ أبْلُوهُ بَلاءً“ قُلْتُ: جَعَلُوا الهَمْزَةَ فِيهِ دالَّةً عَلى الإزالَةِ أيْ إزالَةِ البَلاءِ الَّذِي غَلَبَ في إصابَةِ الشَّرِّ ولِهَذا قالَ - تَعالى - ”﴿بَلاءً حَسَنًا﴾“ وهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلِ يُبْلِي مُؤَكِّدٌ لَهُ لِأنَّ فِعْلَ يُبْلِي دالٌّ عَلى بَلاءٍ حَسَنٍ
صفحة ٢٩٧
وضَمِيرٌ مِنهُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ ومِنَ الِابْتِداءِ المَجازِيِّ لِتَشْرِيفِ ذَلِكَ الإبْلاءِ، ويَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى المَذْكُورِ مِنَ القَتْلِ والرَّمْيِ ويَكُونُ مِن لِلتَّعْلِيلِ والسَّبَبِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ”﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾“ تَدْبِيلٌ لِلْكَلامِ و”إنَّ“ هُنا مُقَيِّدَةٌ لِلتَّعْلِيلِ والرَّبْطِ أيْ فَعَلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، فَقَدْ سَمِعَ دُعاءَ المُؤْمِنِينَ واسْتِغاثَتَهم وعَلِمَ أنَّهم لِعِنايَتِهِ ونَصْرِهِ فَقَبِلَ دُعاءَهم ونَصَرَهم.
8:18Page 179
ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨
That [is so], and [also] that Allāh will weaken the plot of the disbelievers.
﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوَهِّنٌ كَيْدَ الكافِرِينَ﴾ الإشارَةُ بِ ذَلِكم إلى البَلاءِ الحَسَنِ وهَذِهِ الإشارَةُ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ المَقْصُودِ مِنَ البَلاءِ الحَسَنِ وأنَّ ذَلِكَ البَلاءَ عِلَّةٌ لِلتَّوْهِينِ.
واسْمُ الإشارَةِ يُفْتَتَحُ بِهِ الكَلامُ لِمَقاصِدَ يَجْمَعُها التَّنْبِيهُ عَلى أهَمِّيَّةِ ما يَرِدُ بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَئابٍ﴾ [ص: ٥٥]“ ويَجِيءُ في الكَلامِ الوارِدِ تَعْلِيلًا كَقَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٥١]“ .
وعَلَيْهِ فاسْمُ الإشارَةِ هُنا مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ وعُطِفَ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ”﴿وأنَّ اللَّهَ مُوَهِّنٌ كَيْدَ الكافِرِينَ﴾“ .
وقَوْلُهُ ”﴿وأنَّ اللَّهَ﴾“ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ، فَما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَجْرُورٍ بِلامِ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةٍ، والتَّقْدِيرُ: ولِتَوْهِينِ كَيْدِ الكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِذَلِكم إلى الأمْرَيْنِ، وهو ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ”﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧]“ مِن تَعْلِيلِ الرَّمْيِ بِخَذْلِ المُشْرِكِينَ وهَزْمِهِمْ وإبْلاءِ المُؤْمِنِينَ البَلاءَ الحَسَنَ.
وإفْرادُ اسْمِ الإشارَةِ مَعَ كَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ اثْنَيْنِ عَلى تَأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِالمَذْكُورِ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و”كَيْدِ الكافِرِينَ“ هو قَصْدُهُمُ الإضْرارَ بِالمُسْلِمِينَ في صُورَةٍ لَيْسَتْ ظاهِرُها بِمُضِرَّةٍ، وذَلِكَ أنَّ جَيْشَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ جاءُوا لِإنْقاذِ العِيرِ لَمّا عَلِمُوا بِنَجاةِ عِيرِهِمْ، وظَنُّوا خْيَبَةَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا في طَلَبِها، أبَوْا أنْ يَرْجِعُوا إلى مَكَةَ وأقامُوا عَلى بَدْرٍ لِيَنْحَرُوا ويَشْرَبُوا الخَمْرَ ويَضْرِبُوا الدُّفُوفَ فَرَحًا وافْتِخارًا بِنَجاةِ عِيرِهِمْ
صفحة ٢٩٨
ولَيْسَ ذَلِكَ لِمُجَرَّدِ اللَّهْوِ، ولَكِنْ لِيَتَسامَعَ العَرَبُ فَيَتَساءَلُوا عَنْ سَبَبِ ذَلِكَ فَيُخْبِرُوا بِأنَّهم غَلَبُوا المُسْلِمِينَ فَيَصْرِفُهم ذَلِكَ عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ فَأرادَ اللَّهُ تَوْهِينَهم بِهَزْمِهِمْ تِلْكَ الهَزِيمَةَ الشَّنْعاءَ فَهو مُوهِنُ كَيْدِهِمْ في الحالِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الكَيْدِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣]“ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ”مُوَهِّنٌ“ بِفَتْحِ الواوِ وبِتَشْدِيدِ الهاءِ وبِالتَّنْوِينِ ونَصْبِ ”كَيْدَ“، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ، ”مُوهِنٌ“ بِتَسْكِينِ الواوِ وتَخْفِيفِ الهاءِ ونَصْبٍ ”كَيْدَ“ - والمَعْنى عَلى القِراءَتَيْنِ سَواءٌ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِإضافَةِ ”مُوهِنِ“ إلى ”كَيْدِ“، والمَعْنى وهي إضافَةٌ لَفْظِيَّةٌ مُساوِيَةٌ لِلتَّنْكِيرِ.
8:19Page 179
إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٩
If you [disbelievers] seek the decision [i.e., victory] - the decision [i.e., defeat] has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allāh is with the believers.
﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهْوَ خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾
جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ جَعَلُوا الخِطابَ مُوَجَّهًا إلى المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ الكَلامُ اعْتِراضًا خُوطِبَ بِهِ المُشْرِكُونَ في خِلالِ خُطَباتِ المُسْلِمِينَ بِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ ”﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوَهِّنٌ كَيْدَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨]“ والخِطابُ التِفاتٌ مِن طَرِيقِ الغَيْبَةِ الَّذِي اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ”﴿وأنَّ اللَّهَ مُوَهِّنٌ كَيْدَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨]“ وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِها أنَّ أبا جَهْلٍ وأصْحابَهُ لَمّا أزْمَعُوا الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ تُجاهَ الكَعْبَةِ، وأنَّهم قَبْلَ أنْ يَشْرَعُوا في القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ اسْتَنْصَرُوا اللَّهَ أيْضًا وقالُوا: رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ، فَخُوطِبُوا بِأنْ قَدْ جاءَهُمُ الفَتْحُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ أيِ الفَتْحُ الَّذِي هو نَصْرُ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ.
وإنَّما كانَ تَهَكُّمًا لِأنَّ في مَعْنى ”﴿جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾“ اسْتِعارَةَ المَجِيءِ لِلْحُصُولِ عِنْدَهم تَشْبِيهًا بِمَجِيءِ المُنْجِدِ لِأنَّ جَعْلَ الفَتْحِ جاءِيًا إيّاهم يَقْتَضِي أنَّ النَّصْرَ كانَ في جانِبِهِمْ ولِمَنفَعَتِهِمْ، والواقِعُ يُخالِفُ ذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهَكُّمِ بِقَرِينَةِ مُخالَفَتِهِ الواقِعَ بِمَسْمَعِ المُخاطَبِينَ ومَرْآهم.
وحَمَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِعْلَ جاءَكم عَلى مَعْنى: فَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمُ النَّصْرُ ورَأيْتُمُوهُ أنَّهُ
صفحة ٢٩٩
عَلَيْكم لا لَكم، وعَلى هَذا يَكُونُ المَجِيءُ بِمَعْنى الظُّهُورِ: مِثْلِ ”﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]“ ومِثْلِ ”﴿جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١]“ ولا يَكُونُ في الكَلامِ تَهَكُّمٌ.
وصِيغَ ”﴿تَسْتَفْتِحُوا﴾“ بِصِيغَةِ المُضارِعِ مَعَ أنَّ الفِعْلَ مَضى لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ مِن تَكْرِيرِهِمُ الدُّعاءَ بِالنَّصْرِ عَلى المُسْلِمِينَ، وبِذَلِكَ تَظْهَرُ مُناسِبَةُ عَطْفِ ”﴿وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾“ إلى قَوْلِهِ ”﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾“ أيْ تَنْتَهُوا عَنْ كُفْرِكم بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ في جانِبِ المُسْلِمِينَ.
وعُطِفَ الوَعِيدُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ”﴿وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾“ أيْ: إنْ تَعُودُوا إلى العِنادِ والقِتالِ نَعُدْ، أيْ نَعُدْ إلى هَزْمِكم كَما فَعَلْنا بِكم يَوْمَ بَدْرٍ.
ثُمَّ أيْأسَهم مِنَ الِانْتِصارِ في المُسْتَقْبَلِ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ ”﴿ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ﴾“ أيْ لا تَنْفَعُكم جَماعَتُكم عَلى كَثْرَتِها كَما لَمْ تُغْنِ عَنْكم يَوْمَ بَدْرٍ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَوْمَئِذٍ واثِقِينَ بِالنَّصْرِ عَلى المُسْلِمِينَ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةَ ”إنْ“ ”﴿وإنْ تَعُودُوا﴾“ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ وهي ”﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾“ .
ولَوِ اتِّصالِيَّةٌ أيْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْكم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ولَوْ كانَتْ في حالِ كَثْرَةٍ عَلى فِئَةِ أعْدائِكم، وصاحِبُ الحالِ المُقْتَرِنَةِ بَلَوِ الِاتِّصالِيَّةِ قَدْ يَكُونُ مُتَّصِفًا بِمَضْمُونِها، وقَدْ يَكُونُ مُتَّصِفًا بِنَقِيضِهِ، فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ العَوْدِ في قَوْلِهِ ”﴿وإنْ تَعُودُوا﴾“ العَوْدَ إلى طَلَبِ النَّصْرِ لِلْمُحِقِّ فالمَعْنى واضِحٌ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنهُ العَوْدَ إلى مُحارَبَةِ المُسْلِمِينَ فَقَدْ يُشْكِلُ بِأنَّ المُشْرِكِينَ انْتَصَرُوا عَلى المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنى ”نَعُدْ“ ولا مَوْقِعَ لِجُمْلَةِ ”﴿ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكُمْ﴾“ فَإنَّ فِئَتَهم أغْنَتْ عَنْهم يَوْمَ أُحُدٍ.
والجَوابُ عَنْ هَذا الإشْكالِ أنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَكُنْ بِأداةِ شَرْطٍ مِمّا يُفِيدُ العُمُومَ مِثْلَ ”مَهْما“ فَلا يُبْطِلُهُ تَخَلُّفُ حُصُولِ مَضْمُونِ الجَزاءِ عَنْ حُصُولِ الشَّرْطِ في مَرَّةٍ، أوْ نَقُولُ إنَّ اللَّهَ قَضى لِلْمُسْلِمِينَ بِالنَّصْرِ يَوْمَ أُحُدٍ ونَصَرَهم وعَلِمَ المُشْرِكُونَ أنَّهم قَدْ غُلِبُوا ثُمَّ دارَتِ الهَزِيمَةُ عَلى المُسْلِمِينَ لِأنَّهم لَمْ يَمْتَثِلُوا لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَرِحُوا عَنِ المَوْضِعِ الَّذِي أمَرَهم أنْ لا يَبْرَحُوا عَنْهُ طَلَبًا لِلْغَنِيمَةِ فَعُوقِبُوا بِالهَزِيمَةِ كَما قالَ ”﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]“ وقالَ ”﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥]“ . وقَدْ مَضى ذَلِكَ في سُورَةِ آلِ
صفحة ٣٠٠
عِمْرانَ، وبَعْدُ فَفي هَذا الوَعِيدِ بِشارَةٌ بِأنَّ النَّصْرَ الحاسِمَ سَيَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ وهو نَصْرُ يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ.
وجُمْلَةُ ”﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾“ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ زِيادَةٌ في تَأْيِيسِ المُشْرِكِينَ مِنَ النَّصْرِ، وتَنْوِيهٌ بِفَضْلِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ النَّصْرَ الَّذِي انْتَصَرُوهُ هو مِنَ اللَّهِ لا بِأسْبابِهِمْ فَإنَّهم دُونَ المُشْرِكِينَ عَدَدًا وعُدَّةً.
ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ الخِطابَ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، ونُسِبَ إلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وعَطاءٍ، لِكَوْنِ خِطابِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ الهِجْرَةِ قَدْ صارَ نادِرًا لِأنَّهم أصْبَحُوا بُعَداءَ عَنْ سَماعِ القُرْآنِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا فَإنَّهم لَمّا ذُكِّرُوا بِاسْتِجابَةِ دُعائِهِمْ بِقَوْلِهِ ”﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]“ الآياتِ، وأُمِرُوا بِالثَّباتِ لِلْمُشْرِكِينَ، وذُكِّرُوا بِنَصْرِ اللَّهِ - تَعالى - إيّاهم يَوْمَ بَدْرٍ بِقَوْلِهِ ”﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧]“ إلى قَوْلِهِ ”﴿مُوَهِّنٌ كَيْدَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨]“ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ يُثِيرُ سُؤالًا يَخْتَلِجُ في نُفُوسِهِمْ أنْ يَقُولُوا: أيَكُونُ كَذَلِكَ شَأْنُنا كُلَّما جاهَدْنا أمْ هَذِهِ مَزِيَّةٌ لِوَقْعَةِ بَدْرٍ، فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُفِيدَةً جَوابَ هَذا التَّساؤُلِ.
فالمَعْنى: (إنْ تَسْتَنْصِرُوا في) المُسْتَقْبَلِ قَوْلُهُ (فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ)، والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ الماضِي في جَوابِ الشَّرْطِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ”﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾“ دَلِيلًا عَلى كَلامٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: إنْ تَسْتَنْصِرُوا في المُسْتَقْبَلِ نَنْصُرْكم فَقَدْ نَصَرْناكم يَوْمَ بَدْرٍ.
والِاسْتِفْتاحُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ كِنايَةٌ عَنِ الخُرُوجِ لِلْجِهادِ، لِأنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ النَّصْرِ، ومَعْنى ”﴿وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾“ أيْ إنْ تُمْسِكُوا عَنِ الجِهادِ حَيْثُ لا يَتَعَيَّنُ فَهو أيِ الإمْساكُ خَيْرٌ لَكم لِتَسْتَجْمِعُوا قُوَّتَكم وأعْدادَكم، فَأنْتُمْ في حالِ الجِهادِ مُنْتَصِرُونَ، وفي حالِ السِّلْمِ قائِمُونَ بِأمْرِ الدِّينِ وتَدْبِيرِ شُئُونِكُمُ الصّالِحَةِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «لا تَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ» . وقِيلَ المُرادُ: وإنْ تَنْتَهُوا عَنِ التَّشاجُرِ في أمْرِ الغَنِيمَةِ أوْ عَنِ التَّفاخُرِ بِانْتِصارِكم يَوْمَ بَدْرٍ فَهو خَيْرٌ لَكم مِن وُقُوعِهِ.
وأمّا قَوْلُهُ ”﴿وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾“ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ فَهو إنْ تَعُودُوا إلى طَلَبِ النَّصْرِ نَعُدْ فَنَنْصُرَكم أيْ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِن عَطائِنا كَما قالَ زُهَيْرٌ:
سَألْنا فَأعْطَيْتُمْ وعُدْنا فَعُدْتُمُ ومَن أكْثَرَ التَّسْآلَ يَوْمًا سَيُحْرَمُ
صفحة ٣٠١
يُعْلِمُهُمُ اللَّهُ صِدْقَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ، ويَكُونُ مَوْقِعُ ”﴿ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا﴾“ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِمَضْمُونِ ”﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾“ وقَوْلُهُ ”﴿وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾“ أيْ لا تَعْتَمِدُوا إلّا عَلى نَصْرِ اللَّهِ.
فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ ”﴿ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا﴾“ بِمَنزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِتَعْلِيقِ مَجِيءِ الفَتْحِ عَلى أنْ تَسْتَفْتِحُوا المُشْعِرِ بِأنَّ النَّصْرَ غَيْرُ مَضْمُونِ الحُصُولِ إلّا إذا اسْتَنْصَرُوا بِاللَّهِ - تَعالى - وجُمْلَةُ ”ولَوْ كَثُرَتْ“ في مَوْضِعِ الحالِ. و”لَوْ“ إتِّصالِيَّةٌ، وصاحِبُ الحالِ مُتَّصِفٌ بِضِدِّ مَضْمُونِها، أيْ: ولَوْ كَثُرَتْ فَكَيْفَ وفِئَتُكم قَلِيلَةٌ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ في قَوْلِهِ ”﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾“ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ، لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وإنَّ اللَّهَ مَعَكم، فَعَدَلَ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ سَبَبَ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ هو إيمانُهم. فَهَذانِ تَفْسِيرانِ لِلْآيَةِ، والوِجْدانُ يَكُونُ كِلاهُما مُرادًا.
والفَتْحُ حَقِيقَتُهُ إزالَةُ شَيْءٍ مَجْعُولٍ حاجِزًا دُونَ شَيْءٍ آخَرَ، حِفْظًا لَهُ مِنَ الضَّياعِ أوِ الِافْتِكاكِ والسَّرِقَةِ، فالجِدارُ حاجِزٌ، والبابُ حاجِزٌ، والسَّدُّ حاجِزٌ، والصُّنْدُوقُ حاجِزٌ، والعِدْلُ تَجْعَلُ فِيهِ الثِّيابَ والمَتاعَ حاجِزٌ، فَإذا أُزِيلَ الحاجِزُ أوْ فُرِّجَ فِيهِ فَرْجَةٌ يُسْلَكُ مِنها إلى المَحْجُوزِ سُمِّيَتْ تِلْكَ الإزالَةُ فَتْحًا، وذَلِكَ هو المَعْنى الحَقِيقِيُّ، إذْ هو المَعْنى الَّذِي لا يَخْلُو عَنِ اعْتِبارِهِ جَمِيعُ اسْتِعْمالِ مادَّةِ الفَتْحِ، وهو بِهَذا المَعْنى يُسْتَعارُ لِإعْطاءِ الشَّيْءِ العَزِيزِ النَّوالِ اسْتِعارَةً مُفْرَدَةً أوْ تَمْثِيلِيَّةً، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤]“ وقَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ﴾ [الأعراف: ٩٦]“ الآيَةَ في سُورَةِ الأعْرافِ، فالِاسْتِفْتاحُ هُنا طَلَبُ الفَتْحِ أيِ النَّصْرِ، والمَعْنى إنْ تَسْتَنْصِرُوا اللَّهَ فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ.
وكَثُرَ إطْلاقُ الفَتْحِ عَلى حُلُولِ قَوْمٍ بِأرْضٍ أوْ بَلَدِ غَيْرِهِمْ في حَرْبٍ أوْ غارَةٍ، وعَلى النَّصْرِ، وعَلى الحُكْمِ، وعَلى مَعانٍ أُخَرَ، عَلى وجْهِ المَجازِ أوِ الكِنايَةِ، وقَوْلُهُ ”﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾“ وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ”﴿وأنَّ اللَّهَ مُوَهِّنٌ كَيْدَ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨]“ .
وقَرَأهُ الباقُونَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَهو تَذْيِيلٌ لِلْآيَةِ في مَعْنى التَّعْلِيلِ، لِأنَّ التَّذْيِيلَ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ يَصْلُحُ لِإفادَةِ تَعْلِيلِ المُذَيَّلِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المُقَدِّمَةِ الكُبْرى لِلْمُقَدِّمَةِ الصُّغْرى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences