Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:24–26
8:24Page 179
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤
O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ إعادَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ النَّتِيجَةِ مِنَ الدَّلِيلِ أوْ مَقْصِدِ الخُطْبَةِ مِن مُقَدِّمَتِها كَما تَقَدَّمَ هُنالِكَ.
فافْتِتاحُ السُّورَةِ كانَ بِالأمْرِ بِالطّاعَةِ والتَّقْوى، ثُمَّ بَيانِ أنَّ حَقَّ المُؤْمِنِينَ الكُمَّلَ أنْ يَخافُوا اللَّهَ ويُطِيعُوهُ ويَمْتَثِلُوا أمْرَهُ وإنْ كانُوا كارِهِينَ، وضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِكَراهَتِهِمُ الخُرُوجَ إلى بَدْرٍ، ثُمَّ بِكَراهَتِهِمْ لِقاءَ النَّفِيرِ، وأوْقَفَهم عَلى ما اجْتَنَبُوهُ مِن بَرَكاتِ الِامْتِثالِ وكَيْفَ أيَّدَهُمُ اللَّهُ بِنَصْرِهِ ونَصَبَ لَهم عَلَيْهِ أمارَةُ الوَعْدِ بِإمْدادِ المَلائِكَةِ لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُهم بِالنَّصْرِ، وما لَطَفَ بِهِمْ مِنَ الأحْوالِ، وجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ إقْناعًا لَهم بِوُجُوبِ الثَّباتِ في وجْهِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ الزَّحْفِ، ثُمَّ عادَ إلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ وحَذَّرَهم مِن أحْوالِ الَّذِينَ يَقُولُونَ سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ، وأعْقَبَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالِاسْتِجابَةِ لِلرَّسُولِ إذا دَعاهم إلى شَيْءٍ فَإنَّ في دَعْوَتِهِ إيّاهم إحْياءً لِنُفُوسِهِمْ، وأعْلَمَهم أنَّ اللَّهَ يُكْسِبُ قُلُوبَهم بِتِلْكَ الِاسْتِجابَةِ قُوًى قُدْسِيَّةً.
واخْتِيرَ في تَعْرِيفِهِمْ، عِنْدَ النِّداءِ، وصْفُ الإيمانِ لِيُومِئَ إلى التَّعْلِيلِ كَما تَقَدَّمَ في الآياتِ مِن قَبْلُ، أيْ أنَّ الإيمانَ هو الَّذِي يَقْتَضِي أنْ يَثِقُوا بِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ فَيَمْتَثِلُوا أمْرَهُ إذا دَعاهم.
صفحة ٣١٢
والِاسْتِجابَةُ: الإجابَةُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيها لِلتَّأْكِيدِ، وقَدْ غَلَبَ اسْتِعْمالُ الِاسْتِجابَةِ في إجابَةِ طَلَبٍ مُعَيَّنٍ أوْ في الأعَمِّ، فَأمّا الإجابَةُ فَهي إجابَةٌ لِنِداءٍ وغَلَبَ أنْ يُعَدّى بِاللّامِ إذا اقْتَرَنَ بِالسِّينِ والتّاءِ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]“ في آلِ عِمْرانَ.
وإعادَةُ حَرْفٍ بَعْدَ واوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ”ولِلرَّسُولِ“ لِلْإشارَةِ إلى اسْتِقْلالِ المَجْرُورِ بِالتَّعَلُّقِ بِفِعْلِ الِاسْتِجابَةِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اسْتِجابَةَ الرَّسُولِ ﷺ أعَمُّ مِنَ اسْتِجابَةِ اللَّهِ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ لِلَّهِ لا تَكُونُ لا بِمَعْنى المَجازِ وهو الطّاعَةُ بِخِلافِ الِاسْتِجابَةِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَإنَّها بِالمَعْنى الأعَمِّ الشّامِلِ لِلْحَقِيقَةِ وهو اسْتِجابَةُ نِدائِهِ، ولِلْمَجازِ وهو الطّاعَةُ، فَأُرِيدَ أمْرُهم بِالِاسْتِجابَةِ لِلرَّسُولِ بِالمَعْنَيَيْنِ كُلَّما صَدَرَتْ مِنهُ دَعْوَةٌ تَقْتَضِي أحَدَهُما.
ألا تَرى أنَّهُ لَمْ يُعِدْ ذِكْرَ اللّامِ في المَوْقِعِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ الِاسْتِجابَةُ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﷺ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو الطّاعَةُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى - ”﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢]“ فَإنَّها الطّاعَةُ لِلْأمْرِ بِاللَّحاقِ بِجَيْشِ قُرَيْشٍ في حَمْراءِ الأسَدِ بَعْدَ الِانْصِرافِ مِن أُحُدٍ فَهي اسْتِجابَةٌ لِدَعْوَةٍ مُعَيَّنَةٍ.
وإفْرادُ ضَمِيرِ ”دَعاكم“ لِأنَّ الدُّعاءَ مِن فِعْلِ الرَّسُولِ مُباشَرَةً، كَما أُفْرِدَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ”ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ“ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا.
ولَيْسَ قَوْلُهُ ”﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾“ قَيْدًا لِلْأمْرِ بِاسْتِجابَةٍ ولَكِنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ دُعاءَهُ إيّاهم لا يَكُونُ إلّا إلى ما فِيهِ خَيْرٌ لَهم وإحْياءٌ لِأنْفُسِهِمْ.
واللّامُ في ”﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾“ لامُ التَّعْلِيلِ أيْ دَعاكم لِأجْلِ ما هو سَبَبُ حَياتِكُمُ الرُّوحِيَّةِ.
والإحْياءُ تَكْوِينُ الحَياةِ في الجَسَدِ، والحَياةُ قُوَّةٌ بِها يَكُونُ الإدْراكُ والتَّحَرُّكُ بِالِاخْتِيارِ، ويُسْتَعارُ الإحْياءُ تَبَعًا لِاسْتِعارَةِ الحَياةِ لِلصِّفَةِ أوِ القُوَّةِ الَّتِي بِها كَمالُ مَوْصُوفِها فِيما يُرادُ مِنهُ مِثْلَ حَياةِ الأرْضِ بِالإنْباتِ وحَياةِ العَقْلِ بِالعِلْمِ وسَدادِ الرَّأْيِ، وضِدُّها المَوْتُ في المَعانِي الحَقِيقِيَّةِ والمَجازِيَّةِ، قالَ - تَعالى - ”﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١]“ ”﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]“ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
والإحْياءُ والإماتَةُ تَكْوِينُ الحَياةِ والمَوْتِ. وتُسْتَعارُ الحَياةُ والإحْياءُ لِبَقاءِ
صفحة ٣١٣
الحَياةِ واسْتِبْقائِها بِدَفْعِ العَوادِي عَنْها ”﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]“ ”﴿ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]“ .
والإحْياءُ هَذا مُسْتَعارٌ لِما يُشْبِهُ إحْياءَ المَيِّتِ، وهو إعْطاءُ الإنْسانِ ما بِهِ كَمالُ الإنْسانِ، فَيَعُمُّ كُلَّ ما بِهِ ذَلِكَ الكَمالُ مِن إنارَةِ العُقُولِ بِالِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ والخُلُقِ الكَرِيمِ، والدَّلالَةِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ وإصْلاحِ الفَرْدِ والمُجْتَمَعِ، وما يَتَقَوَّمُ بِهِ ذَلِكَ مِنَ الخِلالِ الشَّرِيفَةِ العَظِيمَةِ، فالشَّجاعَةُ حَياةٌ لِلنَّفْسِ، والِاسْتِقْلالُ حَياةٌ، والحُرِّيَّةُ حَياةٌ، واسْتِقامَةُ أحْوالِ العَيْشِ حَياةٌ.
ولَمّا كانَ دُعاءُ الرَّسُولِ ﷺ لا يَخْلُو عَنْ إفادَةِ شَيْءٍ مِن مَعانِي هَذِهِ الحَياةِ أمَرَ اللَّهُ الأُمَّةَ بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ، فالآيَةُ تَقْتَضِي الأمْرَ بِالِامْتِثالِ لِما يَدْعُو إلَيْهِ الرَّسُولُ سَواءٌ دَعا حَقِيقَةً بِطَلَبِ القُدُومِ، أمْ طَلَبَ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَيْدُ ”﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾“ مَقْصُودًا لِتَقْيِيدِ الدَّعْوَةِ بِبَعْضِ الأحْوالِ بَلْ هو قَيْدٌ كاشِفٌ، فَإنَّ الرَّسُولَ ﷺ لا يَدْعُوهم إلّا وفي حُضُورِهِمْ لَدَيْهِ حَياةٌ لَهم، ويَكْشِفُ عَنْ هَذا المَعْنى في قَيْدِ ”لِما يُحْيِيكم“ ما رَواهُ أهْلُ الصَّحِيحِ عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى، قالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي في المَسْجِدِ فَدَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ أجُبْهُ ثُمَّ أتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ أُصَلِّيَ فَقالَ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ - تَعالى - ”﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾“ ثُمَّ قالَ: ألا أُعَلِّمُكَ صُورَةُ» الحَدِيثِ في فَضْلِ فاتِحَةِ الكِتابِ، فَوَقْفُهُ عَلى قَوْلِهِ ”إذا دَعاكم“ يَدُلُّ عَلى أنَّ ”لِما يُحْيِيكم“ قَيْدٌ كاشِفٌ. وفي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقالَ: يا أُبَيُّ وهو يُصَلِّي فالتَفَتَ أُبَيٌّ ولَمْ يَجُبْهُ وصَلّى أُبَيٌّ فَخَفَّفَ ثُمَّ انْصَرَفَ إلى رَسُولِ اللَّهِ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وعَلَيْكَ السَّلامُ، ما مَنَعَكَ يا أُبَيُّ أنْ تُجِيبَنِي إذْ دَعَوْتُكَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ في الصَّلاةِ، فَقالَ: أفَلَمْ تَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ أنِ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم. قالَ: بَلى ولا أعُودُ إنْ شاءَ اللَّهُ» الحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثِ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا مِن طَرِيقِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ يُرِيدُ حَدِيثَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (وهو عِنْدَ مالِكٍ حَضَرَ مِنهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ورُوِيَ أنَّهُ وقَعَ نَحْوَهُ مَعَ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، فَتَكُونُ عِدَّةَ قَضايا مُتَماثِلَةٍ. ولا شَكَّ أنَّ القَصْدَ مِنها
صفحة ٣١٤
التَّنْبِيهَ عَلى هَذِهِ الخُصُوصِيَّةِ لِدُعاءِ الرَّسُولِ ﷺ .
* * *
﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
مُقْتَضى ارْتِباطِ نَظْمِ الكَلامِ يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُرْتَبِطًا بِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها فَيَكُونُ عَطْفُها عَلَيْها عَطْفُ التَّكْمِلَةِ عَلى ما تُكَمِّلُهُ، والجُمْلَتانِ مَجْعُولَتانِ آيَةً واحِدَةً في المُصْحَفِ.
وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِ ”اعْلَمُوا“ لِلِاهْتِمامِ بِما تَتَضَمَّنُهُ وحَثِّ المُخاطَبِينَ عَلى التَّأمُّلِ فِيما بَعْدَهُ، وذَلِكَ مِن أسالِيبِ الكَلامِ البَلِيغِ أنْ يُفْتَتَحَ بَعْضُ الجُمَلِ المُشْتَمِلَةِ عَلى خَبَرٍ أوْ طَلَبِ فَهْمٍ بِ ”اعْلَمْ“ أوْ ”تَعَلَّمْ“ لَفْتًا لِذِهْنِ المُخاطَبِ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ غالِبًا بِغَفْلَةِ المُخاطَبِ عَنْ أمْرٍ مُهِمٍّ فَمِنَ المَعْرُوفِ أنَّ المُخْبِرَ أوِ الطّالِبَ ما يُرِيدُ إلّا عِلْمَ المُخاطَبِ، فالتَّصْرِيحُ بِالفِعْلِ الدّالِّ عَلى طَلَبِ العِلْمِ مَقْصُودٌ لِلِاهْتِمامِ، قالَ - تَعالى - اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وقالَ: ”﴿اعْلَمُوا أنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الحديد: ٢٠]“ الآيَةَ. وقالَ في الآيَةِ بَعْدَ هَذِهِ ”﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ٢٥]“ وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِأبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ وقَدْ رَآهُ يَضْرِبُ عَبْدًا لَهُ ”اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ أنَّ اللَّهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنكَ عَلى هَذا الغُلامِ وقَدْ يَفْتَتِحُونَ بِتَعَلَّمْ أوْ تَعَلَّمْنَ» . قالَ زُهَيْرٌ:
قُلْتُ تَعَلَّمْ أنَّ لِلصَّيْدِ غِرَّةً وإلّا تُضَيِّعْها فَإنَّكَ قاتِلُهُ
وقالَ زِيادُ بْنُ سَيّارٍ:
تَعَلَّمْ شِفاءَ النَّفْسِ قَهْرُ عَدُوِّهَـا ∗∗∗ فَبالِغْ بِلُطْفٍ في التَّحَيُّلِ والمَكْرِ
وقالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ:
وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمُ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
وأنَّ بَعْدَ هَذا الفِعْلِ مَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ حَيْثُما وقَعَتْ، والمَصْدَرُ المُؤَوَّلُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمَ مَعَ إفادَةِ أنَّ التَّأْكِيدَ.
والحَوْلُ، ويُقالُ الحُئُولُ: مَنعُ شَيْءٍ اتِّصالًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ أوْ أشْياءَ. قالَ - تَعالى - ﴿وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ [هود: ٤٣] .
صفحة ٣١٥
وإسْنادُ الحَوْلِ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ المَكانِ، والمَعْنى يَحُولُ شَأْنٌ مِن شُئُونِ صِفاتِهِ، وهو تَعَلُّقُ صِفَةِ العِلْمِ بِالِاطِّلاعِ عَلى ما يُضْمِرُهُ المَرْءُ، أوْ تَعَلُّقُ صِفَةِ القُدْرَةِ بِتَنْفِيذِ ما عَزَمَ عَلَيْهِ المَرْءُ أوْ بِصَرْفِهِ عَنْ فِعْلِهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالقَلْبِ هُنا البَضْعَةَ الصَّنَوْبَرِيَّةَ المُسْتَقِرَّةَ في باطِنِ الصَّدْرِ، وهي الآلَةُ الَّتِي تَدْفَعُ الدَّمَ إلى عُرُوقِ الجِسْمِ، بَلِ المُرادُ عَقْلُ المَرْءِ وعَزْمُهُ، وهو إطْلاقٌ شائِعٌ في العَرَبِيَّةِ.
فَلَمّا كانَ مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَكْمِلَةً لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واعْلَمُوا أنَّ عِلْمَ اللَّهِ يَخْلُصُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ خُلُوصَ الحائِلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَإنَّهُ يَكُونُ شَدِيدَ الِاتِّصالِ بِكِلَيْهِما.
والمُرادُ بِالمَرْءِ عَمَلُهُ وتَصَرُّفاتُهُ الجُسْمانِيَّةُ.
فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ عَزْمَ المَرْءِ ونِيَّتَهُ قَبْلَ أنْ تَنْفَعِلَ بِعَزْمِهِ جَوارِحُهُ، فَشُبِّهَ عِلْمُ اللَّهِ بِذَلِكَ بِالحائِلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ في كَوْنِهِ أشَدَّ اتِّصالًا بِالمَحُولِ عَنْهُ مِن أقْرَبِ الأشْياءِ إلَيْهِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .
وجِيءَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ“ يَحُولُ ”لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَتَجَدَّدُ ويَسْتَمِرُّ، وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى -“ ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] ”قالَهُ قَتادَةُ.
والمَقْصُودُ مِن هَذا تَحْذِيرُ المُؤْمِنِينَ مِن كُلِّ خاطِرْ يَخْطُرُ في النُّفُوسِ: مِنَ التَّراخِي في الِاسْتِجابَةِ إلى دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ، والتَّنَصُّلِ مِنها، أوِ التَّسَتُّرِ في مُخالَفَتِهِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ“ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥] ”.
وبِهَذا يَظْهَرُ وقْعُ قَوْلِهِ“ ﴿وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ”عَقِبَهُ، فَكانَ ما قَبْلَهُ تَحْذِيرًا وكانَ هو تَهْدِيدًا. وفي الكَشّافِ، وابْنِ عَطِيَّةَ: قِيلَ إنَّ المُرادَ الحَثُّ عَلى المُبادَرَةِ بِالِامْتِثالِ وعَدَمِ إرْجاءِ ذَلِكَ إلى وقْتٍ آخَرَ خَشْيَةَ أنْ تَعْتَرِضَ المَرْءَ مَوانِعُ مِن تَنْفِيذِ عَزْمِهِ عَلى الطّاعَةِ، أيْ فَيَكُونُ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: إنَّ أجَلَ اللَّهِ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، أيْ بَيْنَ عَمَلِهِ وعَزْمِهِ. قالَ - تَعالى -“ ﴿وأنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] ”الآيَةَ.
وهُنالِكَ أقْوالٌ أُخْرى لِلْمُفَسِّرِينَ يَحْتَمِلُها اللَّفْظُ ولا يُساعِدُ عَلَيْها ارْتِباطُ الكَلامِ، والَّذِي حَمَلَنا عَلى تَفْسِيرِ الآيَةِ بِهَذا دُونَ ما عَداهُ أنْ لَيْسَ في جُمْلَةِ
صفحة ٣١٦
“ ﴿أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ ”إلّا تَعَلُّقُ شَأْنٍ مِن شُئُونِ اللَّهِ بِالمَرْءِ وقَلْبِهِ أيْ جُثْمانِهِ وعَقْلِهِ دُونَ شَيْءٍ آخَرَ خارِجٍ عَنْهُما، مِثْلَ دَعْوَةِ الإيمانِ ودَعْوَةِ الكُفْرِ، وأنَّ كَلِمَةَ“ بَيْنَ ”تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ، فَما يَكُونُ تَحَوُّلٌ إلّا إلى أحَدِهِما لا إلى أمْرٍ آخَرَ خارِجٍ عَنْهُما كالطَّبائِعِ، فَإنَّ ذَلِكَ تَحْوِيلٌ ولَيْسَ حُئُولًا.
وجُمْلَةُ“ ﴿وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ”عَطْفٌ عَلى أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، والضَّمِيرُ الواقِعُ اسْمُ أنَّ ضَمِيرُ اسْمِ الجَلالَةِ، ولَيْسَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ، ولِإجْراءِ أُسْلُوبِ الكَلامِ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ“ ﴿أنَّ اللَّهَ يَحُولُ﴾ ”إلَخْ.
وتَقْدِيمُ مُتَعَلِّقِ“ تُحْشَرُونَ " عَلَيْهِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ أيْ: إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ تُحْشَرُونَ، وهَذا الِاخْتِصاصُ لِلْكِنايَةِ عَنِ انْعِدامِ مَلْجَأٍ أوْ مَخْبَأٍ تَلْتَجِئُونَ إلَيْهِ مِنَ الحَشْرِ إلى اللَّهِ، فَكَنّى عَنِ انْتِفاءِ المَكانِ بِانْتِفاءِ مَحْشُورٍ إلَيْهِ غَيْرَ اللَّهِ بِأبْدَعِ أُسْلُوبٍ، ولَيْسَ الِاخْتِصاصُ لِرَدِّ اعْتِقادٍ، لِأنَّ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَلا مُقْتَضى لِقَصْرِ الحَشْرِ عَلى الكَوْنِ إلى اللَّهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ.
8:25Page 179
وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥
And fear a trial1 which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allāh is severe in penalty.
﴿واتَّقَوْا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾
عَقِبَ تَحْرِيضِ جَمِيعِهِمْ عَلى الِاسْتِجابَةِ، المُسْتَلْزَمِ تَحْذِيرَهم مِن ضِدِّها بِتَحْذِيرِ المُسْتَجِيبِينَ مِن إعْراضِ المُعْرِضِينَ، لِيَعْلَمُوا أنَّهم قَدْ يَلْحَقُهم أذًى مِن جَرّاءِ فِعْلِ غَيْرِهِمْ إذا هم لَمْ يُقَوِّمُوا عِوَجَ قَوْمِهِمْ، كَيْلا يَحْسَبُوا أنَّ امْتِثالَهم كافٍ إذا عَصى دَهْماؤُهم، فَحَذَّرَهم فِتْنَةً تَلْحَقُهم فَتَعُمُّ الظّالِمَ وغَيْرَهُ.
فَإنَّ المُسْلِمِينَ إنْ لَمْ يَكُونُوا كَلِمَةً واحِدَةً في الِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَبَّ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلافُ واضْطَرَبَتْ أحْوالُهم واخْتَلَّ نِظامُ جَماعَتِهِمْ بِاخْتِلافِ الآراءِ وذَلِكَ الحالُ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِتْنَةِ.
وحاصِلُ مَعْنى الفِتْنَةِ يَرْجِعُ إلى اضْطِرابِ الآراءِ، واخْتِلالِ السَّيْرِ، وحُلُولِ الخَوْفِ والحَذَرِ في نُفُوسِ النّاسِ، قالَ - تَعالى - ”﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: ٤٠]“ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الفِتْنَةِ في قَوْلِهِ ”﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]“ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
صفحة ٣١٧
فَعَلى عُقَلاءِ الأقْوامِ وأصْحابِ الأحْلامِ مِنهم إذا رَأوْا دَبِيبَ الفَسادِ في عامَّتِهِمْ أنْ يُبادِرُوا لِلسَّعْيِ إلى بَيانِ ما حَلَّ بِالنّاسِ مِنَ الضَّلالِ في نُفُوسِهِمْ، وأنْ يَكْشِفُوا لَهم ماهِيَّتَهُ وشُبْهَتَهُ وعَواقِبَهُ، وأنْ يَمْنَعُوهم مِنهُ بِما أُوتُوهُ مِنَ المَوْعِظَةِ والسُّلْطانِ، ويَزْجُرُوا المُفْسِدِينَ عَنْ ذَلِكَ الفَسادِ حَتّى يَرْتَدِعُوا، فَإنْ هم تَرَكُوا ذَلِكَ، وتَوانَوْا فِيهِ لَمْ يَلْبَثِ الفَسادُ أنْ يَسْرِيَ في النُّفُوسِ ويَنْتَقِلَ بِالعَدْوى مِن واحِدٍ إلى غَيْرِهِ، حَتّى يَعُمَّ أوْ يَكادُ، فَيَعْسُرُ اقْتِلاعُهُ مِنَ النُّفُوسِ، وذَلِكَ الِاخْتِلالُ يُفْسِدُ عَلى الصّالِحِينَ صَلاحُهم ويُنَكِّدُ عَيْشَهم عَلى الرَّغْمِ مِن صَلاحِهِمْ واسْتِقامَتِهِمْ، فَظَهَرَ أنَّ الفِتْنَةَ إذا حَلَّتْ بِقَوْمٍ لا تُصِيبُ الظّالِمَ خاصَّةً بَلْ تَعُمُّهُ والصّالِحَ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ وجَبَ اتِّقاؤُها عَلى الكُلِّ لِأنَّ أضْرارَ حُلُولِها تُصِيبُ جَمِيعَهم.
وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ الفِتْنَةَ قَدْ تَكُونُ عِقابًا مِنَ اللَّهِ - تَعالى - في الدُّنْيا، فَهي تَأْخُذُ حُكْمَ العُقُوباتِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تُصِيبُ الأُمَمَ، فَإنَّ مِن سُنَّتِها أنْ لا تَخُصَّ المُجْرِمِينَ إذا كانَ الغالِبُ عَلى النّاسِ هو الفَسادُ، لِأنَّها عُقُوباتٌ تَحْصُلُ بِحَوادِثَ كَوْنِيَّةٍ يَسْتَتِبُّ في نِظامِ العالِمِ الَّذِي سَنَّهُ اللَّهُ - تَعالى - في خَلْقِ هَذا العالَمِ أنْ يُوَزَّعَ عَلى الأشْخاصِ كَما ورَدَ في حَدِيثِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في الصَّحِيحِ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ مِثْلَ القائِمِ عَلى حُدُودِ اللَّهِ والواقِعِ فِيها كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلى سَفِينَةٍ فَأصابَ بَعْضُهم أعْلاها وبَعْضُهم أسْفَلَها، فَكانَ الَّذِينَ في أسْفَلِها إذا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلى مَن فَوْقَهم فَقالُوا لَوْ أنّا خَرَقْنا في نَصِيبِنا خَرْقًا ولَمْ نُؤْذِ مَن فَوْقَنا، فَإنْ يَتْرُكُوهم وما أرادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وإنْ أخَذُوا عَلى أيْدِيهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أنَّها قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ قالَ نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ ثُمَّ يَحْشُرُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ» .
وحَرْفُ لا في قَوْلِهِ ”لا تُصِيبَنَّ“ نَهْيٌ بِقَرِينَةِ اتِّصالِ مَدْخُولِها بِنُونِ التَّوْكِيدِ المُخْتَصَّةِ بِالإثْباتِ في الخَبَرِ وبِالطَّلَبِ، فالجُمْلَةُ الطَّلَبِيَّةُ: إمّا نَعْتٌ لِفِتْنَةٍ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، ومِثْلُهُ وارِدٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِ العَجّاجِ.
حَتّى إذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطَ جاءُوا بِمَذْقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ
أيْ مَقُولٌ فِيهِ. وبابُ حَذْفِ القَوْلِ بابٌ مُتَّسِعٌ، وقَدِ اقْتَضاهُ مَقامُ المُبالِغَةِ في
صفحة ٣١٨
التَّحْذِيرِ هُنا والِاتِّقاءِ مِنَ الفِتْنَةِ، فَأكَّدَ الأمْرَ بِاتِّقائِها بِنَهْيِها هي عَنْ إصابَتِها إيّاهم، لِأنَّ هَذا النَّهْيَ مِن أبْلَغِ صِيَغِ النَّهْيِ بِأنْ يُوَجِّهَ النَّهْيَ إلى غَيْرِ المُرادِ نَهْيُهُ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى تَحْذِيرِهِ مِنَ الأمْرِ المَنهِيِّ عَنْهُ في اللَّفْظِ، والمَقْصُودُ تَحْذِيرُ المُخاطَبِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ لِأنَّ نَهْيَ ذَلِكَ المَذْكُورِ في صِيغَةِ النَّهْيِ يَسْتَلْزِمُ تَحْذِيرَ المُخاطَبِ، فَكَأنَّ المُتَكَلِّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ نَهْيَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ ”لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا“ فَإنَّهُ في الظّاهِرِ المُتَكَلِّمُ نَفْسُهُ عَنْ فِعْلِ المُخاطَبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى - ”﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧]“ ويُسَمّى هَذا بِالنَّهْيِ المُحَوَّلِ، فَلا ضَمِيرَ في النَّعْتِ بِالجُمْلَةِ الطَّلَبِيَّةِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةَ ”لا تُصِيبَنَّ“ نَهْيًا مُسْتَأْنَفًا تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ بِاتِّقائِها مَعَ زِيادَةِ التَّحْذِيرِ بِشُمُولِها مَن لَمْ يَكُنْ مِنَ الظّالِمِينَ.
ولا يَصِحُّ جَعْلُ جُمْلَةِ ”لا تُصِيبَنَّ“ جَوابًا لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ ”واتَّقُوا فِتْنَةً“ لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِنهُ قَوْلُهُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً وإنَّما كانَ يَجُوزُ لَوْ قالَ ”لا تُصِيبَنَّكم“ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ. وقَدْ أبْطَلَ في ”مُغْنِي اللَّبِيبِ“ جَعْلَ لا نافِيَةً هُنا، ورَدَّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ تَجْوِيزَهُ ذَلِكَ.
وخاصَّةً اسْمُ فاعِلٍ مُؤَنَّثٍ لِجَرَيانِهِ عَلى فِتْنَةٍ فَهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”تُصِيبَنَّ“ وهي حالٌ مُفِيدَةٌ لِأنَّها المَقْصُودُ مِنَ التَّحْذِيرِ.
وافْتِتاحُ جُمْلَةِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ بِفِعْلِ الأمْرِ بِالعِلْمِ لِلِاهْتِمامِ لِقَصْدِ شِدَّةِ التَّحْذِيرِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] والمَعْنى أنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ لِمَن يُخالِفُ أمْرَهُ، وذَلِكَ يَشْمَلُ مَن يُخالِفُ الأمْرَ بِالِاسْتِجابَةِ.
8:26Page 180
وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦
And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.
﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآوِيكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عُطِفَ عَلى الأمْرِ بِالِاسْتِجابَةِ لِلَّهِ فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ، وعَلى إعْلامِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ لا تَخْفى عَلَيْهِ نِيّاتُهم، وعَلى التَّحْذِيرِ مِن فِتْنَةِ الخِلافِ عَلى الرَّسُولِ ﷺ
صفحة ٣١٩
تَذْكِيرُهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِالعِزَّةِ والنَّصْرِ، بَعْدَ الضَّعْفِ والقِلَّةِ والخَوْفِ، لِيَذْكُرُوا كَيْفَ يَسَّرَ اللَّهُ لَهم أسْبابَ النَّصْرِ مِن غَيْرِ مَظانِّها، حَتّى أوْصَلَهم إلى مُكافَحَةِ عَدُوِّهِمْ وأنْ يَتَّقِيَ أعْداؤُهم بَأْسَهم، فَكَيْفَ لا يَسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ، وهم قَدْ كَثُرُوا وعَزُّوا وانْتَصَرُوا، فالخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ، ومَجِيءُ هَذِهِ الخِطاباتِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالَّذِينَ آمَنُوا إيماءٌ إلى أنَّ الإيمانَ هو الَّذِي ساقَ لَهم هَذِهِ الخَيْراتِ كُلِّها، وأنَّهُ سَيَكُونُ هَذا أثَرَهُ فِيهِمْ كُلَّما احْتَفَظُوا عَلَيْهِ كُفُوهُ مِن قَبْلِ سُؤالِهِمْ، ومِن قَبْلِ تَسْدِيدِ حالِهِمْ، فَكَيْفَ لا يَكُونُونَ بَعْدَ تَرَفُّهِ حالِهِمْ أشَدَّ اسْتِجابَةً وأثْبَتَ قُلُوبًا.
وفَعْلُ ”واذْكُرُوا“ مُشْتَقٌّ مِنَ الذُّكْرِ - بِضَمِّ الذّالِ - وهو التَّذَكُّرُ لا ذِكْرَ اللِّسانِ، أيْ تَذَكَّرُوا.
وإذِ اسْمُ زَمانٍ مُجَرَّدٍ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، فَهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، أيِ اذْكُرُوا زَمَنَ كُنْتُمْ قَلِيلًا.
وجُمْلَةُ ”أنْتُمْ قَلِيلٌ“ مُضافٌ إلَيْها إذْ لِيَحْصُلَ تَعْرِيفُ المُضافِ، وجِيءَ بِالجُمْلَةِ اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ وصْفِ القِلَّةِ والِاسْتِضْعافِ فِيهِمْ.
وأخْبَرَ بِ ”قَلِيلٌ“ وهو مُفْرَدٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَماعَةِ لِأنَّ قَلِيلًا وكَثِيرًا قَدْ يَجِيئانِ غَيْرَ مُطابِقَيْنِ لِما جَرَيا عَلَيْهِ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]“ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
والأرْضُ يُرادُ بِها الدُّنْيا كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ٥٦]“ في سُورَةِ الأعْرافِ، فالتَّعْرِيفُ شَبِيهٌ بِتَعْرِيفِ الجِنْسِ، أوْ أُرِيدَ بِها أرْضُ مَكَّةَ، فالتَّعْرِيفُ لِلْعَهْدِ، والمَعْنى تَذْكِيرُ المُؤْمِنِينَ بِأيّامِ إقامَتِهِمْ بِمَكَّةَ قَلِيلًا مُسْتَضْعَفِينَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ، فَإنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ طائِفَةً قَلِيلَةَ العَدَدِ، قَدْ جَفاهم قَوْمُهم وعادَوْهم فَصارُوا لا قَوْمَ لَهم، وكانُوا عَلى دِينٍ لا يَعْرِفُهُ أحَدٌ مِن أهْلِ العالِمِ فَلا يَطْمَعُونَ في نَصْرٍ مُوافِقٍ لَهم في دِينِهِمْ وإذا كانُوا كَذَلِكَ وهم في مَكَّةَ فَهم كَذَلِكَ في غَيْرِها مِنَ الأرْضِ فَآواهُمُ اللَّهُ بِأنْ صَرَفَ أهْلَ مَكَّةَ عَنِ اسْتِيصالِهِمْ ثُمَّ بِأنْ قَيَّضَ الأنْصارَ أهْلَ العَقَبَةِ الأوْلى وأهْلَ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ، فَأسْلَمُوا وصارُوا أنْصارًا لَهم بِيَثْرِبَ، ثُمَّ أخْرَجَهم مِن مَكَّةَ إلى بِلادِ الحَبَشَةِ فَآواهم بِها، ثُمَّ أمَرَهم بِالهِجْرَةِ إلى يَثْرِبَ فَآواهم بِها، ثُمَّ صارَ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ بِها أعْداءً لِلْمُشْرِكِينَ فَنَصَرَهم هُنالِكَ عَلى المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فاللَّهُ
صفحة ٣٢٠
الَّذِي يَسَّرَ لَهم ذَلِكَ كُلَّهُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ لَهم فِيهِ كَسْبٌ أوْ تَعَمُّلٌ، أفَلا يَكُونُ ناصِرًا لَهم بَعْدَ أنِ ازْدادُوا وعَزُّوا وسَعَوْا لِلنَّصْرِ بِأسْبابِهِ، وأفَلا يَسْتَجِيبُونَ هم لَهُ إذا دَعاهم لِما يُحْيِيهِمْ وحالُهم أقْرَبُ إلى النَّصْرِ مِنها يَوْمَ كانُوا قَلِيلًا مُسْتَضْعَفِينَ.
والتَّخَطُّفُ شِدَّةُ الخَطْفِ، والخَطْفُ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْغَلَبَةِ السَّرِيعَةِ لِأنَّ الغَلَبَةَ شِبْهُ الأخْذِ، فَإذا كانَتْ سَرِيعَةً أشْبَهَتِ الخَطْفَ، قالَ - تَعالى - ﴿ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] أيْ يَأْخُذُكم أعْداؤُكم بِدُونِ كُبْرى مَشَقَّةٍ ولا طُولِ مُحارَبَةٍ إذْ كُنْتُمْ لُقْمَةً سايِغَةً لَهم، وكانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً، لَوْلا أنَّ اللَّهَ صَرَفَهم عَنْكم، وقَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ خائِفِينَ في مَكَّةَ، وكانُوا خائِفِينَ في طُرُقِ هِجْرَتَيْهِمْ، وكانُوا خائِفِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، حَتّى أذاقَهُمُ اللَّهُ نِعْمَةَ الأمْنِ مِن بَعْدِ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.
و”النّاسُ“ مُرادٌ بِهِمْ ناسٌ مَعْهُودُونَ وهُمُ الأعْداءُ، المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، أيْ طائِفَةٌ مَعْرُوفَةٌ مِن جِنْسِ النّاسِ مِنَ العُرابِ المُوالِينَ لَهم.
وما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّباتِ: هي الأمْوالُ الَّتِي غَنِمُوها يَوْمَ بَدْرٍ.
والإيواءُ: جَعْلُ الغَيْرِ آوِيًا، أيْ راجِعًا إلى الَّذِي يَجْعَلُهُ، فَيَئُولُ مَعْناهُ إلى الحِفْظِ والرِّعايَةِ.
والتَّأْيِيدُ: التَّقْوِيَةُ أيْ جَعْلُ الشَّيْءِ ذا أيْدٍ، أيْ ذا قُدْرَةٍ عَلى العَمَلِ لِأنَّ اليَدَ يُكَنّى بِها عَنِ القُدْرَةِ قالَ - تَعالى - ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ [ص: ١٧] .
وجُمْلَةُ ”﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾“ إدْماجٌ بِذِكْرِ نِعْمَةِ تَوْفِيرِ الرِّزْقِ في خِلالِ المِنَّةِ بِنِعْمَةِ النَّصْرِ وتَوْفِيرِ العَدَدِ بَعْدَ الضَّعْفِ والقِلَّةِ، فَإنَّ الأمْنَ ووَفْرَةَ العَدَدِ يَجْلِبانِ سَعَةَ الرِّزْقِ.
ومَضْمُونُ هَذِهِ الآيَةِ صادِقٌ أيْضًا عَلى المُسْلِمِينَ في كُلِّ عَصْرٍ مِن عُصُورِ النُّبُوَّةِ والخِلافَةِ الرّاشِدَةِ، فَجَماعَتُهم لَمْ تَزَلْ في ازْدِيادِ عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ، ولَمْ تَزَلْ مَنصُورَةً عَلى الأُمَمِ العَظِيمَةِ الَّتِي كانُوا يَخافُونَها مِن قَبْلَ أنْ يُؤْمِنُوا، فَقَدْ نَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلى هَوازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، ونَصَرَهم عَلى الرُّومِ يَوْمَ تَبُوكَ ونَصَرَهم عَلى الفُرْسِ يَوْمَ القادِسِيَّةِ، وعَلى الرُّومِ في مِصْرَ، وفي بَرْقَةَ، وفي إفْرِيقِيَّةَ، وفي بِلادِ الجَلالِقَةِ، وفي بِلادِ الفِرِنْجَةِ مِن أُورُوبّا. فَلَمّا زاغَ المُسْلِمُونَ وتَفَرَّقُوا أخَذَ أمْرُهم يَقِفُ ثُمَّ يَنْقَبِضُ ابْتِداءً مِن ظُهُورِ
صفحة ٣٢١
الدَّعْوَةِ العَبّاسِيَّةِ، وهي أعْظَمُ تَفَرُّقٍ وقَعَ في الدَّوْلَةِ الإسْلامِيَّةِ.
وقَدْ نَبَّهَهُمُ اللَّهُ - تَعالى - بِقَوْلِهِ ”لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ“ فَلَمّا أعْطَوْا حَقَّ الشُّكْرِ دامَ أمْرُهم في تَصاعُدٍ، وحِينَ نَسَوْهُ أخَذَ أمْرُهم في تَراجُعٍ، ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ.
ولَمْ يَزَلِ النَّبِيءُ ﷺ يُنَبِّهُ المُسْلِمِينَ بِالمَوْعِظَةِ أنْ لا يَحِيدُوا عَنْ أسْبابِ بَقاءِ عِزِّهِمْ، وفي الحَدِيثِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ «قَلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا كُنّا في جاهِلِيَّةٍ وشَرٍّ فَجاءَنا اللَّهُ بِهَذا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذا الخَيْرِ مِن شَرٍّ ؟ قالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِن خَيْرٍ ؟ قالَ: نَعَمْ وفِيهِ دَخَنٌ» الحَدِيثَ، وفي الحَدِيثِ الآخَرِ «بُدِئَ هَذا الدِّينُ غَرِيبًا وسَيَعُودُ كَما بُدِئَ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences