Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:36–40
8:36–37Page 181
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦
Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allāh. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.
لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٣٧
[It is] so that Allāh may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾
لَمّا ذَكَرَ صَدَّهُمُ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ المُوجِبَ لِتَعْذِيبِهِمْ، عَقَّبَ بِذِكْرِ مُحاوَلَتِهِمُ اسْتِئْصالَ المُسْلِمِينَ وصَدِّهِمْ عَنِ الإسْلامِ وهو المَعْنِيُّ بِ سَبِيلِ اللَّهِ، وجُعِلَتِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً، غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ، اهْتِمامًا بِها أيْ أنَّهم يُنْفِقُونَ أمْوالَهم وهي أعَزُّ الأشْياءِ عَلَيْهِمْ لِلصَّدِّ عَنِ الإسْلامِ، وأتى بِصِيغَةِ المُضارِعِ في يُنْفِقُونَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ذَلِكَ دَأْبُهم وأنَّ الإنْفاقَ مُسْتَمِرٌّ لِإعْدادِ العُدَدِ لِغَزْوِ المُسْلِمِينَ، فَإنْفاقُهم حَصَلَ في الماضِي ويَحْصُلُ في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وأشْعَرَتْ لامُ التَّعْلِيلِ بِأنَّ الإنْفاقَ مُسْتَمِرٌّ لِأنَّهُ مَنُوطٌ بِعِلَّةٍ مُلازِمَةٍ لِنُفُوسِهِمْ وهي بُغْضُ الإسْلامِ وصَدُّهُمُ النّاسَ عَنْهُ.
وهَذا الإنْفاقُ: أنَّهم كانُوا يُطْعِمُونَ جَيْشَهم يَوْمَ بَدْرٍ اللَّحْمَ كُلَّ يَوْمٍ، وكانَ المُطْعِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وهم أبُو جَهْلٍ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، وأبُو البَخْتَرِيِّ، والعاصُ بْنُ هِشامٍ، وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ، والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، ونُبَيْهُ بْنُ حَجّاجٍ السَّهْمِيُّ، وأخُوهُ مُنَبِّهٌ، وسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو العامِرِيُّ. كانُوا يُطْعِمُونَ في كُلِّ يَوْمٍ عَشْرَ جَزائِرَ. وهَذا الإنْفاقُ وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدْ مَضى، فالتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ الإنْفاقِ وأنَّها حالَةٌ عَجِيبَةٌ في وفْرَةِ النَّفَقاتِ.
وهُوَ جَمْعٌ بِالإضافَةِ يَجْعَلُهُ مِن صِيَغِ العُمُومِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: يُنْفِقُونَ أمْوالَهم كُلَّها مُبالَغَةً، وإلّا فَإنَّهم يُنْفِقُونَ بَعْضَ أمْوالِهِمْ.
صفحة ٣٤١
والفاءُ في فَسَيُنْفِقُونَها تَفْرِيعٌ عَلى العِلَّةِ لِأنَّهم لَمّا كانَ الإنْفاقُ دَأْبَهم لِتِلْكَ العِلَّةِ المَذْكُورَةِ، كانَ مِمّا يَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ تَكَرُّرُ هَذا الإنْفاقِ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ سَتَكُونُ لَهم شَدائِدُ مِن بَأْسِ المُسْلِمِينَ تَضْطَرُّهم إلى تَكْرِيرِ الإنْفاقِ عَلى الجُيُوشِ لِدِفاعِ قُوَّةِ المُسْلِمِينَ.
وضَمِيرُ ”يُنْفِقُونَها“ راجِعٌ إلى الأمْوالِ لا بِقَيْدِ كَوْنِها المُنْفَقَةَ بَلِ الأمْوالُ الباقِيَةُ أوْ بِما يَكْتَسِبُونَهُ.
وثُمَّ لِلتَّراخِي الحَقِيقِيِّ والرُّتْبِيِّ، أيْ وبَعْدَ ذَلِكَ تَكُونُ تِلْكَ الأمْوالُ الَّتِي يُنْفِقُونَها حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، والحَسْرَةُ شِدَّةُ النَّدامَةِ والتَّلَهُّفِ عَلى ما فاتَ، وأُسْنِدَتِ الحَسْرَةُ إلى الأمْوالِ لِأنَّها سَبَبُ الحَسْرَةِ بِإنْفاقِها، ثُمَّ إنَّ الإخْبارَ عَنْها بِنَفْسِ الحَسْرَةِ مُبالَغَةٌ مِثْلُ الإخْبارِ بِالمَصادِرِ، لِأنَّ الأمْوالَ سَبَبُ التَّحَسُّرِ لا سَبَبُ الحَسْرَةِ نَفْسِها.
وهَذا إنْذارٌ بِأنَّهم لا يَحْصُلُونَ مِن إنْفاقِهِمْ عَلى طائِلٍ فِيما أنْفَقُوا لِأجْلِهِ، لِأنَّ المُنْفِقَ إنَّما يَتَحَسَّرُ ويَنْدَمُ إذا لَمْ يَحْصُلُ لَهُ المَقْصُودُ مِن إنْفاقِهِ، ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهم يُنْفِقُونَ لِيَغْلِبُوا فَلا يَغْلِبُونَ، فَقَدْ أنْفَقُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجَيْشِ يَوْمَ أُحُدٍ: اسْتَأْجَرَ أبُو سُفْيانَ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ لِقِتالِ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، والأحابِيشُ فِرَقٌ مِن كِنانَةَ تَجَمَّعَتْ مِن أفْذاذٍ شَتّى وحالَفُوا قُرَيْشًا وسَكَنُوا حَوْلَ مَكَّةَ سُمُّوا أحابِيشَ جَمْعُ أُحْبُوشٍ وهو الجَماعَةُ أيِ الجَماعاتُ فَكانَ ما أحْرَزُوهُ مِنَ النَّصْرِ كِفاءً لِنَصْرِ يَوْمِ بَدْرٍ بَلْ كانَ نَصْرُ يَوْمِ بَدْرٍ أعْظَمَ، ولِذَلِكَ اقْتَنَعَ أبُو سُفْيانَ يَوْمَ أُحُدٍ أنْ يَقُولَ ”يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ والحَرْبُ سِجالٌ“ وكانَ يَحْسَبُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ قُتِلَ وأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ قُتِلا، فَخابَ في حِسابِهِ، ثُمَّ أنْفَقُوا عَلى الأحْزابِ حِينَ هاجَمُوا المَدِينَةَ ثُمَّ انْصَرَفُوا بِلا طائِلٍ، فَكانَ إنْفاقُهم حَسْرَةً عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ ”ثُمَّ يُغْلَبُونَ“ ارْتِقاءٌ في الإنْذارِ بِخَيْبَتِهِمْ وخِذْلانِهِمْ، فَإنَّهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَحْصُلُوا مِن إنْفاقِهِمْ عَلى طائِلٍ تُوعِّدُوا بِأنَّهم سَيَغْلِبُهُمُ المُسْلِمُونَ بَعْدَ أنْ غَلَبُوهم أيْضًا يَوْمَ بَدْرٍ، وهو إنْذارٌ لَهم بِغَلَبِ فَتْحِ مَكَّةَ وانْقِطاعِ دابِرِ أمْرِهِمْ، وهَذا كالإنْذارِ في قَوْلِهِ ”﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِيسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٢]“ وإسْنادُ الفِعْلِ إلى المَجْهُولِ لِكَوْنِ فاعِلِ الفِعْلِ مَعْلُومًا بِالسِّياقِ فَإنَّ أهْلَ مَكَّةَ ما كانُوا يُقاتِلُونَ غَيْرَ
صفحة ٣٤٢
المُسْلِمِينَ وكانَتْ مَكَّةُ لَقاحًا.
وثُمَّ لِلتَّراخِي الحَقِيقِيِّ والرُّتْبِيِّ مِثْلُ الَّتِي قَبْلَها.
* * *
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾
كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ وإلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ”﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ [آل عمران: ١٢]“ فَعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ هُنا إلى الإظْهارِ تَخْرِيجًا عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، لِلْإفْصاحِ عَنِ التَّشْنِيعِ بِهِمْ في هَذا الإنْذارِ حَتّى يُعادَ اسْتِحْضارُ وصْفِهِمْ بِالكُفْرِ بِأصْرَحِ عِبارَةٍ، وهَذا كَقَوْلِ عُوَيْفِ القَوافِي:
اللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ ووالِدِهِ واللُّؤْمُ أكْرَمُ مِن وبْرٍ وما ولَدا
لِقَصْدِ زِيادَةِ تَشْنِيعِ وبْرٍ المَهْجُوِّ بِتَقْرِيرِ اسْمِهِ واسْمِ اللُّؤْمِ الَّذِي شُبِّهَ بِهِ تَشْبِيهًا بَلِيغًا.
وعُرِّفُوا بِالمَوْصُولِيَّةِ إيماءً إلى أنَّ عِلَّةَ اسْتِحْقاقِهِمُ الأمْرَيْنِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ هو وصْفُ الكُفْرِ. فَيُعْلَمُ أنَّ هَذا يَحْصُلُ لِمَن لَمْ يُقْلِعُوا عَنْ هَذا الوَصْفِ قَبْلَ حُلُولِ الأمْرَيْنِ بِهِمْ.
ولِيَمِيزَ مُتَعَلِّقٌ بِ يُحْشَرُونَ لِبَيانِ أنَّ مِن حِكْمَةِ حَشْرِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أنْ يَتَمَيَّزَ الفَرِيقُ الخَبِيثُ مِنَ النّاسِ مِنَ الفَرِيقِ الطَّيِّبِ في يَوْمِ الحَشْرِ، لِأنَّ العِلَّةَ غَيْرَ المُؤَثِّرَةِ تَكُونُ مُتَعَدِّدَةً، فَتَمْيِيزُ الخَبِيثِ مِنَ الطَّيِّبِ مِن جُمْلَةِ الحُكْمِ لِحَشْرِ الكافِرِينَ إلى جَهَنَّمَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ لِيَمِيزَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ الأوْلى وكَسْرِ المِيمِ وسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ الثّانِيَةِ مُضارِعُ مازَ بِمَعْنى فَرَزَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ: بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ الأُولى وفَتْحِ المِيمِ التَّحْتِيَّةِ وتَشْدِيدِ الثّانِيَةِ. مُضارِعُ مَيَّزَ إذا مَحَّصَ الفَرْزَ، وإذْ أُسْنِدَ هَذا الفِعْلُ إلى اللَّهِ - تَعالى - اسْتَوَتِ القِراءَتانِ.
صفحة ٣٤٣
والخَبِيثُ الشَّيْءُ المَوْصُوفُ بِالخُبْثِ والخَباثَةِ، وحَقِيقَةُ ذَلِكَ أنَّهُ حالَةٌ حِسِيَّةٌ لِشَيْءٍ تَجْعَلُهُ مَكْرُوهًا مِثْلِ القَذَرِ، والوَسَخِ، ويُطْلَقُ الخُبْثُ مَجازًا عَلى الحالَةِ المَعْنَوِيَّةِ مِن نَحْوِ ما ذَكَرْنا تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، وهو مَجازٌ مَشْهُورٌ والمُرادُ بِهِ هُنا خِسَّةُ النُّفُوسِ الصّادِرَةِ عَنْها مَفاسِدُ الأعْمالِ، والطَّيِّبُ المَوْصُوفُ بِالطِّيبِ ضِدُّ الخُبْثِ بِإطْلاقِهِ، فالكُفْرُ خُبْثٌ لِأنَّ أساسَهُ الِاعْتِقادُ الفاسِدُ، فَنَفْسُ صاحِبِهِ تَتَصَوَّرُ الأشْياءَ عَلى خِلافِ حَقائِقِها فَلا جَرَمَ أنْ تَأْتِيَ صاحِبَها بِالأفْعالِ عَلى خِلافِ وجْهِها، ثُمَّ إنَّ شَرائِعَ أهْلِ الكُفْرِ تَأْمُرُ بِالمَفاسِدِ والضَّلالاتِ وتَصْرِفُ عَنِ المَصالِحِ والهِدايَةِ بِسَبَبِ السُّلُوكِ في طَرائِقِ الجَهْلِ وتَقْلِيبِ حَقائِقِ الأُمُورِ، وما مِن ضَلالَةٍ إلّا وهي تُفْضِي بِصاحِبِها إلى أُخْرى مِثْلِها، والإيمانُ بِخِلافِ ذَلِكَ.
و(مِن) في قَوْلِهِ مِنَ الطَّيِّبِ لِلْفَصْلِ، وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجَعْلُ الخَبِيثِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ: عِلَّةٌ أُخْرى لِحَشْرِ الكافِرِينَ إلى جَهَنَّمَ ولِذَلِكَ عُطِفَ بِالواوِ، فالمَقْصُودُ جَمْعُ الخَبِيثِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أصْنافُهُ في مَجْمَعٍ واحِدٍ، لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِ عَنِ الطَّيِّبِ، ولِتَشْهِيرِ مَن كانُوا يُسِرُّونَ الكُفْرَ ويُظْهِرُونَ الإيمانَ. وفي جَمْعِهِ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ تَذْلِيلٌ لَهم وإيلامٌ، إذْ يَجْعَلُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ حَتّى يَصِيرُوا رُكامًا.
والرَّكْمُ: ضَمُّ شَيْءٍ أعْلى إلى أسْفَلَ مِنهُ، وقَدْ وصَفَ السَّحابَ بِقَوْلِهِ ”﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾ [النور: ٤٣]“ .
واسْمُ الإشارَةِ بِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَهُمُ الخَبَرَ الواقِعَ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ كانَ بِسَبَبِ الصِّفاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، فَإنَّ مَن كانَتْ تِلْكَ حالُهُ كانَ حَقِيقًا بِأنَّهُ قَدْ خَسِرَ أعْظَمَ الخُسْرانِ لِأنَّهُ خَسِرَ مَنافِعَ الدُّنْيا ومَنافِعَ الآخِرَةِ.
فَصِيغَةُ القَصْرِ في قَوْلِهِ ”هُمُ الخاسِرُونَ“ هي لِلْقَصْرِ الِادِّعائِيِّ، لِلْمُبالَغَةِ في اتِّصافِهِمْ بِالخُسْرانِ، حَتّى يُعَدَّ خُسْرانُ غَيْرِهِمْ كَلا خُسْرانَ وكَأنَّهُمُ انْفَرَدُوا بِالخُسْرانِ مِن بَيْنِ النّاسِ.
8:38Page 181
قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨
Say to those who have disbelieved [that] if they cease, what has previously occurred will be forgiven for them. But if they return [to hostility] - then the precedent of the former [rebellious] peoples has already taken place.1
صفحة ٣٤٤
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾
جَرى هَذا الكَلامُ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ التَّرْهِيبِ بِالتَّرْغِيبِ، والوَعِيدِ بِالوَعْدِ، والعَكْسُ، فَأنْذَرَهم بِما أنْذَرَ، وتَوَعَّدَهم بِما تَوَعَّدَ، ثُمَّ ذَكَّرَهم بِأنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِنَ التَّدارُكِ وإصْلاحِ ما أفْسَدُوا، فَأمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما يَفْتَحُ لَهم بابَ الإنابَةِ.
والجُمْلَةُ اسْتِينافٌ يَصِحُّ جَعْلُهُ بَيانِيًّا لِأنَّ ما تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الوَعِيدِ وقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِشَأْنِهِمْ، وذِكْرِ خَيْبَةِ مَساعِيهِمْ، مِمّا يُثِيرُ في أنْفُسِ بَعْضِهِمْ والسّامِعِينَ أنْ يَتَساءَلُوا عَمّا إذا بَقِيَ لَهم مَخْلَصٌ يُنْجِيهِمْ مِن ورْطَتِهِمُ الَّتِي ارْتَبَقُوا فِيها، فَأمَرَ الرَّسُولَ بِأنْ يَقُولَ لَهم هَذا المَقالَ لِيُرِيَهم أنَّ بابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، والإقْلاعَ في مُكْنَتِهِمْ.
وأُسْنِدَ الفِعْلُ في الجُمْلَةِ المَحْكِيَّةِ بِالقَوْلِ إلى ضَمِيرِ الغائِبِينَ لِأنَّهُ حِكايَةٌ بِالمَعْنى رُوعِيَ فِيها جانِبُ المُخاطَبِ بِالأمْرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لَيْسَ حَظُّهُ مُجَرَّدَ تَبْلِيغِ مَقالَةٍ، فَجَعَلَ حَظَّهُ حَظَّ المُخْبَرِ بِالقَضِيَّةِ الَّذِي يُرادُ تَقَرُّرُها لَدَيْهِ قَبْلَ تَبْلِيغِها، وهو إذا بَلَّغَ إلَيْهِمْ يُبَلِّغُ إلَيْهِمْ ما أُعْلِمَ بِهِ وبُلِّغَ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مُخْبِرًا بِخَبَرٍ ولَيْسَ مُجَرَّدَ حامِلٍ لِرِسالَةٍ.
والمُرادُ بِالِانْتِهاءِ: الِانْتِهاءُ عَنْ شَيْءٍ مَعْلُومٍ دَلَّ عَلَيْهِ وصْفُ الكُفْرِ هُنا وما تَقَدَّمَهُ مِن أمْثالِهِ وآثارِهِ مِنَ الإنْفاقِ لِلصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ إنْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ، وإنَّما يَكُونُ الِانْتِهاءُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالإيمانِ.
و(﴿ما قَدْ سَلَفَ﴾) هو ما أسْلَفُوهُ مِنَ الكُفْرِ وآثارِهِ، وهَذا، وإنْ كانَ قَضِيَّةً خاصَّةً بِالمُشْرِكِينَ المُخاطَبِينَ، فَهو شامِلٌ كُلَّ كافِرٍ لِتَساوِي الحالِ.
ولَفْظُ الغُفْرانِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ في العَفْوِ عَنْ جَزاءِ الذُّنُوبِ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ مَهْيَعُ الآيَةِ فَهو مَعْلُومٌ مِنها بِالقَصْدِ الأوَّلِ لا مَحالَةَ، ويَلْحَقُ بِهِ هُنا عَذابُ اللَّهِ في الدُّنْيا لِقَوْلِهِ ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ .
واسْتَنْبَطَ أيِمَّتُنا مِن هَذِهِ الآيَةِ أحْكامًا لِلْأفْعالِ والتَّبِعاتِ الَّتِي قَدْ تَصْدُرُ مِنَ الكافِرِ في
صفحة ٣٤٥
حالِ كَفْرِهِ فَإذا هو أسْلَمَ قَبْلَ أنْ يُؤاخَذَ بِها هَلْ يُسْقِطُ عَنْهُ إسْلامُهُ التَّبِعاتِ بِها.
وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى ما اسْتَقْرَيْتُهُ وأصَّلْتُهُ في دَلالَةِ آيِ القُرْآنِ عَلى ما يَصِحُّ أنَّ تَدُلَّ عَلَيْهِ ألْفاظُها وتَراكِيبُها في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن هَذا التَّفْسِيرِ، فَرَوى ابْنُ العَرَبِيِّ في الأحْكامِ أنَّ ابْنَ القاسِمِ، وأشْهَبَ، وابْنَ وهْبٍ، رَوَوْا عَنْ مالِكٍ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مَن طَلَّقَ في الشِّرْكِ ثُمَّ أسْلَمَ فَلا طَلاقَ عَلَيْهِ، ومَن حَلَفَ يَمِينًا ثُمَّ أسْلَمَ فَلا حِنْثَ عَلَيْهِ فِيها، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ: إنَّما يَعْنِي - عَزَّ وجَلَّ - ما قَدْ مَضى قَبْلَ الإسْلامِ مِن مالٍ أوْ دَمٍ أوْ شَيْءٍ. قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وهو الصَّوابُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ”﴿إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾“، وأنَّ ابْنَ القاسِمِ، وابْنَ وهْبٍ، رَوَيا عَنْ مالِكٍ أنَّ الكافِرَ إذا افْتَرى عَلى مُسْلِمٍ أوْ سَرَقَ ثُمَّ أسْلَمَ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ. ولَوْ زَنى ثُمَّ أسْلَمَ أوِ اغْتَصَبَ مُسْلِمَةً ثُمَّ أسْلَمَ لَسَقَطَ عَنْهُ الحَدُّ تَفْرِقَةً بَيْنَ ما كانَ حَقًّا لِلَّهِ مَحْضًا وما كانَ فِيهِ حَقٌّ لِلنّاسِ.
وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ المُنْذِرِ: أنَّهُ حَكى مِثْلَ ذَلِكَ عَنِ الشّافِعِيِّ، وأنَّهُ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وفي المُدَوَّنَةِ تَسْقُطُ عَنْهُ الحُدُودُ كُلُّها.
وذَكَرَ في الكَشّافِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ الحَرْبِيَّ إذا أسْلَمَ لَمْ تَبْقَ عَلَيْهِ تَبِعَةٌ، وأمّا الذِّمِّيُّ فَلا يَلْزَمُهُ قَضاءُ حُقُوقِ اللَّهِ وتَبْقى عَلَيْهِ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، وفي كُتُبِ الفَتْوى لِعُلَماءِ الحَنَفِيَّةِ بَعْضُ مُخالَفَةٍ لِهَذا، وحَكَوْا في المُرْتَدِّ إذا تابَ وعادَ إلى الإسْلامِ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ قَضاءُ ما فاتَهُ مِنَ الصَّلاةِ ولا غُرْمُ ما أصابَ مِن جِناياتٍ ومَتْلَفاتٍ، وعَنِ الشّافِعِيِّ يَلْزَمُ ذَلِكَ كُلُّهُ وهو ما نَسَبَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ إلى الشّافِعِيِّ بِخِلافِ ما نَسَبَهُ إلَيْهِ ابْنُ المُنْذِرِ كَما تَقَدَّمَ، وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ يَسْقُطُ عَنْهُ كُلُّ حَقٍّ هو لِلَّهِ ولا يَسْقُطُ عَنْهُ حَقُّ النّاسِ، وحُجَّةُ الجَمِيعِ هَذِهِ الآيَةُ تَعْمِيمًا وتَخْصِيصًا بِمُخَصَّصاتٍ أُخْرى.
وفِي قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ مُحَسِّنٌ بَدِيعِيٌّ وهو الِاتِّزانُ لِأنَّهُ في مِيزانِ الرَّجَزِ.
والمُرادُ بِالعَوْدِ الرُّجُوعُ إلى ما هم فِيهِ مِن مُناوَأةِ الرَّسُولِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، والتَّجَهُّزِ لِحَرْبِهِمْ. مِثْلِ صُنْعِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ. ولَيْسَ المُرادُ عَوْدَهم إلى الكُفْرِ بَعْدَ الِانْتِهاءِ لِأنَّ مُقابَلَتَهُ بِقَوْلِهِ إنْ يَنْتَهُوا تَقْتَضِي أنَّهُ تَرْدِيدٌ بَيْنَ حالَتَيْنِ لِبَيانِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، وهَذا كَقَوْلِ العَرَبِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: ”أسِلْمٌ أنْتَ أمْ حَرْبٌ“ ولِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
صفحة ٣٤٦
لَمّا يُفارِقُوا الكُفْرَ بَعْدُ فَلا يَكُونُ المُرادُ بِالعَوْدِ عَوْدَهم إلى الكُفْرِ بَعْدَ أنْ يُسْلِمُوا.
والسُّنَّةُ العادَةُ المَأْلُوفَةُ والسِّيرَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ [آل عمران: ١٣٧] في آلِ عِمْرانَ.
ومَعْنى مَضَتْ تَقَدَّمَتْ وعَرَفَها النّاسُ.
وهَذا الخَبَرُ تَعْرِيضٌ بِالوَعِيدِ بِأنَّهم سَيَلْقَوْنَ ما لَقِيَهُ الأوَّلُونَ، والقَرِينَةُ عَلى إرادَةِ التَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ أنَّ ظاهِرَ الإخْبارِ بِمُضِيِّ سُنَّةِ الأوَّلِينَ هو مِنَ الإخْبارِ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ لِلْمُخْبَرِينَ بِهِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ حَسُنَ تَأْكِيدُهُ بِقَدْ إذِ المُرادُ تَأْكِيدُ المَعْنى التَّعْرِيضِيِّ.
وبِهَذا الِاعْتِبارِ صَحَّ وُقُوعُ قَوْلِهِ ”﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾“ جَزاءً لِلشَّرْطِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ مُلازَمَةٌ في شَيْءٍ.
والأوَّلُونَ: السّابِقُونَ المُتَقَدِّمُونَ في حالَةٍ، والمُرادُ هُنا الأُمَمُ الَّتِي سَبَقَتْ وعَرَفُوا أخْبارَهم أنَّهم كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ فَلَقُوا عَذابَ الِاسْتِئْصالِ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ قالَ - تَعالى - ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا سُنَّةَ الأوَّلِينَ﴾ [فاطر: ٤٣] .
ويَجُوزُ أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِينَ أيْضًا السّابِقُونَ لِلْمُخاطَبِينَ مِن قَوْمِهِمْ مِن أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ اسْتَأْصَلَهُمُ السَّيْفُ يَوْمَ بَدْرٍ. وفي كُلِّ أُولَئِكَ عِبْرَةٌ لِلْحاضِرِينَ الباقِينَ، وتَهْدِيدٌ بِأنْ يَصِيرُوا مَصِيرَهم.
8:39–40Page 181
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣٩
And fight against them until there is no fitnah1 and [until] the religion [i.e., worship], all of it, is for Allāh.2 And if they cease - then indeed, Allāh is Seeing of what they do.
وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٤٠
But if they turn away - then know that Allāh is your protector. Excellent is the protector, and excellent is the helper.
﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٦] الآيَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ”فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ“ فَتَكُونَ مِمّا يَدْخُلُ في حُكْمِ جَوابِ الشَّرْطِ. والتَّقْدِيرُ: فَإنْ يَعُودُوا فَقاتِلُوهم، كَقَوْلِهِ ”﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨]“ وقَوْلِهِ ﴿وإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣] والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى مُشْرِكِي مَكَّةَ.
والفِتْنَةُ اضْطِرابُ أمْرِ النّاسِ ومَرَجُهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ
صفحة ٣٤٧
- تَعالى - ”﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]“ في سُورَةِ البَقَرَةِ وقَوْلِهِ ”﴿وحَسِبُوا أنْ لّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]“ في سُورَةِ العُقُودِ.
والمُرادُ هُنا أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ لِأنَّهُ لَمّا جَعَلَ انْتِفاءَ الفِتْنَةِ غايَةً لِقِتالِهِمْ، وكانَ قِتالُهم مَقْصُودًا مِنهُ إعْدامُهم أوْ إسْلامُهم، وبِأحَدِ هَذَيْنِ يَكُونُ انْتِفاءُ الفِتْنَةِ، فَنَتَجَ مِن ذَلِكَ أنَّ الفِتْنَةَ المُرادَ نَفْيُها كانَتْ حاصِلَةً مِنهم وهي فِتْنَتُهُمُ المُسْلِمِينَ لا مَحالَةَ، لِأنَّهم إنَّما يَفْتِنُونَ مَن خالَفَهم في الدِّينِ فَإذا أسْلَمُوا حَصَلَ انْتِفاءُ فِتْنَتِهِمْ وإذا أعْدَمَهُمُ اللَّهُ فَكَذَلِكَ.
وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَماءِ الأُمَّةِ مِن أنَّ قِتالَ المُشْرِكِينَ واجِبٌ حَتّى يُسْلِمُوا، وأنَّهم لا تُقْبَلُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ - تَعالى - هُنا ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وقالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وهي أيْضًا دالَّةٌ عَلى ما رَآهُ المُحَقِّقُونَ مِن مُؤَرِّخِينا: مِن أنَّ قِتالَ المُسْلِمِينَ المُشْرِكِينَ إنَّما كانَ أوَّلُهُ دِفاعًا لِأذى المُشْرِكِينَ ضُعَفاءَ المُسْلِمِينَ، والتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ حَيْثُما حَلُّوا، فَتِلْكَ الفِتْنَةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها القُرْآنُ ولِذَلِكَ قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] .
والتَّعْرِيفُ في الدِّينِ لِلْجِنْسِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِها في سُورَةِ البَقَرَةِ. إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ زِيدَ فِيها اسْمُ التَّأْكِيدِ وهو ”كُلُّهُ“ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ أسْبَقُ نُزُولًا مِن آيَةِ البَقَرَةِ فاحْتِيجَ فِيها إلى تَأْكِيدِ مُفادِ صِيغَةِ اخْتِصاصِ جِنْسِ الدِّينِ بِأنَّهُ لِلَّهِ - تَعالى - لِئَلّا يُتَوَهَّمَ الِاقْتِناعُ بِإسْلامِ غالِبِ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا تَقَرَّرَ مَعْنى العُمُومِ وصارَ نَصًّا مِن هَذِهِ الآيَةِ عَدَلَ عَنْ إعادَتِهِ في آيَةِ البَقَرَةِ تَطَلُّبًا لِلْإيجازِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ عَلِيمٌ كِنايَةً عَنْ حُسْنِ مُجازاتِهِ إيّاهم لِأنَّ القادِرَ عَلى نَفْعِ أوْلِيائِهِ ومُطِيعِيهِ لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إيصالِ النَّفْعِ إلَيْهِمُ إلّا خْفاءُ حالِ مَن يُخْلَصُ إلَيْهِ، فَلَمّا أُخْبِرُوا بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى انْتِهائِهِمْ عَنِ الكُفْرِ إنِ انْتَهَوْا عَنْهُ، وكانَ ذَلِكَ لا يُظَنُّ خِلافُهُ عُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ لازِمُ ذَلِكَ.
صفحة ٣٤٨
وقَرَأ الجُمْهُورُ: يَعْمَلُونَ - بِياءِ الغائِبِ - وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِتاءِ الخِطابِ.
والتَّوَلِّي: الإعْراضُ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢] في سُورَةِ العُقُودِ.
والمَوْلى الَّذِي يَتَوَلّى أمْرَ غَيْرِهِ ويَدْفَعُ عَنْهُ وفِيهِ مَعْنى النَّصْرِ.
والمَعْنى وإنْ تَوَلَّوْا عَنْ هاتِهِ الدَّعْوَةِ فاللَّهُ مُغْنٍ لَكم عَنْ ولائِهِمْ، أيْ لا يَضُرُّكم تَوَلِّيهِمْ، فَقَوْلُهُ ”﴿أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾“ يُؤْذِنُ بِجَوابٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَلا تَخافُوا تَوَلِّيهِمْ ! فَإنَّ اللَّهَ مَوْلاكم وهو يُقَدِّرُ لَكم ما فِيهِ نَفْعُكم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ. وهَذا «كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِمُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ ولَئِنْ تَوَلَّيْتَ لَيَعْفِرَنَّكَ اللَّهُ ”وإنَّما الخَسارَةُ عَلَيْهِمْ إذْ حُرِمُوا السَّلامَةَ والكَرامَةَ» .
وافْتِتاحُ جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ بِاعْلَمُوا لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ وتَحْقِيقِهِ، أيْ لا تَغْفُلُوا عَنْ ذَلِكَ، كَما مَرَّ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
وجُمْلَةُ“ ﴿نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ”مُسْتَأْنَفَةٌ لِأنَّها إنْشاءُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ.
وعَطَفَ عَلى“ نِعْمَ المَوْلى ”قَوْلَهُ“ ونِعْمَ النَّصِيرُ ”لِما في المَوْلى مِن مَعْنى النَّصْرِ كَما تَقَدَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ عَطْفِ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] عَلى قَوْلِهِ“ ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] " سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences