Ibn 'AshurAl‑Anfal · 8:44–47

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:44–47

8:44Page 182

وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤٤

And [remember] when He showed them to you, when you met, as few in your eyes, and He made you [appear] as few in their eyes so that Allāh might accomplish a matter already destined. And to Allāh are [all] matters returned.

﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ .

﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٤٣] وهَذِهِ رُؤْيَةُ بَصَرٍ أراها اللَّهُ الفَرِيقَيْنِ عَلى خِلافِ ما في نَفْسِ الأمْرِ، فَكانَتْ خَطَأً مِنَ الفَرِيقَيْنِ، ولَمْ يَرَها النَّبِيءُ ﷺ ولِذَلِكَ عُدِّيَتْ رُؤْيا المَنامِ الصّادِقَةُ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ، في قَوْلِهِ:

صفحة ٢٦

إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ وجُعِلَتِ الرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ الخاطِئَةُ مُسْنَدَةً إلى ضَمائِرِ الجَمْعَيْنِ، وظاهِرُ الجَمْعِ يَعُمُّ النَّبِيءَ ﷺ فَيُخَصُّ مِنَ العُمُومِ. أرى اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنَّ المُشْرِكِينَ قَلِيلُونَ، وأرى المُشْرِكِينَ أنَّ المُسْلِمِينَ قَلِيلُونَ. خَيَّلَ اللَّهُ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ قِلَّةَ الفَرِيقِ الآخَرِ، بِإلْقاءِ ذَلِكَ التَّخَيُّلِ في نُفُوسِهِمْ، وجَعَلَ الغايَةَ مِن تَيْنَكِ الرُّؤْيَتَيْنِ نَصْرَ المُسْلِمِينَ.

وهَذا مِن بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ - تَعالى - إذْ جَعَلَ لِلشَّيْءِ الواحِدِ أثَرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وجَعَلَ لِلْأثَرَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ أثَرًا مُتَّحِدًا، فَكانَ تَخَيُّلُ المُسْلِمِينَ قِلَّةَ المُشْرِكِينَ مُقَوِّيًا لِقُلُوبِهِمْ، وزائِدًا لِشَجاعَتِهِمْ، ومُزِيلًا لِلرُّعْبِ عَنْهم، فَعَظُمَ بِذَلِكَ بَأْسُهم عِنْدَ اللِّقاءِ؛ لِأنَّهم ما كانَ لِيَفُلَّ مِن بَأْسِهِمْ إلّا شُعُورُهم بِأنَّهم أضْعَفُ مِن أعْدائِهِمْ عَدَدًا وعُدَدًا، فَلَمّا أُزِيلَ ذَلِكَ عَنْهم، بِتَخْيِيلِهِمْ قِلَّةَ عَدُوِّهِمْ، خَلُصَتْ أسْبابُ شِدَّتِهِمْ مِمّا يُوهِنُها. وكانَ تَخَيُّلُ المُشْرِكِينَ قِلَّةَ المُسْلِمِينَ، أيْ كَوْنَهم أقَلَّ مِمّا هم عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ، بَرْدًا عَلى غَلَيانِ قُلُوبِهِمْ مِنَ الغَيْظِ، وغارًّا إيّاهم بِأنَّهم سَيَنالُونَ التَّغَلُّبَ عَلَيْهِمْ بِأدْنى قِتالٍ، فَكانَ صارِفًا إيّاهم عَنِ التَّأهُّبِ لِقِتالِ المُسْلِمِينَ، حَتّى فاجَأهم جَيْشُ المُسْلِمِينَ، فَكانَتِ الدّائِرَةُ عَلى المُشْرِكِينَ، فَنَتَجَ عَنْ تَخَيُّلِ القِلَّتَيْنِ انْتِصارُ المُسْلِمِينَ.

وإنَّما لَمْ يَكُنْ تَخَيُّلُ المُسْلِمِينَ قِلَّةَ المُشْرِكِينَ مُثَبِّطًا عَزِيمَتَهم، كَما كانَ تَخَيُّلُ المُشْرِكِينَ قِلَّةَ المُسْلِمِينَ مُثَبِّطًا عَزِيمَتَهم؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ كانَتْ قُلُوبُهم مُفْعَمَةً حَنَقًا عَلى المُشْرِكِينَ، وإيمانًا بِفَسادِ شِرْكِهِمْ، وامْتِثالًا أمْرَ اللَّهِ بِقِتالِهِمْ، فَما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ صَبِّ بَأْسِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ إلّا صَرْفُ ما يُثَبِّطُ عَزائِمَهم. فَأمّا المُشْرِكُونَ، فَكانُوا مُزْدَهِينَ بِعَدائِهِمْ وعِنادِهِمْ، وكانُوا لا يَرَوْنَ المُسْلِمِينَ عَلى شَيْءٍ. فَهم يَحْسَبُونَ أنَّ أدْنى جَوْلَةٍ تَجُولُ بَيْنَهم يَقْبِضُونَ فِيها عَلى المُسْلِمِينَ قَبْضًا، فَلِذَلِكَ لا يَعْبَئُونَ بِالتَّأهُّبِ لَهم، فَكانَ تَخْيِيلُ ما يَزِيدُهم تَهاوُنًا بِالمُسْلِمِينَ يَزِيدُ تَواكُلَهم وإهْمالَ إجْماعِ أمْرِهِمْ.

قالَ أهْلُ السِّيَرِ: كانَ المُسْلِمُونَ يَحْسَبُونَ عَدَدَ المُشْرِكِينَ يَتَراوَحُ بَيْنَ السَبْعِينَ والمِائَةِ وكانُوا في نَفْسِ الأمْرِ زُهاءَ ألْفٍ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَحْسَبُونَ المُسْلِمِينَ قَلِيلًا، فَقَدْ قالَ أبُو جَهْلٍ لِقَوْمِهِ، وقَدْ حَزَرَ المُسْلِمِينَ: إنَّما هم أكَلَةُ جَزُورٍ، أيْ قُرابَةُ المِائَةِ وكانُوا في نَفْسِ الأمْرِ ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ.

صفحة ٢٧

وهَذا التَّخَيُّلُ قَدْ يَحْصُلُ مِنِ انْعِكاسِ الأشِعَّةِ واخْتِلافِ الظِّلالِ، بِاعْتِبارِ مَواقِعِ الرّائِينَ مِنِ ارْتِفاعِ المَواقِعِ وانْخِفاضِها، واخْتِلافِ أوْقاتِ الرُّؤْيَةِ عَلى حَسَبِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ ومَوْقِعِ الرّائِينَ مِن مُواجَهَتِها أوِ اسْتِدْبارِها، وبَعْضُ ذَلِكَ يَحْصُلُ عِنْدَ حُدُوثِ الآلِ والسَّرابِ، أوْ عِنْدَ حُدُوثِ ضَبابٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وإلْقاءُ اللَّهِ الخَيالَ في نُفُوسِ الفَرِيقَيْنِ أعْظَمُ مِن تِلْكَ الأسْبابِ.

وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ قَدْ مَضَتْ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: إذِ التَقَيْتُمْ فالتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ لِهاتِهِ الإرادَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٣] و﴿إذِ التَقَيْتُمْ﴾ ظَرْفٌ لِـ ”يُرِيَكُمُوهم“ وقَوْلُهُ: في أعْيُنِكم تَقْيِيدٌ لِلْإرادَةِ بِأنَّها في الأعْيُنِ لا غَيْرَ، ولَيْسَ المَرْئِيُّ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ، ويُعْلَمُ ذَلِكَ مِن تَقْيِيدِ الإراءَةِ بِأنَّها في الأعْيُنِ؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِمَقْصِدٍ لَكانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ الإراءَةَ بَصَرِيَّةٌ لا حُلْمِيَّةٌ كَقَوْلِهِ في الآيَةِ الأُخْرى تَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ

والِالتِقاءُ افْتِعالٌ مِنَ اللِّقاءِ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ فِيهِ دالَّةٌ عَلى المُبالَغَةِ. واللِّقاءُ والِالتِقاءُ في الأصْلِ الحُضُورُ لَدى الغَيْرِ، مِن صَدِيقٍ أوْ عَدُوٍّ، وفي خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقَدْ كَثُرَ إطْلاقُهُ عَلى الحُضُورِ مَعَ الأعْداءِ في الحَرْبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى، في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ [الأنفال: ١٥] الآيَةَ.

”ويُقْلِلْكم“ يَجْعَلُكم قَلِيلًا لِأنَّ مادَّةَ التَّفْعِيلِ تَدُلُّ عَلى الجَعْلِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ الجَعْلُ مُتَعَلِّقًا بِذاتِ المَفْعُولِ، تَعَيَّنَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالإخْبارِ عَنْهُ، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ: وفِيهِ ساعَةٌ قالَ الرّاوِي: يُقَلِّلُها؛ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالإراءَةِ كَما هُنا، وذَلِكَ هو الَّذِي اقْتَضى زِيادَةَ قَوْلِهِ: في أعْيُنِهِمْ لِيُعْلَمَ أنَّ التَّقْلِيلَ لَيْسَ بِالنَّقْصِ مِن عَدَدِ المُسْلِمِينَ في نَفْسِ الأمْرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] هو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] المُتَقَدِّمِ أُعِيدَ هُنا لِأنَّهُ عِلَّةُ إراءَةِ كِلا الفَرِيقَيْنِ الفَرِيقَ الآخَرِ قَلِيلًا، وأمّا السّابِقُ فَهو عِلَّةٌ لِتَلاقِي الفَرِيقَيْنِ في مَكانٍ واحِدٍ في وقْتٍ واحِدٍ.

صفحة ٢٨

ثُمَّ إنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا بَرَزُوا لِقِتالِ المُسْلِمِينَ ظَهَرَ لَهم كَثْرَةُ المُسْلِمِينَ فَبُهِتُوا، وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ المُناجَزَةِ، فَكانَ مُلْقِيًا الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، وذَلِكَ ما حَكاهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ قَوْلُهُ: ﴿يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣]

وخُولِفَ الأُسْلُوبُ في حِكايَةِ إراءَةِ المُشْرِكِينَ، وحِكايَةِ إراءَةِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا عَدَدًا كَثِيرًا فَناسَبَ أنْ يُحْكى تَقْلِيلُهم بِإراءَتِهِمْ قَلِيلًا، المُؤْذِنَةِ بِأنَّهم لَيْسُوا بِالقَلِيلِ. وأمّا المُسْلِمُونَ فَكانُوا عَدَدًا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ لِعَدُوِّهِمْ، فَكانَ المُناسِبُ لِتَقْلِيلِهِمْ: أنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِأنَّهُ ”تَقْلِيلٌ“ المُؤَذِنُ بِأنَّهُ زِيادَةٌ في قِلَّتِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ تَذْيِيلٌ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ عَطْفًا اعْتِراضِيًّا، وهو اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ. وهَذا العَطْفُ يُسَمّى: عَطْفًا اعْتِراضِيًّا؛ لِأنَّهُ عَطْفٌ صُورِيٌّ لَيْسَتْ فِيهِ مُشارَكَةٌ في الحُكْمِ، وتُسَمّى الواوُ اعْتِراضِيَّةً.

والتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ”الأُمُورُ“ لِلِاسْتِغْراقِ، أيْ جَمِيعُ الأشْياءِ.

والرُّجُوعُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الأوَّلِ وانْتِهاءِ الشَّيْءِ، والمُرادُ رُجُوعُ أسْبابِها، أيْ إيجادُها، فَإنَّ الأسْبابَ قَدْ تَلُوحُ جارِيَةً بِتَصَرُّفِ العِبادِ وتَأْثِيرِ الحَوادِثِ، ولَكِنَّ الأسْبابَ العالِيَةَ، وهي الأسْبابُ الَّتِي تَتَصاعَدُ إلَيْها الأسْبابُ المُعْتادَةُ، لا يَتَصَرَّفُ فِيها إلّا اللَّهُ وهو مُؤَثِّرُها ومُوجِدُها. عَلى أنَّ جَمِيعَ الأسْبابِ، عالِيَها وقَرِيبَها، مُتَأثِّرٌ بِما أوْدَعَ اللَّهُ فِيها مِنَ القُوى والنَّوامِيسِ والطَّبائِعِ، فَرُجُوعُ الجَمِيعِ إلَيْهِ، ولَكِنَّهُ رُجُوعٌ مُتَفاوِتٌ: عَلى حَسَبِ جَرْيِهِ عَلى النِّظامِ المُعْتادِ، وعَدَمِ جَرْيِهِ، فَإيجادُ الأشْياءِ قَدْ يَلُوحُ حُصُولُهُ بِفِعْلِ بَعْضِ الحَوادِثِ والعِبادِ، وهو عِنْدَ التَّأمُّلِ الحَقِّ راجِعٌ إلى إيجادِ اللَّهِ - تَعالى - خالِقِ كُلِّ صانِعٍ. والذَّواتُ وأحْوالُها: كُلُّها مِنَ الأُمُورِ، ومَآلُها كُلُّهُ رُجُوعٌ، فَهَذا لَيْسَ رُجُوعَ ذَواتٍ ولَكِنَّهُ رُجُوعُ تَصَرُّفٍ، كالَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]

والمَعْنى: ولا عَجَبَ في ما كَوَّنَهُ اللَّهُ مِن رُؤْيَةِ الجَيْشَيْنِ عَلى خِلافِ حالِهِما في نَفْسِ الأمْرِ، فَإنَّ الإرادَةَ المُعْتادَةَ تَرْجِعُ إلى ما وضَعَهُ اللَّهُ مِنَ الأسْبابِ المُعْتادَةِ، والإرادَةَ غَيْرَ المُعْتادَةِ راجِعَةٌ إلى أسْبابٍ يَضَعُها اللَّهُ عِنْدَ إرادَتِهِ.

صفحة ٢٩

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ (تُرْجَعُ) بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ أيْ يَرْجِعُها، راجِعٌ إلى اللَّهِ، والَّذِي يُرْجِعُها هو اللَّهُ فَهو يُرْجِعُها إلَيْهِ. وقَرَأ البَقِيَّةُ ”تَرْجِعُ“ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ أيْ: تَرْجِعُ بِنَفْسِها إلى اللَّهِ، ورُجُوعُها هو بِرُجُوعِ أسْبابِها.

8:45–46Page 182

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٤٥

O you who have believed, when you encounter a company [from the enemy forces], stand firm and remember Allāh much that you may be successful.

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦

And obey Allāh and His Messenger, and do not dispute and [thus] lose courage and [then] your strength would depart; and be patient. Indeed, Allāh is with the patient.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ .

لَمّا عَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِنِعَمِهِ ودَلائِلِ عِنايَتِهِ، وكَشَفَ لَهم عَنْ سِرٍّ مِن أسْرارِ نَصْرِهِ إيّاهم، وكَيْفَ خَذَلَ أعْداءَهم، وصَرَفَهم عَنْ أذاهم، فاسْتَتَبَّ لَهُمُ النَّصْرُ مَعَ قِلَّتِهِمْ وكَثْرَةِ أعْدائِهِمْ، أقْبَلَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنْ يَأْمُرَهم بِما يُهَيِّئُ لَهُمُ النَّصْرَ في المَواقِعِ كُلِّها، ويَسْتَدْعِي عِنايَةَ اللَّهِ بِهِمْ وتَأْيِيدَهُ إيّاهم، فَجَمَعَ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ ما بِهِ قِوامُ النَّصْرِ في الحُرُوبِ. وهَذِهِ الجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] وجُمْلَةِ ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]

وافْتُتِحَتْ هَذِهِ الوَصايا بِالنِّداءِ اهْتِمامًا بِها، وجُعِلَ طَرِيقُ تَعْرِيفِ المُنادى طَرِيقَ المَوْصُولِيَّةِ: لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لِامْتِثالِ ما يَأْمُرُهم بِهِ اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ ذَلِكَ أخَصُّ صِفاتِهِمْ تِلْقاءَ أوامِرِ اللَّهِ تَعالى، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [النور: ٥١]

واللِّقاءُ: أصْلُهُ مُصادَفَةُ الشَّخْصِ ومُواجَهَتُهُ بِاجْتِماعٍ في مَكانٍ واحِدٍ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدْ غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى لِقاءٍ خاصٍّ وهو لِقاءُ القِتالِ، فَيُرادِفُ القِتالَ والنِّزالَ.

صفحة ٣٠

وقَدْ تَقَدَّمَ اللِّقاءُ قَرِيبًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ١٥] وبِهَذا المَعْنى تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالفِئَةِ: فِئَةٌ خاصَّةٌ وهي فِئَةُ العَدُوِّ، يَعْنِي المُشْرِكِينَ.

والفِئَةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِقاقُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والثَّباتُ: أصْلُهُ لُزُومُ المَكانِ دُونَ تَحَرُّكٍ ولا تَزَلْزُلٍ، ويُسْتَعارُ لِلدَّوامِ عَلى الفِعْلِ وعَدَمِ التَّرَدُّدِ فِيهِ، وقَدْ أُطْلِقَ هُنا عَلى مَعْناهُ المَجازِيِّ، إذْ لَيْسَ المُرادُ عَدَمَ التَّحَرُّكِ، بَلْ أُرِيدَ الدَّوامُ عَلى القِتالِ وعَدَمِ الفِرارِ، وقَدْ عُبِّرَ عَنْهُ بِالصَّبْرِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ فَإذا لَقِيتُمُوهم فاصْبِرُوا.

وذِكْرُ اللَّهِ، المَأْمُورُ بِهِ هُنا: هو ذِكْرُهُ بِاللِّسانِ؛ لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ القَلْبِ وزِيادَةً فَإنَّهُ إذا ذَكَرَ بِلِسانِهِ فَقَدْ ذَكَرَ بِقَلْبِهِ وبِلِسانِهِ، وسَمِعَ الذِّكْرَ بِسَمْعِهِ، وذَكَّرَ مَن يَلِيهِ بِذَلِكَ الذِّكْرِ، فَفِيهِ فَوائِدُ زائِدَةٌ عَلى ذِكْرِ القَلْبِ المُجَرَّدِ، وقَرِينَةُ إرادَةِ ذِكْرِ اللِّسانِ ظاهِرُ وصْفِهِ بِـ ”كَثِيرًا“ لِأنَّ الذِّكْرَ بِالقَلْبِ يُوصَفُ بِالقُوَّةِ، والمَقْصُودُ تَذَكُّرُ أنَّهُ النّاصِرُ. وهَذانِ أمْرانِ أُمِرُوا بِهِما وهُما يَخُصّانِ المُجاهِدَ في نَفْسِهِ، ولِذَلِكَ قالَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ. فَهُما لِإصْلاحِ الأفْرادِ، ثُمَّ أمَرَهم بِأعْمالٍ راجِعَةٍ إلى انْتِظامِ جَيْشِهِمْ وجَماعَتِهِمْ، وهي عَلائِقُ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وهي الطّاعَةُ وتَرْكُ التَّنازُعِ، فَأمّا طاعَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ فَتَشْمَلُ اتِّباعَ سائِرِ أحْكامِ القِتالِ المَشْرُوعَةِ بِالتَّعْيِينِ، مِثْلَ الغَنائِمِ.

وكَذَلِكَ ما يَأْمُرُهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِن آراءِ الحَرْبِ كَقَوْلِهِ لِلرُّماةِ يَوْمَ أُحُدٍ «لا تَبْرَحُوا مِن مَكانِكم ولَوْ تَخَطَّفَنا الطَّيْرُ» . وتَشْمَلُ طاعَةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - طاعَةَ أُمَرائِهِ في حَياتِهِ، لِقَوْلِهِ: ”«ومَن أطاعَ أمِيرِي فَقَدْ أطاعَنِي» “ . وتَشْمَلُ طاعَةَ أُمَراءِ الجُيُوشِ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ ﷺ لِمُساواتِهِمْ لِأُمَرائِهِ الغائِبِينَ عَنْهُ في الغَزَواتِ والسَّرايا في حُكْمِ الغَيْبَةِ عَنْ شَخْصِهِ.

وأمّا النَّهْيُ عَنِ التَّنازُعِ فَهو يَقْتَضِي الأمْرَ بِتَحْصِيلِ أسْبابِ ذَلِكَ: بِالتَّفاهُمِ، والتَّشاوُرِ، ومُراجَعَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، حَتّى يَصْدُرُوا عَنْ رَأْيٍ واحِدٍ، فَإنْ تَنازَعُوا في شَيْءٍ رَجَعُوا إلى أُمَرائِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] . والنَّهْيُ عَنِ التَّنازُعِ أعَمُّ مِنَ

صفحة ٣١

الأمْرِ بِالطّاعَةِ لِوُلاةِ الأُمُورِ: لِأنَّهم إذا نُهُوا عَنِ التَّنازُعِ بَيْنَهم فالتَّنازُعُ مَعَ ولِيِّ الأمْرِ أوْلى بِالنَّهْيِ.

ولَمّا كانَ التَّنازُعُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْشَأ عَنِ اخْتِلافِ الآراءِ، وهو أمْرٌ مُرْتَكِزٌ في الفِطْرَةِ بَسَطَ القُرْآنُ القَوْلَ فِيهِ بِبَيانِ سَيِّئِ آثارِهِ، فَجاءَ بِالتَّفْرِيعِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ فَحَذَّرَهم أمْرَيْنِ مَعْلُومًا سُوءُ مَغَبَّتِهِما: وهُما الفَشَلُ وذَهابُ الرِّيحِ.

والفَشَلُ: انْحِطاطُ القُوَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤٣] وهو هُنا مُرادٌ بِهِ حَقِيقَةُ الفَشَلِ في خُصُوصِ القِتالِ ومُدافَعَةِ العَدُوِّ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِحالِ المُتَقاعِسِ عَنِ القِتالِ بِحالِ مَن خارَتْ قُوَّتُهُ وفَشِلَتْ أعْضاؤُهُ، في انْعِدامِ إقْدامِهِ عَلى العَمَلِ. وإنَّما كانَ التَّنازُعُ مُفْضِيًا إلى الفَشَلِ لِأنَّهُ يُثِيرُ التَّغاضُبَ ويُزِيلُ التَّعاوُنَ بَيْنَ القَوْمِ، ويُحْدِثُ فِيهِمْ أنْ يَتَرَبَّصَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ الدَّوائِرَ، فَيَحْدُثُ في نُفُوسِهِمُ الِاشْتِغالُ بِاتِّقاءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وتَوَقُّعُ عَدَمِ إلْفاءِ النَّصِيرِ عِنْدَ مَآزِقِ القِتالِ، فَيَصْرِفُ الأُمَّةَ عَنِ التَّوَجُّهِ إلى شُغْلٍ واحِدٍ فِيما فِيهِ نَفْعُ جَمِيعِهِمْ، ويَصْرِفُ الجَيْشَ عَنِ الإقْدامِ عَلى أعْدائِهِمْ، فَيَتَمَكَّنُ مِنهُمُ العَدُوُّ، كَما قالَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢]

والرِّيحُ حَقِيقَتُها تَحَرُّكُ الهَواءِ وتَمَوُّجُهُ، واسْتُعِيرَتْ هُنا لِلْغَلَبَةِ، وأحْسَبُ أنَّ وجْهَ الشَّبَهِ في هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ هو أنَّ الرِّيحَ لا يُمانِعُ جَرْيَها ولا عَمَلَها شَيْءٌ فَشُبِّهَ بِها الغَلَبُ والحُكْمُ. وأنْشَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ، لِعُبَيْدِ بْنِ الأبْرَصِ:

كَما حَمَيْناكَ يَوْمَ النَّعْبِ مِن شَطِبٍ والفَضْلُ لِلْقَوْمِ مِن رِيحٍ ومِن عَدَدِ

وفِي الكَشّافِ قالَ سُلَيْكُ بْنُ السَّلَكَةِ:

يا صاحِبَيَّ ألا لا حَيَّ بِالـوادِي ∗∗∗ إلّا عَبِيدٌ قُـعُـودٌ بَـيْنَ أذْوادِ

هَلْ تَنْظُرانِ قَلِيلًا رَيْثَ غَفْلَتِهِمْ ∗∗∗ أوْ تَعْدُوانِ فَإنَّ الرِّيحَ لِلْعَـادِي

وقالَ الحَرِيرِيُّ، في دِيباجَةِ المَقاماتِ: قَدْ جَرى بِبَعْضِ أنْدِيَةِ الأدَبِ الَّذِي رَكَدَتْ في هَذا العَصْرِ رِيحُهُ.

صفحة ٣٢

والمَعْنى: وتَزُولُ قُوَّتُكم ونُفُوذُ أمْرِكم وذَلِكَ لِأنَّ التَّنازُعَ يُفْضِي إلى التَّفَرُّقِ، وهو يُوهِنُ أمْرَ الأُمَّةِ، كَما تَقَدَّمَ في مَعْنى الفَشَلِ.

ثُمَّ أمَرَهُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ يَعُمُّ نَفْعُهُ المَرْءَ في نَفْسِهِ وفي عَلاقَتِهِ مَعَ أصْحابِهِ، ويُسَهِّلُ عَلَيْهِمُ الأُمُورَ الأرْبَعَةَ، الَّتِي أُمِرُوا بِها آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا﴾ الآيَةَ. ألا وهو الصَّبْرُ، فَقالَ ”واصْبِرُوا“ لِأنَّ الصَّبْرَ هو تَحَمُّلُ المَكْرُوهِ وما هو شَدِيدٌ عَلى النَّفْسِ، وتِلْكَ المَأْمُوراتُ كُلُّها تَحْتاجُ إلى تَحَمُّلِ المَكارِهِ، فالصَّبْرُ يَجْمَعُ تَحَمُّلَ الشَّدائِدِ والمَصاعِبِ، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ: واصْبِرُوا بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ إيماءٌ إلى مَنفَعَةٍ لِلصَّبْرِ إلَهِيَّةٍ، وهي إعانَةُ اللَّهِ لِمَن صَبَرَ امْتِثالًا لِأمْرِهِ، وهَذا مُشاهَدٌ في تَصَرُّفاتِ الحَياةِ كُلِّها.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ قائِمَةٌ مَقامَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ؛ لِأنَّ حَرْفَ التَّأْكِيدِ في مِثْلِ هَذا قائِمٌ مُقامَ فاءِ التَّفْرِيعِ، كَما تَقَدَّمَ في مَواضِعَ.

8:47Page 183

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٤٧

And do not be like those who came forth from their homes insolently and to be seen by people and avert [them] from the way of Allāh. And Allāh is encompassing1 of what they do.

﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ .

جُمْلَةُ ”ولا تَكُونُوا“ مَعْطُوفَةٌ عَلى ”﴿ولا تَنازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦]“ عَطْفَ نَهْيٍ عَلى نَهْيٍ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ”فاثْبُتُوا“ عَطْفَ نَهْيٍ عَلى أمْرٍ، إكْمالًا لِأسْبابِ النَّجاحِ والفَوْزِ عِنْدَ اللِّقاءِ: بِأنْ يَتَلَبَّسُوا بِما يُدْنِيهِمْ مِنَ النَّصْرِ، وأنْ يَتَجَنَّبُوا ما يُفْسِدُ إخْلاصَهم في الجِهادِ.

وجِيءَ في نَهْيِهِمْ عَنِ البَطَرِ والرِّئاءِ بِطَرِيقَةِ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالمُشْرِكِينَ: إدْماجًا لِلتَّشْنِيعِ بِالمُشْرِكِينَ وأحْوالِهِمْ، وتَكْرِيهًا لِلْمُسْلِمِينَ تِلْكَ الأحْوالَ؛ لِأنَّ الأحْوالَ الذَّمِيمَةَ تَتَّضِحُ مَذَمَّتُها، وتَنْكَشِفُ مَزِيدَ الِانْكِشافِ إذا كانَتْ مِن أحْوالِ قَوْمٍ مَذْمُومِينَ

صفحة ٣٣

عِنْدَ آخَرِينَ، وذَلِكَ أبْلَغُ في النَّهْيِ، وأكْشَفُ لِقُبْحِ المَنهِيِّ عَنْهُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. فَنُهُوا عَنْ أنْ يُشْبِهُوا حالَ المُشْرِكِينَ في خُرُوجِهِمْ لِبَدْرٍ إذْ خَرَجُوا بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ؛ لِأنَّ حَقَّ كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يُرِيدَ بِكُلِّ قَوْلٍ وعَمَلٍ وجْهَ اللَّهِ، والجِهادُ مِن أعْظَمِ الأعْمالِ الدِّينِيَّةِ.

والمَوْصُولُ مُرادٌ بِهِ جَماعَةٌ خاصَّةٌ، وهم أبُو جَهْلٍ وأصْحابُهُ، وقَدْ مَضى خَبَرُ خُرُوجِهِمْ إلى بَدْرٍ، فَإنَّهم خَرَجُوا مِن مَكَّةَ بِقَصْدِ حِمايَةِ عِيرِهِمْ فَلَمّا بَلَغُوا الجُحْفَةَ جاءَهم رَسُولُ أبِي سُفْيانَ، وهو كَبِيرُ العِيرِ يُخْبِرُهم أنَّ العِيرَ قَدْ سَلِمَتْ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ لا نَرْجِعُ حَتّى نَقْدَمَ بَدْرًا نَشْرَبُ بِها وتَعْزِفُ عَلَيْنا القِيانُ ونُطْعِمُ مَن حَضَرَنا مِنَ العَرَبِ حَتّى يَتَسامَعَ العَرَبُ بِأنَّنا غَلَبْنا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. فَعَبَّرَ عَنْ تَجاوُزِهِمُ الجُحْفَةَ إلى بَدْرٍ، بِالخُرُوجِ لِأنَّهُ تَكْمِلَةٌ لِخُرُوجِهِمْ مِن مَكَّةَ.

وانْتَصَبَ ﴿بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ﴾ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ بَطِرِينَ مُرائِينَ، ووَصَفَهم بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ في تَمَكُّنِ الصِّفَتَيْنِ مِنهم لِأنَّ البَطَرَ والرِّياءَ خُلُقانِ مِن خُلُقِهِمْ.

و(البَطَرُ) إعْجابُ المَرْءِ بِما هو فِيهِ مِن نِعْمَةٍ، والِاسْتِكْبارُ والفَخْرُ بِها، فالمُشْرِكُونَ لَمّا خَرَجُوا مِنَ الجُحْفَةِ، خَرَجُوا عُجْبًا بِما هم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ والجِدَّةِ.

و(الرِّئاءُ) بِهَمْزَتَيْنِ أُولاهُما أصِيلَةٌ والأخِيرَةُ مُبْدَلَةٌ عَنِ الياءِ لِوُقُوعِها مُتَطَرِّفَةً أثَرَ ألِفٍ زائِدَةٍ. ووَزْنُهُ ”فِعالٌ“ مَصْدَرُ ”راءى“ (فاعَلَ) مِنَ الرُّؤْيَةِ ويُقالُ: مُراآةٌ، وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ فِيهِ مُبالَغَةٌ أيْ بالَغَ في إراءَةِ النّاسِ عَمَلَهُ مَحَبَّةً أنْ يَرَوْهُ لِيَفْخَرَ عَلَيْهِمْ.

وسَبِيلِ اللَّهِ الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلَيْهِ، وهو الإسْلامُ، شَبَّهَ الدِّينَ في إبْلاغِهِ إلى رِضا اللَّهِ تَعالى، بِالسَّبِيلِ المُوَصِّلِ إلى بَيْتِ سَيِّدِ الحَيِّ لِيَصْفَحَ عَنْ وارِدِهِ أوْ يُكْرِمَهُ.

وجِيءَ في ”يَصُدُّونَ“ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُضارِعِ: لِلدَّلالَةِ عَلى حُدُوثِ وتَجَدُّدِ صَدِّهِمُ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وأنَّهم حِينَ خَرَجُوا صادِّينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ومُكَرِّرِينَ ذَلِكَ ومُجَدِّدِينَهُ. وبِاعْتِبارِ الحُدُوثِ كانَتِ الحالُ مُقارِنَةً، وأمّا التَّجَدُّدُ فَمُسْتَفادٌ مِنَ المَضارِعِيَّةِ ولا يُجْعَلُ الحالُ مُقَدَّرَةً.

صفحة ٣٤

وقَوْلُهُ: واللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ تَذْكِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِصَرِيحِهِ، ووَعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِالمَعْنى الكِنائِيِّ؛ لِأنَّ إحاطَةَ العِلْمِ بِما يَعْمَلُونَ مَجازٌ في عَدَمِ خَفاءِ شَيْءٍ مِن عَمَلِهِمْ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، ويَلْزَمُهُ أنَّهُ مُجازِيهِمْ عَنْ عَمَلِهِمْ بِما يُجازِي بِهِ العَلِيمُ القَدِيرُ مَنِ اعْتَدى عَلى حَرَمِهِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ الَّذِينَ خَرَجُوا

وإسْنادُ الإحاطَةِ إلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى: مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ المُحِيطَ هو عِلْمُ اللَّهِ - تَعالى - فَإسْنادُ الإحاطَةِ إلى صاحِبِ العِلْمِ مَجازٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском