Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:48–52
8:48Page 183
وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤٨
And [remember] when Satan made their deeds pleasing to them and said, "No one can overcome you today from among the people, and indeed, I am your protector." But when the two armies sighted each other, he turned on his heels and said, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I see what you do not see; indeed, I fear Allāh. And Allāh is severe in penalty."
﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم وقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكم فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّيَ أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّيَ أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾
”وإذْ زَيَّنَ“ عَطْفٌ عَلى ﴿وإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٤] الآيَةَ. وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، رُتِّبَ نَظْمُهُ عَلى أُسْلُوبِهِ العَجِيبِ لِيَقَعَ هَذا الظَّرْفُ عَقِبَ تِلْكَ الجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ، فَيَكُونُ لَهُ إتْمامُ المُناسَبَةِ بِحِكايَةِ خُرُوجِهِمْ وأحْوالِهِ، فَإنَّهُ مِن عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ فِيما عَرَضَ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ الأحْوالِ في خُرُوجِهِمْ إلى بَدْرٍ، مِمّا كانَ فِيهِ سَبَبُ نَصْرِ المُسْلِمِينَ، ولِيَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٧] عَقِبَ أمْرِ المُسْلِمِينَ بِما يَنْبَغِي لَهم عِنْدَ اللِّقاءِ، لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ الأمْرِ بِما يَنْبَغِي والتَّحْذِيرِ مِمّا لا يَنْبَغِي، وتَرْكِ التَّشَبُّهِ بِمَن لا يُرْتَضى، فَيَتِمُّ هَذا الأُسْلُوبُ البَدِيعُ المُحْكَمُ الِانْتِظامِ.
وأشارَتْ هاتِهِ الآيَةُ إلى أمْرٍ عَجِيبٍ كانَ مِن أسْبابِ خِذْلانِ المُشْرِكِينَ إذْ صَرَفَ اللَّهُ عَنِ المُسْلِمِينَ كَيْدًا لَهم: حِينَ وسْوَسَ الشَّيْطانُ لِسُراقَةَ بْنِ مالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الكِنانِيِّ أنْ يَجِيءَ في جَيْشٍ مِن قَوْمِهِ بَنِي كِنانَةَ لِنَصْرِ المُشْرِكِينَ حِينَ خَرَجُوا لِلدِّفاعِ عَنْ عِيرِهِمْ،
صفحة ٣٥
فَألْقى اللَّهُ في رَوْعِ سُراقَةَ مِنَ الخَوْفِ ما أوْجَبَ انْخِذالَهُ وجَيْشَهُ عَنْ نَصْرِ المُشْرِكِينَ، وأفْسَدَ اللَّهُ كَيْدَ الشَّيْطانِ بِما قَذَفَهُ اللَّهُ في نَفْسِ سُراقَةَ مِنَ الخَوْفِ وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى السَّيْرِ إلى إنْقاذِ العِيرِ ذَكَرُوا ما كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ كِنانَةَ مِنَ الحَرْبِ فَكادَ أنْ يُثَبِّطَهم عَنِ الخُرُوجِ، فَلَقِيَهم في مِسِيرِهِمْ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ في جُنْدٍ مَعَهُ رايَةٌ وقالَ لَهم: لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ، وإنِّي مُجِيرُكم مِن كِنانَةَ، فَقَوِيَ عَزْمُ قُرَيْشٍ عَلى المَسِيرِ.
فَلَمّا أمْعَنُوا السَّيْرَ وتَقارَبَ المُشْرِكُونَ مِن مَنازِلِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، ورَأى سُراقَةُ الجَيْشَيْنِ، نَكَصَ سُراقَةُ بِمَن مَعَهُ وانْطَلَقُوا، فَقالَ لَهُ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ، أخُو أبِي جَهْلٍ: إلى أيْنَ أتَخْذُلُنا في هَذِهِ الحالِ ؟ فَقالَ سُراقَةُ: إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ فَكانَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ عَزْمِ قُرَيْشٍ عَلى الخُرُوجِ والمَسِيرِ، حَتّى لَقُوا هَزِيمَتَهُمُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَهم في بَدْرٍ.
وكانَ خُرُوجُ سُراقَةَ ومَن مَعَهُ بِوَسْوَسَةٍ مِنَ الشَّيْطانِ، لِئَلّا تَنْثَنِيَ قُرَيْشٌ عَنِ الخُرُوجِ، وكانَ انْخِذالُ سُراقَةَ بِتَقْدِيرٍ مِنَ اللَّهِ لِيَتِمَّ نَصْرُ المُسْلِمِينَ، وكانَ خاطِرُ رُجُوعِ سُراقَةَ خاطِرًا مَلَكِيًّا ساقَهُ اللَّهُ إلَيْهِ لِأنَّ سُراقَةَ لَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ في أنْ يُسْلِمَ مُنْذُ يَوْمِ لِقائِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في طَرِيقِ الهِجْرَةِ، حِينَ شاهَدَ مُعْجِزَةَ سَوْخِ قَوائِمِ فَرَسِهِ في الأرْضِ، وأخْذِهِ الأمانَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ورُوِيَتْ لَهُ أبْياتٌ خاطَبَ بِها أبا جَهْلٍ في قَضِيَّتِهِ في يَوْمِ الهِجْرَةِ، وما زالَ بِهِ ذَلِكَ حَتّى أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ.
وتَزْيِينُ الشَّيْطانِ لِلْمُشْرِكِينَ أعْمالَهم: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إسْنادًا مَجازِيًّا، وإنَّما المُزَيِّنُ لَهم سُراقَةُ بِإغْراءِ الشَّيْطانِ، بِما سَوَّلَ إلى سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ مِن تَثْبِيتِهِ المُشْرِكِينَ عَلى المُضِيِّ في طَرِيقِهِمْ لِإنْقاذِ عِيرِهِمْ، وأنْ لا يَخْشَوْا غَدْرَ كِنانَةَ بِهِمْ.
وقِيلَ تَمَثَّلَ الشَّيْطانُ لِلْمُشْرِكِينَ في صُورَةِ سُراقَةَ ولَيْسَ تَمَثُّلُ الشَّيْطانِ وجُنْدِهِ بِصُورَةِ سُراقَةَ وجَيْشِهِ بِمَرْوِيٍّ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، وإنَّما رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وتَأْوِيلُ ذَلِكَ: أنَّ ما صَدَرَ مِن سُراقَةَ كانَ بِوَسْوَسَةٍ مِنَ الشَّيْطانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ الشَّيْطانِ أُطْلِقَ عَلى سُراقَةَ لِأنَّهُ فَعَلَ فِعْلَ الشَّيْطانِ كَما يَقُولُونَ: فُلانٌ مِن شَياطِينِ العَرَبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إسْنادًا حَقِيقِيًّا أيْ زَيَّنَ لَهم في نُفُوسِهِمْ بِخَواطِرِ وسْوَسَتِهِ، وكَذَلِكَ إسْنادُ قَوْلِ ﴿لا غالِبَ لَكُمُ﴾ إلَيْهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ بِاعْتِبارِ صُدُورِ القَوْلِ والنُّكُوصِ مِن سُراقَةَ المُتَأثِّرِ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنِّيَ أرى ما لا تَرَوْنَ﴾
صفحة ٣٦
وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّيَ أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ إنْ كانَ مِنَ الشَّيْطانِ فَهو قَوْلٌ في نَفْسِهِ، وضَمِيرُ الخِطابِ التِفاتٌ اسْتَحْضَرَهم كَأنَّهم يَسْمَعُونَهُ، فَقالَ قَوْلَهُ هَذا، وتَكُونُ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً. يَعْنِي رَأى نُزُولَ المَلائِكَةِ وخافَ أنْ يَضُرُّوهُ بِإذْنِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنِّيَ أخافُ اللَّهَ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنِّيَ أرى ما لا تَرَوْنَ﴾ أيْ أخافُ عِقابَ اللَّهِ فِيما رَأيْتُ مِن جُنُودِ اللَّهِ. وإنْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِن قَوْلِ سُراقَةَ فَهو إعْلانٌ لَهم بَرَدِّ جِوارِهِ إيّاهم لِئَلّا يَكُونَ خائِنًا لَهم لِأنَّ العَرَبَ كانُوا إذا أرادُوا نَقْضَ جِوارٍ أعْلَنُوا ذَلِكَ لِمَن أجارُوهُ، كَما فَعَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ حِينَ أجارَ أبا بَكْرٍ مِن أذى قُرَيْشٍ ثُمَّ رَدَّ جِوارَهُ مِن أبِي بَكْرٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨] فالمَعْنى: إنِّي بَرِيءٌ مِن جِوارِكم، ولِذَلِكَ قالَ لَهُ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ: إلى أيْنَ أتَخْذُلُنا ؟ فَيَكُونُ قَدِ اقْتَصَرَ عَلى تَأْمِينِهِمْ مِن غَدْرِ قَوْمِهِ بَنِي كِنانَةَ. وتَكُونُ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً ومَفْعُولُها الثّانِي مَحْذُوفًا اقْتِصارًا.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنِّيَ أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ فَعَلى احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ إلى الشَّيْطانِ حَقِيقَةً فالمُرادُ مِن خَوْفِ اللَّهِ تَوَقُّعُ أنْ يُصِيبَهُ اللَّهُ بِضُرٍّ، مِن نَحْوِ الرَّجْمِ بِالشُّهُبِ، وإنْ كانَ مَجازًا عَقْلِيًّا وأنَّ حَقِيقَتَهُ قَوْلُ سُراقَةَ فَلَعَلَّ سُراقَةَ قالَ قَوْلًا في نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ عاهَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ لا يَدُلَّ عَلَيْهِ المُشْرِكِينَ، فَلَعَلَّهُ تَذَكَّرَ ذَلِكَ ورَأى أنَّ فِيما وعَدَ المُشْرِكِينَ مِنَ الإعانَةِ ضَرْبًا مِن خِيانَةِ العَهْدِ فَخافَ سُوءَ عاقِبَةِ الخِيانَةِ.
و(التَّزْيِينُ) إظْهارُ الشَّيْءِ زَيْنًا، أيْ حَسَنًا، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] في سُورَةِ الأنْعامِ وفي قَوْلِهِ: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٢١٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمَعْنى: أنَّهُ أراهم حَسَنًا ما يَعْمَلُونَهُ مِنَ الخُرُوجِ إلى إنْقاذِ العِيرِ، ثُمَّ مِن إزْماعِ السَّيْرِ إلى بَدْرٍ.
و(تَراءَتْ) مُفاعَلَةٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، أيْ رَأتْ كِلْتا الفِئَتَيْنِ الأُخْرى.
و﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ رَجَعَ مِن حَيْثُ جاءَ. وعَنْ مُؤَرِّجٍ السَّدُوسِيِّ: أنَّ ”نَكَصَ“ رَجَعَ بِلُغَةِ سُلَيْمٍ، ومَصْدَرُهُ النُّكُوصُ وهو مِن بابِ ”رَجَعَ“ .
صفحة ٣٧
وقَوْلُهُ ﴿عَلى عَقِبَيْهِ﴾ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى ”نَكَصَ“ إذِ النُّكُوصُ لا يَكُونُ إلّا عَلى العَقِبَيْنِ؛ لِأنَّهُ الرُّجُوعُ إلى الوَراءِ كَقَوْلِهِمْ: رَجَعَ القَهْقَرى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى - في سُورَةِ (المُؤْمِنُونَ) ﴿فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦]
و”عَلى“ مُفِيدَةٌ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ السَّيْرِ بِالعَقِبَيْنِ. والعَقِبانِ: تَثْنِيَةُ العَقِبِ، وهو مُؤَخَّرُ الرِّجْلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ [الأنعام: ٧١] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ العَقِبَيْنِ تَفْظِيعُ التَّقَهْقُرِ لِأنَّ عَقِبَ الرَّجُلِ أخَسُّ القَوائِمِ لِمُلاقاتِهِ الغُبارَ والأوْساخَ.
8:49Page 183
إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٤٩
[Remember] when the hypocrites and those in whose hearts was disease [i.e., arrogance and disbelief] said, "Their religion has deluded those [Muslims]." But whoever relies upon Allāh - then indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.
﴿إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
يَتَعَلَّقُ ”إذْ يَقُولُ“ بِأقْرَبِ الأفْعالِ إلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأفْعالِ؛ لِأنَّ ”إذْ“ لا تَقْتَضِي أكْثَرَ مِنَ المُقارَنَةِ في الزَّمانِ بَيْنَ ما تُضافُ إلَيْهِ وبَيْنَ مُتَعَلَّقِها، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ قَوْلُ المُنافِقِينَ واقِعًا في وقْتِ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ أعْمالَ المُشْرِكِينَ، فَيَتِمُّ تَعْلِيقُ وقْتِ قَوْلِ المُنافِقِينَ بِوَقْتِ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ أعْمالَ المُشْرِكِينَ، وإنَّما تُطْلَبُ المُناسَبَةُ لِذِكْرِ هَذا الخَبَرِ عَقِبَ الَّذِي ولِيَهُ هو، وتِلْكَ هي أنَّ كِلا الخَبَرَيْنِ يَتَضَمَّنُ قُوَّةَ جَيْشِ المُشْرِكِينَ، وضَعْفَ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، ويَقِينُ أوْلِياءِ الشَّيْطانِ بِأنَّ النَّصْرَ سَيَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ.
فالخَبَرُ الأوَّلُ عَنْ طائِفَةٍ أعانَتِ المُشْرِكِينَ بِتَأْمِينِهِمْ مِن عَدُوٍّ يَخْشَوْنَهُ فانْحازَتْ إلَيْهِمْ عَلَنًا، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَقْبِيحَ ما أقْحَمَ المُسْلِمُونَ فِيهِ أنْفُسَهم إذْ عَمَدُوا إلى قِتالِ قَوْمٍ أقْوِياءَ. والخَبَرُ الثّانِي عَنْ طائِفَتَيْنِ شَوَّهَتا صَنِيعَ المُسْلِمِينَ: حَمَّقَتاهم ونَسَبَتاهم إلى الغُرُورِ فَأسَرُّوا ذَلِكَ ولَمْ يَبُوحُوا بِهِ، وتَحَدَّثُوا بِهِ فِيما بَيْنَهم، أوْ أسَرُّوهُ في نُفُوسِهِمْ.
فَنَظْمُ الكَلامِ هَكَذا: وزَيَّنَ الشَّيْطانُ لِلْمُشْرِكِينَ أعْمالَهم حِينَ كانَ المُنافِقُونَ يُقَبِّحُونَ أعْمالَ المُسْلِمِينَ ويَصِفُونَهم بِالغُرُورِ وقِلَّةِ التَّدْبِيرِ مِنِ اعْتِقادِهِمْ في دِينِهِمُ الَّذِي أوْقَعَهم في هَذا الغُرُورِ ويَجُولُ في نُفُوسِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مِثْلُ هَذا.
صفحة ٣٨
و(القَوْلُ) هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ: الشّامِلُ لِحَدِيثِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ يَقُولُونَ ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وهم طائِفَةٌ غَيْرُ المُنافِقِينَ، بَلْ هم مَن لَمْ يَتَمَكَّنِ الإيمانُ مِن قُلُوبِهِمْ. فَيَقُولُونَهُ في أنْفُسِهِمْ لِما لَهم مِنَ الشَّكِّ في صِدْقِ وعْدِ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهم غَيْرُ مُوالِينَ لِلْمُنافِقِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَتَحَدَّثُوا بِهِ بَيْنَ جَماعَتِهِمْ.
و(المَرَضُ) هُنا مَجازٌ في اخْتِلالِ الِاعْتِقادِ، شُبِّهَ بِالمَرَضِ بِوَجْهِ سُوءِ عاقِبَتِهِ عَلَيْهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [البقرة: ١٠] في أوَّلِ البَقَرَةِ.
وأشارُوا بِـ ”هَؤُلاءِ“ إلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، وقَدْ جَرَتِ الإشارَةُ عَلى غَيْرِ مُشاهَدٍ؛ لِأنَّهم مَذْكُورُونَ في حَدِيثِهِمْ أوْ مُسْتَحْضَرُونَ في أذْهانِهِمْ، فَكانُوا بِمَنزِلَةِ الحاضِرِ المُشاهِدِ لَهم وهم يَتَعارَفُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الإشارَةِ في حَدِيثِهِمْ عَنِ المُسْلِمِينَ.
و(الغُرُورُ): الإيقاعُ في المَضَرَّةِ بِإيهامِ المَنفَعَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ: ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.
و(الدِّينُ) هو الإسْلامُ. وإسْنادُهُمُ الغُرُورَ إلى الدِّينِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ بِالنَّصْرِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] الآيَةَ، أيْ غَرَّهم ذَلِكَ فَخَرَجُوا وهم عَدَدٌ قَلِيلٌ لِلِقاءِ جَيْشٍ كَثِيرٍ، والمَعْنى: إذْ يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ اللِّقاءِ وقَبْلَ حُصُولِ النَّصْرِ. فَإطْلاقُ الغُرُورِ هُنا مَجازٌ، وإسْنادُهُ إلى الدِّينِ حَقِيقَةٌ عَقْلِيَّةٌ.
وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] لِأنَّها مِن جُمْلَةِ الأخْبارِ المَسُوقَةِ لِبَيانِ عِنايَةِ اللَّهِ - تَعالى - بِالمُسْلِمِينَ، ولِلِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ، فالمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها: أنَّها كالعِلَّةِ لِخَيْبَةِ ظُنُونِ المُشْرِكِينَ ونُصَرائِهِمْ، أيْ أنَّ اللَّهَ خَيَّبَ ظُنُونَهم لِأنَّ المُسْلِمِينَ تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وهو عَزِيزٌ لا يُغْلَبُ، فَمَن تَمَسَّكَ بِالِاعْتِمادِ عَلَيْهِ نَصَرَهُ، وهو حَكِيمٌ يُكَوِّنُ أسْبابَ النَّصْرِ مِن حَيْثُ يَجْهَلُها البَشَرُ.
و(التَّوَكُّلُ): الِاسْتِسْلامُ والتَّفْوِيضُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
صفحة ٣٩
وجُعِلَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ جَوابًا لِلشَّرْطِ بِاعْتِبارِ لازِمِهِ وهو عِزَّةُ المُتَوَكِّلِ عَلى اللَّهِ وإلْفائِهِ مُنْجِيًا مِن مَضِيقِ أمْرِهِ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ الجَوابِ وهَذا مِن وُجُوهِ البَيانِ وهو كَثِيرُ الوُقُوعِ في القُرْآنِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
مَن يَلْقَ يَوْمًا عَلى عِلّاتِهِ هَرِمًا يَلْقَ السَّماحَةَ فِيهِ والنَّدى خُلُقا
أيْ: يَنَلْ مِن كَرَمِهِ ولا يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ عَنْهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وقَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ زِيادٍ العَبْسِيِّ:
مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ ∗∗∗ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَـهَـارِ
يَجِدِ النِّساءَ حَواسِرًا يَنْدُبْـنَـهُ ∗∗∗ بِاللَّيْلِ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْـفَـارِ
أيْ: مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِهِ فَسُرُورُهُ لا يَدُومُ إلّا بَعْضَ يَوْمٍ ثُمَّ يُحْزِنُهُ أخْذُ الثَّأْرِ إمّا مِن ذَلِكَ المَسْرُورِ إنْ كانَ هو القاتِلَ أوْ مِن أحَدِ قَوْمِهِ وذَلِكَ يُحْزِنُ قَوْمُهُ.
8:50–51Page 183
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٥٠
And if you could but see when the angels take the souls of those who disbelieved...1 They are striking their faces and their backs and [saying], "Taste the punishment of the Burning Fire.
ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٥١
That is for what your hands have put forth [of evil] and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."
﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
لَمّا وُفِّيَ وصْفُ حالِ المُشْرِكِينَ حَقَّهُ، وفُصِّلَتْ أحْوالُ هَزِيمَتِهِمْ بِبَدْرٍ، وكَيْفَ أمْكَنَ اللَّهُ مِنهُمُ المُسْلِمِينَ، عَلى ضَعْفِ هَؤُلاءِ وقُوَّةِ أُولَئِكَ، بِما شاهَدَهُ كُلُّ حاضِرٍ حَتّى لَيُوقِنُ السّامِعُ أنَّ ما نالَ المُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ إنَّما هو خِذْلانٌ مِنَ اللَّهِ إيّاهم، وإيذانٌ بِأنَّهم لاقُونَ هَلاكَهم ما دامُوا مُناوِئِينَ لِلَّهِ ورَسُولِهِ - انْتُقِلَ إلى وصْفِ ما لَقِيَهُ مِنَ العَذابِ مَن قُتِلَ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ، مِمّا هو مُغَيَّبٌ عَنِ النّاسِ، لِيَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ ويَرْتَدِعَ الكافِرُونَ، والمُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُنا الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِن تَمامِ الخَبَرِ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ.
صفحة ٤٠
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا: جَمِيعَ الكافِرِينَ حَمْلًا لِلْمَوْصُولِ عَلى مَعْنى العُمُومِ. فَتَكُونُ الآيَةُ اعْتِراضًا مُسْتَطْرَدًا في خِلالِ القِصَّةِ بِمُناسَبَةِ وصْفِ ما لَقِيَهُ المُشْرِكُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، الَّذِي عُجِّلَ لَهم فِيهِ عَذابُ المَوْتِ.
وابْتُدِئَ الخَبَرُ بِـ ”ولَوْ تَرى“ مُخاطَبًا بِهِ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ، أيْ: لَوْ تَرى أيُّها السّامِعُ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ بِهَذا الخَبَرِ خُصُوصَ النَّبِيءِ ﷺ حَتّى يُحْمَلَ الخِطابُ عَلى ظاهِرِهِ، بَلْ غَيْرُ النَّبِيءِ أوْلى بِهِ مِنهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ أنْ يُطْلِعَ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ كَما أراهُ الجَنَّةَ في عَرْضِ الحائِطِ.
ثُمَّ إنْ كانَ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا مُشْرِكِي يَوْمِ بَدْرٍ، وكانَ ذَلِكَ قَدْ مَضى، يَكُنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ولَوْ رَأيْتَ إذْ تَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ. فالإتْيانُ بِالمُضارِعِ في المَوْضِعَيْنِ مَكانَ الماضِي: لِقَصْدِ اسْتِحْضارِ تِلْكَ الحالَةِ العَجِيبَةِ، وهي حالَةُ ضَرْبِ الوُجُوهِ والأدْبارِ، لِيُخَيَّلَ لِلسّامِعِ أنَّهُ يُشاهِدُ تِلْكَ الحالَةَ، وإنْ كانَ المُرادُ المُشْرِكِينَ حَيْثُما كانُوا كانَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ.
وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ أمْرًا عَجِيبًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”يَتَوَفّى“ بِياءِ الغائِبِ وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: ”تَتَوَفّى“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ رَعْيًا لِصُورَةِ جَمْعِ المَلائِكَةِ.
والتَّوَفِّي: الإماتَةُ سُمِّيَتْ تَوَفِّيًا لِأنَّها تُنْهِي حَياةَ المَرْءِ أوْ تَسْتَوْفِيها ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]
وجُمْلَةُ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ إنْ كانَ المُرادُ مِنَ التَّوَفِّي قَبْضَ أرْواحِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ يَقْتُلُهُمُ المُسْلِمُونَ، أيْ: يَزِيدُهُمُ المَلائِكَةُ تَعْذِيبًا عِنْدَ نَزْعِ أرْواحِهِمْ. وهي بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”يَتَوَفّى“ إنْ كانَ المُرادُ بِالتَّوَفِّي تَوَفِّيًا يَتَوَفّاهُ المَلائِكَةُ الكافِرِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ”يَضْرِبُونَ“ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لا مَوْقِعَ لَها مَعَ الَّتِي قَبْلَها، إلّا أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ أيْ ويَقُولُونَ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البقرة: ١٢٧] . وقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] .
صفحة ٤١
وذِكْرُ الوُجُوهِ والأدْبارِ لِلتَّعْمِيمِ، أيْ: يَضْرِبُونَ جَمِيعَ أجْسادِهِمْ. فالأدْبارُ: جَمْعُ دُبُرٍ وهو ما دَبَرَ مِنَ الإنْسانِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] . وكَذَلِكَ الوُجُوهُ كِنايَةٌ عَمّا أقْبَلَ مِنَ الإنْسانِ، وهَذا كَقَوْلِ العَرَبِ: ضَرَبْتُهُ الظَّهْرَ والبَطْنَ، كِنايَةً عَمّا أقْبَلَ وما أدْبَرَ أيْ ضَرَبْتُهُ في جَمِيعِ جَسَدِهِ.
والذَّوْقُ مُسْتَعْمَلٌ في مُطْلَقِ الإحْساسِ، بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ.
وإضافَةُ العَذابِ إلى الحَرِيقِ: مِن إضافَةِ الجِنْسِ إلى نَوْعِهِ، لِبَيانِ النَّوْعِ، أيْ عَذابًا هو الحَرِيقُ، فَهي إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ.
والحَرِيقُ هو اضْطِرامُ النّارِ، والمُرادُ بِهِ جَهَنَّمُ، فَلَعَلَّ اللَّهَ عَجَّلَ بِأرْواحِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ إلى النّارِ قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ، فالأمْرُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّكْوِينِ، أيْ: يُذِيقُونَهم، أوْ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشَفِّي، أوِ المُرادُ بِقَوْلِ المَلائِكَةِ ”فَذُوقُوا“ إنْذارُهم بِأنَّهم سَيَذُوقُونَهُ، وإنَّما يَقَعُ الذَّوْقُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَكُونُ الأمْرُ مُسْتَعْمَلًا في الإنْذارِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكم إلى النّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠] بِناءً عَلى أنَّ التَّمَتُّعَ يُؤْذِنُ بِشَيْءٍ سَيَحْدُثُ بَعْدَ التَّمَتُّعِ مُضادٌّ لِما بِهِ التَّمَتُّعُ.
واسْمُ الإشارَةِ ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ إلى ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ العَذابِ. وجِيءَ بِإشارَةِ البَعِيدِ لِتَعْظِيمِ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ الأهْوالِ.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِقَصْدِ التَّنْكِيلِ والتَّشَفِّي.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وهي مَعَ المَجْرُورِ، خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ.
و”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ مَوْصُولَةٌ، ومَعْنى ﴿قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ أسْلَفَتْهُ مِنَ الأعْمالِ فِيما مَضى، أيْ مِنَ الشِّرْكِ وفُرُوعِهِ مِنَ الفَواحِشِ.
وذِكْرُ الأيْدِي اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ الأعْمالِ الَّتِي اقْتَرَفُوها، وهي ماصَدَقُ ”ما قَدَّمَتْ“ بِما يَجْتَنِيهِ المُجْتَنِي مِنَ الثَّمَرِ، أوْ يَقْبِضُهُ البائِعُ مِنَ الأثْمانِ، تَشْبِيهُ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، وذُكِرَ رَدِيفُ المُشَبَّهِ وهو الأيْدِي الَّتِي هي آلَةُ الِاكْتِسابِ، أيْ: بِما قَدَّمَتْهُ أيْدِيكم لَكم.
صفحة ٤٢
وقَوْلُهُ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ والتَّقْدِيرُ: وبِأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ، وهَذا عِلَّةٌ ثانِيَةٌ لِإيقاعِ تِلْكَ العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ، فالعِلَّةُ الأُولى، المُفادَةُ مِن باءِ السَّبَبِيَّةِ تَعْلِيلٌ لِإيقاعِ العِقابِ. والعِلَّةُ الثّانِيَةُ المُفادَةُ مِنَ العَطْفِ عَلى الباءِ ومَجْرُورِها، تَعْلِيلٌ لِصِفَةِ العَذابِ، أيْ هو عَذابٌ مُعادِلٌ لِأعْمالِهِمْ، فَمَوْرِدُ العِلَّتَيْنِ شَيْءٌ واحِدٌ لَكِنْ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارِ.
ونَفْيُ الظُّلْمِ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - كِنايَةٌ عَنْ عَدْلِهِ وأنَّ الجَزاءَ الألِيمَ كانَ كِفاءً لِلْعَمَلِ المُجازى عَنْهُ دُونَ إفْراطٍ.
وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ التَّعْلِيلَيْنِ لِشَيْءٍ واحِدٍ، وهو ذَلِكَ العَذابُ، فَجَعَلَهُما سَبَبَيْنِ لِكُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ، وأنَّ التَّعْذِيبَ مِنَ العَدْلِ مِثْلُ الإثابَةِ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَرْكَ اللَّهِ المُؤاخَذَةَ عَلى الِاعْتِداءِ عَلى حُقُوقِهِ إذا شاءَ ذَلِكَ، لَيْسَ بِظُلْمٍ، والمَوْضُوعُ هو العِقابُ عَلى الإشْراكِ والفَواحِشِ، وأمّا الِاعْتِداءُ عَلى حُقُوقِ النّاسِ فَتَرْكُ المُؤاخَذَةِ بِهِ عَلى تَسْلِيمِ أنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وقَدْ يُعَوَّضُ المُعْتَدى عَلَيْهِ بِتَرْضِيَةٍ مِنَ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ كانَ ما في الكَشّافِ غَيْرَ خالٍ عَنْ تَعَسُّفٍ حَمَلَهُ عَلَيْهِ الإسْراعُ لِنُصْرَةِ مَذْهَبِ الِاعْتِزالِ مِنِ اسْتِحالَةِ العَفْوِ عَنِ العُصاةِ لِأنَّهُ مُنافٍ لِلْعَدْلِ أوْ لِلْحِكْمَةِ.
ونَفْيُ ”ظَلّامٍ“ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لا يُفِيدُ إثْباتَ ظُلْمٍ غَيْرِ قَوِيٍّ: لِأنَّ الصِّيَغَ لا مَفاهِيمَ لَها، وجَرَتْ عادَةُ العُلَماءِ أنْ يُجِيبُوا بِأنَّ المُبالَغَةَ مُنْصَرِفَةٌ إلى النَّفْيِ كَما جاءَ ذَلِكَ كَثِيرًا في مِثْلِ هَذا، ويُزادُ هُنا الجَوابُ بِاحْتِمالِ أنَّ الكَثْرَةَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ الظُّلْمِ المَنفِيِّ، لَوْ قُدِّرَ ثُبُوتُهُ، بِالعَبِيدِ الكَثِيرِينَ، فَعُبِّرَ بِالمُبالَغَةِ عَنْ كَثْرَةِ أعْدادِ الظُّلْمِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أفْرادِ مَعْمُولِهِ.
والتَّعْرِيفُ بِاللّامِ في ”العَبِيدِ“ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: لِعَبِيدِهِ. كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”العَبِيدُ“ أُطْلِقَ عَلى ما يُرادِفُ النّاسَ كَما أُطْلِقَ العِبادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] في سُورَةِ يس.
8:52Page 183
كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٥٢
[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allāh, so Allāh seized them for their sins. Indeed, Allāh is Powerful and severe in penalty.
صفحة ٤٣
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾
”كَدَأْبِ“ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو حَذْفٌ تابِعٌ لِلِاسْتِعْمالِ في مِثْلِهِ: فَإنَّ العَرَبَ إذا تَحَدَّثُوا عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أتَوْا بِخَبَرٍ دُونَ مُبْتَدَإٍ عُلِمَ أنَّ المُبْتَدَأ مَحْذُوفٌ فَقُدِّرَ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ.
فالتَّقْدِيرُ هُنا: دَأْبُهم كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أيْ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ بِرُسُلِ رَبِّهِمْ، مِثْلِ عادٍ وثَمُودَ.
والدَّأْبُ: العادَةُ والسِّيرَةُ المَأْلُوفَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَقَدَّمَ وجْهُ تَخْصِيصِ آلِ فِرْعَوْنَ بِالذِّكْرِ. ولا فَرْقَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ إلّا اخْتِلافُ العِبارَةِ، فَفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [آل عمران: ١١] وهُنا ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾، وهُنالِكَ ﴿واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [آل عمران: ١١] وهُنا ﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ٠ فَأمّا المُخالَفَةُ بَيْنَ ”كَذَّبُوا“ و”كَفَرُوا“ فَلِأنَّ قَوْمَ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ شارَكُوا المُشْرِكِينَ في الكُفْرِ بِاللَّهِ وتَكْذِيبِ رُسُلِهِ، وفي جَحْدِ دَلالَةِ الآياتِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وعَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، فَذُكِرُوا هُنا ابْتِداءً بِالأفْظَعِ مِنَ الأمْرَيْنِ فَعُبِّرَ بِالكُفْرِ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ الكُفْرَ أصْرَحُ في إنْكارِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى.
وقَدْ عُقِّبَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالَّتِي بَعْدَها، فَذُكِرَ في الَّتِي بَعْدَها التَّكْذِيبُ بِالآياتِ، أيِ التَّكْذِيبُ بِآياتِ صِدْقِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وجَحْدُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ. فَأمّا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ فَقَدْ ذُكِرَ تَكْذِيبُهم بِالآياتِ، أيِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ مُتَبادِرٌ في مَعْنى تَكْذِيبِ المُخْبِرِ، لِوُقُوعِ ذَلِكَ عَقِبَ ذِكْرِ تَنْزِيلِ القُرْآنِ وتَصْدِيقِ مَن صَدَّقَ بِهِ، وإلْحادِ مَن قَصَدَ الفِتْنَةَ بِمُتَشابِهِهِ، فَعُبِّرَ عَنِ الَّذِينَ شابَهُوهم في تَكْذِيبِ رَسُولِهِمْ بِوَصْفِ التَّكْذِيبِ.
فَأمّا الإظْهارُ هُنا في مَقامِ الإضْمارِ فاقْتَضاهُ أنَّ الكُفْرَ كُفْرٌ بِما يَرْجِعُ إلى صِفاتِ اللَّهِ فَأُضِيفَتِ الآياتُ إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِيَدُلَّ عَلى الذّاتِ بِعُنْوانِ الإلَهِ الحَقِّ وهو الوَحْدانِيَّةُ،
صفحة ٤٤
وأمّا الإضْمارُ في آلِ عِمْرانَ فَلِكَوْنِ التَّكْذِيبِ تَكْذِيبًا لِآياتٍ دالَّةٍ عَلى ثُبُوتِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُضِيفَتِ الآياتُ إلى الضَّمِيرِ عَلى الأصْلِ في التَّكَلُّمِ.
وأمّا الِاخْتِلافُ بِذِكْرِ حَرْفِ التَّأْكِيدِ هُنا، دُونَهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، فَلِأنَّهُ قَصَدَ هُنا التَّعْرِيضَ بِالمُشْرِكِينَ، وكانُوا يُنْكِرُونَ قُوَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، بِمَعْنى لازِمِها: وهو إنْزالُ الضُّرِّ بِهِمْ، ويُنْكِرُونَ أنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ لَهم، فَأكَّدَ الخَبَرَ بِاعْتِبارِ لازِمِهِ التَّعْرِيضِيِّ الَّذِي هو إبْلاغُ هَذا الإنْذارِ إلى مَن بَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وفي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ لَمْ يُقْصَدْ إلّا الإخْبارُ عَنْ كَوْنِ اللَّهِ شَدِيدَ العِقابِ إذا عاقَبَ، فَهو تَذْكِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ وهُمُ المَقْصُودُ بِالإخْبارِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَقِبَهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] الآيَةَ.
وزِيدَ وصْفُ ”قَوِيٌّ“ هُنا مُبالَغَةً في تَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ المَقْصُودِينَ بِالإنْذارِ والتَّهْدِيدِ. والقَوِيُّ المَوْصُوفُ بِالقُوَّةِ، وحَقِيقَتُها كَمالُ صَلابَةِ الأعْضاءِ لِأداءِ الأعْمالِ الَّتِي تُرادُ مِنها، وهي مُتَفاوِتَةٌ مَقُولٌ عَلَيْها بِالتَّشْكِيكِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهي إذا وُصِفَ اللَّهُ بِها مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْناها اللُّزُومِيِّ وهو مُنْتَهى القُدْرَةِ عَلى فِعْلِ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ إراداتُهُ - تَعالى - مِنَ المُمْكِناتِ. والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ: الإيماءُ إلى أنَّ أخْذَهم كانَ قَوِيًّا شَدِيدًا؛ لِأنَّهُ عِقابُ قَوِيٍّ شَدِيدِ العِقابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences