Ibn 'AshurAl‑Anfal · 8:5–8

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:5–8

8:5–6Page 177

كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥

[It1 is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾

تَشْبِيهُ حالٍ بِحالٍ، وهو مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، إمّا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، هو اسْمُ إشارَةٍ لِما ذُكِرَ قَبْلَهُ، تَقْدِيرُهُ: هَذا الحالُ كَحالِ ما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو كَراهِيَةُ المُؤْمِنِينَ في بادِئِ الأمْرِ لِما هو خَيْرٌ لَهم في الواقِعِ

صفحة ٢٦٤

وإمّا بِتَقْدِيرِ مَصْدَرٍ لِفِعْلِ الِاسْتِقْرارِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الخَبَرُ بِالمَجْرُورِ في قَوْلِهِ ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] إذِ التَّقْدِيرُ: اسْتَقَرَّتْ لِلَّهِ والرَّسُولِ اسْتِقْرارًا كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ، أيْ فِيما يَلُوحُ إلى الكَراهِيَةِ والِامْتِعاضِ في بادِئِ الأمْرِ، ثُمَّ نَوالِهِمُ النَّصْرَ والغَنِيمَةَ في نِهايَةِ الأمْرِ، فالتَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيٌّ ولَيْسَ مُراعًى فِيهِ تَشْبِيهُ بَعْضِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ بِبَعْضِ أجْزاءِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها، أيْ أنَّ ما كَرِهْتُمُوهُ مِن قِسْمَةِ الأنْفالِ عَلى خِلافِ مُشْتَهاكم سَيَكُونُ فِيهِ خَيْرٌ عَظِيمٌ لَكم، حَسَبَ عادَةِ اللَّهِ - تَعالى - بِهِمْ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ما في الكَلامِ مِن مَعْنى مُخالَفَةِ مُشْتَهاهم قَوْلُهُ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١] كَما تَقَدَّمَ، مَعَ قَوْلِهِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ .

فَجُمْلَةُ وإنَّ فَرِيقًا في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها أخْرَجَكَ رَبُّكَ، هَذا وجْهُ اتِّصالِ كافِ التَّشْبِيهِ بِما قَبْلَها عَلى الأظْهَرِ، ولِلْمُفَسِّرِينَ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ بَلَغَتِ العِشْرِينَ قَدِ اسْتَقْصاها ابْنُ عادِلٍ، وهي لا تَخْلُو مِن تَكَلُّفٍ، وبَعْضُها مُتَّحِدُ المَعْنى، وبَعْضُها مُخْتَلِفُهُ، وأحْسَنُ الوُجُوهِ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَعْناهُ قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْنا وتَقْدِيرُهُ بَعِيدٌ مِنهُ.

والمَقْصُودُ مِن هَذا الأُسْلُوبِ: الِانْتِقالُ إلى تَذْكِيرِهِمْ بِالخُرُوجِ إلى بَدْرٍ وما ظَهَرَ فِيهِ مِن دَلائِلِ عِنايَةِ اللَّهِ - تَعالى - بِرَسُولِهِ ﷺ وبِالمُؤْمِنِينَ.

وما مَصْدَرِيَّةٌ. والإخْراجُ: إمّا مُرادٌ بِهِ الأمْرُ بِالخُرُوجِ لِلْغَزْوِ، وإمّا تَقْدِيرُ الخُرُوجِ لَهم وتَيْسِيرُهُ.

والخُرُوجُ مُفارَقَةُ المَنزِلِ والبَلَدِ إلى حِينِ الرُّجُوعِ إلى المَكانِ الَّذِي خُرِجَ مِنهُ، أوْ إلى حِينِ البُلُوغِ إلى المَوْضِعِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ.

والإخْراجُ مِنَ البَيْتِ: هو الإخْراجُ المُعَيَّنُ الَّذِي خَرَجَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ غازِيًا إلى بَدْرٍ.

والباءُ في بِالحَقِّ لِلْمُصاحَبَةِ أيْ إخْراجًا مُصاحِبًا لِلْحَقِّ، والحَقُّ هُنا الصَّوابُ، لِما تَقَدَّمَ آنِفًا مِن أنَّ اسْمَ الحَقِّ جامِعٌ لِمَعْنى كَمالِ كُلِّ شَيْءٍ في مَحامِدِ نَوْعِهِ.

والمَعْنى أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِالخُرُوجِ إلى المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ أمْرًا مُوافِقًا لِلْمَصْلَحَةِ في حالِ كَراهَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ الخُرُوجَ.

صفحة ٢٦٥

وقَدْ أشارَ هَذا الكَلامُ إلى السَّبَبِ الَّذِي خَرَجَ بِهِ المُسْلِمِينَ إلى بَدْرٍ، فَكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ يَوْمُ بَدْرٍ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ في أوائِلِ رَمَضانَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ أنْ قَفَلَتْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ فِيها أمْوالٌ وتِجارَةٌ لَهم مِن بِلادِ الشّامِ، راجِعَةً إلى مَكَّةَ، وفِيها أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ في زُهاءِ ثَلاثِينَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ، «فَلَمّا بَلَغَ خَبَرُ هَذِهِ العِيرِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَدَبَ المُسْلِمِينَ إلَيْها فانْتَدَبَ بَعْضُهم وتَثاقَلَ بَعْضٌ، وهُمُ الَّذِينَ كَرِهُوا الخُرُوجَ، ولَمْ يَنْتَظِرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن تَثاقَلُوا ومَن لَمْ يَحْضُرْ ظَهْرُهم أيْ رَواحِلُهم فَسارَ وقَدِ اجْتَمَعَ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ خَرَجُوا يَوْمَ ثَمانِيَةٍ مِن رَمَضانَ، وكانُوا يَحْسَبُونَ أنَّهم لا يَلْقَوْنَ حَرْبًا وأنَّهم يُغِيرُونَ عَلى العِيرِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ، وبَلَغَ أبا سُفْيانَ خَبَرُ خُرُوجِ المُسْلِمِينَ فَأرْسَلَ صارِخًا يَسْتَصْرِخُ قُرَيْشًا لِحِمايَةِ العِيرِ، فَتَجَهَّزَ مِنهم جَيْشٌ، ولِما بَلَغَ المُسْلِمُونَ وادِي ذَفِرانَ بَلَغَهم خُرُوجُ قُرَيْشٍ لِتَلَقِّي العِيرِ، فاسْتَشارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ فَأشارُوا عَلَيْهِ بِالمُضِيِّ في سَبِيلِهِ وكانَتِ العِيرُ يَوْمَئِذٍ فاتَتْهم، واطْمَأنَّ أبُو سُفْيانَ لِذَلِكَ فَأرْسَلَ إلى أهْلِ مَكَّةَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ نَجّى عِيرَكم فارْجِعُوا، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: لا نَرْجِعُ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا - وكانَ بَدْرٌ مَوْضِعَ ماءٍ فِيهِ سُوقٌ لِلْعَرَبِ في كُلِّ عامٍ - فَنُقِيمُ ثَلاثًا، فَنَنْحَرُ الجُزُرَ ونَسَقِي الخَمْرَ وتَعْزِفُ عَلَيْنا القِيانُ، وتَتَسامَعُ العَرَبُ بِنا وبِمَسِيرِنا فَلا يَزالُوا يَهابُونَنا ويَعْلَمُوا أنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُصِبِ العِيرَ، وأنّا قَدْ أعْضَضْناهُ، فَسارَ المُشْرِكُونَ إلى بَدْرٍ وتَنَكَّبَتْ عِيرُهم عَلى طَرِيقِ السّاحِلِ، وأعْلَمَ اللَّهُ النَّبِيءَ ﷺ بِذَلِكَ فَأعْلَمَ المُسْلِمِينَ، فاسْتَشارَهم وقالَ: العِيرُ أحَبُّ إلَيْكم أمِ النَّفِيرُ، فَقالَ أكْثَرُهُمُ: العِيرُ أحَبُّ إلَيْنا مِن لِقاءِ العَدُوِّ، فَتَغَيَّرَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أعادَ اسْتِشارَتَهم فَأشارَ أكْثَرُهم قائِلِينَ: عَلَيْكَ بِالعِيرِ فَإنّا خَرَجْنا لِلْعِيرِ، فَظَهَرَ الغَضَبُ عَلى وجْهِهِ، فَتَكَلَّمَ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، والمِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ، وسَعْدُ بْنُ عُبادَةَ، وأكْثَرُ الأنْصارِ، فَفَوَّضُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ما يَرى أنْ يَسِيرَ إلَيْهِ ﷺ فَأمَرَهم حِينَئِذٍ أنْ يَسِيرُوا إلى القَوْمِ بِبَدْرٍ فَسارُوا»، وكانَ النَّصْرُ العَظِيمُ الَّذِي هَزَّ بِهِ الإسْلامُ رَأْسَهُ.

فَهَذا ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ وذَلِكَ أنَّهم خَرَجُوا عَلى نِيَّةِ التَّعَرُّضِ لِلْعِيرِ، وأنْ لَيْسَ دُونَ العِيرِ قِتالٌ، «فَلَمّا أخْبَرَهم عَنْ تَجَمُّعِ قُرَيْشٍ لِقِتالِهِمْ تَكَلَّمَ أبُو بَكْرٍ فَأحْسَنَ، وتَكَلَّمَ عُمَرُ فَأحْسَنَ، ثُمَّ قامَ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ

صفحة ٢٦٦

فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: امْضِ لِما أراكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، واللَّهِ لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى ﴿اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ، نُقاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ وبَيْنِ يَدَيْكَ وخَلْفِكَ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ سِرْتَ بِنا إلى بَرْكِ الغِمادِ - بِفَتْحِ باءِ ”بَرْكِ“ وغَيْنُ ”الغِمادِ“ مُعْجَمَةٌ مَكْسُورَةٌ مَوْضِعٍ بِاليَمَنِ بَعِيدٍ جِدًّا عَنْ مَكَّةَ - لَجالَدْنا مَعَكَ مِن دُونِهِ حَتّى تَبْلُغَهُ. ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها النّاسُ وإنَّما يُرِيدُ الأنْصارَ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ بايَعُوهُ بِالعَقَبَةِ قالُوا يَوْمَئِذٍ: إنّا بُرَآءُ مِن ذِمامِكَ حَتّى تَصِلَ إلى دِيارِنا فَإذا وصَلْتَ إلَيْنا فَإنَّكَ في ذِمَّتِنا نَمْنَعُكَ مِمّا نَمْنَعُ مِنهُ أبْناءَنا ونِساءَنا. فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ يَتَخَوَّفُ أنْ يَكُونَ الأنْصارُ لا يَرَوْنَ نَصْرَهُ إلّا مِمَّنْ دَهَمَهُ بِالمَدِينَةِ، وأنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ أنْ يَسِيرَ بِهِمْ مِن بِلادِهِمْ، فَلَمّا قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أشِيرُوا عَلَيَّ قالَ لَهُسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: واللَّهِ لَكَأنَّكَ تُرِيدُنا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: أجَلْ. قالَ: فَقَدْ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ وشَهِدْنا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ هو الحَقُّ وأعْطَيْناكَ عَلى ذَلِكَ عُهُودَنا ومَواثِيقَنا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فامْضِ يا رَسُولَ اللَّهِ لِما أرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْناهُ مَعَكَ وما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ، وما نَكْرَهُ أنْ تَلْقى بِنا عَدُوَّنا غَدًا، إنّا لَصُبُرٌ في الحَرْبِ صُدُقٌ في اللِّقاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ بِنا ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ ”فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ سِيرُوا وابْشُرُوا فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ» - أيْ ولَمْ يَخُصَّ وعْدَ النَّصْرِ بِتَلَقِّي العِيرِ فَقَطْ - فَما كانَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أنْ زالَ مِن نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ الكارِهِينَ لِلْقِتالِ ما كانَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكَراهِيَةِ، وقَوْلُهُ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الإخْراجِ الَّذِي أفادَتْهُ، ما المَصْدَرِيَّةُ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ تَثاقَلُوا وقْتَ العَزْمِ عَلى الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ، والَّذِينَ اخْتارُوا العِيرَ دُونَ النَّفِيرِ حِينَ اسْتِشارَةِ وادِي ذَفِرانَ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُقْتَرِنٌ بِالخُرُوجِ لِأنَّ الخُرُوجَ كانَ مُمْتَدًّا في الزَّمانِ، فَجُمْلَةُ الحالِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ حالٌ مُقارِنَةٌ لِعامِلِها وهو أخْرَجَكَ.

وتَأْكِيدُ خَبَرِ كَراهِيَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِإنَّ ولامِ الِابْتِداءِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِهِمْ بِتَنْزِيلِ السّامِعِ غَيْرِ المُنْكِرِ لِوُقُوعِ الخَبَرِ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِأنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ مِمّا

صفحة ٢٦٧

شَأْنُهُ أنْ لا يَقَعَ، إذْ كانَ الشَّأْنُ اتِّباعُ ما يُحِبُّهُ الرَّسُولُ ﷺ أوِ التَّفْوِيضُ إلَيْهِ، وما كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَكْرَهُوا لِقاءَ العَدُوِّ. ويَسْتَلْزِمُ هَذا التَّنْزِيلُ التَّعْجِيبَ مِن حالِ المُخْبَرِ عَنْهم بِهَذِهِ الكَراهِيَةِ فَيَكُونُ تَأْكِيدُ الخَبَرِ كِنايَةً عَنِ التَّعْجِيبِ مِنَ المُخْبَرِ عَنْهم.

وجُمْلَةُ يُجادِلُونَكَ حالٌ مِن فَرِيقًا فالضَّمِيرُ لِفَرِيقٍ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى جَمْعٍ. وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ حالِ المُجادَلَةِ زِيادَةٌ في التَّعْجِيبِ مِنها، وهَذا التَّعْجِيبُ كالَّذِي في قَوْلِهِ - تَعالى - يُجادِلُنا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] إذْ قالَ يُجادِلُنا ولَمْ يَقِلْ جادَلَنا.

وقَوْلُهُ ﴿بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾ لَوْمٌ لَهم عَلى المُجادَلَةِ في الخُرُوجِ الخاصِّ، وهو الخُرُوجُ لِلنَّفِيرِ وتَرْكُ العِيرِ، بَعْدَ أنْ تَبَيَّنَ أيْ ظَهَرَ أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ لَهُمُ النَّصْرَ، وهَذا التَّبَيُّنُ هو بَيِّنٌ في ذاتِهِ سَواءٌ شَعَرَ بِهِ كُلُّهم أوْ بَعْضُهم فَإنَّهُ بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي الِاخْتِلافُ فِيهِ، فَإنَّهم كانُوا عَرَبًا أذْكِياءَ، وكانُوا مُؤْمِنِينَ أصْفِياءَ، وقَدْ أخْبَرَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ ناصِرُهم عَلى إحْدى الطّائِفَتَيْنِ: طائِفَةِ العِيرِ أوْ طائِفَةِ النَّفِيرِ، فَنَصْرُهم إذَنْ مَضْمُونٌ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّ العِيرَ قَدْ أخْطَأتْهم، وقَدْ بَقِيَ النَّفِيرُ، فَكانَ بَيِّنًا أنَّهم إذا لَقُوا النَّفِيرَ يَنْصُرُهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَأوْا كَراهِيَةَ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا اخْتارُوا العِيرَ، فَكانَ ذَلِكَ كافِيًا في اليَقِينِ بِأنَّهم إذا لَقُوا المُشْرِكِينَ يَنْتَصِرُونَ عَلَيْهِمْ لا مَحالَةَ، ولَكِنَّهم فَضَّلُوا غَنِيمَةَ العِيرِ عَلى خَضْدِ شَوْكَةِ أعْدائِهِمْ ونُهُوضِ شَوْكَتِهِمْ بِنَصْرِبَدْرٍ، فَذَلِكَ مَعْنى تَبَيُّنِ الحَقِّ، أيْ رُجْحانِ دَلِيلِهِ في ذاتِهِ، ومَن خُفِيَ عَلَيْهِ هَذا التَّبْيِينُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَعْذُرْهُ اللَّهُ في خَفائِهِ عَلَيْهِ.

ومِن هَذِهِ الآيَةِ يُؤْخَذُ حُكْمُ مُؤاخَذَةِ المُجْتَهِدِ إذا قَصَّرَ في فَهْمِ ما هو مَدْلُولٌ لِأهْلِ النَّظَرِ، «وقَدْ غَضِبَ النَّبِيءُ ﷺ مِن سُؤالِ الَّذِي سَألَهُ عَنْ ضالَّةِ الإبِلِ بَعْدَ أنْ سَألَهُ عَنْ ضالَّةِ الغَنَمِ فَأجابَهُ هي لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ. فَلَمّا سَألَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ضالَّةِ الإبِلِ تَمَعَّرَ وجْهُهُ وقالَ“ مالَكَ ولَها، مَعَها حِذاؤُها وسِقاؤُها تَشْرَبُ الماءَ وتَرْعى الشَّجَرَ حَتّى يَلْقاها رَبُّها "» ورَوى مالِكٌ، في المُوَطَّأِ، أنَّ أبا هُرَيْرَةَ مَرَّ بِقَوْمٍ مُحْرِمِينَ فاسْتَفْتَوْهُ في لَحْمِ صَيْدٍ وجَدُوا أُناسًا أحِلَّةً يَأْكُلُونَهُ فَأفْتاهم بِالأكْلِ مِنهُ ثُمَّ قَدِمَ المَدِينَةَ فَسَألَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ عَنْ

صفحة ٢٦٨

ذَلِكَ فَقالَ لَهُ عُمَرُ بِمَ أفْتَيْتَهم ؟ قالَ: أفْتَيْتُهم بِأكْلِهِ، فَقالَ: لَوْ أفْتَيْتَهم بِغَيْرِ ذَلِكَ لَأوْجَعْتُكَ.

وجُمْلَةُ ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ أيْ حالَتُهم في وقْتِ مُجادَلَتِهِمْ إيّاكَ تُشْبِهُ حالَتُهم لَوْ ساقَهم سائِقٌ إلى المَوْتِ، والمُرادُ بِالمَوْتِ الحالَةُ المُضادَّةُ لِلْحَياةِ وهو مَعْنًى تَكْرَهُهُ نُفُوسُ البَشَرِ، ويُصَوِّرُهُ كُلُّ عَقْلٍ بِما يَتَخَيَّلُهُ مِنَ الفَظاعَةِ والبَشاعَةِ كَما تَصَوَّرَهُ أبُو ذُؤَيْبٍ في صُورَةِ سَبُعٍ في قَوْلِهِ: وإذا المَنِيَّةُ أنْشَبَتْ أظْفارَها

وكَما تَخَيَّلَ، تَأبَّطَ شَرًّا المَوْتَ طامِعًا في اغْتِيالِهِ فَنَجا مِنهُ حِينَ حاصَرَهُ أعْداؤُهُ في جُحْرٍ في جَبَلٍ:

فَخالَطَ سَهْلَ الأرْضِ لَمْ يَكْدَحِ الصَّفا بِهِ كَدْحَةً والمَوْتُ خَزْيانُ يَنْظُرُ

فَقَوْلُهُ - تَعالى - ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ تَشْبِيهٌ لِحالِهِمْ، في حِينِ المُجادَلَةِ في اللَّحاقِ بِالمُشْرِكِينَ، بِحالِ مَن يُجادِلُ ويُمانِعُ مَن يَسُوقُهُ إلى ذاتِ المَوْتِ.

وهَذا تَفْسِيرٌ ألْيَقُ بِالتَّشْبِيهِ لِتَحْصُلَ المُخالِفَةُ المُطْلَقَةُ بَيْنَ الحالَةِ المُشَبَّهَةِ والحالَةِ المُشَبَّهِ بِها، وإلّا فَإنَّ أمْرَهم بِقِتالِ العَدُوِّ الكَثِيرِ العَدَدِ، وهم في قِلَّةٍ، إرْجاءٌ بِهِمْ إلى المَوْتِ إلّا أنَّهُ مَوْتٌ مَظْنُونٌ، وبِهَذا التَّفْسِيرِ يَظْهَرُ حُسْنُ مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ أمّا المُفَسِّرُونَ فَتَأوَّلُوا المَوْتَ في الآيَةِ بِأنَّهُ المَوْتُ المُتَيَقَّنُ فَيَكُونُ التَّخالُفُ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ تَخالُفًا بِالتَّقْيِيدِ.

وجُمْلَةُ ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُساقُونَ ومَفْعُولُ يُنْظُرُونَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إلى المَوْتِ أيْ: وهم يَنْظُرُونَ المَوْتَ، لِأنَّ حالَةَ الخَوْفِ مِنَ الشَّيْءِ المُخَوِّفِ إذا كانَ مَنظُورًا إلَيْهِ تَكُونُ أشَدَّ مِنها لَوْ كانَ يَعْلَمُ أنَّهُ يُساقُ إلَيْهِ ولا يَراهُ، لِأنَّ لِلْحِسِّ مِنَ التَّأْثِيرِ عَلى الإدْراكِ ما لَيْسَ لِمُجَرَّدِ التَّعَقُّلِ، وقَرِيبٌ مِن هَذا المَعْنى قَوْلُ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ.

يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها

وفِي عَكْسِهِ في المَسَرَّةِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠]

8:7–8Page 177

وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧

[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

صفحة ٢٦٩

﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكم وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾

الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ ﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ﴿كَما أخْرَجَكَ﴾ [الأنفال: ٥] عَطْفُ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ فَيَكُونَ المَعْطُوفُ مُشَبَّهًا بِهِ التَّشْبِيهُ المُفادُ بِالكافِ، والمَعْنى: كَإخْراجِكَ اللَّهُ مِن بَيْتِكَ، وكَوَقْتِ ﴿يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ الآيَةَ. واسْمُ الزَّمانِ إذا أُضِيفَ إلى الجُمْلَةِ كانَتِ الجُمْلَةُ في تَأْوِيلِ المُفْرَدِ فَتُؤَوَّلُ بِمَصْدَرٍ، والتَّقْدِيرُ: وكَوَقْتِ وعْدِ اللَّهِ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، فَ ”إذِ“ اسْمُ زَمانٍ مُتَصَرِّفٌ مَجْرُورٌ بِالعَطْفِ عَلى مَجْرُورِ كافِ التَّشْبِيهِ، وجَعَلَ صاحِبُ الكَشّافِ ”إذْ“ مَفْعُولًا لِفِعْلِ ”اذْكُرْ“ مَحْذُوفٍ شَأْنَ ”إذِ“ الواقِعَةِ في مُفْتَتَحِ القَصَصِ، فَيَكُونُ عَطْفُ جُمْلَةِ الأمْرِ المُقَدَّرِ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ١] والمُناسَبَةُ هي أنَّ كِلا القَوْلَيْنِ فِيهِ تَوْقِيفُهم عَلى خَطَأِ رَأْيِهِمْ وأنَّ ما كَرِهُوهُ هو الخَيْرُ لَهم.

والطّائِفَةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

وجُمْلَةُ أنَّها لَكم في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ، هو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، أيْ: يَعِدُكم مَصِيرَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ لَكم، أيْ كَوْنُها مُعْطاةً لَكم، وهو إعْطاءُ النَّصْرِ والغَلَبَةِ عَلَيْها بَيْنَ قَتْلٍ وأسْرٍ وغَنِيمَةٍ.

واللّامُ لِلْمِلْكِ وهو هُنا مِلْكٌ عُرْفِيٌّ، كَما يَقُولُونَ كانَ يَوْمُ كَذا لِبَنِي فُلانٍ عَلى بَنِي فُلانٍ، فَيُعْرَفُ أنَّهُ كانَ لَهم غَلَبَةَ حَرْبٍ وهي بِالقَتْلِ والأسْرِ والغَنِيمَةِ.

”وتَوَدُّونَ“ إمّا عَطْفٌ عَلى ”يَعِدُكم“ أيْ إذْ يَقَعُ الوَعْدُ مِنَ اللَّهِ والوُدُّ مِنكم، وإمّا في مَوْضِعِ الحالِ والواوُ واوُ الحالِ، أيْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ في حالِ وُدِّكم لِقاءَ الطّائِفَةِ غَيْرِ ذاتِ الشَّوْكَةِ، وهَذا الوُدُّ هو مَحَلُّ التَّشْبِيهِ الَّذِي أفادَهُ عَطْفُ ”وإذْ يَعِدُكم“ مَجْرُورِ الكافِ في قَوْلِهِ ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥] فَهو مِمّا شُبِّهَ

صفحة ٢٧٠

بِهِ حالُ سُؤالِهِمْ عَنِ الأنْفالِ سُؤالًا مَشُوبًا بِكَراهِيَةِ صَرْفِ الأنْفالِ عَنِ السّائِلَيْنِ عَنْها الرّائِمِينَ أخْذَها.

والوُدُّ المَحَبَّةُ، وذاتُ الشَّوْكَةِ صاحِبَةُ الشَّوْكَةِ، ووَقَعَ ”ذاتَ“ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ الطّائِفَةُ غَيْرُ ذاتِ الشَّوْكَةِ، أيِ الطّائِفَةُ الَّتِي لا تَسْتَطِيعُ القِتالَ.

والشَّوْكَةُ أصْلُها الواحِدَةُ مِنَ الشَّوْكِ وهو ما يَخْرُجُ في بَعْضِ النَّباتِ مِن أعْوادٍ دَقِيقَةٍ تَكُونُ مُحَدَّدَةَ الأطْرافِ كالإبَرِ، فَإذا نَزَغَتْ جِلْدَ الإنْسانِ أدْمَتْهُ أوْ آلَمَتْهُ، وإذا عَلِقَتْ بِثَوْبٍ أمْسَكَتْهُ، وذَلِكَ مِثْلُ ما في ورَقِ العَرْفَجِ، ويُقالُ هَذِهِ شَجَرَةٌ شائِكَةٌ، ومِنَ الكِنايَةِ عَنْ ظُهُورِ الشَّرِّ قَوْلُهم ”إنَّ العَوْسَجَ قَدْ أوْرَقَ“، وشَوْكَةُ العَقْرَبِ البَضْعَةُ الَّتِي في ذَنَبِها تَلْسَعُ بِها.

وشاعَ اسْتِعارَةُ الشَّوْكَةِ لِلْبَأْسِ، يُقالُ: فُلانٌ ذُو شَوْكَةٍ، أيْ ذُو بَأْسٍ يُتَّقى، كَما يُسْتَعارُ القَرْنُ لِلْبَأْسِ في قَوْلِهِمْ: أبْدى قَرْنَهُ، والنّابُ أيْضًا في قَوْلِهِمْ: كَشَّرَ عَنْ نابِهِ، وذَلِكَ مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ أيْ تَوَدُّونَ الطّائِفَةَ الَّتِي لا يُخْشى بَأْسُها تَكُونُ لَكم أيْ مِلْكَكم فَتَأْخُذُونَهم.

وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى ما في قِصَّةِ بَدْرٍ حِينَ أخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ بِانْصِرافِ عِيرِ قُرَيْشٍ نَحْوَ السّاحِلِ وبِمَجِيءِ نَفِيرِهِمْ إلى بَدْرٍ، وأخْبَرَهم أنَّ اللَّهَ وعَدَهم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، أيْ إمّا العِيرُ وإمّا النَّفِيرُ، وعْدًا مُعَلَّقًا عَلى اخْتِيارِهِمْ إحْداهُما، ثُمَّ اسْتَشارَهم في الأمْرِ أيَخْتارُونَ اللَّحاقَ بِالعِيرِ أمْ يَقْصِدُونَ نَفِيرَ قُرَيْشٍ، فَقالَ النّاسُ: إنَّما خَرَجْنا لِأجْلِ العِيرِ، ورامُوا اللِّحاقَ بِالعِيرِ واعْتَذَرُوا بِضَعْفِ اسْتِعْدادِهِمْ وأنَّهم يَخْرُجُوا لِمُقاتَلَةِ جَيْشٍ، وكانَتِ العِيرُ لا تَشْتَمِلُ إلّا عَلى أرْبَعِينَ رَجُلًا وكانَ النَّفِيرُ فِيما قِيلَ يَشْمَلُ عَلى ألْفِ رَجُلٍ مُسَلَّحٍ، فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أيْ تَوَدُّونَ غَنِيمَةً بِدُونِ حَرْبٍ، فَلَمّا لَمْ يَطْمَعُوا بِلِقاءِ الجَيْشِ ورامُوا لِقاءَ العِيرِ كانُوا يَوَدُّونَ أنْ تَحْصُلَ لَهم غَنِيمَةُ العِيرِ، ولَعَلَّ الِاسْتِشارَةَ كانَتْ صُورِيَّةً أمَرَ اللَّهُ بِها نَبِيَّهُ لِتَثْبِيتِ المُسْلِمِينَ لِئَلّا تَهِنَ قُوَّتُهُمُ النَّفْسِيَّةُ إنْ أُعْلِمُوا بِأنَّهم سَيَلْقَوْنَ ذاتَ الشَّوْكَةِ.

وقَوْلُهُ ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ وتَوَدُّونَ عَلى احْتِمالَيْ

صفحة ٢٧١

أنَّ واوَها لِلْعَطْفِ أوْ لِلْحالِ، والمَقْصُودُ مِنَ الإخْبارِ بِهَذِهِ الجُمَلِ الثَّلاثِ إظْهارُ أنَّ ما يَوَدُّونَهُ لَيْسَ فِيهِ كَمالُ مَصْلَحَتِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ اخْتارَ لَهم ما فِيهِ كَمالُ مَصْلَحَتِهِمْ، وإنْ كانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ويُرْهِبُهم، فَإنَّهم لَمْ يَطَّلِعُوا عَلى الأصْلَحِ بِهِمْ. فَهَذا تَلَطُّفٌ مِنَ اللَّهِ بِهِمْ.

والمُرادُ مِنَ الإرادَةِ هُنا إرادَةٌ خاصَّةٌ وهي المَشِيئَةُ والتَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيِّ لِلْإرادَةِ الَّتِي هي صِفَةُ الذّاتِ. فَهَذا كَقَوْلِهِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أيْ يُسْرٌ بِكم.

ومَعْنى يُحِقُّ الحَقَّ: يُثْبِتُ ما يُسَمّى الحَقُّ وهو ضِدُّ الباطِلِ يُقالُ: حَقَّ الشَّيْءُ، إذا ثَبَتَ، قالَ - تَعالى - ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ١٩] .

والمُرادُ بِالحَقِّ، هُنا: دِينُ الحَقِّ، وهو الإسْلامُ، وقَدْ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الحَقِّ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ ”﴿حَتّى جاءَهُمُ الحَقُّ ورَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ٢٩]“ الآيَةَ.

وإحْقاقُهُ بِاسْتِئْصالِ مُعانِدِيهِ، فَأنْتُمْ تُرِيدُونَ نَفْعًا قَلِيلًا عاجِلًا، وأرادَ اللَّهُ نَفْعًا عَظِيمًا في العاجِلِ والآجِلِ، واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.

وفِي قَوْلِهِ لِيُحِقَّ الحَقَّ جِناسُ الِاشْتِقاقِ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ أصْلَ مادَّةِ الحَقِّ هو فِعْلُ ”حَقَّ“ . وأنَّ أصْلَ مادَّةِ الباطِلِ هي فِعْلُ ”بَطَلَ“ . ونَظِيرُهُ «قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِلَّذِينَ قالُوا في التَّشَهُّدِ ”السَّلامُ عَلى اللَّهِ“ فَقالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ إنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ» .

وكَلِماتُ اللَّهِ ما يَدُلُّ عَلى مُرادِهِ وعَلى كَلامِهِ النَّفْسِيِّ، حَقِيقُهُ مِن أقْوالٍ لَفْظِيَّةٍ يَخْلُقُها خَلْقًا غَيْرَ مُتَعارَفٍ لِيَفْهَمَها أحَدُ البَشَرِ ويُبَلِّغَها عَنِ اللَّهِ، مِثْلَ القُرْآنِ، أوْ مَجازًا مِن أدِلَّةٍ غَيْرِ لَفْظِيَّةٍ، مِثْلَ ما يُخاطِبُ بِهِ المَلائِكَةَ المَحْكِيِّ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ [سبإ: ٢٣] وفَسَّرَهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إذا قَضى اللَّهُ الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا لِلَّذِي قالَ: الحَقُّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ» .

والجَمْعُ المُعَرَّفُ بِالإضافَةِ يُفِيدُ العُمُومَ، فَقَوْلُهُ بِكَلِماتِهِ يَعُمُّ أنْواعَ الكَلامِ الَّذِي يُوحِي بِهِ اللَّهُ الدّالِّ عَلى إرادَتِهِ تَثْبِيتَ الحَقِّ، مِثْلَ آياتِ القُرْآنِ المُنَزَّلَةِ في قِتالِ الكُفّارِ وما أمَرَ بِهِ المَلائِكَةَ مِن نُصْرَتِهِمُ المُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ.

صفحة ٢٧٢

والباءُ في بِكَلِماتِهِ لِلسَّبَبِيَّةِ، وذِكْرُ هَذا القَيْدِ لِلتَّنْوِيهِ بِإحْقاقِ هَذا الحَقِّ وبَيانِ أنَّهُ مِمّا أرادَ اللَّهُ ويَسَّرَهُ وبَيَّنَهُ لِلنّاسِ مِنَ الأمْرِ، لِيَقُومَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنَ المَأْمُورِينَ بِما هو حَظُّهُ مِن بَعْضِ تِلْكَ الأوامِرِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ لِأنَّ كَلِماتِ اللَّهِ لا تَخْتَلِفُ كَما قالَ - تَعالى - ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥]، ولِمَدْحِ هَذا الإحْقاقِ بِأنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِ كَلِماتِ اللَّهِ.

وقَطُعُ دابِرِ الشَّيْءِ إزالَةُ الشَّيْءِ كُلِّهِ إزالَةً تَأْتِي عَلى آخِرِ فَرْدٍ مِنهُ يَكُونُ في مُؤَخِّرَتِهِ مِن ورائِهِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: ٤٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمَعْنى: أرَدْتُمُ الغَنِيمَةَ وأرادَ اللَّهُ إظْهارَ أمْرِكم وخَضْدَ شَوْكَةِ عَدُوِّكم، وإنْ كانَ ذَلِكَ يَحْرِمُكُمُ الغِنى العارِضَ، فَإنَّ أمْنَكم واطْمِئْنانَ بالِكم خَيْرٌ لَكم وأنْتُمْ تَحْسَبُونَ أنْ لا تَسْتَطِيعُوا هَزِيمَةَ عَدُوِّكم.

واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ لامُ التَّعْلِيلِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ أيْ إنَّما أرادَ ذَلِكَ وكَوَّنَ أسْبابَهُ بِكَلِماتِهِ لِأجْلِ تَحْقِيقِهِ الحَقَّ وإبْطالِهِ الباطِلَ.

وإذْ قَدْ كانَ مَحْصُولُ هَذا التَّعْلِيلِ هو عَيْنَ مَحْصُولِ المُعَلَّلِ في قَوْلِهِ ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ وشَأْنُ العِلَّةِ أنْ تَكُونَ مُخالِفَةً لِلْمُعَلِّلِ، ولَوْ في الجُمْلَةِ، إذْ فائِدَةُ التَّعْلِيلِ إظْهارُ الغَرَضِ الَّذِي يَقْصِدُهُ الفاعِلُ مِن فِعْلِهِ، فَمُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ لا يَكُونَ تَعْلِيلُ الفِعْلِ بِعَيْنِ ذَلِكَ الفِعْلِ، لِأنَّ السّامِعَ لا يَجْهَلُ أنَّ الفاعِلَ المُخْتارَ ما فَعَلَ فِعْلًا إلّا وهو مُرادٌ لَهُ، فَإذا سَمِعْنا مِن كَلامِ البَلِيغِ تَعْلِيلَ الفِعْلِ بِنَفْسِ ذَلِكَ الفِعْلِ كانَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ ما فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ إلّا لِذاتِ الفِعْلِ، لا لِغَرَضٍ آخَرَ زائِدٍ عَلَيْهِ، فَإفادَةُ التَّعْلِيلِ حِينَئِذٍ مَعْنى الحَصْرِ حاصِلَةٌ مِن مُجَرَّدِ التَّعْلِيلِ بِنَفْسِ المُعَلَّلِ.

والحَصْرُ هُنا مِن مُسْتَتْبَعاتِ التَّرْكِيبِ، ولَيْسَ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ، فافْهَمْهُ فَإنَّهُ دَقِيقٌ وقَدْ وقَعَتْ فِيهِ غَفَلاتٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ بَيْنَ المُعَلَّلِ والعِلَّةِ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ أيْ يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ في هَذِهِ الحادِثَةِ لِأنَّهُ يُرِيدُ إحْقاقَ الحَقِّ عُمُومًا.

وأمّا قَوْلُهُ ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ فَهو ضِدُّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ وهو مِن لَوازِمِ

صفحة ٢٧٣

مَعْنى لِيُحِقَّ الحَقَّ، لِأنَّهُ إذا حَصَلَ الحَقُّ ذَهَبَ الباطِلُ كَما قالَ - تَعالى - بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ، ولَمّا كانَ الباطِلُ ضِدَّ الحَقِّ لَزِمَ مِن ثُبُوتِ أحَدِهِما انْتِفاءُ الآخَرِ. ومِن لَطائِفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ كَمْ سِنُّكَ ؟ فَقالَ ابْنُ أبِي رَبِيعَةَ وُلِدْتُ يَوْمَ ماتَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ”أيُّ حَقٍّ رُفِعَ وأيُّ باطِلٍ وُضِعَ“ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَفائِدَةُ قَوْلِهِ ”ويُبْطِلَ الباطِلَ“ التَّصْرِيحُ بِأنَّ اللَّهَ لا يَرْضى بِالباطِلِ، فَكانَ ذِكْرُهُ بَعْدَ قَوْلِهِ لِيُحِقَّ الحَقَّ بِمَنزِلَةِ التَّوْكِيدِ لِقَوْلِهِ لِيُحِقَّ الحَقَّ لِأنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ قَدْ يُؤَكَّدُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ كَقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠] ويَجِيءُ في قَوْلِهِ ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ مِن مَعْنى الكَلامِ، ومِن جِناسِ الِاشْتِقاقِ، ما جاءَ في قَوْلِهِ ﴿أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ ثُمَّ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ﴾ بِقَوْلِهِ ﴿ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ مُحَسِّنُ الطِّباقِ.

ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ شَرْطٌ اتِّصالِيٌّ. ولَوِ اتِّصالِيَّةٌ تَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في الأحْوالِ، وهو عَطْفٌ عَلى ”يُرِيدُ اللَّهُ“، أوْ عَلى لِيُحِقَّ الحَقَّ أيْ يُرِيدُ ذَلِكَ لِذَلِكَ لا لِغَيْرِهِ، ولا يَصُدُّ مُرادَهُ ما لِلْمُعانِدِينَ مِن قُوَّةٍ بِأنْ يَكْرَهَهُ المُجْرِمُونَ وهُمُ المُشْرِكُونَ.

والكَراهِيَةُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ لَوازِمِها، وهي الِاسْتِعْدادُ لِمُقاوَمَةِ المُرادِ مِن تِلْكَ الإرادَةِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ، بِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وعُدَدِهِمْ، يُرِيدُونَ إحْقاقَ الباطِلِ، وإرادَةُ اللَّهِ تَنْفُذُ بِالرَّغْمِ عَلى كَراهِيَةِ المُجْرِمِينَ، وأمّا مُجَرَّدُ الكَراهَةِ فَلَيْسَ صالِحًا أنْ يَكُونَ غايَةً لِلْمُبالَغَةِ في أحْوالِ نُفُوذِ مُرادِ اللَّهِ - تَعالى - إحْقاقَ الحَقِّ: لِأنَّهُ إحْساسٌ قاصِرٌ عَلى صاحِبِهِ، ولَكِنَّهُ إذا بَعَثَهُ عَلى مُدافَعَةِ الأمْرِ المَكْرُوهِ كانَتْ أسْبابُ المُدافِعَةِ هي الغايَةَ لِنُفُوذِ الأمْرِ المَكْرُوهِ عَلى الكارِهِ.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَوِ الِاتِّصالِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ”﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١]“ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٧٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском