Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:72–74
8:72Page 186
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٧٢
Indeed, those who have believed and emigrated and fought with their wealth and lives in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - they are allies of one another. But those who believed and did not emigrate - for you there is no support of them until they emigrate. And if they seek help of you for the religion, then you must help, except against a people between yourselves and whom is a treaty. And Allāh is Seeing of what you do.
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هَذِهِ الآياتُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلْإعْلامِ بِأحْكامِ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ لِلْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هاجَرُوا والَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا وعَدَمِ مُوالاتِهِمْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، نَشَأ عَنْ قَوْلِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ حِينَ أُسِرَ بِبَدْرٍ أنَّهُ مُسْلِمٌ وأنَّ المُشْرِكِينَ أكْرَهُوهُ عَلى الخُرُوجِ إلى بَدْرٍ، ولَعَلَّ بَعْضَ الأسْرى غَيْرَهُ قَدْ قالَ ذَلِكَ وكانُوا صادِقِينَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ المُسْلِمِينَ عَطَفُوا عَلَيْهِمْ وظَنُّوهم أوْلِياءَ لَهم، فَأخْبَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ وغَيْرَهم بِحُكْمِ مَن آمَنَ واسْتَمَرَّ عَلى البَقاءِ بِدارِ الشِّرْكِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ وما بَعْدَها تَبْيِينُ مَنازِلِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا والكُفّارِ، والمُهاجِرِينَ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ وذِكْرُ نِسَبِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ.
وتَعَرَّضَتِ الآيَةُ إلى مَراتِبِ الَّذِينَ أسْلَمُوا فابْتَدَأتْ بِبَيانِ فَرِيقَيْنِ اتَّحَدَتْ أحْكامُهم في الوِلايَةِ والمُؤاساةِ حَتّى صارُوا بِمَنزِلَةِ فَرِيقٍ واحِدٍ وهَؤُلاءِ هم فَرِيقا المُهاجِرِينَ والأنْصارِ
صفحة ٨٤
الَّذِينَ امْتازُوا بِتَأْيِيدِ الدِّينِ. فالمُهاجِرُونَ امْتازُوا بِالسَّبْقِ إلى الإسْلامِ وتَكَبَّدُوا مُفارَقَةَ الوَطَنِ. والأنْصارُ امْتازُوا بِإيوائِهِمْ. وبِمَجْمُوعِ العَمَلَيْنِ حَصَلَ إظْهارُ البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وأهْلِهِ وقَدِ اشْتَرَكَ الفَرِيقانِ في أنَّهم آمَنُوا وأنَّهم جاهَدُوا، واخْتُصَّ المُهاجِرُونَ بِأنَّهم هاجَرُوا واخْتُصَّ الأنْصارُ بِأنَّهم آوَوْا ونَصَرُوا، وكانَ فَضْلُ المُهاجِرِينَ أقْوى لِأنَّهم فَضَّلُوا الإسْلامَ عَلى وطَنِهِمْ وأهْلِيهِمْ، وبادَرَ إلَيْهِ أكْثَرُهم، فَكانُوا قُدْوَةً ومِثالًا صالِحًا لِلنّاسِ.
والمُهاجَرَةُ هَجْرُ البِلادِ، أيِ الخُرُوجُ مِنها وتَرْكُها. قالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ:
إنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهاجَـرَةً بِكُوفَةِ الجُنْدِ غالَتْ وُدَّها غُولُ
وأصْلُ الهِجْرَةِ التَّرْكُ واشْتُقَّ مِنهُ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ لِخُصُوصِ تَرْكِ الدّارِ والقَوْمِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عِنْدَهم كانَ أنَّهم يَتْرُكُونَ قَوْمَهم ويَتْرُكُهم قَوْمُهم إذْ لا يُفارِقُ أحَدٌ قَوْمَهُ إلّا لِسُوءِ مُعاشَرَةٍ تَنْشَأُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم.
وقَدْ كانَتِ الهِجْرَةُ مِن أشْهَرِ أحْوالِ المُخالِفِينَ لِقَوْمِهِمْ في الدِّينِ فَقَدْ هاجَرَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] . وهاجَرَ لُوطٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وهاجَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْمِهِ، وهاجَرَ مُحَمَّدٌ ﷺ وهاجَرَ المُسْلِمُونَ بِإذْنِهِ إلى الحَبَشَةِ، ثُمَّ إلى المَدِينَةِ يَثْرِبَ، ولَمّا اسْتَقَرَّ المُسْلِمُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ بِالمَدِينَةِ غَلَبَ عَلَيْهِمْ وصْفُ المُهاجِرِينَ وأصْبَحَتِ الهِجْرَةُ صِفَةَ مَدْحٍ في الدِّينِ، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في مَقامِ التَّفْضِيلِ «لَوْلا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصارِ» «وقالَ لِلْأعْرابِيِّ: ويْحَكَ إنَّ شَأْنَها شَدِيدٌ. وقالَ: لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» .
والإيواءُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦] في هَذِهِ السُّورَةِ.
والنَّصْرُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ١٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمُرادُ بِالنَّصْرِ في قَوْلِهِ: ”ونَصَرُوا“ النَّصْرُ الحاصِلُ قَبْلَ الجِهادِ وهو نَصْرُ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ بِأنَّهم يَحْمُونَهم بِما يَحْمُونَ بِهِ أهْلَهم، ولِذَلِكَ غَلَبَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ وصْفُ الأنْصارِ.
صفحة ٨٥
واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ لِإفادَةِ الِاهْتِمامِ بِتَمْيِيزِهِمْ بِالإخْبارِ عَنْهم، ولِلتَّعْرِيضِ بِالتَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ بِمِثْلِهِ في الإخْبارِ عَنْ أحْوالِ الفِرَقِ الأُخْرى.
ولَمّا أطْلَقَ اللَّهُ الوَلايَةَ بَيْنَهُمُ احْتَمَلَ حَمْلَها عَلى أقْصى مَعانِيها، وإنْ كانَ مَوْرِدُها في خُصُوصِ ولايَةِ النَّصْرِ فَإنَّ ذَلِكَ كَوُرُودِ العامِّ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ يَعْنِي في المِيراثِ جُعِلَ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ دُونَ ذَوِي الأرْحامِ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] أيْ في المِيراثِ فَنَسَخَتْها وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى ذَلِكَ. فَحَمَلَها ابْنُ عَبّاسٍ عَلى ما يَشْمَلُ المِيراثَ، فَقالَ: كانُوا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ وكانَ لا يَرِثُ مَن آمَنَ ولَمْ يُهاجِرِ الَّذِي آمَنَ وهاجَرَ فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] . وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والحَسَنِ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ مَسْعُودٍ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأحْمَدَ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الوَلايَةُ هي في المُوالاةِ والمُؤازَرَةِ والمُعاوَنَةِ دُونَ المِيراثِ اعْتِدادًا بِأنَّها خاصَّةٌ بِهَذا الغَرَضِ وهو قَوْلُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ والشّافِعِيِّ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ عُمَرَ وأهْلِ المَدِينَةِ. ولا تَشْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ المُهاجِرُ لا يَتَوَلّى الأعْرابِيَّ ولا يَرِثُهُ وهو مُؤْمِنٌ ولا يَرِثُ الأعْرابِيُّ المُهاجِرَ أيْ ولَوْ كانَ عاصِبًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ جاءَ عَلى أُسْلُوبِ تَقْسِيمِ الفِرَقِ فَعُطِفَ كَما عُطِفَتِ الجُمَلُ بَعْدَهُ ومَعَ ذَلِكَ قَدْ جُعِلَ تَكْمِلَةً لِحُكْمِ الفِرْقَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَهُ فَصارَ لَهُ اعْتِبارانِ وقَدْ وقَعَ في المُصْحَفِ مَعَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ آيَةً واحِدَةً نِهايَتُها قَوْلُهُ تَعالى: واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
فَإنَّ وصْفَ الإيمانِ أيِ الإيمانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ يُقابِلُهُ وصْفُ الشِّرْكِ وأنَّ وصْفَ الهِجْرَةِ يُقابِلُهُ وصْفُ المُكْثِ بِدارِ الشِّرْكِ، فَلَمّا بَيَّنَ أوَّلَ الآيَةِ ما لِأصْحابِ الوَصْفَيْنِ - الإيمانِ والهِجْرَةِ - مِنَ الفَضْلِ وما بَيْنَهم مِنَ الوَلايَةِ انْتَقَلَتْ إلى بَيانِ حالِ الفَرِيقِ الَّذِي يُقابِلُ أصْحابَ الوَصْفَيْنِ وهو فَرِيقٌ ثالِثٌ، فَبَيَّنَتْ حُكْمَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا فَأثْبَتَتْ لَهم وصْفَ الإيمانِ وأمَرَتِ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ بِالتَّبَرُّؤِ مِن ولايَتِهِمْ حَتّى يُهاجِرُوا،
صفحة ٨٦
فَلا يَثْبُتُ بَيْنَهم وبَيْنَ أُولَئِكَ حُكْمُ التَّوارُثِ ولا النَّصْرِ إلّا إذا طَلَبُوا النَّصْرَ عَلى قَوْمٍ فَتَنُوهم في دِينِهِمْ.
وفِي نَفْيِ ولايَةِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لَهم، مَعَ السُّكُوتِ عَنْ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا، دَلِيلٌ عَلى أنَّهم مُعْتَبَرُونَ مُسْلِمِينَ ولَكِنَّ اللَّهَ أمَرَ بِمُقاطَعَتِهِمْ حَتّى يُهاجِرُوا لِيَكُونَ ذَلِكَ باعِثًا لَهم عَلى الهِجْرَةِ.
والوَلايَةُ بِفَتْحِ الواوِ في المَشْهُورِ وكَذَلِكَ قَرَأها جُمْهُورُ القُرّاءِ، وهي اسْمٌ لِمَصْدَرِ ”تَوَلّاهُ“ وقَرَأها حَمْزَةُ وحْدَهُ بِكَسْرِ الواوِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الفَتْحُ أجْوَدُ هُنا؛ لِأنَّ الوِلايَةَ الَّتِي بِكَسْرِ الواوِ في السُّلْطانِ يَعْنِي في وِلاياتِ الحُكْمِ والإمارَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: قَدْ يَجُوزُ فِيها الكَسْرُ لِأنَّ في تَوَلِّي بَعْضِ القَوْمِ بَعْضًا جِنْسًا مِنَ الصِّناعَةِ كالقِصارَةِ والخِياطَةِ، وتَبِعَهُ في الكَشّافِ وأرادَ إبْطالَ قَوْلِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّ الفَتْحَ هُنا أجْوَدُ. وما قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ باطِلٌ، والفَتْحُ والكَسْرُ وجْهانِ مُتَساوِيانِ مِثْلَ الدَّلالَةِ بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِها.
والظَّرْفِيَّةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها ”في“ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنِ اسْتَنْصَرُوكم في الدِّينِ﴾ ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ، تَؤُولُ إلى مَعْنى التَّعْلِيلِ، أيْ: طَلَبُوا أنْ تَنْصُرُوهم لِأجْلِ الدِّينِ، أيْ لِرَدِّ الفِتْنَةِ عَنْهم في دِينِهِمْ إذا حاوَلَ المُشْرِكُونَ إرْجاعَهم إلى دِينِ الشِّرْكِ وجَبَ نَصْرُهم؛ لِأنَّ نَصْرَهم لِلدِّينِ لَيْسَ مِنَ الوَلايَةِ لَهم بَلْ هو مِنَ الوَلايَةِ لِلدِّينِ ونَصْرِهِ وذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْهِمْ، سَواءٌ اسْتَنْصَرَهُمُ النّاسُ أمْ لَمْ يَسْتَنْصِرُوهم إذا تَوَفَّرَ داعِي القِتالِ، فَجَعَلَ اللَّهُ اسْتِنْصارَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا مِن جُمْلَةِ دَواعِي الجِهادِ.
و”عَلَيْكُمُ النَّصْرُ“ مِن صِيَغِ الوُجُوبِ، أيْ: فَواجِبٌ عَلَيْكم نَصْرُهم، وقُدِّمَ الخَبَرُ وهو ”عَلَيْكم“ لِلِاهْتِمامِ بِهِ.
و”ال“ في ”النَّصْرِ“ لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ لِأنَّ ”اسْتَنْصَرُوكم“ يَدُلُّ عَلى طَلَبِ نَصْرٍ والمَعْنى: فَعَلَيْكم نَصْرُهم.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن مُتَعَلِّقِ النَّصْرِ وهو المَنصُورُ عَلَيْهِمْ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ المِيثاقَ يَقْتَضِي عَدَمَ قِتالِهِمْ إلّا إذا نَكَثُوا عَهْدَهم مَعَ
صفحة ٨٧
المُسْلِمِينَ، وعَهْدُهم مَعَ المُسْلِمِينَ لا يَتَعَلَّقُ إلّا بِالمُسْلِمِينَ المُتَمَيِّزِينَ بِجَماعَةٍ ووَطَنٍ واحِدٍ، وهم يَوْمَئِذٍ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، فَأمّا المُسْلِمُونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا ولَمْ يُهاجِرُوا مِن دارِ الشِّرْكِ فَلا يَتَحَمَّلُ المُسْلِمُونَ تَبِعاتِهِمْ، ولا يَدْخُلُونَ فِيما جَرُّوهُ لِأنْفُسِهِمْ مِن عَداواتٍ وإحَنٍ لِأنَّهم لَمْ يَصْدُرُوا عَنْ رَأْيِ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ، فَما يَنْشَأُ بَيْنَ الكُفّارِ المُعاهِدِينَ لِلْمُسْلِمِينَ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ الباقِينَ في دارِ الكُفْرِ لا يُعَدُّ نَكْثًا مِنَ الكُفّارِ لِعَهْدِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ مِن عُذْرِهِمْ أنْ يَقُولُوا: لا نَعْلَمُ حِينَ عاهَدْناكم أنَّ هَؤُلاءِ مِنكم؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ إلّا بِمُعاشَرَةٍ، وهَؤُلاءِ ظاهِرُ حالِهِمْ مَعَ المُشْرِكِينَ يُساكِنُونَهم ويُعامِلُونَهم.
وقَوْلُهُ: واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِئَلّا يَحْمِلَهُمُ العَطْفُ عَلى المُسْلِمِينَ عَلى أنْ يُقاتِلُوا قَوْمًا بَيْنَهم وبَيْنَهم مِيثاقٌ.
وفِي هَذا التَّحْذِيرِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ الوَفاءِ بِالعَهْدِ وأنَّهُ لا يَنْقُضُهُ إلّا أمْرٌ صَرِيحٌ في مُخالَفَتِهِ.
8:73Page 186
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ ٧٣
And those who disbelieved are allies of one another. If you do not do so [i.e., ally yourselves with other believers], there will be fitnah [i.e., disbelief and oppression] on earth and great corruption.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ .
هَذا بَيانٌ لِحُكْمِ القِسْمِ المُقابِلِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] وما عُطِفَ عَلَيْهِ. والواوُ لِلتَّقْسِيمِ والإخْبارِ عَنْهم بِأنَّ بَعْضَهم أوْلِياءُ بَعْضٍ. خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَدْلُولِهِ الكِنائِيِّ: وهو أنَّهم لَيْسُوا بِأوْلِياءَ لِلْمُسْلِمِينَ لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ ولايَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لَيْسَ صَرِيحَةً مِمّا يُهِمُّ المُسْلِمِينَ لَوْلا أنَّ القَصْدَ النَّهْيُ عَنْ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ إيّاهم، وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ أيْ: إنْ لا تَفْعَلُوا قَطْعَ الوَلايَةِ مَعَهم، فَضَمِيرُ ”تَفْعَلُوهُ“ عائِدٌ إلى ما في قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ بِتَأْوِيلِ: المَذْكُورَ، لِظُهُورِ أنْ لَيْسَ المُرادُ تَكْلِيفَ المُسْلِمِينَ بِأنْ يُنْفِذُوا ولايَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضِهِمْ بَعْضًا، لَوْلا أنَّ المَقْصُودَ لازِمُ ذَلِكَ وهو عَدَمُ مُوالاةِ المُسْلِمِينَ إيّاهم.
صفحة ٨٨
والفِتْنَةُ اخْتِلالُ أحْوالِ النّاسِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] وقَوْلِهِ ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيها آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ.
والفِتْنَةُ تَحْصُلُ مِن مُخالَطَةِ المُسْلِمِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّ النّاسَ كانُوا قَرِيبِي عَهْدٍ بِالإسْلامِ، وكانَتْ لَهم مَعَ المُشْرِكِينَ أواصِرُ قَرابَةٍ ووَلاءٌ ومَوَدَّةٌ ومُصاهَرَةٌ ومُخالَطَةٌ، وقَدْ كانَ إسْلامُ مَن أسْلَمَ مُثِيرًا لِحَنَقِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِ، فَإذا لَمْ يَنْقَطِعِ المُسْلِمُونَ عَنْ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ يُخْشى عَلى ضُعَفاءِ النُّفُوسِ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ تَجْذِبَهم تِلْكَ الأواصِرُ وتَفْتِنَهم قُوَّةُ المُشْرِكِينَ وعِزَّتُهم، ويَقْذِفَ بِها الشَّيْطانُ في نُفُوسِهِمْ، فَيَحِنُّوا إلى المُشْرِكِينَ ويَعُودُوا إلى الكُفْرِ. فَكانَ إيجابُ مُقاطَعَتِهِمْ لِقَصْدِ قَطْعِ نُفُوسِهِمْ عَنْ تَذَكُّرِ تِلْكَ الصِّلاتِ، وإنْسائِهِمْ تِلْكَ الأحْوالِ، بِحَيْثُ لا يُشاهِدُونَ إلّا حالَ جَماعَةِ المُسْلِمِينَ، ولا يَشْتَغِلُوا إلّا بِما يُقَوِّيها، ولِيَكُونُوا في مُزاوَلَتِهِمْ أُمُورَ الإسْلامِ عَنْ تَفَرُّغِ بالٍ مِن تَحَسُّرٍ أوْ تَعَطُّفٍ عَلى المُشْرِكِينَ، فَإنَّ الوَسائِلَ قَدْ يَسْرِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ فَتُفْضِي وسائِلُ الرَّأْفَةِ والقَرابَةِ إلى وسائِلِ المُوافَقَةِ في الرَّأْيِ فَلِذا كانَ هَذا حَسْمًا لِوَسائِلِ الفِتْنَةِ.
والتَّعْرِيفُ في ”الأرْضِ“ لِلْعَهْدِ والمُرادُ أرْضُ المُسْلِمِينَ.
والفَسادُ ضِدُّ الصَّلاحِ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والكَبِيرُ حَقِيقَتُهُ العَظِيمُ الجِسْمِ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلشَّدِيدِ القَوِيِّ مِن نَوْعِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥] والمُرادُ بِالفَسادِ هُنا: ضِدُّ صَلاحِ اجْتِماعِ الكَلِمَةِ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ إذا لَمْ يَظْهَرُوا يَدًا واحِدَةً عَلى أهْلِ الكُفْرِ لَمْ تَظْهَرْ شَوْكَتُهم، ولِأنَّهُ قَدْ يَحْدُثُ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلافُ مِن جَرّاءِ اخْتِلافِهِمْ في مِقْدارِ مُواصَلَتِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ، ويَرْمِي بَعْضُهم بَعْضًا بِالكُفْرِ أوِ النِّفاقِ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى تَفَرُّقِ جَماعَتِهِمْ، وهَذا فَسادٌ كَبِيرٌ، ولِأنَّ المَقْصُودَ إيجادُ الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ وإنَّما يَظْهَرُ كَمالُها بِالتِفافِ أهْلِها التِفافًا واحِدًا، وتَجَنُّبِ ما يُضادُّها، فَإذا لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ ضَعُفَ شَأْنُ جامِعَتِهِمْ في المَرْأى وفي القُوَّةِ. وذَلِكَ فَسادٌ كَبِيرٌ.
8:74Page 186
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٧٤
But those who have believed and emigrated and fought in the cause of Allāh and those who gave shelter and aided - it is they who are the believers, truly. For them is forgiveness and noble provision.
صفحة ٨٩
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ .
الأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، وجُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا﴾ [الأنفال: ٧٥]: الآيَةُ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ لِلتَّنْوِيهِ بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ، وبَيانِ جَزائِهِمْ وثَوابِهِمْ، بَعْدَ بَيانِ أحْكامِ ولايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] فَلَيْسَتْ هَذِهِ تَكْرِيرًا لِلْأُولى، وإنْ تَشابَهَتْ ألْفاظُها: فالأُولى لِبَيانِ ولايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وهَذِهِ وارِدَةٌ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ والشَّهادَةِ لَهم بِصِدْقِ الإيمانِ مَعَ وعْدِهِمْ بِالجَزاءِ.
وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال: ٤] لِمِثْلِ الغَرَضِ الَّذِي جِيءَ بِهِ لِأجْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] كَما تَقَدَّمَ.
وهَذِهِ الصِّيغَةُ صِيغَةُ قَصْرٍ، أيْ قَصْرِ الإيمانِ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُهاجِرُوا، والقَصْرُ هُنا مُقَيَّدٌ بِالحالِ في قَوْلِهِ: حَقًّا. فَقَوْلُهُ: ”حَقًّا“ حالٌ مِنَ المُؤْمِنُونَ وهو مَصْدَرٌ جُعِلَ مِن صِفَتِهِمْ، فالمَعْنى: أنَّهم حاقُّونَ، أيْ مُحَقِّقُونَ لِإيمانِهِمْ بِأنْ عَضَّدُوهُ بِالهِجْرَةِ مِن دارِ الكُفْرِ، ولَيْسَ الحَقُّ هُنا بِمَعْنى المُقابِلِ لِلْباطِلِ، حَتّى يَكُونَ إيمانُ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُهاجِرُوا باطِلًا؛ لِأنَّ قَرِينَةَ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] مانِعَةٌ مِن ذَلِكَ، إذْ قَدْ أثْبَتَ لَهُمُ الإيمانَ ونَفى عَنْهُمُ اسْتِحْقاقَ ولايَةِ المُؤْمِنِينَ.
والرِّزْقُ الكَرِيمُ هو الَّذِي لا يُخالِطُ النَّفْعَ بِهِ ضُرٌّ ولا نَكَدٌ، فَهو نَفْعٌ مَحْضٌ لا كَدَرَ فِيهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences