Ibn 'Ashur'Abasa · 80:8–16

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

'Abasa 80:8–16

80:8–10Page 585

وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ ٨

But as for he who came to you striving [for knowledge]

وَهُوَ يَخۡشَىٰ ٩

While he fears [Allāh],

فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ ١٠

From him you are distracted.

﴿وأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ ﴿وهْوَ يَخْشى﴾ ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥] اقْتَضى ذِكْرُهُ قَصْدَ المُقابَلَةِ مَعَ المَعْطُوفِ عَلَيْها مُقابَلَةَ الضِّدَّيْنِ إتْمامًا لِلتَّقْسِيمِ. والمُرادُ: هو ابْنُ أُمِّ

صفحة ١٠٩

مَكْتُومٍ، فَحَصَلَ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الجُمْلَةِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عبس: ١] ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ [عبس: ٢] .

والسَّعْيُ: شِدَّةُ المَشْيِ، كُنِّيَ بِهِ عَنِ الحِرْصِ عَلى اللِّقاءِ فَهو مُقابِلٌ لِحالِ مَنِ اسْتَغْنى؛ لِأنَّ اسْتِغْناءَهُ اسْتِغْناءُ المُمْتَعِضِ عَنِ التَّصَدِّي لَهُ.

وجُمْلَةُ (وهو يَخْشى) في مَوْضِعِ الحالِ، وحُذِفَ مَفْعُولُ (يَخْشى) لِظُهُورِهِ؛ لِأنَّ الخَشْيَةَ في لِسانِ الشَّرْعِ تَنْصَرِفُ إلى خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى.

والمَعْنى: أنَّهُ جاءَ طَلَبًا لِلتَّزْكِيَةِ؛ لِأنْ يَخْشى اللَّهَ مِنَ التَّقْصِيرِ في الِاسْتِرْشادِ. واخْتِيرَ الفِعْلُ المُضارِعُ لِإفادَتِهِ التَّجَدُّدَ.

والقَوْلُ في ﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ كالقَوْلِ في ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] .

والعِبْرَةُ في هَذِهِ الآياتِ أنَّ اللَّهَ تَعالى زادَ نَبِيئَهُ ﷺ عِلْمًا عَظِيمًا مِنَ الحِكْمَةِ النَّبَوِيَّةِ، ورَفَعَ دَرَجَةَ عِلْمِهِ إلى أسْمى ما تَبْلُغُ إلَيْهِ عُقُولُ الحُكَماءِ رُعاةِ الأُمَمِ، فَنَبَّهَهُ إلى أنَّ في مُعْظَمِ الأحْوالِ أوْ جَمِيعِها نَواحِيَ صَلاحٍ ونَفْعٍ قَدْ تَخْفى لِقِلَّةِ اطِّرادِها، ولا يَنْبَغِي تَرْكُ اسْتِقْرائِها عِنْدَ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِها ولَوْ ظَنَّهُ الأهَمَّ، وأنْ لَيْسَ الإصْلاحُ بِسُلُوكِ طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ لِلتَّدْبِيرِ بِأخْذِ قَواعِدَ كُلِّيَّةٍ مُنْضَبِطَةٍ تُشْبِهُ قَواعِدَ العُلُومِ يُطَبِّقُها في الحَوادِثِ ويُغْضِي عَمّا يُعارِضُها بِأنْ يُسْرِعَ إلى تَرْجِيحِ القَوِيِّ عَلى الضَّعِيفِ مِمّا فِيهِ صِفَةُ الصَّلاحِ، بَلْ شَأْنُ مُقَوِّمِ الأخْلاقِ أنْ يَكُونَ بِمَثابَةِ الطَّبِيبِ بِالنِّسْبَةِ إلى الطَّبائِعِ والأمْزِجَةِ فَلا يَجْعَلُ لِجَمِيعِ الأمْزِجَةِ عِلاجًا واحِدًا، بَلِ الأمْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ النّاسِ، وهَذا غَوْرٌ عَمِيقٌ يُخاضُ إلَيْهِ مِن ساحِلِ القاعِدَةِ الأُصُولِيَّةِ في بابِ الِاجْتِهادِ القائِلَةِ: إنَّ المُجْتَهِدَ إذا لاحَ لَهُ دَلِيلٌ (يَبْحَثُ عَنِ المُعارِضِ)، والقاعِدَةِ القائِلَةِ: إنَّ لِلَّهِ تَعالى حُكْمًا قَبْلَ الِاجْتِهادِ نَصَّبَ عَلَيْهِ أمارَةً وكَلَّفَ المُجْتَهِدَ بِإصابَتِهِ، فَإنْ أصابَهُ فَلَهُ أجْرانِ وإنْ أخْطَأهُ فَلَهُ أجْرٌ واحِدٌ.

فَإذا كانَ ذَلِكَ مَقامَ المُجْتَهِدِينَ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَطاعُهم فَإنَّ غَوْرَهُ هو اللّائِقُ بِمَرْتَبَةِ أفْضَلِ الرُّسُلِ ﷺ فِيما لَمْ يَرِدْ لَهُ فِيهِ وحْيٌ، فَبَحْثُهُ عَنِ الحُكْمِ أوْسَعُ مَدًى مِن مَدى أبْحاثِ عُمُومِ المُجْتَهِدِينَ، وتَنْقِيبُهُ عَلى المُعارِضِ أعْمَقُ غَوْرًا مِن تَناوُشِهِمْ، لِئَلّا يَفُوتَ سَيِّدَ المُجْتَهِدِينَ ما فِيهِ مِن صَلاحٍ ولَوْ ضَعِيفًا، ما لَمْ يَكُنْ

صفحة ١١٠

إعْمالُهُ يُبْطِلُ ما في غَيْرِهِ مِن صَلاحٍ أقْوى؛ لِأنَّ اجْتِهادَ الرَّسُولِ ﷺ في مَواضِعِ اجْتِهادِهِ قائِمٌ مَقامَ الوَحْيِ فِيما لَمْ يُوحَ إلَيْهِ فِيهِ.

فالتَّزْكِيَةُ الحَقُّ هي المِحْوَرُ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ حالُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وحالُ المُشْرِكِ مِن حَيْثُ إنَّها مَرْغُوبَةٌ لِلْأوَّلِ ومَزْهُودٌ فِيها مِنَ الثّانِي، وهي مَرْمى اجْتِهادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِتَحْصِيلِها لِلثّانِي والأمْنِ عَلى قَرارِها لِلْأوَّلِ بِإقْبالِهِ عَلى الَّذِي يَتَجافى عَنْ دَعْوَتِهِ، وإعْراضِهِ عَنِ الَّذِي يُعْلَمُ مِن حالِهِ أنَّهُ مُتَزَكٍّ بِالإيمانِ.

وفِي حالَيْهِما حالانِ آخَرانِ سِرُّهُما مِن أسْرارِ الحِكْمَةِ الَّتِي لَقَّنَها اللَّهُ نَبِيئَهُ ﷺ وهو يَخْفى في مُعْتادِ نَظَرِ النُّظّارِ، فَأنْبَأهُ اللَّهُ بِهِ لِيُزِيلَ عَنْهُ سِتارَ ظاهِرِ حالَيْهِما، فَإنَّ ظاهِرَ حالَيْهِما قاضٍ بِصَرْفِ الِاهْتِمامِ إلى أحَدِهِما وهو المُشْرِكُ لِدَعْوَتِهِ إلى الإيمانِ حِينَ لاحَ مِن لِينِ نَفْسِهِ لِسَماعِ القُرْآنِ ما أطْمَعَ النَّبِيءَ ﷺ بِأنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مِنَ الإيمانِ فَمَحَّضَ تَوْجِيهَ كَلامِهِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ هَدْيَ النّاسِ إلى الإيمانِ أعْظَمُ غَرَضٍ بُعِثَ النَّبِيءُ ﷺ لِأجْلِهِ، فالِاشْتِغالُ بِهِ يَبْدُو أهَمَّ وأرْجَحَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِمَن هو مُؤْمِنٌ خالِصٌ، وذَلِكَ ما فَعَلَهُ النَّبِيءُ ﷺ .

غَيْرَ أنَّ وراءَ ذَلِكَ الظّاهِرِ حالًا آخَرَ كامِنًا عَلِمَهُ اللَّهُ تَعالى العالِمُ بِالخَفِيّاتِ ولَمْ يُوحِ لِرَسُولِهِ ﷺ التَّنْقِيبَ عَلَيْهِ، وهو حالُ مُؤْمِنٍ هو مَظِنَّةُ الِازْدِيادِ مِنَ الخَيْرِ، وحالُ كافِرٍ مُصَمِّمٍ عَلى الكُفْرِ تُؤْذِنُ سَوابِقُهُ بِعِنادِهِ وأنَّهُ لا يُفِيدُ فِيهِ البُرْهانُ شَيْئًا، وإنَّ عَمِيقَ التَّوَسُّمِ في كِلا الحالَيْنِ قَدْ يُكْشَفُ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِإعانَةِ اللَّهِ رُجْحانَ حالِ المُؤْمِنِ المُزْدادِ مِنَ الرُّشْدِ والهَدْيِ عَلى حالِ الكافِرِ الَّذِي لا يَغُرُّ ما أظْهَرَهُ مِنَ اللِّينِ مُصانَعَةً أوْ حَياءً مِنَ المُكابَرَةِ، فَإنْ كانَ في إيمانِ الكافِرِ نَفْعٌ عَظِيمٌ عامٌّ لِلْأُمَّةِ بِزِيادَةِ عَدَدِها ونَفَعٌ خاصٌّ لِذاتِهِ. وفي ازْدِيادِ المُؤْمِنِ مِن وسائِلِ الخَيْرِ وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ نَفْعٌ خاصٌّ لَهُ والرَّسُولُ راعٍ لِآحادِ الأُمَّةِ ولِمَجْمُوعِها، فَهو مُخاطَبٌ بِالحِفاظِ عَلى مَصالِحِ المَجْمُوعِ ومَصالِحِ الآحادِ بِحَيْثُ لا يَدْحَضُ مَصالِحَ الآحادِ لِأجْلِ مَصالِحِ المَجْمُوعِ، إلّا إذا تَعَذَّرَ الجَمْعُ بَيْنَ الصّالِحِ العامِّ والصّالِحِ الخاصِّ، بَيْدَ أنَّ الكافِرَ صاحِبَ هَذِهِ القَضِيَّةِ تُنْبِئُ دَخِيلَتُهُ بِضَعْفِ الرَّجاءِ في إيمانِهِ لَوْ أُطِيلَ التَّوَسُّمُ في حالِهِ، وبِذَلِكَ تَعَطَّلَ الِانْتِفاعُ بِها عُمُومًا وخُصُوصًا وتَمَخَّضَ أنَّ لِتَزْكِيَةِ المُؤْمِنِ

صفحة ١١١

صاحِبِ القَضِيَّةِ نَفْعًا لِخاصَّةِ نَفْسِهِ ولا يَخْلُو مِن عَوْدِ تَزْكِيَةٍ بِفائِدَةٍ عَلى الأُمَّةِ بِازْدِيادِ الكامِلِينَ مِن أفْرادِها.

وقَدْ حَصَلَ في هَذا إشْعارٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ ﷺ بِأنَّ الِاهْتِداءَ صُنُوفٌ عَدِيدَةٌ ولَهُ مَراتِبُ سامِيَةٌ، ولَيْسَ الِاهْتِداءُ مُقْتَصِرًا عَلى حُصُولِ الإيمانِ مَراتِبَ ومَيادِينَ لِسَبْقِ هِمَمِ النُّفُوسِ لا يُغْفَلُ عَنْ تَعَهُّدِها بِالتَّثْبِيتِ والرَّعْيِ والإثْمارِ، وذَلِكَ التَّعَهُّدُ إعانَةٌ عَلى تَحْصِيلِ زِيادَةِ الإيمانِ.

وتِلْكَ سَرائِرُ لا يَعْلَمُ حَقَّها وفُرُوقَها إلّا اللَّهُ تَعالى. فَعَلى الرَّسُولِ ﷺ وهو خَلِيفَةُ اللَّهِ في خَلْقِهِ أنْ يَتَوَخّاها بِقَدْرِ المُسْتَطاعِ، فَما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ في شَأْنِهِ اتَّبَعَ ما يُوحى إلَيْهِ وما لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ وحْيٌ في شَأْنِهِ فَعَلَيْهِ أنْ يُصَرِّفَ اجْتِهادَهُ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهم ولَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] .

فَكانَ ذَلِكَ مَوْقِعَ هَذِهِ الوَصِيَّةِ المُفْرَغَةِ في قالَبِ المُعاتَبَةِ لِلتَّنْبِيهِ إلى الِاكْتِراثِ بِتَتَبُّعِ تِلْكَ المَراتِبِ وغَرْسِ الإرْشادِ فِيها عَلى ما يُرْجى مِن طِيبِ تُرْبَتِها لِيَخْرُجَ مِنها نَباتٌ نافِعٌ لِلْخاصَّةِ والعامَّةِ.

والحاصِلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَ رَسُولَهُ ﷺ أنَّ ذَلِكَ المُشْرِكَ الَّذِي مَحَضَهُ نُصْحَهُ لا يُرْجى مِنهُ صَلاحٌ، وأنَّ ذَلِكَ المُؤْمِنَ الَّذِي اسْتَبْقى العِنايَةَ بِهِ إلى وقْتٍ آخَرَ يَزْدادُ صَلاحًا تُفِيدُ المُبادَرَةُ بِهِ، لِأنَّهُ في حالَةِ تَلَهُّفِهِ عَلى التَّلَقِّي مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أشَدُّ اسْتِعْدادًا مِنهُ في حِينٍ آخَرَ.

فَهَذِهِ الحادِثَةُ مِنوالٌ يُنْسَجُ عَلَيْها الِاجْتِهادُ النَّبَوِيُّ إذا لَمْ يَرِدْ لَهُ الوَحْيُ لِيَعْلَمَ أنَّ مِن وراءِ الظَّواهِرِ خَبايا، وأنَّ القَرائِنَ قَدْ تَسْتُرُ الحَقائِقَ.

وفِي ما قَرَّرْنا ما يُعْرَفُ بِهِ أنَّ مَرْجِعَ هَذِهِ الآيَةِ وقَضِيَّتَها إلى تَصَرُّفِ النَّبِيءِ ﷺ بِالِاجْتِهادِ فِيما لَمْ يُوحَ إلَيْهِ فِيهِ، وأنَّهُ ما حادَ عَنْ رِعايَةِ أُصُولِ الِاجْتِهادِ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ، وهي دَلِيلٌ لِما تَقَرَّرَ في أُصُولِ الفِقْهِ مِن جَوازِ الِاجْتِهادِ لِلنَّبِيءِ ﷺ ووُقُوعِهِ، وأنَّهُ جَرى عَلى قاعِدَةِ إعْمالِ أرْجَحِ المَصْلَحَتَيْنِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ؛ لِأنَّ السَّرائِرَ مَوْكُولَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وأنَّ اجْتِهادَهُ ﷺ لا يُخْطِئُ بِحَسْبَ ما نَصَبَهُ اللَّهُ مِنَ الأدِلَّةِ، ولَكِنَّهُ

صفحة ١١٢

قَدْ يُخالِفُ ما في عِلْمِ اللَّهِ، وأنَّ اللَّهَ لا يُقِرُّ رَسُولَهُ ﷺ عَلى ما فِيهِ مُخالَفَةٌ لِما أرادَهُ اللَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ.

ونَظِيرُ هَذِهِ القَضِيَّةِ قَضِيَّةُ أسْرى بَدْرٍ الَّتِي حَدَثَتْ بَعْدَ سِنِينَ مِن نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ والمَوْقِفُ فِيهِما مُتَماثِلٌ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] إيماءٌ إلى عُذْرِ النَّبِيءِ ﷺ في تَأْخِيرِهِ إرْشادَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ لِما عَلِمْتَ مِن أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ في التَّنْبِيهِ عَلى أمْرٍ مَغْفُولٍ عَنْهُ، والمَعْنى: لَعَلَّهُ يَزَّكّى تَزْكِيَةً عَظِيمَةً كانَتْ نَفْسُهُ مُتَهَيِّئَةً لَها ساعَتَئِذٍ إذْ جاءَ مُسْتَرْشِدًا حَرِيصًا، وهَذِهِ حالَةٌ خَفِيَّةٌ.

وكَذَلِكَ عُذْرُهُ في الحِرْصِ عَلى إرْشادِ المُشْرِكِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ [عبس: ٧] إذْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَخْشى تَبِعَةً مِن فَواتِ إيمانِ المُشْرِكِ بِسَبَبِ قِطْعِ المُحاوَرَةِ مَعَهُ والإقْبالِ عَلى اسْتِجابَةِ المُؤْمِنِ المُسْتَرْشِدِ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَلِماذا لَمْ يُعْلِمِ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مِن وقْتِ حُضُورِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ بِما تَضَمَّنَهُ هَذا التَّعْلِيمُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ ؟

قُلْنا: لِأنَّ العِلْمَ الَّذِي يَحْصُلُ عَنْ تَبَيُّنِ غَفْلَةٍ، أوْ إشْعارٍ بِخَفاءٍ يَكُونُ أرْسَخَ في النَّفْسِ مِنَ العِلْمِ المَسُوقِ عَنْ غَيْرِ تَعَطُّشٍ، ولِأنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ بَعْدَ حُصُولِ سَبَبِهِ أشْهَرُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ ولِيَحْصُلَ لِلنَّبِيءِ ﷺ مَزِيَّةُ كِلا المَقامَيْنِ: مَقامُ الِاجْتِهادِ، ومَقامُ الإفادَةِ.

وحِكْمَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ يُعْلِمَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِهَذا المَهِيعِ مِن عَلِيِّ الِاجْتِهادِ لِتَكُونَ نَفْسُهُ غَيْرَ غافِلَةٍ عَنْ مِثْلِهِ ولِيَتَأسّى بِهِ عُلَماءُ أُمَّتِهِ وحُكّامُها ووُلاةُ أُمُورِها.

ونَظِيرُ هَذا ما ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ المَثَلِ في مُلاقاةِ الخَضِرِ، وما جَرى مِنَ المُحاوَرَةِ بَيْنَهُما، وقَوْلِ الخَضِرِ لِمُوسى: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨] ثُمَّ قَوْلِهِ لَهُ: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢] . وقَدْ سَبَقَ مِثْلُهُ في الشَّرائِعِ السّابِقَةِ كَقَوْلِهِ في قِصَّةِ نُوحٍ ﴿يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] وقَوْلِهِ لِإبْراهِيمَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] .

هَذا ما لاحَ لِي في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ تَأْصِيلًا وتَفْصِيلًا، وهو بِناءٌ عَلى أساسِ

صفحة ١١٣

ما سَبَقَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ مِن جَعْلِهِمْ مَناطَ العِتابِ مَجْمُوعَ ما في القِصَّةِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ إرْشادِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، ومِنَ العُبُوسِ لَهُ، والتَّوَلِّي عَنْهُ، ومِنَ التَّصَدِّي القَوِيِّ لِدَعْوَةِ المُشْرِكِ والإقْبالِ عَلَيْهِ.

والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ مَناطَ العِتابِ الَّذِي تُؤْتِيهِ لَهْجَةُ الآيَةِ والَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ ثُبُوتُهُ مِن كَثْرَةِ ما يَقُولُ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ: («مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي رَبِّي لِأجْلِهِ» ) إنَّما هو عِتابٌ عَلى العُبُوسِ والتَّوَلِّي، لا عَلى ما حَفَّ بِذَلِكَ مِنَ المُبادَرَةِ بِدَعْوَةٍ وتَأْخِيرِ إرْشادٍ؛ لِأنَّ ما سَلَكَهُ النَّبِيءُ ﷺ في هَذِهِ الحادِثَةِ مِن سَبِيلِ الإرْشادِ لا يَسْتَدْعِي عِتابًا؛ إذْ ما سَلَكَ إلّا سَبِيلَ الِاجْتِهادِ القَوِيمِ؛ لِأنَّ المَقامَ الَّذِي أُقِيمَتْ فِيهِ هَذِهِ الحادِثَةُ تَقاضاهُ إرْشادانِ لا مَحِيصَ مِن تَقْدِيمِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، هُما: إرْشادُ كافِرٍ إلى الإسْلامِ عَساهُ أنْ يُسْلِمَ، وإرْشادُ مُؤْمِنٍ إلى شُعَبِ الإسْلامِ عَساهُ أنْ يَزْدادَ تَزْكِيَةً.

ولَيْسَ في حالِ المُؤْمِنِ ما يُفِيتُ إيمانًا، ولَيْسَ في تَأْخِيرِ إرْشادِهِ عَلى نِيَّةِ التَّفَرُّغِ إلَيْهِ بَعْدَ حِينٍ ما يُناكِدُ زِيادَةَ صَلاحِهِ، فَإنَّ زِيادَةَ صَلاحِهِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى مَمَرِّ الأيّامِ.

ومِنَ القَواعِدِ المُسْتَقْراةِ مِن تَصارِيفِ الشَّرِيعَةِ والشّاهِدَةِ بِها العُقُولُ السَّلِيمَةُ تَقْدِيمُ دَرْءِ المَفاسِدِ عَلى جَلْبِ المَصالِحِ، ونَفْيُ الضُّرِّ الأكْبَرِ قَبْلَ نَفْيِ الضُّرِّ الأصْغَرِ، فَلَمْ يَسْلُكِ النَّبِيءُ ﷺ إلّا مَسْلَكَ الِاجْتِهادِ المَأْمُورِ بِهِ فِيما لَمْ يُوحَ إلَيْهِ فِيهِ. وهو داخِلٌ تَحْتِ قَوْلِهِ تَعالى لِعُمُومِ الأُمَّةِ ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وهو القائِلُ: «إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِيَ لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أخِيهِ فَلا يَأْخُذْهُ، فَإنَّما أقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِن نارٍ»، وهو القائِلُ: «أُمِرْتُ أنْ أحْكُمَ بِالظّاهِرِ واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ» وهو حَدِيثٌ صَحِيحُ المَعْنى، وإنْ كانَ في إسْنادِهِ تَرَدُّدٌ. فَلا قِبَلَ لَهُ بِعِلْمِ المُغَيَّباتِ إلّا أنْ يُطْلِعَهُ اللَّهُ عَلى شَيْءٍ مِنها، فَلا يَعْلَمُ أنَّ هَذا المُشْرِكَ مُضْمِرُ الكُفْرِ والعِنادِ، وأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ ولا أنَّ لِذَلِكَ المُؤْمِنِ في ذَلِكَ صَفاءَ نَفْسٍ وإشْراقَ قَلْبٍ لا يَتَهَيَّآنِ لَهُ في كُلِّ وقْتٍ.

صفحة ١١٤

وبِذَلِكَ يَسْتَبِينُ أنَّ ما أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى نَبِيئِهِ ﷺ في هَذِهِ السُّورَةِ هو وحْيٌ لَهُ بِأمْرٍ كانَ مُغَيَّبًا عَنْهُ حِينَ أقْبَلَ عَلى دَعْوَةِ المُشْرِكِ وأرْجَأ إرْشادَ المُؤْمِنِ. ولَيْسَ في ظاهِرِ حالِهِما ما يُؤْذِنُ بِباطِنِهِ، وما أظْهَرَ اللَّهُ فِيها غَيْبَ عِلْمِهِ إلّا لِإظْهارِ مَزِيَّةِ مُؤْمِنٍ راسِخِ الإيمانِ وتَسْجِيلِ كَفْرِ مُشْرِكٍ لا يُرْجى مِنهُ الإيمانُ، ومَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَذْكِيرِ النَّبِيءِ ﷺ بِما عَمِلَهُ اللَّهُ مِن حُسْنِ أدَبِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ ورَفْعِ شَأْنِهِمْ أمامَ المُشْرِكِينَ، فَمَناطُ المُعاتَبَةِ هو العُبُوسُ لِلْمُؤْمِنِ بِحَضْرَةِ المُشْرِكِ الَّذِي يَسْتَصْغِرُ أمْثالَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَما وقَعَ في خِلالِ هَذا العِتابِ مِن ذِكْرِ حالِ المُؤْمِنِ والكافِرِ إنَّما هو إدْماجٌ؛ لِأنَّ في الحادِثَةِ فُرْصَةً مِنَ التَّنْوِيهِ بِسُمُوِّ مَنزِلَةِ المُؤْمِنِ لِانْطِواءِ قَلْبِهِ عَلى أشِعَةٍ تُؤَهِّلُهُ لِأنْ يَسْتَنِيرَ بِها ويُفِيضَها عَلى غَيْرِهِ جَمْعًا بَيْنَ المُعاتَبَةِ والتَّعْلِيمِ، عَلى سَنَنِ هَدْيِ القُرْآنِ في المُناسَباتِ.

80:11–16Page 585

كـَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ ١١

No! Indeed, they [i.e., these verses] are a reminder;

فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ ١٢

So whoever wills may remember it.1

فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ ١٣

[It is recorded] in honored sheets,

مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۭ ١٤

Exalted and purified,

بِأَيۡدِي سَفَرَةٖ ١٥

[Carried] by the hands of messenger-angels,

كِرَامِۭ بَرَرَةٖ ١٦

Noble and dutiful.

﴿كَلّا﴾ .

إبْطالٌ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ (كَلّا) في سُورَةِ مَرْيَمَ، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا في سُورَةِ النَّبَأِ. وهو هُنا إبْطالٌ لِما جَرى في الكَلامِ السّابِقِ ولَوْ بِالمَفْهُومِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ٣] . ولَوْ بِالتَّعْرِيضِ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عبس: ١] .

وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي المُتَقَدِّمِ يَنْصَرِفُ الإبْطالُ إلى ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ [عبس: ١] خاصَّةً.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ﴿وما عَلَيْكَ ألّا يَزَّكّى﴾ [عبس: ٧] عَلى التَّفْسِيرَيْنِ، أيْ: لا تَظُنُّ أنَّكَ مَسْئُولٌ عَنْ مُكابَرَتِهِ وعِنادِهِ فَقَدْ بَلَّغْتَ ما أُمِرْتَ بِتَبْلِيغِهِ.

* * *

﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ ﴿مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ .

اسْتِئْنافٌ بَعْدَ حَرْفِ الإبْطالِ، وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ العِتابِ ثُمَّ ما عَقِبَهُ مِنَ الإبْطالِ يُثِيرُ في خاطِرِ الرَّسُولِ ﷺ الحَيْرَةَ في كَيْفَ يَكُونُ العَمَلُ في دَعْوَةِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ إذا لَمْ يَتَفَرَّغْ لَهم لِئَلّا يَنْفِرُوا عَنِ التَّدَبُّرِ في القُرْآنِ، أوْ يُثِيرُ

صفحة ١١٥

فِي نَفْسِهِ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ قَصَّرَ في شَيْءٍ مِن واجِبِ التَّبْلِيغِ.

وضَمِيرُ (إنَّها) عائِدَةٌ إلى الدَّعْوَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: ﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ هَذِهِ المَوْعِظَةَ تَذْكِرَةٌ لَكَ وتَنْبِيهٌ لِما غَفَلْتَ عَنْهُ ولَيْسَتْ مَلامًا، وإنَّما يُعاتِبُ الحَبِيبُ حَبِيبَهُ.

ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مُوَجَّهًا إلى مَن كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَدْعُوهُ قُبَيْلَ نُزُولِ السُّورَةِ فَإنَّهُ كانَ يَعْرِضُ القُرْآنَ عَلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ومَن مَعَهُ، وكانُوا يَسْتَجِيبُونَ إلى ما دَعاهم ولا يُصَدِّقُونَ بِالبَعْثِ، فَتَكُونُ (كَلّا) إبْطالًا لِما نَعَتُوا بِهِ القُرْآنَ مِن أنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.

فَيَكُونُ ضَمِيرُ (﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾) عائِدًا إلى الآياتِ الَّتِي قَرَأها النَّبِيءُ ﷺ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، ثُمَّ أُعِيدَ عَلَيْها الضَّمِيرُ بِالتَّذْكِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُرادَ آياتُ القُرْآنِ.

ويُؤَيِّدُ هَذا الوَجْهَ قَوْلُهُ تَعالى عَقِبَهُ ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧] الآياتِ؛ حَيْثُ ساقَ لَهم أدِلَّةَ إثْباتِ البَعْثِ.

فَكانَ تَأْنِيثُ الضَّمِيرِ نُكْتَةً خُصُوصِيَّةً لِتَحْمِيلِ الكَلامِ هَذِهِ المَعانِي.

والضَّمِيرُ الظّاهِرُ في قَوْلِهِ (ذَكَرَهُ): يَجُوزُ أنْ يَعُودَ إلى (تَذْكِرَةٌ)؛ لِأنَّ ماصْدَقَها القُرْآنُ الَّذِي كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَعْرِضُهُ عَلى صَنادِيدِ قُرَيْشٍ قُبَيْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، أيْ: فَمَن شاءَ ذَكَرَ القُرْآنَ وعَمِلَ بِهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ إعادَةَ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ عَلى اللَّهِ تَعالى دُونَ ذِكْرِ مَعادِهِ في الكَلامِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ؛ لِأنَّ شُؤُونَهُ تَعالى وأحْكامَهُ نَزَلَ القُرْآنُ لِأجْلِها فَهو مَلْحُوظٌ لِكُلِّ سامِعٍ لِلْقُرْآنِ، أيْ: فَمَن شاءَ ذَكَرَ اللَّهَ وتَوَخّى مَرْضاتَهُ.

والذِّكْرُ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ: الذِّكْرُ بِالقَلْبِ، وهو تَوَخِّي الوُقُوفِ عِنْدَ الأمْرِ والنَّهْيِ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (ذَكَرَ) إلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ عَلى الوَجْهَيْنِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ يُناسِبُ المَقامَ.

صفحة ١١٦

والَّذِي اقْتَضى الإتْيانَ بِالضَّمِيرِ وكَوْنَهُ ضَمِيرَ مُذَكَّرٍ مُراعاةُ الفَواصِلِ، وهي: (تَذْكِرَهْ، مُطَهَّرَهْ، سَفَرَهْ، بَرَرَهْ) .

وجُمْلَةُ فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: (تَذْكِرَةٌ) وقَوْلِهِ: (في صُحُفٍ) .

والفاءُ لِتَفْرِيعِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى جُمْلَةِ (﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾) فَإنَّ الجُمْلَةَ المُعْتَرِضَةَ تَقْتَرِنُ بِالفاءِ إذا كانَ مَعْنى الفاءِ قائِمًا، فالفاءُ مِن جُمْلَةِ الِاعْتِراضِ، أيْ: هي تَذْكِرَةٌ لَكَ بِالأصالَةِ ويَنْتَفِعُ بِها مَن شاءَ أنْ يَتَذَكَّرَ عَلى حَسَبِ اسْتِعْدادِهِ، أيْ: يَتَذَكَّرُ بِها كُلُّ مُسْلِمٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] .

وفِي قَوْلِهِ: فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مَوْعِظَةَ القُرْآنِ نافِعَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ تَجَرَّدَ عَنِ العِنادِ والمُكابَرَةِ، فَمَن لَمْ يَتَّعِظْ بِها فَلِأنَّهُ لَمْ يَشَأْ أنْ يَتَّعِظَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] وقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: ٤٨] ونَحْوُهُ كَثِيرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٩] في سُورَةِ الإنْسانِ.

والتَّذْكِرَةُ: اسْمٌ لِما يُتَذَكَّرُ بِهِ الشَّيْءُ إذا نُسِيَ. قالَ الرّاغِبُ: وهي أعَمُّ مِنَ الدِّلالَةِ والأمارَةِ، قالَ تَعالى: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] . وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ المُدَّثِّرِ.

وكُلٌّ مِن (تَذْكِرَةٌ) و(ذَكَرَهُ) هو مِنَ الذِّكْرِ القَلْبِيِّ الَّذِي مَصْدَرُهُ بِضَمِّ الذّالِ في الغالِبِ، أيْ: فَمَن شاءَ عَمِلَ بِهِ ولا يَنْسَهُ.

والصُّحُفُ: جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وهي قِطْعَةٌ مِن أدِيمٍ أوْ ورَقٍ أوْ خِرْقَةٌ يُكْتَبُ فِيها الكِتابُ، وقِياسُ جَمْعِها صَحائِفُ، وأمّا جَمْعُها عَلى صُحُفٍ فَمُخالِفٌ لِلْقِياسِ، وهو الأفْصَحُ ولَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ إلّا صُحُفٌ، وسَيَأْتِي في سُورَةِ الأعْلى، وتُطْلَقُ الصَّحِيفَةُ عَلى ما يُكْتَبُ فِيهِ.

و(مُطَهَّرَةٍ) اسْمُ مَفْعُولٍ مِن طَهَّرَهِ إذا نَظَّفَهُ. والمُرادُ هُنا: الطَّهارَةُ المَجازِيَّةُ وهي الشَّرَفُ، فَيَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الصُّحُفُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَتَكُونُ أوْصافُها بِ (مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ، مُطَهَّرَةٍ) مَحْمُولَةً عَلى المَعانِي المَجازِيَّةِ وهي مَعانِي الِاعْتِناءِ بِها

صفحة ١١٧

كَما قالَ تَعالى: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] . وتَشْرِيفِها كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] وقُدْسِيَّةِ مَعانِيها كَما قالَ تَعالى: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وكانَ المُرادُ بِالصُّحُفِ الأشْياءَ الَّتِي كُتِبَ فِيها القُرْآنُ مِن رُقُوقٍ وقَراطِيسَ، وأكْتافٍ، ولِخافٍ، وجَرِيدٍ.

فَقَدْ رُوِيَ أنَّ كُتّابَ الوَحْيِ كانُوا يَكْتُبُونَ فِيها كَما جاءَ في خَبَرِ جَمْعِ أبِي بَكْرٍ لِلْمُصْحَفِ حِينَ أمَرَ بِكِتابَتِهِ في رُقُوقٍ أوْ قَراطِيسَ، ويَكُونُ إطْلاقُ الصُّحُفِ عَلَيْها تَغْلِيبًا ويَكُونُ حَرْفُ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، ويَكُونُ المُرادُ بِالسَّفَرَةِ جَمْعَ سافِرٍ، أيْ: كاتِبٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ لِلْكِتابِ سِفْرٌ - بِكَسْرِ السِّينِ - ولِلْكاتِبِ سافِرٌ؛ لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ يُبَيِّنُ الشَّيْءَ ويُوَضِّحُهُ، يُقالُ: أسْفَرَ الصُّبْحُ، إذا أضاءَ وقالَهُ الفَرّاءُ.

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالصُّحُفِ كُتُبُ الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِثْلَ التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، والزَّبُورِ، وصُحُفِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَتَكُونُ هَذِهِ الأوْصافُ تَأْيِيدًا لِلْقُرْآنِ بِأنَّ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ السّابِقَةَ جاءَتْ بِما جاءَ بِهِ. ومَعْنى كَوْنِ هَذِهِ التَّذْكِرَةِ في كُتُبِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ: أنَّ أمْثالَ مَعانِيها وأُصُولِها في كُتُبِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] وكَما قالَ: ﴿وإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٦] وكَما قالَ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ [الشورى: ١٣] .

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالصُّحُفِ صُحُفٌ مَجازِيَّةٌ، أيْ: ذَواتٌ مَوْجُودَةٌ قُدْسِيَّةٌ يَتَلَقّى جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنها القُرْآنَ الَّذِي يُؤْمَرُ بِتَبْلِيغِهِ لِلنَّبِيءِ ﷺ، ويَكُونُ إطْلاقُ الصُّحُفِ عَلَيْها لِشِبْهِها بِالصُّحُفِ الَّتِي يَكْتُبُ النّاسُ فِيها. ومَعْنى (مُكَرَّمَةٍ) عِنايَةُ اللَّهِ بِها، ومَعْنى (مَرْفُوعَةٍ) أنَّها مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ، ومَعْنى (مُطَهَّرَةٍ) مُقَدَّسَةٌ مُبارَكَةٌ، أيْ: هَذِهِ التَّذْكِرَةُ مِمّا تَضَمَّنَهُ عِلْمُ اللَّهِ وما كَتَبَهُ لِلْمَلائِكَةِ في صُحُفٍ قُدْسِيَّةٍ.

وعَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في المُرادِ بِالصُّحُفِ، ”فَسَفَرَةٌ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ سافِرٍ، مِثْلَ كاتِبٍ وكَتَبَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جَمْعِ سَفِيرٍ، وهو المُرْسَلُ في أمْرٍ

صفحة ١١٨

مُهِمٍّ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقِياسُ جَمْعِهِ سُفَراءُ وتَكُونُ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، أيْ: المُماثِلَةِ في المَعانِي.

وتَأْتِي وُجُوهٌ مُناسِبَةٌ في مَعْنى (سَفَرَةٍ)، فالمُناسِبُ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ السَّفَرَةُ كُتّابَ القُرْآنِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ قُرّاءَ القُرْآنِ، وبِهِ فَسَّرَ قَتادَةُ وقالَ: هم بِالنَّبَطِيَّةِ القُرّاءُ، وقالَ غَيْرُهم: الوَرّاقُونَ بِاللُّغَةِ العِبْرانِيَّةِ.

وقَدْ عُدَّتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ في عِدادِ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِنَ المُعَرَّبِ كَما في الإتْقانِ عَنِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ، وقَدْ أغْفَلَها السُّيُوطِيُّ فِيما اسْتَدْرَكَهُ عَلى ابْنِ السُّبْكِيِّ، وابْنِ حَجَرٍ في نَظْمَيْهِما في المُعَرَّبِ في القُرْآنِ أوْ قَصَدَ عَدَمَ ذِكْرِها لِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ في تَعْرِيبِها.

والمُناسِبُ لِلْوَجْهِ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَحْمَلُهُ الرُّسُلَ.

والمُناسِبُ لِلْوَجْهِ الثّالِثِ أنْ يَكُونَ مَحْمَلُهُ المَلائِكَةَ؛ لِأنَّهم سُفَراءُ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ.

والمُرادُ بِأيْدِيهِمْ: حِفْظُهم إيّاهُ إلى تَبْلِيغِهِ، فَمَثَّلَ حالَ المَلائِكَةِ بِحالِ السُّفَراءِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ بِأيْدِيهِمُ الألُوكَ والعُهُودَ، وإمّا أنْ يُرادَ: الرُّسُلُ الَّذِينَ كانَتْ بِأيْدِيهِمْ كُتُبُهم، مِثْلَ: مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.

وإمّا أنْ يُرادَ كُتّابُ الوَحْيِ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ،، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ،، وعُمَرَ،، وعُثْمانَ،، وعَلِيٍّ،، وعامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ.

وكانَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ يَكْتُبُ ما يَتَلَقّاهُ مِنَ القُرْآنِ لِيَدْرُسَهُ، مِثْلَ ما ورَدَ في حَدِيثِ إسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ مِن عُثُورِهِ عَلى سُورَةِ طَهَ مَكْتُوبَةً عِنْدَ أُخْتِهِ أُمِّ جَمِيلٍ فاطِمَةَ زَوْجِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ.

وفِي وصْفِهِمْ بِالسَّفَرَةِ ثَناءٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم يُبَلِّغُونَ القُرْآنَ لِلنّاسِ وهم حُفّاظُهُ ووُعاتُهُ، قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُو العِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] فَهَذا مَعْنى

صفحة ١١٩

السَّفَرَةِ. وفِيهِ بِشارَةٌ بِأنَّهم سَيَنْشُرُونَ الإسْلامَ في الأُمَمِ، وقَدْ ظَهَرَ مِمّا ذَكَرْنا ما لِكَلِمَةِ (سَفَرَةٍ) مِنَ الوَقْعِ العَظِيمِ المُعْجِزِ في هَذا المَقامِ.

ووَصْفُ (كِرامٍ) مِمّا وُصِفَ بِهِ المَلائِكَةُ في آياتٍ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] .

ووَصْفُ البَرَرَةِ ورَدَ صِفَةً لِلْمَلائِكَةِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَوْلِهِ «الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وهو ماهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرامِ البَرَرَةِ» .

والبَرَرَةُ: جَمْعُ بَرٍّ، وهو المَوْصُوفُ بِكَثْرَةِ البُرُورِ. وأصْلُ بَرٍّ مَصْدَرُ بَرَّ يَبَرُّ مِن بابِ فَرِحَ، ومَصْدَرُهُ كالفَرَحِ، فَهَذا مِن بابِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ مِثْلَ عَدْلٍ وقَدِ اخْتُصَّ البَرَرَةُ بِجَمْعِ بَرٍّ ولا يَكُونُ جَمْعَ بارٍّ.

والغالِبُ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ أنَّ البَرَرَةَ المَلائِكَةُ والأبْرارَ الآدَمِيُّونَ. قالَ الرّاغِبُ: لِأنَّ بَرَرَةً أبْلَغُ مِن أبْرارٍ إذْ هو جَمْعُ بَرٍّ، وأبْرارٌ جَمْعُ بارٍّ، وبَرٌّ أبْلَغُ مِن بارٍّ، كَما أنَّ عَدْلًا أبْلَغُ مِن عادِلٍ.

وهَذا تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ التَّنْوِيهَ بِالآياتِ الوارِدَةِ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ مِن حَيْثُ إنَّها بَعْضُ القُرْآنِ فَأُثْنِيَ عَلى القُرْآنِ بِفَضِيلَةِ أثَرِهِ في التَّذْكِيرِ والإرْشادِ، وبِرِفْعَةِ مَكانَتِهِ، وقُدْسِ مَصْدَرِهِ، وكَرَمِ قَرارِهِ، وطَهارَتِهِ، وفَضائِلِ حَمَلَتِهِ ومُبَلِّغِيهِ، فَإنَّ تِلْكَ المَدائِحَ عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском