Ibn 'AshurAt‑Takwir · 81:24–29

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Takwir 81:24–29

81:24Page 586

وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ بِضَنِينٖ ٢٤

And he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] is not a withholder of [knowledge of] the unseen.1

﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾

الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى صاحِبُكم كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَدَّعُوا أنَّ جِبْرِيلَ ضَنِينٌ عَلى الغَيْبِ، وإنَّما ادَّعَوْا ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ظُلْمًا وزُورًا، ولِقُرْبِ المَعادِ.

والغَيْبُ: ما غابَ عَنْ عِيانِ النّاسِ، أوْ عَنْ عِلْمِهِمْ وهو تَسْمِيَةٌ بِالمَصْدَرِ.

والمُرادُ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ إلّا أنْ يُطْلِعَ عَلَيْهِ بَعْضَ أنْبِيائِهِ، ومِنهُ وحْيُ الشَّرائِعِ، والعِلْمُ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى وشُؤُونِهِ، ومُشاهَدَةُ مَلَكِ الوَحْيِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وكُتِبَتْ كَلِمَةُ ﴿بِضَنِينٍ﴾ في مَصاحِفِ الأمْصارِ بِضادٍ ساقِطَةٍ كَما اتَّفَقَ عَلَيْهِ القُرّاءُ.

وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ، قالَ الطَّبَرِيُّ: هو ما عَلَيْهِ مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ مُتَّفِقَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ قِراءَتُهم بِهِ.

وفِي الكَشّافِ هو في مُصْحَفِ أُبَيٍّ بِالضّادِ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالظّاءِ وقَدِ اخْتَصَرَ الشّاطِبِيُّ في مَنظُومَتِهِ في الرَّسْمِ عَلى رَسْمِهِ بِالضّادِ إذْ قالَ:

والضّادُ في ”بِضَنِينٍ“ تَجْمَعُ البَشَرا

وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَتِهِ، فَقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ

صفحة ١٦١

وخَلَفٌ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالضّادِ السّاقِطَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِن حافَّةِ اللِّسانِ مِمّا يَلِي الأضْراسَ، وهي القِراءَةُ المُوافِقَةُ لِرَسْمِ المُصْحَفِ الإمامِ.

وقَرَأهُ الباقُونَ بِالظّاءِ المُشالَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا العُلْيا، وذُكِرَ في الكَشّافِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ بِهِما، وذَلِكَ مِمّا لا يَحْتاجُ إلى التَّنْبِيهِ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ ما كانَتا مُتَواتِرَتَيْنِ إلّا وقَدْ رُوِيَتا عَنِ النَّبِيءِ ﷺ .

والضّادُ والظّاءُ حَرْفانِ مُخْتَلِفانِ، والكَلِماتُ المُؤَلَّفَةُ مِن أحَدِهِما مُخْتَلِفَةُ المَعانِي غالِبًا إلّا نَحْوَ ”حُضَضٍ“ بِضادَيْنِ ساقِطَتَيْنِ و”حُظَظٍ“ بِظاءَيْنِ مُشالَيْنِ و”حُضَظٍ“ بِضادٍ ساقِطَةٍ بَعْدَها ظاءٌ مُشالَةٌ وثَلاثَتُها بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ ما بَعْدَ الحاءِ. فَقَدْ قالُوا: إنَّها لُغاتٌ في كَلِمَةٍ ذاتِ مَعْنًى واحِدٍ وهو اسْمُ صَمْغٍ يُقالُ لَهُ: خَوْلانُ.

ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ قَرَءُوهُ بِالظّاءِ المُشالَةِ مِن أهْلِ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ وهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ قَدْ رَوَوْهُ مُتَواتِرًا عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، ولِذَلِكَ فَلا يَقْدَحُ في قِراءَتِهِمْ كَوْنُها مُخالِفَةً لِجَمِيعِ نُسَخِ مَصاحِفِ الأمْصارِ؛ لِأنَّ تَواتُرَ القِراءَةِ أقْوى مِن تَواتُرِ الخَطِّ إنِ اعْتُبِرَ لِلْخَطِّ تَواتُرٌ.

وما ذُكِرَ مِن شَرْطِ مُوافَقَةِ القِراءَةِ لِما في مُصْحَفِ عُثْمانَ لِتَكُونَ قِراءَةً صَحِيحَةً تَجُوزُ القِراءَةُ بِها، إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِلْقِراءاتِ الَّتِي لَمْ تُرْوَ مُتَواتِرَةً كَما بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.

وقَدِ اعْتَذَرَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ اتِّفاقِ مَصاحِفِ الإمامِ عَلى كِتابَتِها بِالضّادِ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلافِ فِيها بَيْنَ الضّادِ والظّاءِ في القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ، بِأنْ قالَ: لَيْسَ هَذا بِخِلافِ الكِتابِ؛ لِأنَّ الضّادَ والظّاءَ لا يَخْتَلِفُ خَطُّهُما في المَصاحِفِ إلّا بِزِيادَةِ رَأْسِ إحْداهُما عَلى رَأْسِ الأُخْرى، فَهَذا قَدْ يَتَشابَهُ ويَتَدانى اهـ.

يُرِيدُ بِهَذا الكَلامِ أنَّ ما رُسِمَ في المُصْحَفِ الإمامِ لَيْسَ مُخالَفَةً مِن كُتّابِ المَصاحِفِ لِلْقِراءاتِ المُتَواتِرَةِ، أيْ أنَّهم يُراعُونَ اخْتِلافَ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ فَيَكْتُبُونَ بَعْضَ نُسَخِ المَصاحِفِ عَلى اعْتِبارِ اخْتِلافِ القِراءاتِ وهو الغالِبُ. وها هُنا اشْتَبَهَ الرَّسْمُ فَجاءَتِ الظّاءُ دَقِيقَةَ الرَّأْسِ.

ولا أرى لِلِاعْتِذارِ عَنْ ذَلِكَ حاجَةً؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ القِراءَتانِ مُتَواتِرَتَيْنِ عَنِ

صفحة ١٦٢

النَّبِيءِ ﷺ اعْتَمَدَ كُتّابُ المَصاحِفِ عَلى إحْداهُما وهي الَّتِي قَرَأ بِها جُمْهُورُ الصَّحابَةِ وخاصَّةً عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وأوْكَلُوا القِراءَةَ الأُخْرى إلى حِفْظِ القارِئِينَ.

وإذا تَواتَرَتْ قِراءَةُ بِضَنِينٍ بِالضّادِ السّاقِطَةِ و(بِظَنِينٍ) بِالظّاءِ المُشالَةِ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ بِالوَجْهَيْنِ وأنَّهُ أرادَ كِلا المَعْنَيَيْنِ.

فَأمّا مَعْنى ضَنِينٍ بِالضّادِ السّاقِطَةِ فَهو البَخِيلُ الَّذِي لا يُعْطِي ما عِنْدَهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّنِّ بِالضّادِ مَصْدَرُ ضَنَّ، وإذا بَخِلَ، ومُضارِعُهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ.

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، أيْ: وما صاحِبُكم بِبَخِيلٍ أيْ: بِما يُوحى إلَيْهِ وما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ طَلَبًا لِلِانْتِفاعِ بِما يُخْبِرُ بِهِ بِحَيْثُ لا يُنْبِئُكم عَنْهُ إلّا بِعِوَضٍ تُعْطُونَهُ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ أنْ يَكُونَ كاهِنًا أوْ عَرّافًا يَتَلَقّى الأخْبارَ عَنِ الجِنِّ إذْ كانَ المُشْرِكُونَ يَتَرَدَّدُونَ عَلى الكُهّانِ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُخْبِرُونَ بِالمُغَيَّباتِ، قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] فَأقامَ لَهُمُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ الكُهّانِ وحالِ النَّبِيءِ ﷺ بِالإشارَةِ إلى أنَّ النَّبِيءَ لا يَسْألُهم عِوَضًا عَمّا يُخْبِرُهم بِهِ وأنَّ الكاهِنَ يَأْخُذُ عَلى ما يُخْبِرُ بِهِ ما يُسَمُّونَهُ حُلْوانًا، فَيَكُونُ هَذا المَعْنى مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩] ونَحْوِ ذَلِكَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَنِينٍ مَجازًا مُرْسَلًا في الكِتْمانِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ؛ لِأنَّ الكِتْمانَ بُخْلٌ بِالأمْرِ المَعْلُومِ لِلْكاتِمِ، أيْ: ما هو بِكاتِمٍ الغَيْبَ، أيْ: ما يُوحى إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] وقالُوا ﴿ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣] .

ويَتَعَلَّقُ عَلى الغَيْبِ بِقَوْلِهِ: بِضَنِينٍ.

وحَرْفُ عَلى عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى الباءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٠٥] أيْ: حَقِيقٌ بِي، أوْ لِتَضْمِينِ ضَنِينٍ مَعْنى حَرِيصٍ، والحِرْصُ: شِدَّةُ البُخْلِ وما مُحَمَّدٌ بِكاتِمٍ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، فَما أخْبَرَكم بِهِ فَهو عَيْنُ ما أوْحَيْناهُ إلَيْهِ. وقَدْ يَكُونُ البَخِيلُ عَلى هَذِهِ كِنايَةً عَنْ كاتِمٍ وهو كِنايَةٌ بِمَرْتَبَةٍ أُخْرى

صفحة ١٦٣

عَنْ عَدَمِ التَّغْيِيرِ. والمَعْنى: وما صاحِبُكم بِكاتِمٍ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، أيْ: ما أخْبَرَكم بِهِ فَهو الحَقُّ.

وأمّا مَعْنى (ظَنِينٍ) بِالظّاءِ المُشالَةِ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّنِّ بِمَعْنى التُّهْمَةِ، أيْ: مَظْنُونٌ. ويُرادُ إنَّهُ مَظْنُونٌ بِهِ سُوءٌ، أيْ أنْ يَكُونُ كاذِبًا فِيما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الغَيْبِ، وكَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِ ظَنِينٍ بِهَذا المَعْنى في الكَلامِ حَتّى صارَ الظَّنُّ يُطْلَقُ بِمَعْنى التُّهْمَةِ فَعُدِّيَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: ظَنَّ بِهِ سُوءًا، فَيَتَعَدّى إلى مُتَعَلِّقِهِ الأوَّلِ بِحَرْفِ باءِ الجَرِّ فَلَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَذَفُوا الباءَ ووَصَلُوا الفِعْلَ بِالمَجْرُورِ فَصارَ مَفْعُولًا فَقالُوا ظَنَّهُ: بِمَعْنى: اتَّهَمَهُ، يُقالُ: سُرِقَ لِي كَذا وظَنَنْتُ فَلانًا.

وحَرْفُ (عَلى) في هَذا الوَجْهِ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الظَّرْفِيَّةِ نَحْوَ ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ [طه: ١٠] أيْ: ما هو بِمُتَّهَمٍ في أمْرِ الغَيْبِ وهو الوَحْيُ أنْ لا يَكُونَ كَما بَلَّغَهُ، أيْ أنَّ ما بَلَّغَهُ هو الغَيْبُ لا رَيْبَ فِيهِ، وعَكْسُهُ قَوْلُهُمُ: ائْتَمَنَهُ عَلى كَذا.

81:25Page 586

وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٖ ٢٥

And it [i.e., the Qur’ān] is not the word of a devil, expelled [from the heavens].

﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ .

عَطْفٌ عَلى ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩]، وهَذا رُجُوعٌ إلى ما أقْسَمَ عَلَيْهِ مِن أنَّ القُرْآنَ قَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، بَعْدَ أنِ اسْتَطْرَدَ بَيْنَهُما بِتِلْكَ المُسْتَطْرِداتِ الدّالَّةِ عَلى زِيادَةِ كَمالِ هَذا القَوْلِ بِقُدْسِيَّةِ مَصْدَرِهِ ومَكانَةِ حامِلِهِ عِنْدَ اللَّهِ وصِدْقِ مُتَلَقِّيهِ مِنهُ عَنْ رُؤْيا مُحِقَّةٍ لا تَخَيُّلَ فِيها، فَكانَ التَّخَلُّصُ إلى العُودِ لِتَنْزِيهِ القُرْآنِ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الغَيْبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] .

فَإنَّ القُرْآنَ مِن أمْرِ الغَيْبِ الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وفِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ عَنْ أُمُورِ الغَيْبِ الجَنَّةِ والنّارِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

وقَدْ عُلِمَ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنِ الضَّمِيرِ بِالقَوْلِ الَّذِي هو مِن جِنْسِ الكَلامِ إذْ قالَ: ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ فَكانَ المُخْبَرُ عَنْهُ مِن قَبِيلِ الأقْوالِ لا مَحالَةَ، فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ﴿وما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] .

صفحة ١٦٤

وهَذا إبْطالٌ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ فِيهِ: إنَّهُ كاهِنٌ، فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الكُهّانَ تَأْتِيهِمُ الشَّياطِينُ بِأخْبارِ الغَيْبِ، قالَ تَعالى: ﴿وما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿ولا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] وقالَ: وما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ وقالَ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢] وهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ الكاهِنَ كانَ يَتَلَقّى عَنْ شَيْطانِهِ ويُسَمُّونَ شَيْطانَهُ رَئِيًا.

وفِي حَدِيثِ فَتْرَةِ الوَحْيِ ونُزُولِ سُورَةِ والضُّحى: أنَّ حَمّالَةَ الحَطَبِ امْرَأةَ أبِي لَهَبٍ وهي أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ قالَتْ لِلنَّبِيءِ ﷺ أرى شَيْطانَكَ قَدْ قَلاكَ.

ورَجِيمٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَرْجُومٌ. والمَرْجُومُ: المُبْعَدُ الَّذِي يَتَباعَدُ النّاسُ مِن شَرِّهِ فَإذا أقْبَلَ عَلَيْهِمْ رَجَمُوهُ فَهو وصْفٌ كاشِفٌ لِلشَّيْطانِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مُتَبَرَّأً مِنهُ.

81:26Page 586

فَأَيۡنَ تَذۡهَبُونَ ٢٦

So where are you going?1

﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧] .

والفاءُ لِتَفْرِيعِ التَّوْبِيخِ والتَّعْجِيزِ عَلى الحُجَجِ المُتَقَدِّمَةِ المُثْبِتَةِ أنَّ القُرْآنَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامَ كاهِنٍ وأنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ بِواسِطَةِ المَلَكِ.

وهَذا مِنِ اقْتِرانِ الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بِالفاءِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] في سُورَةِ عَبَسَ.

وأيْنَ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ المَكانِ. وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ عَنْ مَكانِ ذَهابِهِمْ، أيْ: طَرِيقِ ضَلالِهِمْ، تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ في سُلُوكِ طُرُقِ الباطِلِ بِحالِ مَن ضَلَّ الطَّرِيقَ الجادَّةَ فَيَسْألُهُ السّائِلُ مُنْكِرًا عَلَيْهِ سُلُوكَهُ، أيِ: اعْدِلْ عَنْ هَذا الطَّرِيقِ فَإنَّهُ مَضِلَّةٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيزِ عَنْ طَلَبِ طَرِيقٍ يَسْلُكُونَهُ إلى مَقْصِدِهِمْ مِنَ الطَّعْنِ في القُرْآنِ.

والمَعْنى: أنَّهُ قَدْ سُدَّتْ عَلَيْكم طُرُقُ بُهْتانِكم إذِ اتَّضَحَ بِالحُجَّةِ الدّامِغَةِ بُطْلانُ

صفحة ١٦٥

ادِّعائِكم أنَّ القُرْآنَ كَلامُ مَجْنُونٍ أوْ كَلامُ كاهِنٍ، فَماذا تَدَّعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.

واعْلَمْ أنَّ جُمْلَةَ أيْنَ تَذْهَبُونَ قَدْ أُرْسِلَتْ مَثَلًا، ولَعَلَّهُ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ وكُنْتُ رَأيْتُ في كَلامِ بَعْضِهِمْ: أيْنَ يَذْهَبُ بِكَ، لِمَن كانَ في خَطَأٍ وعَمايَةٍ.

81:27–28Page 586

إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٢٧

It is not except a reminder to the worlds

لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨

For whoever wills among you to take a right course.

﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ .

بَعْدَ أنْ أفاقَهم مِن ضَلالَتِهِمْ أرْشَدَهم إلى حَقِيقَةِ القُرْآنِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ المُؤَكِّدَةِ لِجُمْلَةِ ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] ولِذَلِكَ جُرِّدَتْ عَنِ العاطِفِ، ذَلِكَ أنَّ القَصْرَ المُسْتَفادَ مِنَ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ يُفِيدُ قَصْرَ القُرْآنِ عَلى صِفَةِ الذِّكْرِ، أيْ: لا غَيْرَ ذَلِكَ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ قُصِدَ مِنهُ إبْطالُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ شاعِرٍ، أوْ قَوْلَ كاهِنٍ، أوْ قَوْلَ مَجْنُونٍ، فَمِن جُمْلَةِ ما أفادَهُ القَصْرُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ شَيْطانٍ رَجِيمٍ، وبِذَلِكَ كانَ فِيهِ تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿وما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] .

والذِّكْرُ اسْمٌ يَجْمَعُ مَعانِيَ الدُّعاءِ والوَعْظِ بِحُسْنِ الأعْمالِ والزَّجْرَ عَنِ الباطِلِ وعَنِ الضَّلالِ، أيْ: ما القُرْآنُ إلّا تَذْكِيرٌ لِجَمِيعِ النّاسِ يَنْتَفِعُونَ بِهِ في صَلاحِ اعْتِقادِهِمْ، وطاعَةِ اللَّهِ رَبِّهِمْ، وتَهْذِيبِ أخْلاقِهِمْ، وآدابِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، والمُحافَظَةِ عَلى حُقُوقِهِمْ، ودَوامِ انْتِظامِ جَماعَتِهِمْ، وكَيْفَ يُعامِلُونَ غَيْرَهم مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ.

فَـ العالَمِينَ يَعُمُّ كُلَّ البَشَرِ لِأنَّهم مَدْعُوُّونَ لِلِاهْتِداءِ بِهِ ومُسْتَفِيدُونَ مِمّا جاءَ فِيهِ.

فَإنْ قُلْتَ: القُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلى أحادِيثِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ وهو أيْضًا مُعْجِزَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَيْفَ قُصِرَ عَلى كَوْنِهِ ذِكْرًا ؟ !

قُلْتُ: القَصْرُ الإضافِيُّ لا يُقْصَدُ مِنهُ إلّا تَخْصِيصُ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلى صِفَةٍ أُخْرى خاصَّةٍ، عَلى أنَّكَ لَكَ أنْ تَجْعَلَ القَصْرَ حَقِيقِيًّا مُفِيدًا قَصْرَ القُرْآنِ

صفحة ١٦٦

عَلى الذِّكْرِ دُونَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ، فَإنَّ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ القِصَصِ والأخْبارِ مَقْصُودٌ بِهِ المَوْعِظَةُ والعِبْرَةُ كَما بَيَّنْتُ ذَلِكَ في المُقَدِّمَةِ السّابِعَةِ.

وأمّا إعْجازُهُ فَلَهُ مَدْخَلٌ عَظِيمٌ في التَّذْكِيرِ؛ لِأنَّ إعْجازَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِكَلامٍ مِن صُنْعِ البَشَرِ، وإذا عُلِمَ ذَلِكَ وقَعَ اليَقِينُ بِأنَّهُ حَقٌّ.

وأُبْدِلَ مِن لِلْعالَمِينَ قَوْلُهُ: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وأُعِيدَ مَعَ البَدَلِ حَرْفُ الجَرِّ العامِلُ مِثْلُهُ في المُبْدَلِ مِنهُ لِتَأْكِيدِ العامِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ﴾ [الأنعام: ٩٩] وقَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: مِنكم لِلَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] وإذا كانَ القُرْآنُ ذِكْرًا لَهم وهم مِن جُمْلَةِ العالِمَيْنِ كانَ ذِكْرُ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ مِن بَقِيَّةِ العالَمِينَ أيْضًا بِحُكْمِ قِياسِ المُساواةِ، فَفي الكَلامِ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ.

وفائِدَةُ هَذا الإبْدالِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الَّذِينَ تَذَكَّرُوا بِالقُرْآنِ وهُمُ المُسْلِمُونَ قَدْ شاءُوا الِاسْتِقامَةَ لِأنْفُسِهِمْ فَنَصَحُوا أنْفُسَهم، وهو ثَناءٌ عَلَيْهِمْ.

وفِي مَفْهُومِ الصِّلَةِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَتَذَكَّرُوا بِالقُرْآنِ ما حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ التَّذَكُّرِ بِهِ إلّا أنَّهم لَمْ يَشاءُوا أنْ يَسْتَقِيمُوا، بَلْ رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِالِاعْوِجاجِ، أيْ: سُوءِ العَمَلِ والِاعْتِقادِ، لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ دَوامَ أُولَئِكَ عَلى الضَّلالِ لَيْسَ لِقُصُورِ القُرْآنِ عَنْ هَدْيِهِمْ بَلْ لِأنَّهم أبَوْا أنْ يَهْتَدُوا بِهِ، إمّا لِلْمُكابَرَةِ فَقَدْ كانُوا يَقُولُونَ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ [فصلت: ٥]، وإمّا لِلْإعْراضِ عَنْ تَلَقِّيهِ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] .

والِاسْتِقامَةُ مُسْتَعارَةٌ لِصَلاحِ العَمَلِ الباطِنِيِّ، وهو الِاعْتِقادُ، والظّاهِرِيِّ وهو الأفْعالُ والأقْوالُ تَشْبِيهًا لِلْعَمَلِ بِخَطٍّ مُسْتَقِيمٍ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، ثُمَّ إنَّ الَّذِينَ لَمْ يَشاءُوا أنْ يَسْتَقِيمُوا هُمُ الكافِرُونَ بِالقُرْآنِ وهُمُ المَسُوقُ لَهُمُ الكَلامُ، ويُلْحَقُ بِهِمْ عَلى مَقادِيرَ مُتَفاوِتَةٍ كُلُّ مَن فَرَّطَ في الِاهْتِداءِ بِشَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهُ ما شاءَ أنْ يَسْتَقِيمَ لِما فَرَّطَ مِنهُ في أحْوالٍ أوْ أزْمانٍ أوْ أمْكِنَةٍ.

صفحة ١٦٧

وفِي هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى أنَّ مِنَ الخَطَأِ أنْ يُوزَنَ حالُ الدِّينِ الإسْلامِيِّ بِمِيزانِ أحْوالِ بَعْضِ المُسْلِمِينَ أوْ مُعْظَمِهِمْ كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ أهْلِ الأنْظارِ القاصِرَةِ مِنَ الغَرْبِيِّينَ وغَيْرِهِمْ إذْ يَجْعَلُونَ وُجْهَةَ نَظَرِهِمُ التَّأمُّلَ في حالَةِ الأُمَمِ الإسْلامِيَّةِ ويَسْتَخْلِصُونَ مِنِ اسْتِقْرائِها أحْكامًا كُلِّيَّةً يَجْعَلُونَها قَضايا لِفَلْسَفَتِهِمْ في كُنْهِ الدِّيانَةِ الإسْلامِيَّةِ.

وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في إثْباتِ المَشِيئَةِ لِلْإنْسانِ العاقِلِ فِيما يَأْتِي ويَدَعُ، وأنَّهُ لا عُذْرَ لَهُ إذا قالَ: هَذا أمْرٌ قُدِّرَ، وهَذا مَكْتُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَإنَّ تِلْكَ كَلِماتٌ يَضَعُونَها في غَيْرِ مَحالِّها، وبِذَلِكَ يَبْطُلُ قَوْلُ الجَبْرِيَّةِ، ويَثْبُتُ لِلْعَبْدِ كَسْبٌ أوْ قُدْرَةٌ عَلى اخْتِلافِ التَّعْبِيرِ.

81:29Page 586

وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٩

And you do not will except that Allāh wills - Lord of the worlds.

﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا أوِ اعْتِراضًا في آخِرِ الكَلامِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا، والمَقْصُودُ التَّكْمِيلُ والِاحْتِراسُ في مَعْنى لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ، أيْ: ولِمَن شاءَ لَهُ ذَلِكَ مِنَ العالَمِينَ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الإنْسانِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ [المزمل: ١٩] ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٩] ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠] .

والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِـ رَبُّ العالَمِينَ وهو مُفِيدٌ التَّعْلِيلَ لِارْتِباطِ مَشِيئَةِ مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ مِنَ العالِمَيْنِ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ؛ ذَلِكَ لِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ فَهو الخالِقُ فِيهِمْ دَواعِيَ المَشِيئَةِ وأسْبابَ حُصُولِها المُتَسَلْسِلَةَ وهو الَّذِي أرْشَدَهم لِلِاسْتِقامَةِ عَلى الحَقِّ، وبِهَذا الوَصْفِ ظَهَرَ مَزِيدُ الِاتِّصالِ بَيْنَ مَشِيئَةِ النّاسِ الِاسْتِقامَةَ بِالقُرْآنِ وبَيْنَ كَوْنِ القُرْآنِ ذِكْرًا لِلْعالَمِينَ.

وأمّا آيَةُ سُورَةِ الإنْسانِ فَقَدْ ذُيِّلَتْ بِـ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠] أيْ: فَهو بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ يَنُوطُ مَشِيئَتَهُ لَهم الِاسْتِقامَةَ بِمَواضِعِ صَلاحِيَتِهِمْ لَها فَيُفِيدُ أنَّ مَن لَمْ يَشَأْ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا قَدْ حَرَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن مَشِيئَتِهِ الخَيْرَ بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ كِنايَةً عَنْ شَقائِهِمْ.

صفحة ١٦٨

وما نافِيَةٌ، والِاسْتِثْناءُ مِن مَصادِرَ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] وتَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ الإنْسانِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ سُورَةِ الإنْسانِ إفْصاحٌ عَنْ شَرَفِ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ بِكَوْنِهِمْ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِن رَبِّهِمْ إذا شاءَ لَهم الِاسْتِقامَةَ وهَيَّأهم لَها، وهَذِهِ العِنايَةُ بِمَعْنًى عَظِيمٍ تَحَيَّرَ أهْلُ العِلْمِ في الكَشْفِ عَنْهُ، فَمِنهم مَن تَطَوَّحَ بِهِ إلى الجَبْرِ ومِنهم مَنِ ارْتَمى في وهْدَةِ القَدَرِ، ومِنهم مَنِ اعْتَدَلَ فَجَزَمَ بِقُوَّةٍ لِلْعِبادِ حادِثَةٍ يَكُونُ بِها اخْتِيارُهم لِسُلُوكِ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ فَسَمّاها بَعْضُ هَؤُلاءِ قُدْرَةً حادِثَةً وبَعْضُهم سَمّاها كَسْبًا، وحَمَلُوا ما خالَفَ ذَلِكَ مِن ظَواهِرِ الآياتِ والأخْبارِ عَلى مَقامِ تَعْلِيمِ اللَّهِ عِبادَهُ التَّأدُّبَ مَعَ جَلالِهِ.

وهَذا أقْصى ما بَلَغَتْ إلَيْهِ الأفْهامُ القَوِيمَةُ في مَجامِلِ مُتَعارِضِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ والأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، ومِن ورائِهِ سِلْكٌ دَقِيقٌ يَشُدُّهُ قَدْ تَقْصُرُ عَنْهُ الأفْهامُ.

* * *

صفحة ١٦٩

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الِانْفِطارِسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ (سُورَةَ الِانْفِطارِ) في المَصاحِفِ ومُعْظَمِ التَّفاسِيرِ.

وفِي حَدِيثٍ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كَأنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، و﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]، و﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق»: ١] . قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وقَدْ عَرَّفْتُ ما فِيهِ مِنَ الِاحْتِمالِ في أوَّلِ سُورَةِ التَّكْوِيرِ.

وسُمِّيَتْ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ (سُورَةُ ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]) وبِهَذا الِاسْمِ عَنْوَنَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ. ولَمْ يَعُدَّها صاحِبُ الإتْقانِ مَعَ السُّورِ ذاتِ أكْثَرَ مِنِ اسْمٍ وهو الِانْفِطارُ.

ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ وُقُوعُ جُمْلَةِ (﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]) في أوَّلِها فَعُرِفَتْ بِها.

وسُمِّيَتْ في قَلِيلٍ مِنَ التَّفاسِيرِ (سُورَةُ انْفَطَرَتْ)، وقِيلَ: تُسَمّى (سُورَةُ المُنْفَطِرَةِ) أيِ: السَّماءِ المُنْفَطِرَةِ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.

وهِيَ مَعْدُودَةٌ الثّانِيَةَ والثَمانِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النّازِعاتِ وقَبْلَ سُورَةِ الِانْشِقاقِ.

وعَدَدُ آيِها تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً.

* * *

واشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى: إثْباتِ البَعْثِ، وذِكْرِ أهْوالٍ تَتَقَدَّمُهُ.

صفحة ١٧٠

وإيقاظِ المُشْرِكِينَ لِلنَّظَرِ في الأُمُورِ الَّتِي صَرَفَتْهم عَنِ الِاعْتِرافِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى وعَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ.

والأعْلامِ بِأنَّ الأعْمالَ مُحْصاةٌ، وبَيانِ جَزاءِ الأعْمالِ خَيْرِها وشَرِّها.

وإنْذارِ النّاسِ بِأنْ لا يَحْسَبُوا شَيْئًا يُنْجِيهِمْ مِن جَزاءِ اللَّهِ إيّاهم عَلى سَيِّئِ أعْمالِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском