Ibn 'AshurAl‑Infitar · 82:10–19

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Infitar 82:10–19

82:10–12Page 587

وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ ١٠

And indeed, [appointed] over you are keepers,1

كِرَامٗا كَٰتِبِينَ ١١

Noble and recording;

يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ ١٢

They know whatever you do.

﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] تَأْكِيدًا لِثُبُوتِ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ.

وأُكِّدَ الكَلامُ بِحَرْفِ إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ إنْكارًا قَوِيًّا.

و﴿لَحافِظِينَ﴾ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لَمَلائِكَةٌ حافِظِينَ، أيْ: مُحْصِينَ غَيْرَ مُضَيِّعِينَ لِشَيْءٍ مِن أعْمالِكم.

وجُمِعَ المَلائِكَةُ بِاعْتِبارِ التَّوْزِيعِ عَلى النّاسِ، وإنَّما لِكُلِّ أحَدٍ مَلَكانِ، قالَ تَعالى: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظانِ أعْمالَهُ، وهَذا بِصَرِيحِ مَعْناهُ يُفِيدُ أيْضًا كِفايَةً عَنْ وُقُوعِ الجَزاءِ، إذْ لَوْلا الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ لَكانَ الِاعْتِناءُ بِإحْصائِها عَبَثًا.

وأُجْرِيَ عَلى المَلائِكَةِ المُوَكَّلِينَ بِإحْصاءِ أعْمالِهِمْ أرْبَعَةُ أوْصافٍ هي: الحِفْظُ، والكَرَمُ، والكِتابَةُ، والعِلْمُ بِما يَعْمَلُهُ النّاسُ.

وابْتُدِئَ مِنها بِوَصْفِ الحِفْظِ؛ لِأنَّهُ الغَرَضُ الَّذِي سَبَقَ لِأجْلِهِ الكَلامُ الَّذِي هو إثْباتُ الجَزاءِ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ، ثُمَّ ذُكِرَتْ بَعْدَهُ صِفاتٌ ثَلاثٌ بِها كَمالُ الحِفْظِ والإحْصاءِ، وفِيها تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المَلائِكَةِ الحافِظِينَ.

صفحة ١٨٠

فَأمّا الحِفْظُ: فَهو هُنا بِمَعْنى الرِّعايَةِ والمُراقَبَةِ، وهو بِهَذا المَعْنى يَتَعَدّى إلى المَعْمُولِ بِحَرْفِ الجَرِّ، وهو (عَلى) لِتَضَمُّنِهُ مَعْنى المُراقَبَةِ. والحَفِيظُ: الرَّقِيبُ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ [الشورى: ٦] .

وهَذا الِاسْتِعْمالُ هو غَيْرُ اسْتِعْمالِ الحِفْظِ المُعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ فَإنَّهُ بِمَعْنى الحِراسَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] . فالحِفْظُ بِهَذا الإطْلاقِ جَمَعَ مَعْنى الرِّعايَةِ والقِيامِ عَلى ما يَكُونُ إلى الحَفِيظِ، والأمانَةِ عَلى ما يُوكَلُ إلَيْهِ.

وحَرْفُ عَلى فِيهِ لِلِاسْتِعْلاءِ لِتَضَمُّنِهُ مَعْنى الرِّقابَةِ والسُّلْطَةِ.

وأمّا وصْفُ الكَرَمِ فَهو النَّفاسَةُ في النَّوْعِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلَأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.

فالكَرَمُ صِفَتُهُمُ النَّفْسِيَّةُ الجامِعَةُ لِلْكَمالِ في المُعامَلَةِ وما يَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الأعْمالِ، وأمّا صِفَةُ الكِتابَةِ فَمُرادٌ بِها ضَبْطُ ما وُكِّلُوا عَلى حِفْظِهِ ضَبْطًا لا يَتَعَرَّضُ لِلنِّسْيانِ ولا لِلْإجْحافِ ولا لِلزِّيادَةِ، فالكِتابَةُ مُسْتَعارَةٌ لِهَذا المَعْنى، عَلى أنَّ حَقِيقَةَ الكِتابَةِ بِمَعْنى الخَطِّ غَيْرُ مُمْكِنَةٍ بِكَيْفِيَّةٍ مُناسِبَةٍ لِأُمُورِ الغَيْبِ.

وأمّا صِفَةُ العِلْمِ بِما يَفْعَلُهُ النّاسُ فَهو الإحاطَةُ بِما يَصْدُرُ عَنِ النّاسِ مِن أعْمالٍ وما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ مِن تَفْكِيرٍ مِمّا يُرادُ بِهِ عَمَلُ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وهو الهَمُّ.

وما تَفْعَلُونَ يَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ النّاسُ وطَرِيقُ عِلْمِ المَلائِكَةِ بِأعْمالِ النّاسِ مِمّا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِذَلِكَ.

ودَخَلَ في ما تَفْعَلُونَ الخَواطِرُ القَلْبِيَّةُ؛ لِأنَّها مِن عَمَلِ القَلْبِ أيِ: العَقْلُ فَإنَّ الإنْسانَ يُعْمِلُ عَقْلَهُ ويَعْزِمُ ويَتَرَدَّدُ، وإنْ لَمْ يَشِعْ في عُرْفِ اللُّغَةِ إطْلاقُ مادَّةِ الفِعْلِ عَلى الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ يُنْتَزَعُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَ هي عِمادُ الصِّفاتِ المَشْرُوطَةِ في كُلِّ مَن يَقُومُ بِعَمَلٍ لِلْأُمَّةِ في الإسْلامِ مِنَ الوُلاةِ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّهم حافِظُونَ لِمَصالِحِ ما اسْتُحْفِظُوا عِلْيَهِ، وأوَّلُ الحِفْظِ الأمانَةُ وعَدَمُ التَّفْرِيطِ، فَلا بُدَّ فِيهِمْ مِنَ الكَرَمِ وهو زَكاةُ الفِطْرَةِ، أيْ: طَهارَةُ النَّفْسِ.

صفحة ١٨١

ومِنَ الضَّبْطِ فِيما يَجْرِي عَلى يَدَيْهِ بِحَيْثُ لا تَضِيعُ المَصالِحُ العامَّةُ ولا الخاصَّةُ بِأنْ يَكُونَ ما يُصْدِرُهُ مَكْتُوبًا، أوْ كالمَكْتُوبِ مَضْبُوطًا لا يُسْتَطاعُ تَغْيِيرُهُ، ويُمْكِنُ لِكُلِّ مَن يَقُومُ بِذَلِكَ العَمَلِ بَعْدَ القائِمِ بِهِ، أوْ في مَغِيبِهِ أنْ يُعْرَفَ ماذا أُجْرِي فِيهِ مِنَ الإعْمالِ، وهَذا أصْلٌ عَظِيمٌ في وضْعِ المَلَفّاتِ لِلنَّوازِلِ والتَّراتِيبِ، ومِنهُ نَشَأتْ دَواوِينُ القُضاةِ، ودَفاتِرُ الشُّهُودِ، والخِطابُ عَلى الرُّسُومِ، وإخْراجُ نُسَخِ الأحْكامِ والأحْباسِ وعُقُودِ النِّكاحِ.

ومِن إحاطَةِ العِلْمِ بِما يَتَعَلَّقُ بِالأحْوالِ الَّتِي تُسْنَدُ إلى المُؤْتَمَنِ عَلَيْها بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ المُغالِطِينَ أنْ يُمَوِّهَ عَلَيْهِ شَيْئًا، أوْ أنْ يَلْبِسَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بِحَيْثُ يَنْتَفِي عَنْهُ الغَلَطُ، والخَطَأُ في تَمْيِيزِ الأُمُورِ بِأقْصى ما يُمْكِنُ، ويَخْتَلِفُ العِلْمُ المَطْلُوبُ بِاخْتِلافِ الأعْمالِ فَيُقَدَّمُ في كُلِّ وِلايَةٍ مَن هو أعْلَمُ بِما تَقْتَضِيهِ وِلايَتُهُ مِنَ الأعْمالِ وما تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِنَ المَواهِبِ والدِّرايَةِ، فَلَيْسَ ما يُشْتَرَطُ في القاضِي يُشْتَرَطُ في أمِيرِ الجَيْشِ مَثَلًا، وبِمِقْدارِ التَّفاوُتِ في الخِصالِ الَّتِي تَقْتَضِيها إحْدى الوَلاياتِ يَكُونُ تَرْجِيحُ مَن تُسْنَدُ إلَيْهِ الوَلايَةُ عَلى غَيْرِهِ حِرْصًا عَلى حِفْظِ مَصالِحِ الأُمَّةِ، فَيُقَدَّمُ في كُلِّ وِلايَةٍ مَن هو أقْوى كَفاءَةً لِإتْقانِ أعْمالِها وأشَدُّ اضْطِلاعًا بِمُمارَسَتِها.

82:13–16Page 587

إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٖ ١٣

Indeed, the righteous will be in pleasure,

وَإِنَّ ٱلۡفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٖ ١٤

And indeed, the wicked will be in Hellfire.

يَصۡلَوۡنَهَا يَوۡمَ ٱلدِّينِ ١٥

They will [enter to] burn therein on the Day of Recompense,

وَمَا هُمۡ عَنۡهَا بِغَآئِبِينَ ١٦

And never therefrom will they be absent.

﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ .

فُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ يَخْطُرُ في نَفْسِ السّامِعِ يُثِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] الآيَةَ لِتَشَوُّفِ النَّفْسِ إلى مَعْرِفَةِ هَذا الجَزاءِ ما هو، وإلى مَعْرِفَةِ غايَةِ إقامَةِ المَلائِكَةِ لِإحْصاءِ الأعْمالِ ما هي، فَبُيِّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ الآيَةَ.

وأيْضًا تَتَضَمَّنُ هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْسِيمَ أصْحابِ الأعْمالِ فَهي تَفْصِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وذَلِكَ مِن مُقْتَضَياتِ فَصْلِ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها.

وجِيءَ بِالكَلامِ مُؤَكَّدًا بِـ (إنَّ) ولامِ الِابْتِداءِ لِيُساوِيَ البَيانُ مَبِيِّنَهُ في التَّحْقِيقِ ودَفْعِ الإنْكارِ.

صفحة ١٨٢

وكُرِّرَ التَّأْكِيدُ مَعَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِ كَوْنِهِمْ في جَحِيمٍ لا يَطْمَعُوا في مُفارَقَتِهِ.

والأبْرارُ: جَمْعُ بَرٍّ بِفَتْحِ الباءِ وهو التَّقِيُّ. وهو فِعْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مُشْتَقٌّ مِن بَرَّ يَبَرُّ، ولِفِعْلِ بَرَّ اسْمُ مَصْدَرٍ هو بِرٌّ بِكَسْرِ الباءِ ولا يُعْرَفُ لَهُ مَصْدَرٌ قِياسِيٌّ بِفَتْحِ الباءِ كَأنَّهم أماتُوهُ لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالبَرِّ وهو التَّقِيُّ، وإنَّما سُمِّيَ التَّقِيُّ بَرًّا لِأنَّهُ بَرَّ رَبَّهُ، أيْ: صَدَّقَهُ ووَفّى لَهُ بِما عَهِدَ لَهُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى.

والفُجّارُ: جَمْعُ فاجِرٍ، وصِيغَةُ فُعّالٍ تَطَّرِدُ في تَكْسِيرِ فاعِلٍ المُذَكَّرِ الصَّحِيحِ اللّامِ.

والفاجِرُ: المُتَّصِفُ بِالفُجُورِ وهو ضِدُّ البُرُورِ.

والمُرادُ بِالفاجِرِ هُنا: المُشْرِكُونَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يَغِيبُونَ عَنِ النّارِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وذَلِكَ هو الخُلُودُ، ونَحْنُ أهْلَ السُّنَّةِ لا نَعْتَقِدُ الخُلُودَ في النّارِ لِغَيْرِ الكافِرِ. فَأمّا عُصاةُ المُؤْمِنِينَ فَلا يَخْلُدُونَ في النّارِ، وإلّا بَطَلَتْ فائِدَةُ الإيمانِ.

والنَّعِيمُ: اسْمُ ما يَنْعَمُ بِهِ الإنْسانُ.

والظَّرْفِيَّةُ مِن قَوْلِهِ: في نَعِيمٍ مَجازِيَّةٌ؛ لِأنَّ النَّعِيمَ أمْرٌ اعْتِبارِيٌّ لا يَكُونُ ظَرْفًا حَقِيقَةً، شُبِّهَ دَوامُ التَّنَعُّمِ لَهم بِإحاطَةِ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ.

وأمّا ظَرْفِيَّةُ قَوْلِهِ: ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ فَهي حَقِيقِيَّةٌ.

والجَحِيمُ صارَ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى جَهَنَّمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ وفي سُورَةِ النّازِعاتِ.

وجُمْلَةُ (يَصْلَوْنَها) صِفَةٌ لِـ (جَحِيمٍ)، أوْ حالٌ مِنَ الفُجّارِ، أوْ حالٌ مِنَ الجَحِيمِ، وصَلْيُ النّارِ: مَسُّ حَرِّها لِلْجِسْمِ، يُقالُ: صَلِيَ النّارَ، إذا أحَسَّ بِحَرِّها، وحَقِيقَتُهُ: الإحْساسُ بِحَرِّ النّارِ المُؤْلِمِ، فَإذا أُرِيدَ التَّدَفِّي قِيلَ: اصْطَلى.

ويَوْمَ الدِّينِ ظَرْفٌ لِـ يَصْلَوْنَها وذُكِرَ لِبَيانِ: أنَّهم يَصْلَوْنَها جَزاءً عَنْ فُجُورِهِمْ؛ لِأنَّ الدِّينَ الجَزاءُ ويَوْمَ الدِّينِ يَوْمُ الجَزاءِ وهو مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ.

صفحة ١٨٣

وجُمْلَةُ ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (يَصْلَوْنَها) أيْ: يَصْلَوْنَ حَرَّها ولا يُفارِقُونَها، أيْ: وهم خالِدُونَ فِيها.

وجِيءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ جُمْلَةً اسْمِيَّةً دُونَ أنْ يُقالَ: وما يَغِيبُونَ عَنْها، أوْ ما يُفارِقُونَها، لِإفادَةِ الِاسْمِيَّةِ الثَّباتَ سَواءٌ في الإثْباتِ أوِ النَّفْيِ، فالثَّباتُ حالَةٌ لِلنِّسْبَةِ الخَبَرِيَّةِ سَواءٌ كانَتْ نِسْبَةَ إثْباتٍ أوْ نِسْبَةَ نَفْيٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وزِيادَةُ الباءِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.

وتَقْدِيمُ (عَنْها) عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَجْرُورِ، ولِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

82:17Page 587

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ١٧

And what can make you know what is the Day of Recompense?

﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ .

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالِيَّةً، والواوُ واوُ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً إذا جُعِلَ ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩] بَدَلًا مِن يَوْمَ الدِّينِ المَنصُوبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما سَيَأْتِي.

و﴿ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨]: تَرْكِيبٌ مُرَكَّبٌ مِن ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ وفِعْلِ الدِّرايَةِ المُعَدّى بِالهَمْزَةِ فَصارَ فاعِلُهُ مَفْعُولًا زائِدًا عَلى مَفْعُولَيْ دَرى، وهو مِن قَبِيلِ: أعْلَمُ وأرى، فالكافُ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، وقَدْ عُلِّقَ عَلى المَفْعُولَيْنِ الآخَرَيْنِ بِـ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةِ الثّانِيَةِ.

والِاسْتِفْهامُ الأوَّلُ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنْ تَعْظِيمِ أمْرِ اليَوْمِ وتَهْوِيلِهِ بِحَيْثُ يَسْألُ المُتَكَلِّمُ مَن يَسْمَعُهُ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ الدِّرايَةُ بِكُنْهِ ذَلِكَ اليَوْمِ، والمَقْصُودُ أنَّهُ لا تَصِلُ إلى كُنْهِهِ دِرايَةُ دارٍ.

والِاسْتِفْهامُ الثّانِي حَقِيقِيٌّ، أيْ: سُؤالُ سائِلٍ عَنْ حَقِيقَةِ يَوْمِ الدِّينِ كَما تَقُولُ: عَلِمْتُ هَلْ زِيدٌ قائِمٌ، أيْ: عَلِمْتُ جَوابَ هَذا السُّؤالِ.

ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مِمّا جَرى مَجْرى المَثَلِ فَلا يُغَيَّرُ لَفْظُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ مُسْتَوْفًى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٣] .

82:18Page 587

ثُمَّ مَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ١٨

Then, what can make you know what is the Day of Recompense?

صفحة ١٨٤

﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ .

تَكْرِيرٌ لِلتَّهْوِيلِ تَكْرِيرًا يُؤْذِنُ بِزِيادَتِهِ، أيْ: تَجاوُزُ حَدِّ الوَصْفِ والتَّعْبِيرِ فَهو مِنَ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وقُرِنَ هَذا بِحَرْفِ ثُمَّ الَّذِي شَأْنُهُ إذا عَطَفَ جُمْلَةً عَلى أُخْرى أنْ يُفِيدَ التَّراخِيَ الرُّتْبِيَّ، أيْ: تَباعُدُ الرُّتْبَةِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وهي في هَذا المَقامِ رُتْبَةُ العَظَمَةِ والتَّهْوِيلِ، فالتَّراخِي فِيها هو الزِّيادَةُ.

82:19Page 587

يَوۡمَ لَا تَمۡلِكُ نَفۡسٞ لِّنَفۡسٖ شَيۡـٔٗاۖ وَٱلۡأَمۡرُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ ١٩

It is the Day when a soul will not possess for another soul [power to do] a thing; and the command, that Day, is [entirely] with Allāh.

﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ .

فِي هَذا بَيانٌ لِلتَّهْوِيلِ العَظِيمِ المُجْمَلِ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] إذِ التَّهْوِيلُ مُشْعِرٌ بِحُصُولِ ما يَخافُهُ المُهَوَّلُ لَهم فَأتْبَعَ ذَلِكَ بِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ مَعَ التَّأْيِيسِ مِن وِجْدانِ نَصِيرٍ أوْ مُعِينٍ.

وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ يَوْمَ فَيَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ بَدَلًا مُطابِقًا، أوْ عَطْفَ بَيانٍ مِن يَوْمُ الدِّينِ المَرْفُوعِ بِـ ﴿ما أدْراكَ﴾ [الإنفطار: ١٨] وتُجْعَلُ فَتْحَتُهُ فَتْحَةَ بِناءٍ؛ لِأنَّ اسْمَ الزَّمانِ إذا أُضِيفَ إلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ وكانَ فِعْلُها مُعْرَبًا جازَ في اسْمِ الزَّمانِ أنْ يُبْنى عَلى الفَتْحِ وأنْ يُعْرَبَ بِحَسَبِ العَوامِلِ.

ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مُطابِقًا مِن يَوْمَ الدِّينِ المَنصُوبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥]، ولا يَفُوتُ بَيانُ الإبْهامِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧]؛ لِأنَّ يَوْمُ الدِّينِ المَرْفُوعَ المَذْكُورَ ثانِيًا هو عَيْنُ يَوْمَ الدِّينِ المَنصُوبِ أوَّلًا، فَإذا وقَعَ بَيانٌ لِلْمَذْكُورِ أوَّلًا حَصَلَ بَيانُ المَذْكُورِ ثانِيًا إذْ مَدْلُولُهُما يَوْمٌ مُتَّحِدٌ.

وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ مَرْفُوعَةً، فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا أوْ بَيانًا مِن يَوْمُ الدِّينِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] .

ومَعْنى ﴿لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾: لا تَقْدِرُ نَفْسٌ عَلى شَيْءٍ لِأجْلِ نَفْسٍ أُخْرى، أيْ: لِنَفْعِها؛ لِأنَّ شَأْنَ لامِ التَّعْلِيلِ أنْ تَدْخُلَ عَلى المُنْتَفِعِ بِالفِعْلِ عَكْسَ (عَلى)، فَإنَّها تَدْخُلُ عَلى المُتَضَرِّرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]،

صفحة ١٨٥

وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [الممتحنة: ٤] في سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ.

وعُمُومُ (نَفْسٍ) الأُولى والثّانِيَةِ في سِياقِ النَّفْيِ يَقْتَضِي عُمُومَ الحُكْمِ في كُلِّ نَفْسٍ.

و(شَيْئًا) اسْمٌ يَدُلُّ عَلى جِنْسِ المَوْجُودِ، وهو مُتَوَغِّلٌ في الإبْهامِ يُفَسِّرُهُ ما يَقْتَرِنُ بِهِ في الكَلامِ مِن تَمْيِيزٍ أوْ صِفَةٍ أوْ نَحْوِهِما، أوْ مِنَ السِّياقِ، ويُبَيِّنُهُ هُنا ما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ ﴿لا تَمْلِكُ﴾ ولامُ العِلَّةِ، أيْ: شَيْئًا يُغْنِي عَنْها ويَنْفَعُها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أُغْنِي عَنْكم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٦٧] في سُورَةِ يُوسُفَ، فانْتَصَبَ شَيْئًا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ ﴿لا تَمْلِكُ﴾، أيْ: لَيْسَ في قُدْرَتِها شَيْءٌ يَنْفَعُ نَفْسًا أُخْرى.

وهَذا يُفِيدُ تَأْيِيسَ المُشْرِكِينَ مِن أنْ تَنْفَعَهم أصْنامُهم يَوْمَئِذٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ [الأنعام: ٩٤] .

* * *

﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾

وجُمْلَةُ ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ تَذْيِيلٌ، والتَّعْرِيفُ في الأمْرِ لِلِاسْتِغْراقِ. والأمْرُ هُنا بِمَعْنى: التَّصَرُّفِ والإذْنِ وهو واحِدُ الأوامِرِ، أيْ: لا يَأْمُرُ إلّا اللَّهُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ مُرادِفًا لِلشَّيْءِ فَتَغْيِيرُ التَّعْبِيرِ لِلتَّفَنُّنِ.

والتَّعْرِيفُ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُسْتَعْمَلِ لِإرادَةِ الِاسْتِغْراقِ، فَيَعُمُّ كُلَّ الأُمُورِ وبِذَلِكَ العُمُومِ كانَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا.

وأفادَتْ لامُ الِاخْتِصاصِ مَعَ عُمُومِ الأمْرِ أنَّهُ لا أمْرَ يَوْمَئِذٍ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ لا يَصْدُرُ مِن غَيْرِهِ فِعْلٌ، ولَيْسَ في هَذا التَّرْكِيبِ صِيغَةُ حَصْرٍ، ولَكِنَّهُ آيِلٌ إلى مَعْنى الحَصْرِ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: الحَمْدُ لِلَّهِ.

وفِي هَذا الخِتامِ رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ؛ لِأنَّ أوَّلَ السُّورَةِ ابْتُدِئْ بِالخَبَرِ عَنْ بَعْضِ أحْوالِ يَوْمِ الجَزاءِ وخُتِمَتِ السُّورَةُ بِبَعْضِ أحْوالِهِ.

* * *

صفحة ١٨٦

صفحة ١٨٧

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ المُطَفِّفِينَ

سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كُتُبِ السُّنَّةِ وفي بَعْضِ التَّفاسِيرِ (سُورَةَ ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)، وكَذَلِكَ تَرْجَمَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ، والتِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ.

وسُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ والمَصاحِفِ (سُورَةَ المُطَفِّفِينَ) اخْتِصارًا.

ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّورِ ذَواتِ أكْثَرَ مِنِ اسْمٍ وسَمّاها (سُورَةَ المُطَفِّفِينَ) وفِيهِ نَظَرٌ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في كَوْنِها مَكِّيَّةً أوْ مَدَنِيَّةً أوْ بَعْضُها مَكِّيٌّ وبَعْضُها مَدَنِيٌّ. فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ والضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ: أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الأصَحِّ عَنْهُ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ والسُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ في رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَ: وهي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ وقَتادَةَ: هي مَدَنِيَّةٌ إلّا ثَمانِيَ آياتٍ مِن آخِرِها مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ [المطففين: ٢٩] إلى آخِرِها.

وقالَ الكَلْبِيُّ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ فَهي لِذَلِكَ مَكِّيَّةٌ؛ لِأنَّ العِبْرَةَ في المَدَنِيِّ بِما نَزَلَ بَعْدَ الهِجْرَةِ عَلى المُخْتارِ مِنَ الأقْوالِ لِأهْلِ عِلْمِ القُرْآنِ.

قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: احْتَجَّ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ بِذِكْرِ الأساطِيرِ فِيها أيْ: قَوْلُهُ: ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣] . والَّذِي نَخْتارُهُ: أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ التَّعْرِيضُ بِمُنْكِرِي البَعْثِ.

ومِنَ اللَّطائِفِ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ؛ لِأنَّ التَّطْفِيفَ كانَ فاشِيًا في البَلَدَيْنِ. وقَدْ حَصَلَ مِنِ اخْتِلافِهِمْ أنَّها: إمّا آخِرُ ما أُنْزِلَ بِمَكَّةَ وإمّا أوَّلُ ما أُنْزِلَ بِالمَدِينَةِ، والقَوْلُ بِأنَّها نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ قَوْلٌ حَسَنٌ.

صفحة ١٨٨

فَقَدْ ذَكَرَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ النَّبِيءُ ﷺ المَدِينَةَ كانُوا مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] فَأحْسَنُوا الكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ» .

وعَنِ القُرَظِيِّ ”كانَ بِالمَدِينَةِ تُجّارٌ يُطَفِّفُونَ الكَيْلَ وكانَتْ بَياعاتُهم كَسَبَةَ القِمارِ والمُلامَسَةَ والمُنابَذَةَ والمُخاصَرَةَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى السُّوقِ وقَرَأها، وكانَتْ عادَةً فَشَتْ فِيهِمْ مِن زَمَنِ الشِّرْكِ فَلَمْ يَتَفَطَّنْ بَعْضُ الَّذِينَ أسْلَمُوا مِن أهْلِ المَدِينَةِ لِما فِيهِ مِن أكْلِ مالِ النّاسِ. فَأُرِيدَ إيقاظُهم لِذَلِكَ، فَكانَتْ مُقَدِّمَةً لِإصْلاحِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ مَعَ تَشْنِيعِ أحْوالِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ ويَثْرِبَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ سَنُّوا التَّطْفِيفَ“ .

وما أنْسَبَ هَذا المَقْصِدِ بِأنْ تَكُونَ نَزَلَتْ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ لِتَطْهِيرِ المَدِينَةِ مِن فَسادِ المُعامَلاتِ التِّجارِيَّةِ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ إلَيْها النَّبِيءُ ﷺ لِئَلّا يَشْهَدَ فِيها مُنْكَرًا عامًّا فَإنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ لا يَخْلُو وقْتٌ عَنِ التَّعامُلِ بِهِما في الأسْواقِ وفي المُبادَلاتِ.

وهِيَ مَعْدُودَةٌ السّادِسَةَ والثَمانِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ العَنْكَبُوتِ وقَبْلَ سُورَةِ البَقَرَةِ.

وعَدَدُ آيِها سِتٌّ وثَلاثُونَ.

* * *

اشْتَمَلَتْ عَلى التَّحْذِيرِ مِنَ التَّطْفِيفِ في الكَيْلِ والوَزْنِ وتَفْظِيعِهِ بِأنَّهُ تَحَيُّلٌ عَلى أكْلِ مالِ النّاسِ في حالِ المُعامَلَةِ أخْذًا وإعْطاءً.

وأنَّ ذَلِكَ مِمّا سَيُحاسَبُونَ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وتَهْوِيلُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ وُقُوفٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ لِيَفْصِلَ بَيْنَهم ولِيُجازِيَهم عَلى أعْمالِهِمْ وأنَّ الأعْمالَ مُحْصاةٌ عِنْدَ اللَّهِ.

ووَعِيدُ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الجَزاءِ والَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِأنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

صفحة ١٨٩

وقُوبِلَ حالُهم بِضِدِّهِ مِن حالِ الأبْرارِ أهْلِ الإيمانِ ورَفْعِ دَرَجاتِهِمْ وإعْلانِ كَرامَتِهِمْ بَيْنَ المَلائِكَةِ والمُقَرَّبِينَ وذِكْرِ صُوَرٍ مِن نَعِيمِهِمْ.

وانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى وصْفِ حالِ الفَرِيقَيْنِ في هَذا العالَمِ الزّائِلِ إذْ كانَ المُشْرِكُونَ يَسْخَرُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ويَلْمِزُونَهم ويَسْتَضْعِفُونَهم وكَيْفَ انْقَلَبَ الحالُ في العالَمِ الأبَدِيِّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском