Ibn 'AshurAl‑Mutaffifin · 83:14–28

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Mutaffifin 83:14–28

83:14Page 588

كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤

No! Rather, the stain has covered their hearts of that which they were earning.1

﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلّا﴾ [المطففين: ١٥] .

اعْتِراضٌ بِالرَّدْعِ وبَيانٌ لَهُ؛ لِأنَّ كَلّا رَدْعٌ لِقَوْلِهِمْ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أيْ أنَّ قَوْلَهم

صفحة ١٩٩

باطِلٌ. وحَرْفُ بَلْ لِلْإبْطالِ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونٍ كَلّا وبَيانًا وكَشْفًا لِما حَمَلَهم عَلى أنْ يَقُولُوا في القُرْآنِ ما قالُوا وأنَّهُ ما أعْمى بَصائِرَهم مِنَ الرَّيْنِ.

والرَّيْنُ: الصَّدَأُ الَّذِي يَعْلُو حَدِيدَ السَّيْفِ والمِرْآةِ، ويُقالُ في مَصْدَرِ الرَّيْنِ الرّانُ مِثْلَ العَيْبِ والعابِ، والذَّيْمِ والذّامِ.

وأصْلُ فِعْلِهِ أنْ يُسْنَدَ إلى الشَّيْءِ الَّذِي أصابَهُ الرَّيْنُ، فَيُقالُ: رانَ السَّيْفُ ورانَ الثَّوْبُ، إذا أصابَهُ الرَّيْنُ، أيْ: صارَ ذا رَيْنٍ، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّغْطِئَةِ أُطْلِقَ عَلى التَّغْطِيَةِ، فَجاءَ مِنهُ فِعْلُ رانَ بِمَعْنى غَشِيَ، فَقالُوا: رانَ النُّعاسُ عَلى فُلانٍ، ورانَتِ الخَمْرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ هو مِن بابِ رانَ الرَّيْنُ عَلى السَّيْفِ، ومِنِ اسْتِعْمالِ القُرْآنِ هَذا الفِعْلَ صارَ النّاسُ يَقُولُونَ: رِينَ عَلى قَلْبِ فُلانٍ وفُلانٌ مَرِينٌ عَلى قَلْبِهِ.

والمَعْنى: غَطَّتْ عَلى قُلُوبِهِمْ أعْمالُهم أنْ يَدْخُلَها فَهْمُ القُرْآنِ، والبَوْنُ الشّاسِعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أساطِيرِ الأوَّلِينَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ بَعْدَ قَلْبِها راءً لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْها.

وقَرَأهُ عاصِمٌ بِالوَقْفِ عَلى لامِ بَلْ والِابْتِداءِ بِكَلِمَةِ رانَ تَجَنُّبًا لِلْإدْغامِ.

وقَرَأهُ حَفْصٌ بِسَكْتَةٍ خَفِيفَةٍ عَلى لامِ بَلْ لِيُبَيِّنَ أنَّها لامٌ. قالَ في اللِّسانِ: إظْهارُ اللّامِ لُغَةً لِأهْلِ الحِجازِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: هُما حَسَنانِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الإدْغامُ أرْجَحُ.

والقُلُوبُ العُقُولُ ومَحالُّ الإدْراكِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ومِن كَلامِ رُعاةِ الأعْرابِ يُخاطِبُونَ إبِلَهم في زَمَنِ شِدَّةِ البَرْدِ إذا أوْرَدُوها الماءَ فاشْمَأزَّتْ مِنهُ لِبَرْدِهِ ”بَرِّدِيهِ تَجِدِيهِ سَخِينًا“ أيْ: بَلْ رُدِّيهِ وذَلِكَ مِنَ المُلَحِ الشَّبِيهَةِ بِالمُعاياةِ إذْ في ظاهِرِهِ طَلَبُ تَبْرِيدِهِ وأنَّهُ بِالتَّبْرِيدِ يُوجَدُ سَخِينًا.

و﴿ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ما عَمِلُوهُ سالِفًا مِن سَيِّئاتِ أعْمالِهِمْ وجِماحِهِمْ عَنْ

صفحة ٢٠٠

التَّدَبُّرِ في الآياتِ حَتّى صارَ الإعْراضُ والعِنادُ خُلُقًا مُتَأصِّلًا فِيهِمْ فَلا تَفْهَمُ عُقُولُهم دَلالَةَ الأدِلَّةِ عَلى مَدْلُولاتِها.

رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ العَبْدَ إذا أخْطَأ خَطِيئَةً نُكِتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، فَإذا هو نَزَعَ واسْتَغْفَرَ اللَّهَ وتابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإنَّ عادَ زِيِدَ فِيها حَتّى تَعْلُوَ عَلى قَلْبِهِ، وهو الرّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ»﴾ . قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

ومَجِيءُ يَكْسِبُونَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ دُونَ الماضِي لِإفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ الكَسْبِ وتَعَدُّدِهِ في الماضِي.

وفِي ذِكْرِ فِعْلِ كانُوا دُونَ أنْ يُقالَ: ما يَكْسِبُونَ، إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ: ما كَسَبُوهُ في أعْمارِهِمْ مِنَ الإشْراكِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ، فَإنَّهم وإنْ لَمْ يَكُونُوا مَناطَ تَكْلِيفٍ أيّامَئِذٍ. فَهم مُخالِفُونَ لِما جاءَتْ بِهِ الشَّرائِعُ السّالِفَةُ وتَواتَرَ وشاعَ في الأُمَمِ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ عَلى قَوْلِ الأشْعَرِيِّ وأهْلِ السُّنَّةِ في تَوْجِيهِ مُؤاخَذَةِ أهْلِ الفَتْرَةِ بِذَنْبِ الإشْراكِ بِاللَّهِ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الأدِلَّةُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ أوْ مُخالِفُونَ لِمُقْتَضى دَلالَةِ العَقْلِ الواضِحَةِ عَلى قَوْلِ الماتْرِيدِيِّ والمُعْتَزِلَةِ ولَحِقَ بِذَلِكَ ما اكْتَسَبُوهُ مِن وقْتِ مَجِيءِ الإسْلامِ إلى أنْ نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فَهي مُدَّةٌ لَيْسَتْ بِالقَصِيرَةِ.

وكَلّا الثّانِيَةُ تَأْكِيدٌ لِـ كَلّا الأُولى زِيادَةً في الرَّدْعِ لِيَصِيرَ تَوْبِيخًا.

83:15–17Page 588

كـَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ١٥

No! Indeed, from their Lord, that Day, they will be partitioned.1

ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ ١٦

Then indeed, they will [enter and] burn in Hellfire.

ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ١٧

Then it will be said [to them], "This is what you used to deny."

﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُوا الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾

جُمْلَةُ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها ابْتِدائِيَّةٌ وقَدِ اشْتَمَلَتِ الجُمْلَةُ ومَعْطُوفاها عَلى أنْواعٍ ثَلاثَةٍ مِنَ الوَيْلِ وهي الإهانَةُ، والعَذابُ، والتَّقْرِيعُ مَعَ التَّأْيِيسِ مِنَ الخَلاصِ مِنَ العَذابِ.

فَأمّا الإهانَةُ فَحَجْبُهم عَنْ رَبِّهِمْ، والحَجْبُ هو السَّتْرُ، ويُسْتَعْمَلُ في المَنعِ مِنَ

صفحة ٢٠١

الحُضُورِ لَدى المَلِكِ ولَدى سَيِّدِ القَوْمِ قالَ الشّاعِرُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ وهو مِن شَواهِدِ الكَشّافِ:

إذا اعْتَرَوْا بابَ ذِي عُبِّيَّةٍ رُجِـبُـوا والنّاسُ مِن بَيْنِ مَرْجُوبٍ ومَحْجُوبِ

وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُرادٌ هُنا؛ لِأنَّ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ لا يَرَوْنَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَراهُ أهْلُ الإيمانِ.

ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في حِكايَةِ أحْوالِ الأبْرارِ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] وكَذَلِكَ أيْضًا لا يَدْخُلُونَ حَضْرَةَ القُدُسِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، ولِيَكُونَ الكَلامُ مُفِيدًا لِلْمَعْنَيَيْنِ قِيلَ ﴿عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِمْ، أوْ عَنْ وجْهِ رَبِّهِمْ كَما قالَ في آيَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] .

وأمّا العَذابُ فَهو ما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ .

وقَدْ عُطِفَتْ جُمْلَتُهُ بِحَرْفِ ثُمَّ الدّالَّةِ في عَطْفِها الجُمَلَ عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ وهو ارْتِقاءٌ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّهُ وعِيدٌ بِأنَّهم مِن أهْلِ النّارِ وذَلِكَ أشَدُّ مِن خِزْيِ الإهانَةِ.

وصالُوا جَمْعُ صالٍ وهو الَّذِي مَسَّهُ حَرُّ النّارِ، وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ الِانْفِطارِ.

والمَعْنى: أنَّهم سَيُصْلَوْنَ عَذابَ الجَحِيمِ.

وأمّا التَّقْرِيعُ مَعَ التَّأْيِيسِ مِنَ التَّخْفِيفِ فَهو مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَعَطْفُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ ثُمَّ اقْتَضى تَراخِيَ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها، أيْ: بُعْدُ دَرَجَتِهِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ.

واقْتَضى اسْمُ الإشارَةِ أنَّهم صارُوا إلى العَذابِ، والإخْبارُ عَنِ العَذابِ بِأنَّهُ الَّذِي كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ يُفِيدُ أنَّهُ العَذابُ الَّذِي تَكَرَّرَ وعِيدُهم بِهِ وهم يُكَذِّبُونَهُ، وذَلِكَ هو الخُلُودُ وهو دَرَجَةٌ أشَدُّ في الوَعِيدِ، وبِذَلِكَ كانَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ هي عَلَيْها.

أوْ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ إشارَةً إلى جَوابِ مالِكٍ

صفحة ٢٠٢

خازِنِ جَهَنَّمَ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إنَّكم ماكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] ﴿لَقَدْ جِئْناكم بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَكم لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٨] فَطُوِيَ سُؤالُهم واقْتُصِرَ عَلى جَوابِ مالِكٍ خازِنِ جَهَنَّمَ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ عَطْفِ جُمْلَةِ هَذا المَقالِ بِـ (ثُمَّ) الدّالَّةِ عَلى التَّراخِي.

وبُنِيَ فِعْلُ يُقالُ لِلْمَجْهُولِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِمَعْرِفَةِ القائِلِ والمَقْصِدِ هو القَوْلُ.

وتَقْدِيمُ بِهِ عَلى تُكَذِّبُونَ لِلِاهْتِمامِ بِمَعادِ الضَّمِيرِ مَعَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ والباءُ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ تُكَذِّبُونَ إلى تَفْرِقَةٍ بَيْنَ تَعْدِيَتِهِ إلى الشَّخْصِ الكاذِبِ فَيُعَدّى بِنَفْسِهِ وبَيْنَ تَعْدِيَتِهِ إلى الخَبَرِ المُكَذَّبِ فَيُعَدّى بِالباءِ، ولَعَلَّ أصْلَها باءُ السَّبَبِيَّةِ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ: كَذَّبَ بِسَبَبِهِ مَن أخْبَرَهُ بِهِ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ رُسُلَ اللَّهِ في الدُّنْيا.

83:18–21Page 588

كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ١٨

No! Indeed, the record of the righteous is in ʿilliyyūn.

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ ١٩

And what can make you know what is ʿilliyyūn?

كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ٢٠

It is [their destination1 recorded in] a register inscribed

يَشۡهَدُهُ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢١

Which is witnessed by those brought near [to Allāh].

﴿كَلّا﴾ .

رَدْعٌ وإبْطالٌ لِما تَضْمَنُهُ ما يُقالُ لَهم ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ كَلّا مِمّا قِيلَ لَهم مَعَ جُمْلَةِ ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] رَدْعًا لَهم فَهي مِنَ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً مِن كَلامِ اللَّهِ في القُرْآنِ إبْطالًا لِتَكْذِيبِهِمُ المَذْكُورِ.

* * *

﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ يَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ المُنْتَهِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ مِنَ الحِكايَةِ ولَيْسَتْ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يُقالُ﴾ [المطففين: ١٧] إلَخْ، فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِحَذافِرِها تُشْبِهُ جُمْلَةَ ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] إلَخْ أُسْلُوبًا ومُقابَلَةً. فالوَجْهُ أنْ يَكُونَ

صفحة ٢٠٣

مَضْمُونُها قَسِيمًا لِمَضْمُونِ شَبِيهِها فَتَحْصُلُ مُقابَلَةُ وعِيدِ الفُجّارِ بِوَعْدِ الأبْرارِ، ومِن عادَةِ القُرْآنِ تَعْقِيبُ الإنْذارِ بِالتَّبْشِيرِ والعَكْسُ؛ لِأنَّ النّاسَ راهِبٌ وراغِبٌ فالتَّعَرُّضُ لِنَعِيمِ الأبْرارِ إدْماجٌ اقْتَضَتْهُ المُناسَبَةُ وإنْ كانَ المَقامُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ مَقامَ إنْذارٍ.

ويَكُونُ المُتَكَلِّمُ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ واحِدًا وجَّهَ كَلامَهُ لِلْفُجّارِ الَّذِينَ لا يَظُنُّونَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ، وأعْقَبَهُ بِتَوْجِيهِ كَلامٍ لِلْأبْرارِ الَّذِينَ هم بِضِدِّ ذَلِكَ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآياتُ مُعْتَرِضَةً مُتَّصِلَةً بِحَرْفِ الرَّدْعِ عَلى أوْضَحِ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ فِيهِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ المَحْكِيِّ بِالقَوْلِ في ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَتَكُونُ مَحْكِيَّةً بِالقَوْلِ المَذْكُورِ مُتَّصِلَةً بِالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها وبِحَرْفِ الإبْطالِ عَلى أنْ يَكُونَ القائِلُونَ لَهم ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، أعْقَبُوا تَوْبِيخَهم بِوَصْفِ نَعِيمِ المُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ تَنْدِيمًا لِلَّذِينَ أنْكَرُوهُ وتَحْسِيرًا لَهم عَلى ما أفاتُوهُ مِنَ الخَيْرِ.

والأبْرارُ: جَمْعُ بَرٍّ بِفَتْحِ الباءِ، وهو الَّذِي يَعْمَلُ البِرَّ، وتَقَدَّمَ في السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.

والقَوْلُ في الكِتابِ ومَظْرُوفِيَّتِهِ في عِلِّيِّينَ، كالقَوْلِ في ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] .

وعِلِّيُّونَ: جَمْعُ عِلِّيٍّ، وعِلِّيٌّ عَلى وزْنِ فِعِّيلٍ مِنَ العُلُوِّ، وهو زِنَةُ مُبالِغَةٍ في الوَصْفِ جاءَ عَلى صُورَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ وهو مِنَ الأسْماءِ الَّتِي أُلْحِقَتْ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.

وعَنِ الفَرّاءِ أنَّ عِلِّيِّينَ لا واحِدَ لَهُ. يُرِيدُ: أنَّ عِلِّيِّينَ لَيْسَ جَمْعَ (عِلِّيٍّ) ولَكِنَّهُ عَلَمٌ عَلى مَكانِ الأبْرارِ في الجَنَّةِ إذْ لَمْ يُسْمَعْ عَنِ العَرَبِ (عِلِّيٌّ)، وإنَّما قالُوا: عِلِّيَّةٌ لِلْغُرْفَةِ، وعِلِّيُّونَ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ لِمَحَلَّةِ الأبْرارِ.

واشْتُقَّ هَذا الِاسْمُ مِنَ العُلُوِّ، وهو عُلُوٌّ اعْتِبارِيٌّ، أيْ: رِفْعَةٌ في مَراتِبِ الشَّرَفِ والفَضْلِ، وصِيغَ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ؛ لِأنَّ أصْلَ تِلْكَ الصِّيغَةِ أنْ تُجْمَعَ بِها أسْماءُ العُقَلاءِ وصِفاتُهم، فاسْتُكْمِلَ لَهُ صِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ الذُّكُورِ إتْمامًا لِشَرَفِ المَعْنى بِاسْتِعارَةِ العُلُوِّ وشَرَفِ النَّوْعِ بِإعْطائِهِ صِيغَةَ التَّذْكِيرِ.

صفحة ٢٠٤

والقَوْلُ في ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ كالقَوْلِ في ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨] المُتَقَدِّمِ.

و﴿يَشْهَدُهُ﴾ يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ، أيْ: يُعْلَنُ بِهِ عِنْدَ المُقَرَّبِينَ، وهُمُ المَلائِكَةُ وهو إعْلانُ تَنْوِيهٍ بِصاحِبِهِ كَما يُعْلَنُ بِأسْماءِ النّابِغِينَ في التَّعْلِيمِ، وأسْماءِ الأبْطالِ في الكَتائِبِ.

83:22–28Page 588

إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ٢٢

Indeed, the righteous will be in pleasure

عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ ٢٣

On adorned couches, observing.

تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ ٢٤

You will recognize in their faces the radiance of pleasure.

يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ٢٥

They will be given to drink [pure] wine1 [which was] sealed.

خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦

The last of it1 is musk. So for this let the competitors compete.

وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ ٢٧

And its mixture is of Tasneem,1

عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢٨

A spring from which those near [to Allāh] drink.

﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ .

مَضْمُونُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَسِيمٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] إلى آخِرِها. ولِذَلِكَ جاءَتْ عَلى نَسِيجِ نَظْمِ قَسِيمَتِها افْتِتاحًا وتَوْصِيفًا وفَصْلًا، وهي مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] فَمَوْقِعُها مَوْقِعُ البَيانِ أوْ مَوْقِعُ بَدَلِ الِاشْتِمالِ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ الَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يُقالُ لَهم ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] فَيَكُونُ قَوْلُ ذَلِكَ لَهم، تَحْسِيرًا وتَنْدِيمًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ في الإيمانِ.

وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لا يُناكِدُ الوَجْهَ الآخَرَ فِيما قُرِّرَ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ.

وذُكِرَ الأبْرارُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ ضَمِيرِهِمْ، خِلافًا لِما جاءَ في جُمْلَةِ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] تَنْوِيهًا بِوَصْفِ الأبْرارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ [المطففين: ٣٥] خَبَرٌ ثانٍ عَنِ الأبْرارِ، أيْ: هم عَلى الأرائِكِ، أيْ: مُتَّكِئُونَ عَلَيْها.

والأرائِكُ: جَمْعُ أرِيكَةٍ بِوَزْنِ سَفِينَةٍ، والأرِيكَةُ: اسْمٌ لِمَجْمُوعِ سَرِيرٍ ووِسادَتِهِ وحَجَلَةٍ مَنصُوبَةٍ عَلَيْهِما، فَلا يُقالُ: أرِيكَةٌ إلّا لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وقِيلَ: إنَّها حَبَشِيَّةٌ وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الإنسان: ١٣] في سُورَةِ الإنْسانِ.

صفحة ٢٠٥

ويَنْظُرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأبْرارِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ يَنْظُرُونَ إمّا لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ في ضِدِّهِمْ ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] والتَّقْدِيرُ: يَنْظُرُونَ إلى رَبِّهِمْ وإمّا لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: يَنْظُرُونَ كُلَّ ما يُبْهِجُ نُفُوسَهم ويَسُرُّهم بِقَرِينَةِ مَقاعِدِ الوَعْدِ والتَّكْرِيمِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ تَعْرِفُ بِصِيغَةِ الخِطابِ ونَصْبِ (نَضْرَةَ) وهو خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ. أيْ: تَعْرِفُ يا مَن يَراهم. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ تُعْرَفُ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْمَجْهُولِ ورَفْعِ (نَضْرَةُ) .

ومَآلُ المَعْنَيَيْنِ واحِدٌ إلّا أنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ جَرَتْ عَلى الطَّرِيقَةِ الخاصَّةِ في اسْتِعْمالِهِ. وجَرَتْ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ ويَعْقُوبَ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِهِ.

والخِطابُ بِمِثْلِهِ في مَقامِ وصْفِ الأُمُورِ العَظِيمَةِ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ لَهُ.

والنَّضْرَةُ: البَهْجَةُ والحُسْنُ، وإضافَةُ (نَضْرَةَ) إلى (النَعِيمِ) مِن إضافَةِ المُسَبَّبِ إلى السَّبَبِ، أيِ: النَّضْرَةُ والبَهْجَةُ الَّتِي تَكُونُ لِوَجْهِ المَسْرُورِ الرّاضِي إذْ تَبْدُو عَلى وجْهِهِ مَلامِحُ السُّرُورِ.

وجُمْلَةُ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنِ الأبْرارِ أوْ حالٌ ثالِثَةٌ مِنهُ. وعَبَّرَ بِـ يُسْقَوْنَ دُونَ: يَشْرَبُونَ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مَخْدُومُونَ يَخْدِمُهم مَخْلُوقاتٌ لِأجْلِ ذَلِكَ في الجَنَّةِ. وذَلِكَ مِن تَمامِ التَّرَفُّهِ ولَذَّةِ الرّاحَةِ.

والرَّحِيقُ: اسْمٌ لِلْخَمْرِ الصّافِيَةِ الطَّيِّبَةِ.

والمَخْتُومُ: المَسْدُودُ إناؤُهُ، أيْ: باطِيَتُهُ، وهو اسْمُ مَفْعُولٍ مِن خَتَمَهُ إذا شَدَّ بِصِنْفٍ مِنَ الطِّينِ مَعْرُوفٍ بِالصَّلابَةِ إذا يَبِسَ فَيَعْسُرُ قَلْعُهُ، وإذا قُلِعَ ظَهَرَ أنَّهُ مَقْلُوعٌ كانُوا يَجْعَلُونَهُ لِلْخَتْمِ عَلى الرَّسائِلِ لِئَلّا يَقْرَأ حامِلُها ما فِيها، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ مِن كَرَمِ الكِتابِ خَتْمُهُ ويَجْعَلُونَ عَلامَةً عَلَيْهِ، تُطْبَعُ فِيهِ وهو رَطْبٌ، فَإذا يَبِسَ تَعَذَّرَ فَسْخُها، ويُسَمّى ما تُطْبَعُ بِهِ خاتَمًا بِفَتْحِ الفَوْقِيَّةِ، وكانَ المُلُوكُ والأُمَراءُ والسّادَةُ يَجْعَلُونَ لِأنْفُسِهِمْ خَواتِيمَ يَضَعُونَها في أحَدِ الخِنْصَرَيْنِ لِيَجِدُوها عِنْدَ إصْدارِ الرَّسائِلِ عَنْهم، قالَ جَرِيرٌ:

صفحة ٢٠٦

يَكْفِي الخَلِيفَةَ أنَّ اللَّهَ سَـرْبَـلَـهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ

والخِتامُ بِوَزْنِ كِتابٍ: اسْمٌ لِلطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ كانُوا يَجْعَلُونَ طِينَ الخِتامِ عَلى مَحَلِّ السِّدادِ مِنَ القارُورَةِ أوِ الباطِيَةِ أوِ الدَّنِّ لِلْخَمْرِ لِمَنعِ تَخَلُّلِ الهَواءِ إلَيْها، وذَلِكَ أصْلَحُ لِاخْتِمارِها وزِيادَةِ صَفائِها وحِفْظِ رائِحَتِها. وجُعِلَ خِتامُ خَمْرِ الجَنَّةِ بِعَجِينِ المِسْكِ عِوَضًا عَنْ طِينِ الخَتْمِ.

والمِسْكُ مادَّةٌ حَيَوانِيَّةٌ ذاتُ عَرْفٍ طَيِّبٍ مَشْهُورٍ طِيبُهُ وقُوَّةُ رائِحَتِهِ مُنْذُ العُصُورِ القَدِيمَةِ، وهَذِهِ المادَّةُ تَتَكَوَّنُ في غُدَّةٍ مَمْلُوءَةٍ دَمًا تَخْرُجُ في عُنُقِ صِنْفٍ مِنَ الغَزالِ في بِلادِ التِّيبِيتِ مِن أرْضِ الصِّينِ فَتَبْقى مُتَّصِلَةً بِعُنُقِهِ إلى أنْ تَيْبَسَ فَتَسْقُطُ فَيَلْتَقِطُها طُلّابُها ويَتَّجِرُونَ فِيها، وهي جِلْدَةٌ في شَكْلِ فَأْرٍ صَغِيرٍ ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: فَأْرَةُ المِسْكِ.

وفُسِّرَ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ بِأنَّ المَعْنى خِتامُ شُرْبِهِ، أيْ: آخِرُ شُرْبِهِ مِسْكٌ، أيْ: طَعْمُ المِسْكِ بِمَعْنى نَكْهَتِهِ، وأنْشَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ ابْنِ مُقْبِلٍ:

مِمّا يُعَتِّقُ في الحانُوتِ قاطِفُها ∗∗∗ بِالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمّانِ مَخْتُومُ

أيْ: يَنْتَهِي بِلَذْعِ الفُلْفُلِ وطَعْمِ الرُّمّانِ.

وجُمْلَةُ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ نَعْتٌ لِـ رَحِيقٍ. أوْ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ، أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ وصْفِ الرَّحِيقِ بِأنَّهُ مَخْتُومٌ أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ خِتامِها أيُّ شَيْءٍ هو مِن أصْنافِ الخِتامِ؛ لِأنَّ غالِبَ الخِتامِ أنْ يَكُونَ بِطِينٍ أوْ سِدادٍ.

وجُمْلَةُ ﴿وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ .

وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ نَظْمَ التَّرْكِيبِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ دَقِيقٌ يَحْتاجُ إلى بَيانٍ، وذَلِكَ أنْ نَجْعَلَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً فَقَوْلُهُ: (وفي ذَلِكَ) هو مَبْدَأُ الجُمْلَةِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الحَصْرِ أيْ: وفي ذَلِكَ الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسِ النّاسُ لا في رَحِيقِ الدُّنْيا الَّذِي يَتَنافَسُ فِيهِ أهْلُ

صفحة ٢٠٧

البَذَخِ ويَجْلِبُونَهُ مِن أقاصِي البِلادِ ويُنْفِقُونَ فِيهِ الأمْوالَ. ولَمّا كانَتِ الواوُ اعْتِراضِيَّةً لَمْ يَكُنْ إشْكالٌ في وُقُوعِ فاءِ الجَوابِ بَعْدَها. والفاءُ إمّا أنْ تَكُونَ فَصِيحَةً، والتَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمُ الأوْصافَ لِهَذا الرَّحِيقِ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ، أوِ التَّقْدِيرُ: وفي ذَلِكَ فَلْتَتَنافَسُوا فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في قُوَّةِ التَّذْيِيلِ؛ لِأنَّ المُقَدَّرَ هو تَنافُسُ المُخاطَبِينَ، والمُصَرَّحُ بِهِ تَنافُسُ جَمِيعِ المُتَنافِسِينَ فَهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ فاءَ جَوابٍ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ في الكَلامِ يُؤْذِنُ بِهِ تَقْدِيمُ المَجْرُورِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَجْرُورِ كَثِيرًا ما يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، كَما رُوِيَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» بِجَزْمِ ”تَكُونُوا“ و”يُولَّ“، فالتَّقْدِيرُ: إنْ عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسْ فِيهِ المُتَنافِسُونَ. وإمّا أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْرِيعًا عَلى مَحْذُوفٍ عَلى طَرِيقَةِ الحَذْفِ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، والتَّقْدِيرُ: وتَنافَسُوا صِيغَةَ أمْرٍ في ذَلِكَ، فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ فِيهِ، ويَكُونُ الكَلامُ مُؤَذِنًا بِتَوْكِيدِ فِعْلِ التَّنافُسِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ المَذْكُورِ مَرَّتَيْنِ، مَعَ إفادَةِ التَّخَصُّصِ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ.

وجُمْلَةُ ﴿وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ إلَخْ وجُمْلَةِ ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ .

والتَّنافُسُ: تَفاعُلٌ مِن نَفِسَ عَلَيْهِ بِكَذا إذا شَحَّ بِهِ عَلَيْهِ ولَمْ يَرَهُ أهْلًا لَهُ وهو مِن قَبِيلِ الِاشْتِقاقِ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الرَّفِيعُ في نَوْعِهِ المَرْغُوبُ في تَحْصِيلِهِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ الأصْلَ في هَذِهِ المادَّةِ هو النَّفْسُ. فالتَّنافُسُ حُصُولُ النَّفاسَةِ بَيْنَ مُتَعَدِّدَةٍ.

ولامُ الأمْرِ في (فَلْيَتَنافَسِ) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّحْرِيضِ والحَثِّ.

ومِزاجُهُ: ما يُمْزَجُ بِهِ. وأصْلُهُ مَصْدَرُ مازَجَ بِمَعْنى مَزَجَ، وأُطْلِقَ عَلى المَمْزُوجِ بِهِ فَهو مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، وكانُوا يَمْزُجُونَ الخَمْرَ لِئَلّا تَغْلِبَهم سَوْرَتُها فَيُسْرِعُ إلَيْهِمْ مَغِيبُ العُقُولِ؛ لِأنَّهم يَقْصِدُونَ تَطْوِيلَ حِصَّةِ النَّشْوَةِ لِلِالتِذاذِ بِدَبِيبِ السُّكْرِ في العَقْلِ دُونَ أنْ يَغُتَّهُ غَتًّا، فَلِذَلِكَ أكْثَرُ ما تُشْرَبُ الخَمْرُ المُعَتَّقَةُ الخالِصَةُ تُشْرَبُ مَمْزُوجَةً بِالماءِ. قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ:

شُجَّتْ بِذِي شَبَمٍ مِن ماءٍ مُحْقِبَةٍ ∗∗∗ صافٍ بِأبْطَحَ أضْحى وهو مَشْمُولُ

صفحة ٢٠٨

وقالَ حَسّانُ:

يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيضَ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

وتَنافُسُهم في الخَمْرِ مَشْهُورٌ مِن عَوائِدِهِمْ وطَفَحَتْ بِهِ أشْعارُهم، كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:

أغْلِي السِّباءَ بِكُلَّ أدْكَنِ عاتِـقٍ ∗∗∗ أوْ جَوْنَةٍ قُدِحَتْ وفُضَّ خِتامُها

وتَسْنِيمٍ عَلَمٌ لَعَيْنٍ في الجَنَّةِ مَنقُولٌ مِن مَصْدَرِ سَنَمَ الشَّيْءُ إذا جَعَلَهُ كَهَيْئَةِ السَّنامِ. وُوَجَّهُوا هَذِهِ التَّسْمِيَةَ بِأنَّ هَذِهِ العَيْنَ تَصُبُّ عَلى جِنانِهِمْ مِن عُلُوٍّ فَكَأنَّها سَنامٌ. وهَذا العَلَمُ عَرَبِيُّ المادَّةِ والصِّيغَةِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا عِنْدَ العَرَبِ فَهو مِمّا أخْبَرَ بِهِ القُرْآنُ، ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَمّا سُئِلَ عَنْهُ: هَذا مِمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] يُرِيدُ لا يَعْلَمُونَ الأشْياءَ ولا أسْماءَها إلّا ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ. ولِغَرابَةِ ذَلِكَ احْتِيجَ إلى تَبْيِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾، أيْ: حالُ كَوْنِ التَّسْنِيمِ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ.

والمُقَرَّبُونَ: هُمُ الأبْرارُ، أيْ: فالشّارِبُونَ مِن هَذا الماءِ مُقَرَّبُونَ.

وباءُ ﴿يَشْرَبُ بِها﴾ إمّا سَبَبِيَّةٌ، وعُدِّيَ فِعْلُ يَشْرَبُ إلى ضَمِيرِ العَيْنِ بِتَضْمِينِ يَشْرَبُ مَعْنى: يَمْزُجُ، لِقَوْلِهِ: ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ أيْ: يَمْزُجُونَ الرَّحِيقَ بِالتَّسْنِيمِ. وإمّا باءُ المُلابَسَةِ وفِعْلُ يَشْرَبُ مُعَدًّى إلى مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ وهو الرَّحِيقُ أيْ: يَشْرَبُونَ الرَّحِيقَ مُلابِسِينَ لِلْعَيْنِ، أيْ: مُحِيطِينَ بِها وجالِسِينَ حَوْلَها. أوِ الباءُ بِمَعْنى مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ وقَدْ عَدَّهُ الأصْمَعِيُّ والفارِسِيُّ وابْنُ قُتَيْبَةَ وابْنُ مالِكٍ في مَعانِي الباءِ، ويُنْسَبُ إلى الكُوفِيِّينَ. واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِبَيِّنٍ، فَإنَّ الِاسْتِعْمالَ العَرَبِيَّ يَكْثُرُ فِيهِ تَعْدِيَةُ فِعْلِ الشُّرْبِ بِالباءِ دُونَ مِن، ولَعَلَّهم أرادُوا بِهِ مَعْنى المُلابَسَةِ، أوْ كانَتِ الباءُ زائِدَةً كَقَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ يَصِفُ السَّحابَ:

شَرِبْنَ بِماءِ البَحْرِ ثُمَّ تَرَفَّعَتْ ∗∗∗ مَتى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نَئِيجُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском