Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Inshiqaq 84:16–25
84:16–19Page 589
فَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلشَّفَقِ ١٦
So I swear by the twilight glow
وَٱلَّيۡلِ وَمَا وَسَقَ ١٧
And [by] the night and what it envelops
وَٱلۡقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ ١٨
And [by] the moon when it becomes full
لَتَرۡكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٖ ١٩
[That] you will surely embark upon [i.e., experience] state after state.1
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ .
الفاءُ لِتَفْرِيعِ القَسَمِ وجَوابِهِ، عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] إلى هُنا: فَإنَّهُ اقْتَضى أنَّ ثَمَّةَ حِسابًا وجَزاءً بِخَيْرٍ وشَرٍّ، فَكانَ هَذا التَّفْرِيعُ فَذْلَكَةً وحَوْصَلَةً لِما فُصِّلَ مِنَ الأحْوالِ وكانَ أيْضًا جَمْعًا إجْمالِيًّا لِما يَعْتَرِضُ في ذَلِكَ مِنَ الأهْوالِ.
وتَقَدَّمَ أنَّ لا أُقْسِمُ يُرادُ مِنهُ أُقْسِمُ، وتَقَدَّمَ وجْهُ القَسَمِ بِهَذِهِ الأحْوالِ والمَخْلُوقاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
ومُناسَبَةُ الأُمُورِ المُقْسَمِ بِها هُنا لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الشَّفَقَ واللَّيْلَ والقَمَرَ تُخالِطُ أحْوالًا بَيْنَ الظُّلْمَةِ وظُهُورِ النُّورِ مَعَها، أوْ في خِلالِها، وذَلِكَ مُناسِبٌ لِما في قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ مِن تَفاوُتِ الأحْوالِ الَّتِي يَتَخَبَّطُ فِيها النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ في حَياتِهِمُ الدُّنْيا، أوْ مِن ظُهُورِ أحْوالِ خَيْرٍ في خِلالِ أحْوالِ شَرٍّ أوِ انْتِظارِ تَغَيُّرِ الأحْوالِ إلى ما يُرْضِيهِمْ إنْ كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ خاصَّةً كَما سَيَأْتِي.
ولَعَلَّ ذِكْرَ الشَّفَقِ إيماءٌ إلى أنَّهُ يُشْبِهُ حالَةَ انْتِهاءِ الدُّنْيا؛ لِأنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ مِثْلُ حالَةِ المَوْتِ، وأنَّ ذِكْرَ اللَّيْلِ إيماءٌ إلى شِدَّةِ الهَوْلِ يَوْمَ الحِسابِ، وذِكْرَ القَمَرِ إيماءٌ إلى حُصُولِ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
والشَّفَقُ: اسْمٌ لِلْحُمْرَةِ الَّتِي تَظْهَرُ في أُفُقِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إثْرَ غُرُوبِها، وهو ضِياءٌ مِن شُعاعِ الشَّمْسِ إذا حَجَبَها عَنْ عُيُونِ النّاسِ بَعْضُ جَرْمِ الأرْضِ، واخْتُلِفَ في تَسْمِيَةِ البَياضِ الَّذِي يَكُونُ عَقِبَ الِاحْمِرارِ شَفَقًا.
صفحة ٢٢٧
وما وسَقَ (ما) فِيهِ مَصْدَرِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْصُولَةً عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ العائِدِ المَنصُوبِ.
والوَسْقُ: جَمْعُ الأشْياءِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وما جَمَعَ مِمّا كانَ مُنْتَشِرًا في النَّهارِ مِن ناسٍ وحَيَوانٍ فَإنَّها تَأْوِي في اللَّيْلِ إلى مَآوِيها، وذَلِكَ مِمّا جَعَلَ اللَّهُ في الجِبِلَّةِ مِن طَلَبِ الأحْياءِ السُّكُونَ في اللَّيْلِ قالَ تَعالى: ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]، وذَلِكَ مِن بَدِيعِ التَّكْوِينِ، فَلِذَلِكَ أقْسَمَ بِهِ قَسَمًا أُدْمِجَتْ فِيهِ مِنَّةٌ.
وقِيلَ: ما وسَقَهُ اللَّيْلُ: النُّجُومُ، لِأنَّها تَظْهَرُ في اللَّيْلِ، فَشَبَّهَ ظُهُورَها فِيهِ بِوَسْقِ الواسِقِ أشْياءَ مُتَفَرِّقَةً. وهَذا أنْسَبُ بِعَطْفِ القَمَرِ عَلَيْهِ.
واتِّساقُ القَمَرِ: اجْتِماعُ ضِيائِهِ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الوَسْقِ بِمَعْنى الجَمْعِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، وذَلِكَ في لَيْلَةِ البَدْرِ، وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِهِ بِتِلْكَ الحالَةِ لِأنَّها مَظْهَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى النّاسِ بِضِيائِهِ.
وأصْلُ فِعْلِ اتَّسَقَ: اوْتَسَقَ قُلِبَتِ الواوُ تاءً فَوْقِيَّةً طَلَبًا لِإدْغامِها في تاءِ الِافْتِعالِ وهو قَلْبٌ مُطَّرِدٌ.
وجُمْلَةُ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ نُسِجَ نَظْمُها نَسْجًا مُجْمَلًا لِتَوْفِيرِ المَعانِي الَّتِي تَذْهَبُ إلَيْها أفْهامُ السّامِعِينَ، فَجاءَتْ عَلى أبْدَعِ ما يُنْسَجُ عَلَيْهِ الكَلامُ الَّذِي يُرْسَلُ إرْسالَ الأمْثالِ مِنَ الكَلامِ الجامِعِ البَدِيعِ النَّسْجِ الوافِرِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ كَثُرَتْ تَأْوِيلاتُ المُفَسِّرِينَ لَها.
فَلِمَعانِي الرُّكُوبِ المَجازِيَّةِ، ولِمَعانِي الطَّبَقِ مِن حَقِيقِيٍّ ومَجازِيٍّ، مُتَّسَعٌ لِما تُفِيدُهُ الآيَةُ مِنَ المَعانِي، وذَلِكَ ما جَعَلَ لِإيثارِ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ خُصُوصِيَّةً مِن أفْنانِ الإعْجازِ القُرْآنِيِّ.
فَأمّا فِعْلُ لَتَرْكَبُنَّ فَحَقِيقَتُهُ مُتَعَذَّرَةٌ هُنا ولَهُ مِنَ المَعانِي المَجازِيَّةِ المُسْتَعْمَلَةِ في الكَلامِ، أوِ الَّتِي يَصِحُّ أنْ تُرادَ في الآيَةِ عِدَّةٌ، مِنها الغَلَبُ والمُتابَعَةُ، والسُّلُوكُ، والِاقْتِحامُ، والمُلازَمَةُ، والرِّفْعَةُ.
صفحة ٢٢٨
وأصْلُ تِلْكَ المَعانِي إمّا اسْتِعارَةٌ وإمّا تَمْثِيلٌ يُقالُ: رَكِبَ أمْرًا صَعْبًا وارْتَكَبَ خَطَأً.
وأمّا كَلِمَةُ طَبَقٍ فَحَقِيقَتُها أنَّها اسْمٌ مُفْرَدٌ لِلشَّيْءِ المُساوِي شَيْئًا آخَرَ في حَجْمِهِ وقَدْرِهِ، وظاهِرُ كَلامِ الأساسِ والصِّحاحِ أنَّ المُساواةَ بِقَيْدِ كَوْنِ الطَّبَقِ أعْلى مِنَ الشَّيْءِ لِمُساوِيهِ فَهو حَقِيقَةٌ في الغِطاءِ، فَيَكُونُ في الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ لِمَعْنًى مُقَيَّدٍ كالخِوانِ والكَأْسِ، وظاهِرُ الكَشّافِ أنَّ حَقِيقَتَهُ مُطْلَقُ المُساواةِ، فَيَكُونُ قَيْدُ الِاعْتِلاءِ عارِضًا بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمالِ، يُقالُ: طابَقَ النَّعْلُ النَّعْلَ.
وأيّامّا كانَ فَهو اسْمٌ عَلى وزْنِ فَعَلٍ، إمّا مُشْتَقٌّ مِنَ المُطابَقَةِ كاشْتِقاقِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ ثُمَّ عُومِلَ مُعامَلَةَ الأسْماءِ وتُنُوسِيَ مِنهُ الِاشْتِقاقُ، وإمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ اسْمَ الطَّبَقِ وهو الغِطاءُ لُوحِظَ في التَّشْبِيهِ ثُمَّ تُنُوسِيَ ذَلِكَ فَجاءَتْ مِنهُ مادَّةُ المُطابَقَةِ بِمَعْنى المُساواةِ فَيَكُونُ مِنَ المُشْتَقّاتِ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ.
ويُطْلَقُ اسْمًا مُفْرَدًا لِلْغِطاءِ الَّذِي يُغَطّى بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ وافَقَ شَنٌّ طَبَقَةَ أيْ: غِطاءَهُ وهَذا مِنَ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ الغِطاءَ مُساوٍ لِما يُغَطِّيهِ. ويُطْلَقُ الطَّبَقُ عَلى الحالَةِ؛ لِأنَّها مُلابِسَةٌ لِصاحِبِها كَمُلابَسَةِ الطَّبَقِ لِما طُبِقَ عَلَيْهِ.
ويُطْلَقُ اسْمًا مُفْرَدًا أيْضًا عَلى شَيْءٍ مُتَّخَذٍ مِن أُدُمٍ أوْ عُودٍ ويُؤْكَلُ عَلَيْهِ وتُوضَعُ فِيهِ الفَواكِهُ ونَحْوُها، وكَأنَّهُ سُمِّيَ طَبَقًا لِأنَّ أصْلَهُ يُسْتَعْمَلُ غِطاءَ الآنِيَةِ فَتُوضَعُ فِيهِ أشْياءُ.
ويُطْلَقُ اسْمَ جَمْعٍ لِطَبَقَةٍ، وهي مَكانٌ فَوْقَ مَكانٍ آخَرَ مُعْتَبَرٍ مِثْلُهُ في المِقْدارِ إلّا أنَّهُ مُرْتَفِعٌ عَلَيْهِ، وهَذا مِنَ المَجازِ يُقالُ: أتانا طَبَقٌ مِنَ النّاسِ، أيْ: جَماعَةٌ.
ويُقارِنُ اخْتِلافُ مَعانِي اللَّفْظَيْنِ اخْتِلافَ مَعْنى (عَنْ) مِن مُجاوَزَةٍ وهي مَعْنًى حَقِيقِيٌّ، أوْ مِن مُرادَفَةِ كَلِمَةِ (بَعْدَ) وهو مَعْنًى مَجازِيٌّ.
وكَذَلِكَ اخْتِلافُ وجْهِ النَّصْبِ لِلَفْظِ طَبَقًا بَيْنَ المَفْعُولِ بِهِ والحالِ، وتَزْدادُ هَذِهِ المَحامِلُ إذا لَمْ تُقْصَرِ الجُمَلُ عَلى ما لَهُ مُناسَبَةٌ بِسِياقِ الكَلامِ مِن مَوْقِعِ الجُمْلَةِ عَقِبَ آيَةِ ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الإنشقاق: ٦] الآياتِ. ومِن وُقُوعِها بَعْدَ القَسَمِ المُشْعِرِ
صفحة ٢٢٩
بِالتَّأْكِيدِ، ومِنِ اقْتَضاءِ فِعْلِ المُضارَعَةِ بَعْدَ القَسَمِ أنَّهُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فَتَتَرَكَّبُ مِن هَذِهِ المَحامِلِ مَعانٍ كَثِيرَةٌ صالِحَةٌ لِتَأْوِيلِ الآيَةِ.
فَقِيلَ المَعْنى: لَتَرْكَبُنَّ حالًا بَعْدَ حالٍ، رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، والأظْهَرُ أنَّهُ تَهْدِيدٌ بِأهْوالِ القِيامَةِ فَتَنْوِينُ طَبَقٍ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ وعَنْ بِمَعْنى (بَعْدَ) والبُعْدِيَّةُ اعْتِبارِيَّةٌ، وهي بُعْدِيَّةُ ارْتِقاءٍ، أيْ: لَتُلاقُنَّ هَوْلًا أعْظَمَ مِن هَوْلٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] . وإطْلاقُ الطَّبَقِ عَلى الحالَةِ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ الحالَةَ مُطابِقَةٌ لِعَمَلِ صاحِبِها.
ورَوى أبُو نُعَيْمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ تَفْسِيرَ الأحْوالِ بِأنَّها أحْوالُ مَوْتٍ وإحْياءٍ، وحَشْرٍ، وسَعادَةٍ أوْ شَقاوَةٍ، ونَعِيمٍ أوْ جَحِيمٍ، كَما يَكْتُبُ اللَّهُ لِكُلِّ أحَدٍ عِنْدَ تَكْوِينِهِ رَواهُ جابِرٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وفي إسْنادِهِ ضُعَفاءُ. أوْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن شَدائِدِ القِيامَةِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ مَعَ اخْتِلافٍ في تَعْيِينِ الحالِ.
وقِيلَ: لَتَرْكَبُنَّ مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ عَلى أنَّ طَبَقًا اسْمُ مَنزِلَةٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أيْ: لَتَصِيرُنَّ مِن طَبَقِ الدُّنْيا إلى طَبَقِ الآخِرَةِ، أوْ إنَّ قَوْمًا كانُوا في الدُّنْيا مُتَّضِعِينَ فارْتَفَعُوا في الآخِرَةِ، فالتَّنْوِينُ فِيها لِلتَّفْرِيعِ.
وقِيلَ: مَن كانَ عَلى صَلاحٍ دَعاهُ إلى صَلاحٍ آخَرَ ومَن كانَ عَلى فَسادٍ دَعاهُ إلى فَسادِ فَوْقَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَجُرُّ إلى شَكْلِهِ، أيْ: فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اعْتِراضًا بِالمَوْعِظَةِ وتَكُونُ عَنْ عَلى هَذا عَلى حَقِيقَتِها لِلْمُجاوَزَةِ، والتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرُّكُوبُ مَجازًا في السَّيْرِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، أيْ: لَتَحْضُرُنَّ لِلْحِسابِ جَماعاتٍ بَعْدَ جَماعاتٍ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ [القيامة: ٣٠] وهَذا تَهْدِيدٌ لِمُنْكِرِيهِ، أيْ: يَكُونُ الرُّكُوبُ مُسْتَعْمَلًا في المُتابَعَةِ، أيْ: لَتَتَّبِعُنَّ. وحُذِفَ مَفْعُولُ تَرْكَبُنَّ بِتَقْدِيرِ: لَيَتَّبِعَنَّ بَعْضُكم بَعْضًا، أيْ: في تَصْمِيمِكم عَلى إنْكارِ البَعْثِ. ودَلِيلُ المَحْذُوفِ هو قَوْلُهُ: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ ويَكُونُ طَبَقًا مَفْعُولًا بِهِ وانْتِصابُ طَبَقًا إمّا عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَرْكَبُنَّ وإمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِهِ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِمَعانِي ألْفاظِ الآيَةِ.
صفحة ٢٣٠
ومَوْقِعُ ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ مَوْقِعُ النَّعْتِ لِـ طَبَقًا.
ومَعْنى عَنْ إمّا مَجازِيَّةٌ وأمّا مُرادِفَةٌ مَعْنى (بَعْدَ) وهو مَجازٌ ناشِئٌ عَنْ مَعْنى المُجاوَزَةِ، ولِذَلِكَ ضَمَّنَ النّابِغَةُ مَعْنى قَوْلِهِمْ (ورِثُوا المَجْدَ كابِرًا عَنْ كابِرٍ) غَيَّرَ حَرْفَ (عَنْ) إلى كَلِمَةَ (بَعْدَ) فَقالَ:
لِآلِ الجِلاحِ كابِرًا بَعْدَ كابِرٍ
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وأبُو جَعْفَرٍ (لَتَرْكَبُنَّ) بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ عَلى خِطابِ النّاسِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْإنْسانِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الإنشقاق: ٦] . وحُمِلَ أيْضًا عَلى أنَّ التّاءَ الفَوْقِيَّةَ تاءُ المُؤَنَّثَةِ الغائِبَةِ وأنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى السَّماءِ، أيْ: تَعْتَرِيها أحْوالٌ مُتَعاقِبَةٌ مِنَ الِانْشِقاقِ والطَّيِّ وكَوْنُها مَرَّةً كالدِّهانِ ومَرَّةً كالمُهْلِ. وقِيلَ: خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قِيلَ هي عِدَةٌ بِالنَّصْرِ، أيْ: لَتَرْكَبُنَّ أمْرَ العَرَبِ قَبِيلًا بَعْدَ قَبِيلٍ وفَتْحًا بَعْدَ فَتْحٍ، كَما وُجِدَ بَعْدَ ذَلِكَ أيْ: بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ حِينَ قَوِيَ جانِبُ المُسْلِمِينَ فَيَكُونُ بِشارَةً لِلْمُسْلِمِينَ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً بِالفاءِ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] وجُمْلَةِ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] . وهَذا الوَجْهُ يَجْرِي عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ.
84:20–21Page 589
فَمَا لَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠
So what is [the matter] with them [that] they do not believe,
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقُرۡءَانُ لَا يَسۡجُدُونَۤ۩ ٢١
And when the Qur’ān is recited to them, they do not prostrate [to Allāh]?
﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّفْرِيعُ عَلى ما ذُكِرَ مِن أحْوالِ مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ، وأُعِيدَ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِـ (مَن) المَوْصُولَةِ كُلُّ مَن تَحِقُّ فِيهِ الصِّلَةُ فَجَرى الضَّمِيرُ عَلى مَدْلُولِ (مَن) وهو الجَماعَةُ. والمَعْنى: فَما لَهم لا يَخافُونَ أهْوالَ يَوْمِ لِقاءِ اللَّهِ فَيُؤْمِنُوا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَرَّعًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] أيْ: إذا تَحَقَّقْتَ ذَلِكَ فَكَيْفَ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ الَّذِينَ أنْكَرُوهُ ؟ ! وجِيءَ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ خُصُوصُ المُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ
صفحة ٢٣١
شَمِلَهم لَفْظُ الإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ﴾ [الإنشقاق: ٦] لِأنَّ العِنايَةَ بِمَوْعِظَتِهِمْ أهَمُّ فالضَّمِيرُ التِفاتٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِالمُشْرِكِينَ بِاعْتِبارِ أنَّهم أهَمُّ في هَذِهِ المَواعِظِ، والضَّمِيرُ أيْضًا التِفاتٌ.
ويَجُوزُ تَفْرِيعُهُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ القَسَمُ مِنَ الأحْوالِ المُقْسَمِ بِها بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِ القَسَمِ بِها أنَّها دَلائِلُ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وتَفَرُّدِهِ بِالأُلْهِيَّةِ، فَفي ذِكْرِها تَذْكِرَةٌ بِدَلالَتِها عَلى الوَحْدانِيَّةِ، والِالتِفاتُ هو هو.
وتَرْكِيبُ ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ يَشْتَمِلُ عَلى ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ مُخْبِرٌ عَنْها بِالجارِّ والمَجْرُورِ، والجُمْلَةُ بَعْدَ لَهم حالٌ مِن ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ.
وهَذا الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ وفي إنْكارِ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ العَجِيبِ المُنْكَرِ أنْ يُسْألَ عَنْهُ، فاسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ في مَعْنى التَّعْجِيبِ والإنْكارِ مَجازٌ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ.
وجُمْلَةُ لا يُؤْمِنُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، فَإنَّها لَوْ وقَعَ في مَكانِها اسْمٌ لَكانَ مَنصُوبًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] والحالُ هي مَناطُ التَّعْجِيبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ القَوْلِ في تَرْكِيبِهِ وفي الصِّيَغِ الَّتِي ورَدَ عَلَيْها أمْثالُ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ومُتَعَلِّقُ يُؤْمِنُونَ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ: بِالبَعْثِ والجَزاءِ.
ويَجُوزُ تَنْزِيلُ فِعْلِ يُؤْمِنُونَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ: لا يَتَّصِفُونَ بِالإيمانِ، أيْ: ما سَبَبُ أنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، لِظُهُورِ دَلائِلَ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، فَكَيْفَ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الإشْراكِ بِهِ ؟ !
والمَعْنى: التَّعْجِيبُ والإنْكارُ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ مَعَ ظُهُورِ دَلائِلِ صِدْقِ ما دُعُوا إلَيْهِ وأُنْذِرُوا بِهِ.
صفحة ٢٣٢
و﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ عُطِفَ عَلى لا يُؤْمِنُونَ و﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ﴾ ظَرْفٌ قُدِّمَ عَلى عامِلِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ وتَنْوِيهِ شَأْنِ القُرْآنِ.
وقِراءَةُ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ قِراءَتُهُ قِراءَةَ تَبْلِيغٍ ودَعْوَةٍ، وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ جَماعاتٍ وأفْرادًا وقَدْ قالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ لا تَغُشُّنا بِهِ في مَجالِسِنا، وقَرَأ النَّبِيءُ ﷺ القُرْآنَ عَلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ كَما ذَكَرْناهُ في سُورَةِ عَبَسَ.
والسُّجُودُ مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنى الخُضُوعِ والخُشُوعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨] أيْ: إذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَخْضَعُونَ لِلَّهِ ولِمَعانِي القُرْآنِ وحُجَّتِهِ، ولا يُؤْمِنُونَ بِحَقِيقَتِهِ ودَلِيلُ هَذا المَعْنى مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: (﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٢]) .
ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَقْتَضِي أنَّ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ سَجْدَةً مِن سُجُودِ القُرْآنِ والأصَحُّ مِن قَوْلِ مالِكٍ وأصْحابِهِ أنَّها لَيْسَتْ مِن سُجُودِ القُرْآنِ خِلافًا لِابْنِ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ فَإنَّهُ جَعَلَ سُجُوداتِ القُرْآنِ أرْبَعَ عَشْرَةَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: هي سُنَّةٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: واجِبَةٌ. والأرْجَحُ أنَّ عَزائِمَ السُّجُودِ المَنسُوبَةَ إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً وهي الَّتِي رُوِيَتْ بِالأسانِيدِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الصَّحابَةِ. وإنَّ ثَلاثَ آياتٍ غَيْرَ الإحْدى عَشْرَةَ آيَةً رُوِيَتْ فِيها أخْبارٌ أنَّها سَجَدَ النَّبِيءُ ﷺ عِنْدَ قِراءَتِها مِنها هَذِهِ وعارَضَتْها رِواياتٌ أُخْرى فَهي إمّا قَدْ تَرَكَ سُجُودَها وإمّا لَمْ يُؤَكِّدْ ومِنها قَوْلُهُ تَعالى هُنا ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ . وقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: ”السُّجُودُ في سُورَةِ الِانْشِقاقِ قَوْلُ المَدَنِيِّينَ مِن أصْحابِ مالِكٍ“ . اهـ.
قُلْتُ: وهو قَوْلُ ابْنِ وهْبٍ ولا خُصُوصِيَّةَ لِهَذِهِ الآيَةِ، بَلْ ذَلِكَ في السَّجَداتِ الثَّلاثِ الزّائِدَةِ عَلى الإحْدى عَشْرَةَ، وقَدْ قالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ بَعْدَ أنْ رَوى حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ: ”الأمْرُ عِنْدَنا أنَّ عَزائِمَ السُّجُودِ إحْدى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ في المَفَصَّلِ مِنها شَيْءٌ“ . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ: سَجَداتُ التِّلاوَةِ أرْبَعَ عَشْرَةَ بِزِيادَةِ سَجْدَةِ سُورَةِ النَّجْمِ وسَجْدَةِ سُورَةِ الِانْشِقاقِ وسَجْدَةِ سُورَةِ العَلَقِ. وقالَ أحْمَدُ: هُنَّ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً بِزِيادَةِ السَّجْدَةِ في آخِرِ الآيَةِ مِن سُورَةِ الحَجِّ فَفِيها سَجْدَتانِ عِنْدَهُ.
صفحة ٢٣٣
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾
يَجُوزُ أنَّهُ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ مِنَ التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ، وإنْكارِهِ عَلَيْهِمْ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ والطَّعْنِ في القُرْآنِ، فالكَلامُ ارْتِقاءٌ في التَّعْجِيبِ والإنْكارِ.
فالإخْبارُ عَنْهم بِأنَّهم يُكَذِّبُونَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ والإنْكارِ، فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بِالفِعْلِ المُضارِعِ الَّذِي يَسْتَرْوِحُ مِنهُ اسْتِحْضارَ الحالَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَلْ إضْرابًا إبْطالِيًّا، أيْ: لا يُوجَدُ ما لِأجْلِهِ لا يُؤْمِنُونَ ولا يُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ، بَلِ الواقِعُ بِضِدِّ ذَلِكَ فَإنَّ بَواعِثَ الإيمانِ مِنَ الدَّلائِلِ مُتَوَفِّرَةٌ ودَواعِي الِاعْتِرافِ بِصِدْقِ القُرْآنِ والخُضُوعِ لِدَعْوَتِهِ مُتَظاهِرَةٌ ولَكِنَّهم يُكَذِّبُونَ، أيْ: يَسْتَمِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ عِنادًا وكِبْرِياءَ ويُومِئُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] .
وهَذانِ المَعْنَيانِ نَظِيرُ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الِانْفِطارِ ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] .
وفِي اجْتِلابِ الفِعْلِ المُضارِعِ دَلالَةٌ عَلى حُدُوثِ التَّكْذِيبِ مِنهم وتَجَدُّدِهِ، أيْ: بَلْ هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ عِنادًا ولَيْسَ ذَلِكَ اعْتِقادًا، فَكَما نُفِيَ عَنْهم تَجَدُّدُ الإيمانِ وتَجَدُّدُ الخُضُوعِ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ أُثْبِتَ لَهم تَجَدُّدُ التَّكْذِيبِ.
وقَوْلُهُ: الَّذِينَ كَفَرُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: بَلْ هم يُكَذِّبُونَ، فَعُدِلَ إلى المَوْصُولِ والصِّلَةِ لِما تُؤْذِنُ بِها الصِّلَةُ مِن ذَمِّهِمْ بِالكُفْرِ لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ أنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ لِتَأصُّلِ الكُفْرِ فِيهِمْ وكَوْنِهِمْ يُنْعَتُونَ بِهِ.
84:23Page 589
وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣
And Allāh is most knowing of what they keep within themselves.
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ .
اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٢] وجُمْلَةِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] وهو كِنايَةٌ عَنِ الإنْذارِ والتَّهْدِيدِ بِأنَّ اللَّهَ يُجازِيهِمْ بِسُوءِ طَوِيَّتِهِمْ.
صفحة ٢٣٤
ومَعْنى ﴿بِما يُوعُونَ﴾ بِما يُضْمِرُونَ في قُلُوبِهِمْ مِنَ العِنادِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ما جاءَ بِهِ القُرْآنُ حَقٌّ، ولَكِنَّهم يُظْهِرُونَ التَّكْذِيبَ بِهِ لِيَكُونَ صُدُودُهم عَنْهُ مَقْبُولًا عِنْدَ أتْباعِهِمْ وبَيْنَ مُجاوِرِيهِمْ.
وأصْلُ مَعْنى الإيعاءِ: جَعْلُ الشَّيْءِ وِعاءً والوِعاءُ بِكَسْرِ الواوِ الظَّرْفُ لِأنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ، ثُمَّ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى جَمْعِ الأشْياءِ لِئَلّا تَفُوتَ فَصارَ مُشْعِرًا بِالتَّقْتِيرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَمَعَ فَأوْعى﴾ [المعارج: ١٨] وفي الحَدِيثِ: «لا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ» واسْتُعْمِلَ في هَذِهِ الآيَةِ في الإخْفاءِ؛ لِأنَّ الإيعاءَ يَسْتَلْزِمُ الإخْفاءَ فَهو هُنا مَجازٌ مُرْسَلٌ.
﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٢] .
وفِعْلُ بَشِّرْهم مُسْتَعارٌ لِلْإنْذارِ والوَعِيدِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ التَّبْشِيرِ الإخْبارُ بِما يَسُرُّ ويَنْفَعُ، فَلَمّا عُلِّقَ بِالفِعْلِ عَذابٌ ألِيمٌ كانَتْ قَرِينَةُ التَّهَكُّمِ كَنارٍ عَلى عَلَمٍ، وهو مِن قَبِيلِ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ:
قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِـراكُـمْ قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونًا
84:25Page 589
إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونِۭ ٢٥
Except for those who believe and do righteous deeds. For them is a reward uninterrupted.
﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا: إمّا عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] جَرْيًا عَلى تَأْوِيلِهِ بِرُكُوبِ طِباقِ الشَّدائِدِ والأهْوالِ يَوْمَ القِيامَةِ وما هو في مَعْنى ذَلِكَ مِنَ التَّهْدِيدِ.
وإمّا عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ في فَبَشِّرْهم والمَعْنى: إلّا الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ مِنَ الَّذِينَ هم مُشْرِكُونَ الآنَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] وقَوْلِهِ في سُورَةِ البُرُوجِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: ١٠]
صفحة ٢٣٥
الآيَةَ وفِعْلُ آمَنُوا عَلى هَذا الوَجْهِ مُرادٌ بِهِ المُسْتَقْبَلُ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَعْنى: مَن تَحَقَّقَ إيمانُهم، وما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] إلى هُنا تَفْرِيعٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ خُصَّ بِهِ الأهَمُّ مِمَّنْ شَمِلَهم عُمُومُ ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] .
وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ مِن ضَمِيرِ فَبَشِّرْهم فَهو داخِلٌ في التَّبْشِيرِ المُسْتَعْمَلِ في التَّهَكُّمِ زِيادَةً في إدْخالِ الحُزْنِ عَلَيْهِمْ. فَحَرْفُ إلّا بِمَنزِلَةِ (لَكِنْ) والِاسْتِدْراكُ بِهِ لِمُجَرَّدِ المُضادَّةِ لا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ إرادَةِ ضِدِّ ذَلِكَ ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في الِاسْتِدْراكِ، وأمّا تَعْرِيفُ بَعْضِهِمُ الِاسْتِدْراكَ بِأنَّهُ تَعْقِيبُ الكَلامِ بِرَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ أوْ نَفْيُهُ، فَهو تَعْرِيفٌ تَقْرِيبِيٌّ.
وجُمْلَةُ ﴿لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّ سائِلًا سَألَ: كَيْفَ حالُهم يَوْمَ يَكُونُ أُولَئِكَ في عَذابٍ ألِيمٍ ؟ والأجْرُ غَيْرُ المَمْنُونِ هو الَّذِي يُعْطاهُ صاحِبُهُ مَعَ كَرامَةٍ بِحَيْثُ لا يَعْرِضُ لَهُ بِمِنَّةٍ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ونَحْوُهُ مِمّا ذُكِرَ فِيهِ مَعَ الجَزاءِ سَبَبُهُ، والمَعْنى: أنَّ أجْرَهم سُرُورٌ لَهم لا تَشُوبُهُ شائِبَةُ كَدَرٍ، فَإنَّ المَنَّ يُنَغِّصُ الإنْعامَ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] وقالَ النّابِغَةُ:
عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبِ
ومِن نَوابِغِ الكَلِمِ لِلْعَلّامَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ: طَعْمُ الآلاءِ أحْلى مِنَ المَنِّ. وهو أمَرُّ مِنَ الآلاءِ مَعَ المَنِّ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِمَعْنى غَيْرِ مَقْطُوعٍ يُقالُ: مَنَنْتَ الحَبْلَ، إذا قَطَعْتَهُ، قالَ تَعالى: ﴿وفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢] ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٣] .
سَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ الخارِجِيَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: غَيْرُ مَمْنُونٍ فَقالَ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ فَقالَ: هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ قَدْ عَرَفَهُ أخُو يَشْكُرَ يَعْنِي: الحارِثَ بْنَ حِلِّزَةَ حَيْثُ يَقُولُ:
فَتَرى خَلْفَهُنَّ مِن سُرْعَةِ الرجْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَـأنَّـهُ أهْـبَـاءُ
المَنِينُ: الغُبارُ لِأنَّها تَقْطَعُهُ وراءَها.
* * *
صفحة ٢٣٦
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ البُرُوجِ
رَوى أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ» . وهَذا ظاهِرٌ في أنَّها تُسَمّى (سُورَةُ السَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ)؛ لِأنَّهُ لَمْ يَحْكِ لَفْظَ القُرْآنِ، إذْ لَمْ يَذْكُرِ الواوَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ أنْ يُقْرَأ في العَشاءِ بِالسَّماواتِ»، أيْ: (السَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ) و(السَّماءِ والطّارِقِ) فَجَمَعَها جَمْعَ سَماءٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَ السُّورَتَيْنِ: سُورَةُ السَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ، سُورَةُ السَّماءِ والطّارِقِ.
وسُمِّيَتْ في المَصاحِفِ وكُتُبِ السُّنَّةِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةُ البُرُوجِ) .
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِاتِّفاقٍ.
ومَعْدُودَةٌ السّابِعَةَ والعِشْرِينَ في تَعْدادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ (والشَّمْسِ وضُحاها) وسُورَةِ (التِّينِ) .
وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ آيَةً.
* * *
مِن أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ
ابْتُدِئَتْ أغْراضُ هَذِهِ السُّورَةِ بِضَرْبِ المَثَلِ لِلَّذِينَ فَتَنُوا المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ بِأنَّهم مِثْلُ قَوْمٍ فَتَنُوا فَرِيقًا مِمَّنْ آمَنَ بِاللَّهِ فَجَعَلُوا أُخْدُودًا مِن نارٍ لِتَعْذِيبِهِمْ، لِيَكُونَ المَثَلُ تَثْبِيتًا لِلْمُسْلِمِينَ وتَصْبِيرًا لَهم عَلى أذى المُشْرِكِينَ وتَذْكِيرَهم بِما جَرى عَلى سَلَفِهِمْ في الإيمانِ مِن شِدَّةِ التَّعْذِيبِ الَّذِي لَمْ يَنَلْهم مِثْلُهُ ولَمْ يَصُدَّهم ذَلِكَ عَنْ دِينِهِمْ.
صفحة ٢٣٧
وإشْعارُ المُسْلِمِينَ بِأنَّ قُوَّةَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ، فَسَيَلْقى المُشْرِكُونَ جَزاءَ صَنِيعِهِمْ ويَلْقى المُسْلِمُونَ النَعِيمَ الأبَدِيَّ والنَّصْرَ.
والتَّعْرِيضُ لِلْمُسْلِمِينَ بِكَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وضُرِبَ المَثَلُ بِقَوْمِ فِرْعَوْنَ وبِثَمُودَ وكَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِمْ ما كَذَّبُوا الرُّسُلَ فَحَصَلَتِ العِبْرَةُ لِلْمُشْرِكِينَ في فَتْنِهِمُ المُسْلِمِينَ وفي تَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences