Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'la 87:9–19
87:9–13Page 591
فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ ٩
So remind, if the reminder should benefit;1
سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ١٠
He who fears [Allāh] will be reminded.
وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى ١١
But the wretched one will avoid it –
ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ١٢
[He] who will [enter and] burn in the greatest Fire,
ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ١٣
Neither dying therein nor living.
﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ .
بَعْدَ أنْ ثَبَّتَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ تَكَفَّلَ لَهُ ما أزالَ فَرَقَهُ مِن أعْباءِ الرِّسالَةِ وما اطْمَأنَّتْ بِهِ نَفْسُهُ مِن دَفْعِ ما خافَهُ مِن ضَعْفٍ عَنْ أدائِهِ الرِّسالَةَ عَلى وجْهِها وتَكَفَّلَ لَهُ دَفْعَ نِسْيانِ ما يُوحى إلَيْهِ إلّا ما كانَ إنْساؤُهُ مُرادًا لِلَّهِ تَعالى. ووَعْدُهُ بِأنَّهُ وفَّقَهُ وهَيَّأهُ لِذَلِكَ ويَسَّرَهُ عَلَيْهِ، إذْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ وهو في مَبْدَأِ عَهْدِهِ بِالرِّسالَةِ إذْ كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ثامِنَةَ السُّوَرِ لا يَعْلَمُ ما سَيَتَعَهَّدُ اللَّهُ بِهِ فَيَخْشى أنْ يُقَصِّرَ عَنْ مُرادِ اللَّهِ فَيَلْحَقُهُ غَضَبٌ مِنهُ أوْ مَلامٌ. أعْقَبَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ، أيِ: التَّبْلِيغِ، أيْ: بِالِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ، إرْهافًا لِعَزْمِهِ، وشَحْذًا لِنَشاطِهِ لِيَكُونَ إقْبالُهُ عَلى
صفحة ٢٨٤
التَّذْكِيرِ بِشَراشِرِهِ، فَإنَّ امْتِثالَ الأمْرِ إذا عاضَدَهُ إقْبالُ النَّفْسِ عَلى فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ كانَ فِيهِ مَسَرَّةٌ لِلْمَأْمُورِ، فَجَمَعَ بَيْنَ أداءِ الواجِبِ وإرْضاءِ الخاطِرِ.
فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما تَقَدَّمَ تَفْرِيعُ النَّتِيجَةِ عَلى المُقَدِّماتِ.
والأمْرُ: مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ.
والتَّذْكِيرُ: تَبْلِيغُ الذِّكْرِ وهو القُرْآنُ.
والذِّكْرى: اسْمُ مَصْدَرِ التَّذْكِيرِ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ عَبَسَ.
ومَفْعُولُ فَذَكِّرْ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ: فَذَكِّرِ النّاسَ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ الآيَتَيْنِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُعَلَّلَةِ وعِلَّتِها، وهَذا الِاعْتِراضُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى العُمُومِ الَّذِي اقْتَضاهُ حَذْفُ مَفْعُولِ فَذَكِّرْ، أيْ: فَدُمْ عَلى تَذْكِيرِ النّاسِ كُلِّهِمْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى جَمِيعَهم، أيْ: وهي لا تَنْفَعُ إلّا البَعْضَ وهو الَّذِي يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ الآيَةَ.
فالشَّرْطُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالجُمْلَةِ ولا تَقْيِيدًا لِمَضْمُونِها، إذْ لَيْسَ المَعْنى: فَذَكِّرْ إذا كانَ لِلذِّكْرى نَفْعٌ، حَتّى يُفْهَمَ مِنهُ بِطَرِيقِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ أنْ لا تُذَكِّرَ إذا لَمْ تَنْفَعِ الذِّكْرى، إذْ لا وجْهَ لِتَقْيِيدِ التَّذْكِيرِ بِما إذا كانَتِ الذِّكْرى نافِعَةً إذْ لا سَبِيلَ إلى تَعَرُّفِ مَواقِعِ نَفْعِ الذِّكْرى، ولِذَلِكَ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] مُؤَوَّلًا بِأنَّ المَعْنى فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ فَيَتَذَكَّرُ مَن يَخافُ وعِيدِ، بَلِ المُرادُ فَذَكِّرِ النّاسَ كافَّةً إنْ كانَتِ الذِّكْرى تَنْفَعُ جَمِيعَهم، فالشَّرْطُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْكِيكِ؛ لِأنَّ أصْلَ الشَّرْطِ بِـ إنْ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مَقْطُوعٍ بِوُقُوعِهِ، فالدَّعْوَةُ عامَّةٌ وما يَعْلَمُهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ النّاسِ في قَبُولِ الهُدى وعَدَمِهِ أمْرٌ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، فَأبُو جَهْلٍ مَدْعُوٌّ لِلْإيمانِ واللَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ لَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخُصَّ بِالدَّعْوَةِ مَن يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ دُونَ غَيْرِهِمْ، والواقِعُ يَكْشِفُ المَقْدُورَ.
وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ في القَوْمِ مَن لا تَنْفَعُهُ الذِّكْرى وذَلِكَ يُفْهَمُ مِنِ اجْتِلابِ حَرْفِ إنِ المُقْتَضِي عَدَمَ احْتِمالِ وُقُوعِ الشَّرْطِ أوْ نُدْرَةِ وُقُوعِهِ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ بِقَوْلِهِ:
صفحة ٢٨٥
﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ فَهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: فَذَكِّرْ وما لَحِقَهُ مِنَ الِاعْتِراضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ المُشْعِرِ بِأنَّ التَّذْكِيرَ لا يَنْتَفِعُ بِهِ جَمِيعُ المُذَكَّرِينَ.
وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: تَنْفَعُ أوْلِيائِي ولا تَنْفَعُ أعْدائِي، وفي هَذا ما يُرِيكَ مَعْنى الآيَةِ واضِحًا لا غُبارَ عَلَيْهِ ويَدْفَعُ حَيْرَةَ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَأْوِيلِ مَعْنى إنْ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ الفَرّاءِ والنُّحاسِ: إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى وإنْ لَمْ تَنْفَعْ، وأنَّهُ اقْتَصَرَ عَلى القَسَمِ الواحِدِ لِدَلالَتِهِ عَلى الثّانِي.
ويَذَّكَّرُ: مُطاوِعُ ذَكَّرَهُ. وأصْلُهُ: يَتَذَكَّرُ، فَقُلِبَتِ التّاءُ ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما لِيَأْتِيَ إدْغامُها في الذّالِ الأُخْرى.
و﴿مَن يَخْشى﴾: جِنْسٌ لا فَرْدٌ مُعَيَّنٌ أيْ: سَيَتَذَكَّرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ. والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في يَخْشى مُراعًى فِيهِ لَفْظُ مِن فَإنَّهُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ.
وقَدْ نُزِّلَ فِعْلُ يَخْشى مَنزِلَةَ اللّازِمِ فَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُ المَفْعُولُ، أيْ: يَتَذَكَّرُ مِنَ الخَشْيَةِ فِكْرَتَهُ وجِبِلَّتَهُ، أيْ: مَن يَتَوَقَّعُ حُصُولَ الضُّرِّ والنَّفْعِ فَيَنْظُرُ في مَظانِّ كُلٍّ ويَتَدَبَّرُ في الدَّلائِلِ؛ لِأنَّهُ يَخْشى أنْ يَحِقَّ عَلَيْهِ ما أُنْذِرَ بِهِ.
والخَشْيَةُ: الخَوْفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] في سُورَةِ طه، والخَشْيَةُ ذاتُ مَراتِبَ وفي دَرَجاتِها يَتَفاضَلُ المُؤْمِنُونَ.
والتَّجَنُّبُ: التَّباعُدُ، وأصْلُهُ تَفَعَّلَ لِتَكَلُّفِ الكَيْنُونَةِ بِجانِبٍ مِن شَيْءٍ.
والجانِبُ: المَكانُ الَّذِي هو طَرَفٌ لِغَيْرِهِ، وتَكَلُّفُ الكَيْنُونَةِ بِهِ كِنايَةٌ عَنْ طَلَبِ البُعْدِ أيْ: بِمَكانٍ بَعِيدٍ مِنهُ، أيْ: يَتَباعَدُ عَنِ الذِّكْرى الأشْقى.
والتَّعْرِيفُ في الأشْقى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيِ: الأشْقَوْنَ.
والأشْقى هو شَدِيدُ الشِّقْوَةِ والشِّقْوَةُ والشَّقاءُ في لِسانِ الشَّرْعِ الحالَةُ النّاشِئَةُ في الآخِرَةِ عَنِ الكُفْرِ مِن حالَةِ الإهانَةِ والتَّعْذِيبِ، وعِنْدَنا أنَّ مِن عُلِمَ إلى مَوْتِهِ مُؤْمِنًا فَلَيْسَ بِشَقِيٍّ.
فالأشْقى: هو الكافِرُ لِأنَّهُ أشَدُّ النّاسِ شَقاءً في الآخِرَةِ لِخُلُودِهِ في النّارِ.
صفحة ٢٨٦
وتَعْرِيفُ الأشْقى تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فَيَشْمَلُ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن حَمَلَهُ عَلى العَهْدِ فَقالَ: أُرِيدَ بِهِ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، أوْ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ.
ووَصْفُ الأشْقى بِـ ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾؛ لِأنَّ إطْلاقَ الأشْقى في هَذِهِ الآيَةِ في صَدْرِ مُدَّةِ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَكانَ فِيهِ مِنَ الإبْهامِ ما يَحْتاجُ إلى البَيانِ فَأُتْبِعَ بِوَصْفٍ يُبَيِّنُهُ في الجُمْلَةِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ مِن قَبْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
ومُقابَلَةُ ﴿مَن يَخْشى﴾ بِـ الأشْقى تُؤْذِنُ بِأنَّ الأشْقى مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَخْشى فَهو سادِرٌ في غُرُورِهِ مُنْغَمِسٌ في لَهْوِهِ فَلا يَتَطَلَّبُ لِنَفْسِهِ تَخَلُّصًا مِن شَقائِهِ.
ووَصْفُ النّارِ بِـ الكُبْرى لِلتَّهْوِيلِ والإنْذارِ والمُرادُ بِها جَهَنَّمُ.
وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ فَهي صِلَةٌ ثانِيَةٌ.
وثُمَّ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْطُوفَها مُتَراخِي الرُّتْبَةِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ وهو شِدَّةُ العَذابِ، فَإنَّ تَرَدُّدَ حالِهِ بَيْنَ الحَياةِ والمَوْتِ وهو في عَذابِ الِاحْتِراقُ عَذابٌ أشَدُّ مِمّا أفادَهُ أنَّهُ في عَذابِ الِاحْتِراقِ. ضَرُورَةُ أنَّ الِاحْتِراقَ واقِعٌ وقَدْ زِيدَ فِيهِ دَرَجَةُ أنَّهُ لا راحَةَ مِنهُ بِمَوْتٍ ولا مَخْلَصَ مِنهُ بِحَياةٍ.
فَمَعْنى ﴿لا يَمُوتُ﴾: لا يَزُولُ عَنْهُ الإحْساسُ، فَإنَّ المَوْتَ فُقْدانُ الإحْساسِ مَعَ ما في هَذِهِ الحالَةِ مِنَ الأُعْجُوبَةِ، وهي مِمّا يُؤَكِّدُ اعْتِبارَ تَراخِي الرُّتْبَةِ في هَذا التَّنْكِيلِ.
وتَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْيا﴾ احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنْ يُرادَ بِنَفْيِ المَوْتِ عَنْهم أنَّهُمُ اسْتَراحُوا مِنَ العَذابِ لِما هو مُتَعارَفٌ مِن أنَّ الِاحْتِراقَ يُهْلِكُ المُحْرَقَ، فَإذا قِيلَ ﴿لا يَمُوتُ﴾ تَوَهَّمَ المُنْذَرُونَ أنَّ ذَلِكَ الِاحْتِراقَ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الإهْلاكِ فَيَبْقى المُحْرَقُ حَيًّا فَيُظَنُّ أنَّهُ إحْراقٌ هَيِّنٌ، فَيَكُونُ مَسْلاةً لِلْمُهَدَّدِينَ، فَلِدَفْعِ ذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا يَحْيا﴾، أيْ: حَياةً خالِصَةً مِنَ الآلامِ والقَرِينَةُ عَلى الوَصْفِ المَذْكُورِ مُقابَلَةُ ولا يَحْيا بِقَوْلِهِ: ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ .
صفحة ٢٨٧
ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ نَفْيِ وصْفَيْنِ لِإثْباتِ حالَةٍ وسَطٍ بَيْنَ حالَتَيْهِما مِثْلَ ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] وقَوْلِ إحْدى نِساءِ أُمِّ زَرْعٍ: ”لا حَرَّ ولا قَرَّ“ . لِأنَّ ذَلِكَ لا طائِلَ تَحْتَهُ.
ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ نَفْيَ الحَياةِ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ الخَلاصِ بِناءً عَلى أنَّ لازِمَ الإحْراقِ الهَلاكُ ولازِمَ الحَياةِ عَدَمُ الهَلاكِ.
وفِي الآيَةِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ لِأجْلِ التَّضادِ الظّاهِرِ بَيْنَ لا يَمُوتُ ولا يَحْيا.
87:14–15Page 591
قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤
He has certainly succeeded who purifies himself
وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ١٥
And mentions the name of his Lord and prays.
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ ذِكْرَ ﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] وذِكْرَ الأشْقى يُثِيرُ اسْتِشْرافَ السّامِعِ لِمَعْرِفَةِ أثَرِ ذَلِكَ فابْتُدِئَ بِوَصْفِ أثَرِ الشَّقاوَةِ فَوَصَفَ الأشْقى بِأنَّهُ ﴿يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] وأخَّرَ ذِكْرَ ثَوابِ الأتْقى تَقْدِيمًا لِلْأهَمِّ في الغَرَضِ وهو بَيانُ جَزاءِ الأشْقى الَّذِي يَتَجَنَّبُ الذِّكْرى، وبَقِيَ السّامِعُ يَنْتَظِرُ أنْ يَعْلَمَ جَزاءَ مَن يَخْشى ويَتَذَكَّرُ، فَلَمّا وُفِّيَ حَقُّ المَوْعِظَةِ والتَّرْهِيبَةِ اسْتُؤْنِفَ الكَلامُ لِبَيانِ المَثُوبَةِ والتَّرْغِيبِ. فالمُرادُ بِـ ﴿مَن تَزَكّى﴾ هَنا عَيْنُ المُرادِ بِـ (﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠]) و(يَذَّكَّرُ) فَقَدْ عُرِفَ هُنا بِأنَّهُ الَّذِي ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ، فَلا جَرَمَ أنَّ ذِكْرَ اسْمِ رَبِّهِ هو التَّذَكُّرُ بِالذِّكْرى، فالتَّذَكُّرُ هو غايَةُ الذِّكْرى المَأْمُورِ بِها الرَّسُولُ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: فَذَكِّرْ.
وقَدْ جُمِعَتْ أنْواعُ الخَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ فَإنَّ الفَلاحَ نَجاحُ المَرْءِ فِيما يَطْمَحُ إلَيْهِ فَهو يَجْمَعُ مَعْنَيَيِ الفَوْزِ والنَّفْعِ وذَلِكَ هو الظَّفَرُ بِالمُبْتَغى مِنَ الخَيْرِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ في البَقَرَةِ.
والإتْيانُ بِفِعْلِ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: أفْلَحَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى المُحَقَّقِ وُقُوعِهِ مِنَ الآخِرَةِ، واقْتِرانِهِ بِحَرْفِ قَدْ لِتَحْقِيقِهِ وتَثْنِيَتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] وقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] لِأنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلى الأشْقَيْنَ الَّذِينَ تَجَنَّبُوا الذِّكْرى إثارَةً لِهِمَّتِهِمْ في الِالتِحاقِ بِالَّذِينَ خَشَوْا فَأفْلَحُوا.
ومَعْنى تَزَكّى: عالَجَ أنْ يَكُونَ زَكِيًّا، أيْ: بَذَلَ اسْتِطاعَتَهُ في تَطْهِيرِ نَفْسِهِ وتَزْكِيَتِها كَما قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] .
صفحة ٢٨٨
فَمادَّةُ التَّفَعُّلِ لِلتَّكَلُّفِ وبِذْلِ الجُهْدِ، وأصْلُ ذَلِكَ هو التَّوْحِيدُ والِاسْتِعْدادُ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي جاءَ بِها الإسْلامُ ويَجِيءُ بِها، فَيَشْمَلُ زَكاةَ الأمْوالِ.
أخْرَجَ البَزّارُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ قالَ: مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وخَلَعَ الأنْدادَ، وشَهِدَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ قالَ: هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ والمُحافَظَةُ عَلَيْها والِاهْتِمامُ بِها»، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ.
وقَدَّمَ التَّزَكِّيَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ والصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ أصْلُ العَمَلِ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَإنَّهُ إذا تَطَهَّرَتِ النَّفْسُ أشْرَقَتْ فِيها أنْوارُ الهِدايَةِ فَعَلِمَتْ مَنافِعَها وأكْثَرَتْ مِنَ الإقْبالِ عَلَيْها، فالتَّزْكِيَةُ: الِارْتِياضُ عَلى قَبُولِ الخَيْرِ والمُرادُ تَزَكّى بِالإيمانِ.
وفِعْلُ ﴿ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ الَّذِي هو بِكَسْرِ الذّالِ فَيَكُونُ كَلِمَةُ ﴿اسْمَ رَبِّهِ﴾ مُرادًا بِها ذِكْرُ أسْماءِ اللَّهِ بِالتَّعْظِيمِ، مِثْلَ قَوْلِ (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ)، وقَوْلِ (اللَّهُ أكْبَرُ) و(سُبْحانَ اللَّهِ)، ونَحْوِ ذَلِكَ عَلى ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ وهو حُضُورُ الشَّيْءِ في النَّفْسِ الذّاكِرَةِ والمُفَكِّرَةِ فَتَكُونُ كَلِمَةُ اسْمَ مُقْحَمَةً لِتَدُلَّ عَلى شَأْنِ اللَّهِ وصِفاتِ عَظَمَتِهِ، فَإنَّ أسْماءَ اللَّهِ أوْصافُ كَمالٍ.
وتَفْرِيعُ فَصَلّى عَلى ﴿ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ؛ لِأنَّ الذِّكْرَ بِمَعْنَيَيْهِ يَبْعَثُ الذّاكِرَ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالصَّلاةِ الَّتِي هي خُضُوعٌ وثَناءٌ.
وقَدْ رُتِّبَتْ هَذِهِ الخِصالُ الثَّلاثُ في الآيَةِ عَلى تَرْتِيبِ تَوَلُّدِها. فَأصْلُها: إزالَةُ الخَباثَةِ النَّفْسِيَّةِ مِن عَقائِدَ باطِلَةٍ وحَدِيثِ النَّفْسِ بِالمُضْمِراتِ الفاسِدَةِ وهي المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: تَزَكّى، ثُمَّ اسْتِحْضارُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ بِصِفاتِ كَمالِهِ وحِكْمَتِهِ لِيَخافَهُ ويَرْجُوَهُ وهو المُشارُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ ثُمَّ الإقْبالُ عَلى طاعَتِهِ وعِبادَتِهِ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: فَصَلّى والصَّلاةُ تُشِيرُ إلى العِبادَةِ وهي في ذاتِها طاعَةٌ وامْتِثالٌ يَأْتِي بَعْدَهُ ما يُشْرَعُ مِنَ الأعْمالِ قالَ تَعالى: إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ.
87:16–17Page 592
بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ١٦
But you prefer the worldly life,
وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ١٧
While the Hereafter is better and more enduring.
صفحة ٢٨٩
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ تُؤْثِرُونَ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ بِصِيغَةِ الخِطابِ، والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ وهو التِفاتٌ، وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ عائِدًا إلى ﴿الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] .
وحَرْفُ بَلْ مَعْناهُ الجامِعُ هو الإضْرابُ، أيِ: انْصِرافُ القَوْلِ أوِ الحُكْمِ إلى ما يَأْتِي بَعْدَ بَلْ فَهو إذا عَطَفَ المُفْرِداتِ كانَ الإضْرابُ إبْطالًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ: لِغَلَطٍ في ذِكْرِ المَعْطُوفِ أوْ لِلِاحْتِرازِ عَنْهُ فَذَلِكَ انْصِرافٌ عَنِ الحُكْمِ. وإذا عَطَفَ الجُمَلَ فَعَطْفُهُ عَطْفُ كَلامٍ عَلى كَلامٍ وهو عَطْفٌ لَفْظِيٌّ مُجَرَّدٌ عَنِ التَّشْرِيكِ في الحُكْمِ ويَقَعُ عَلى وجْهَيْنِ، فَتارَةً يُقْصَدُ إبْطالُ مَعْنى الكَلامِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠] فَهو انْصِرافٌ في الحُكْمِ، وتارَةً يُقْصَدُ مُجَرَّدُ التَّنَقُّلِ مِن خَبَرٍ إلى آخَرَ مَعَ عَدَمِ إبْطالِ الأوَّلِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ﴾ [المؤمنون: ٦٢] فَتَكُونُ بَلْ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ دَعْ هَذا فَهَذا انْصِرافٌ قَوْلِيٌّ، ويُعْرَفُ أحَدُ الإضْرابَيْنِ بِالقَرائِنِ والسِّياقِ.
وبَلْ هُنا عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَطْفًا صُورِيًّا، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِمُجَرَّدِ الِانْتِقالِ مِن ذِكْرِ المُنْتَفِعِينَ بِالذِّكْرى والمُتَجَنِّبِينَ لَها، إلى ذِكْرِ سَبَبِ إعْراضِ المُتَجَنِّبِينَ وهُمُ الأشْقَوْنَ بِأنَّ السَّبَبَ إيثارُهُمُ الحَياةَ الدُّنْيا، وذَلِكَ عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ظاهِرٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَهو إضْرابٌ عَنْ حِكايَةِ أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ بِالِانْتِقالِ إلى تَوْبِيخِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ وهو الفَرِيقُ الأشْقى، فالخِطابُ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ السّامِعِ لِكَيْ لا تَنْقَضِيَ السُّورَةُ كُلُّها في الإخْبارِ عَنْهم بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإضْرابُ إبْطالًا لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] مِنَ التَّعْرِيضِ لِلَّذِينَ شَقُوا بِتَحْرِيضِهِمْ عَلى طَلَبِ الفَلاحِ لِأنْفُسِهِمْ لِيَلْتَحِقُوا بِالَّذِينَ يَخْشَوْنَ ويَتَزَكَّوْنَ لِيَبْطُلَ أنْ يَكُونُوا مَظِنَّةَ تَحْصِيلِ الفَلاحِ.
والمَعْنى: أنَّهم بُعَداءُ عَنْ أنْ يُظَنَّ بِهِمُ التَّنافُسُ في طَلَبِ الفَلاحِ؛ لِأنَّهم يُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا، فالمَعْنى: بَلْ أنْتُمْ تُؤْثِرُونَ مَنافِعَ الدُّنْيا عَلى حُظُوظِ الآخِرَةِ، وهَذا كَما يَقُولُ النّاصِحُ شَخْصًا يَظُنُّ أنَّهُ لا يَنْتَصِحُ: ”لَقَدْ نَصَحْتُكَ وما أظُنُّكَ تَفْعَلُ“ .
صفحة ٢٩٠
ويَجِيءُ فِيهِ الوَجْهانِ المُتَقَدِّمانِ مِنَ الخِطابِ والغَيْبَةِ عَلى القِراءَتَيْنِ.
والإيثارُ: اخْتِيارُ شَيْءٍ مِن بَيْنِ مُتَعَدِّدٍ.
والمَعْنى: تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِعِنايَتِكم واهْتِمامِكم.
ولَمْ يُذْكَرِ المُؤْثَرُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الحَياةَ الدُّنْيا تَدُلُّ عَلَيْهِ، أيْ: لا تَتَأمَّلُونَ فِيما عَدا حَياتِكم هَذِهِ ولا تَتَأمَّلُونَ في حَياةٍ ثانِيَةٍ، فالمُشْرِكُونَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِّرُوا بِالحَياةِ الآخِرَةِ وأُخْبِرُوا بِها لَمْ يُعِيرُوا سَمْعَهم ذَلِكَ وجَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ الباطِلِ وهَذا مَوْرِدُ التَّوْبِيخِ.
واعْلَمْ أنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ حَظًّا مِن هَذِهِ المَوْعِظَةِ عَلى طُولِ الدَّهْرِ، وذَلِكَ حَظٌّ مُناسِبٌ لِمِقْدارِ ما يُفَرِّطُ فِيهِ أحَدُهم مِمّا يُنْجِيهِ في الآخِرَةِ إيثارًا لِما يَجْتَنِيهِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا الَّتِي تَجُرُّ إلَيْهِ تَبِعَةً في الآخِرَةِ عَلى حَسَبِ ما جاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، فَأمّا الِاسْتِكْثارُ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا مَعَ عَدَمِ إهْمالِ أسْبابِ النَّجاةِ في الآخِرَةِ فَذَلِكَ مَيْدانٌ لِلْهِمَمِ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَحَلِّ ذَمٍّ قالَ تَعالى: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ [القصص: ٧٧] .
وجُمْلَةُ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ التَّوْبِيخِ عَطْفَ الخَبَرِ عَلى الإنْشاءِ؛ لِأنَّ هَذا الخَبَرَ يَزِيدُ إنْشاءَ التَّوْبِيخِ تَوْجِيهًا وتَأْيِيدًا بِأنَّهم في إعْراضِهِمْ عَنِ النَّظَرِ في دَلائِلِ حَياةٍ آخِرَةٍ قَدْ أعْرَضُوا عَمّا هو خَيْرٌ وأبْقى.
وأبْقى: اسْمُ تَفْضِيلٍ، أيْ: أطْوَلُ بَقاءً وفي حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ جَرِّ الإزارِ ولْيَكُنْ إلى الكَعْبَيْنِ، فَإنَّهُ أتْقى وأبْقى.
87:18–19Page 592
إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ١٨
Indeed, this is in the former scriptures,
صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ ١٩
The scriptures of Abraham and Moses.
﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ .
تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ وتَنْوِيهٌ بِهِ بِأنَّهُ مِنَ الكَلامِ النّافِعِ الثّابِتِ في كُتُبِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، قَصَدَ بِهِ الإبْلاغَ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يَعْرِفُونَ رِسالَةَ إبْراهِيمَ ورِسالَةَ مُوسى، ولِذَلِكَ أكَّدَ هَذا الخَبَرَ بِـ إنَّ ولامِ الِابْتِداءِ لِأنَّهُ مَسُوقٌ إلى المُنْكِرِينَ.
صفحة ٢٩١
والإشارَةُ بِكَلِمَةِ هَذا إلى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] إلى قَوْلِهِ: وأبْقى فَإنَّ ما قَبْلَ ذَلِكَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] لَيْسَ مِمّا ثَبَتَ مَعْناهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
رَوى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والآجُرِّيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أُنْزِلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِمّا كانَ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى ؟ قالَ: نَعَمْ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] لَمْ أقِفْ عَلى مَرْتَبَةِ هَذا الحَدِيثِ.
ومَعْنى الظَّرْفِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿لَفِي الصُّحُفِ﴾ أنَّ مُماثِلَهُ في المَعْنى مَكْتُوبٌ في الصُّحُفِ الأُولى، فَأُطْلِقَتِ الصُّحُفُ عَلى ما هو مَكْتُوبٌ فِيها عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] أيْ: ما في قِطِّنا وهو صَكُّ الأعْمالِ.
والصُّحُفُ: جَمْعُ صَحِيفَةٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ لِأنَّ قِياسَ جَمْعِهِ صَحائِفُ، ولَكِنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مَقِيسٍ هو الأفْصَحُ كَما قالُوا: سُفُنٌ في جَمْعِ سَفِينَةٍ، ووَجْهُ جَمْعِ الصُّحُفِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ لَهُ صُحُفٌ وأنَّ مُوسى كانَتْ لَهُ صُحُفٌ كَثِيرَةٌ وهي مَجْمُوعُ صُحُفِ أسْفارِ التَّوْراةِ.
وجاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى أُسْلُوبِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ لِيَكُونَ هَذا الخَبَرُ مَزِيدَ تَقْرِيرٍ في أذْهانِ النّاسِ فَقَوْلُهُ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿الصُّحُفِ الأُولى﴾ .
والأُولى: وصْفٌ لِصُحُفٍ الَّذِي هو جَمْعُ تَكْسِيرٍ فَلَهُ حُكْمُ التَّأْنِيثِ، والأُولى صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، واخْتُلِفَ في الحُرُوفِ الأصْلِيَّةِ لِلَّفْظِ أوَّلٍ، فَقِيلَ: حُرُوفُهُ الأُصُولُ هَمْزَةٌ فَواوٌ (مُكَرَّرَةٌ) فَلامٌ ذَكَرَهُ في اللِّسانِ فَيَكُونُ وزْنُ أوَّلٍ: أأْوَلُ، فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ واوًا وأُدْغِمَتْ في الواوِ. وقِيلَ: أُصُولُهُ: واوانِ ولامٌ وأنَّ الهَمْزَةَ الَّتِي في أوَّلِهِ مَزِيدَةٌ فَوَزْنُ أوَّلَ: أفْعَلُ وإدْغامُ إحْدى الواوَيْنِ ظاهِرٌ.
وقِيلَ: حُرُوفُهُ الأصْلِيَّةُ واوٌ وهَمْزَةٌ ولامٌ فَأصْلُ أوَّلَ أوْ ألْ بِوَزْنِ أفْعَلَ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ الَّتِي بَعْدَ الواوِ واوًا وأُدْغِما.
والأُولى: مُؤَنَّثُ أفْعَلَ مِن هَذِهِ المادَّةِ، فَإمّا أنْ نَقُولَ: أصْلُها أُولى
صفحة ٢٩٢
سَكَنَتِ الواوُ سُكُونًا مَيِّتًا لِوُقُوعِها إثْرَ ضَمَّةٍ، أوْ أصْلُها: وُولى بِواوٍ مَضْمُومَةٍ في أوَّلِهِ وسَكَنَتِ الواوُ الثّانِيَةُ أيْضًا، أوْ أصْلُها: وُأْلى بِواوٍ مَضْمُومَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ، فَقِيلَ: أُولى فَوَزْنُها عَلى هَذا عُفْلى.
والمُرادُ بِالأوَّلِيَّةِ في وصْفِ الصُّحُفِ سَبْقُ الزَّمانِ بِالنِّسْبَةِ إلى القُرْآنِ لا الَّتِي لَمْ يَسْبِقْها غَيْرُها؛ لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الرُّسُلِ قَبْلَ إبْراهِيمَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ صُحُفٌ. فَهو كَوَصْفِ عادٍ بِـ الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] وفي حَدِيثِ البُخارِيِّ: «إنَّ مِمّا أدْرَكَ النّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ وأبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّ صُحُفَ إبْراهِيمَ كانَتْ عَشْرَ صَحائِفَ» .
* * *
صفحة ٢٩٣
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الغاشِيَةِ
سُمِّيَتْ في المَصاحِفِ والتَّفاسِيرِ (سُورَةُ الغاشِيَةِ) . وكَذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن جامِعِهِ، لِوُقُوعِ لَفْظِ (الغاشِيَةِ) في أوَّلِها.
وثَبَتَ في السُّنَّةِ تَسْمِيَتُها (﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١])، فَفي المُوَطَّأِ «أنَّ الضَّحّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَألَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِمَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ ؟ قالَ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية»: ١] . وهَذا ظاهِرٌ في التَّسْمِيَةِ؛ لِأنَّ السّائِلَ سَألَ عَمّا يَقْرَأُ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ، فالمَسْئُولُ عَنْهُ السُّورَةُ الثّانِيَةُ، وبِذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ مِن صَحِيحِهِ.
ورُبَّما سُمِّيَتْ (سُورَةُ هَلْ أتاكَ) بِدُونِ كَلِمَةِ (حَدِيثُ الغاشِيَةِ) . وبِذَلِكَ عَنْوَنَها ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِهِ وهو اخْتِصارٌ.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ.
وهِيَ مَعْدُودَةٌ السّابِعَةَ والسِتِّينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الذّارِياتِ وقَبْلَ سُورَةِ الكَهْفِ.
وآياتُها سِتٌّ وعِشْرُونَ.
* * *
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى تَهْوِيلِ يَوْمِ القِيامَةِ وما فِيهِ مِن عِقابِ قَوْمٍ مُشَوَّهَةٍ حالَتُهم، ومِن ثَوابِ قَوْمٍ ناعِمَةٍ حالَتُهم وعَلى وجْهِ الإجْمالِ المُرَهَّبِ أوِ المُرَغَّبِ.
والإيماءُ إلى ما يُبَيِّنُ ذَلِكَ الإجْمالَ كُلَّهُ بِالإنْكارِ عَلى قَوْمٍ لَمْ يَهْتَدُوا بِدَلالَةِ
صفحة ٢٩٤
مَخْلُوقاتٍ مِن خَلْقِ اللَّهِ وهي نُصْبُ أعْيُنِهِمْ، عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ، فَيَعْلَمُ السّامِعُونَ أنَّ الفَرِيقَ المُهَدَّدَ هُمُ المُشْرِكُونَ.
وعَلى إمْكانِ إعادَتِهِ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ المَوْتِ يَوْمَ البَعْثِ.
وتَثْبِيتِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى الدَّعْوَةِ إلى الإسْلامِ وأنْ لا يَعْبَأ بِإعْراضِهِمْ.
وأنَّ وراءَهُمُ البَعْثَ فَهم راجِعُونَ إلى اللَّهِ فَهو مُجازِيهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ وإعْراضِهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences