Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
الغاشية
Al-Ghashiyah
The Overwhelming · Meccan · 26 ayahs
88:1Page 592
هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ ١
Has there reached you the report of the Overwhelming [event]?
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾
الِافْتِتاحُ بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ بُلُوغِ خَبَرِ الغاشِيَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْوِيقِ إلى مَعْرِفَةِ هَذا الخَبَرِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المَوْعِظَةِ.
وكَوْنُ الِاسْتِفْهامِ بِـ هَلِ المُفِيدَةِ مَعْنى قَدْ فِيهِ مَزِيدُ تَشْوِيقٍ فَهو اسْتِفْهامٌ صُورِيٌّ يُكَنّى بِهِ عَنْ أهَمِّيَّةِ الخَبَرِ بِحَيْثُ شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ بَلَغَ السّامِعَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ [ص: ٢١] في سُورَةِ ص. وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [النازعات: ١٥] في سُورَةِ النّازِعاتِ.
وتَقَدَّمَ هُنالِكَ إطْلاقُ فِعْلِ الإتْيانِ عَلى فُشُوِّ الحَدِيثِ.
وتَعْرِيفُ ما أُضِيفَ إلَيْهِ (حَدِيثُ) بِوَصْفِهِ (الغاشِيَةِ) الَّذِي يَقْتَضِي مَوْصُوفًا لَمْ يُذْكَرْ هو إبْهامٌ لِزِيادَةِ التَّشْوِيقِ إلى بَيانِهِ الآتِي لِيَتَمَكَّنَ الخَبَرُ في الذِّهْنِ كَمالَ تَمَكُّنٍ.
والحَدِيثُ: الخَبَرُ المُتَحَدَّثُ بِهِ وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوِ الخَبَرُ الحاصِلُ بِحِدْثانٍ، أيْ: ما حَدَثَ مِن أحْوالٍ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النّازِعاتِ.
والغاشِيَةُ: مُشْتَقَّةٌ مِنَ الغِشْيانِ وهو تَغْطِيَةٌ مُتَمَكِّنَةٌ وهي صِفَةٌ أُرِيدَ بِها حادِثَةُ القِيامَةِ، سُمِّيَتْ غاشِيَةٌ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّها إذا حَصَلَتْ لَمْ يَجِدِ النّاسُ مَفَرًّا مِن أهْوالِها، فَكَأنَّها غاشٍ يَغْشى عَلى عُقُولِهِمْ. ويُطْلَقُ الغِشْيانُ عَلى غَيْبُوبَةِ العَقْلِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفُ الغاشِيَةِ مُشْتَقًّا مِنهُ، فَفُهِمَ مِن هَذا أنَّ الغاشِيَةَ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ وتَأْنِيثُ الغاشِيَةِ لِتَأْوِيلِها بِالحادِثَةِ ولَمْ يَسْتَعْمِلُوها إلّا مُؤَنَّثَةَ اللَّفْظِ
صفحة ٢٩٥
والتَّأْنِيثُ كَثِيرٌ في نَقْلِ الأوْصافِ إلى الِاسْمِيَّةِ مِثْلَ الدّاهِيَةِ والطّامَّةِ والصّاخَّةِ والقارِعَةِ والآزِفَةِ.
والغاشِيَةُ هُنا: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى ساعَةِ القِيامَةِ كَما يُؤْذِنُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ عَقِبَهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [الغاشية: ٢] أيْ: يَوْمَ الغاشِيَةِ.
88:2–7Page 592
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ ٢
[Some] faces, that Day, will be humbled,
عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ ٣
Working [hard] and exhausted.1
تَصۡلَىٰ نَارًا حَامِيَةٗ ٤
They will [enter to] burn in an intensely hot Fire.
تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ ٥
They will be given drink from a boiling spring.
لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ ٦
For them there will be no food except from a poisonous, thorny plant
لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ ٧
Which neither nourishes nor avails against hunger.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ .
وُجُوهٌ مُبْتَدَأٌ وخاشِعَةٌ خَبَرٌ والجُمْلَةُ بَيانٌ لِحَدِيثِ الغاشِيَةِ كَما يُفِيدُهُ الظَّرْفُ مِن قَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ فَإنَّ ما صَدَقُهُ هو يَوْمُ الغاشِيَةِ. ويَكُونُ تَنْكِيرُ وُجُوهٍ مُبْتَدَأً قُصِدَ مِنهُ النَّوْعُ.
و(خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ، ناصِبَةٌ) أخْبارٌ ثَلاثَةٌ عَنْ وُجُوهٍ، والمَعْنى: أُناسٌ خاشِعُونَ إلَخْ.
فالوُجُوهُ كِنايَةٌ عَنْ أصْحابِها، إذْ يُكَنّى بِالوَجْهِ عَنِ الذّاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] . وقَرِينَةُ ذَلِكَ هُنا قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ إذْ جُعِلَ ضَمِيرُ الوُجُوهِ جَماعَةَ العُقَلاءِ.
وأُوثِرَتِ الوُجُوهُ بِالكِنايَةِ عَنْ أصْحابِها هُنا وفي مِثْلِ هَذا المَقامِ؛ لِأنَّ حالَةَ الوُجُوهِ تُنْبِئُ عَنْ حالَةِ أصْحابِها، إذِ الوَجْهُ عُنْوانٌ عَمّا يَجِدُهُ صاحِبُهُ مِن نَعِيمٍ أوْ شَقْوَةٍ، كَما يُقالُ: خَرَجَ بِوَجْهٍ غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي دَخَلَ بِهِ.
وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] الآيَةَ في سُورَةِ عَبَسَ.
ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ إسْنادُ الخُشُوعِ والعَمَلِ والنَّصَبِ إلى وُجُوهٍ مِن قَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ، أيْ: أصْحابُ وُجُوهٍ.
ويَتَعَلَّقُ يَوْمَئِذٍ بِـ (خاشِعَةٌ) قُدِّمَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اليَوْمِ ولَمّا كانَتْ إذْ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي تَلْزَمُ الإضافَةَ إلى جُمْلَةٍ فالجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها إذْ
صفحة ٢٩٦
مَحْذُوفَةٌ عَوَّضَ عَنْها التَّنْوِينُ، ويَدُلُّ عَلَيْها ما في اسْمِ الغاشِيَةِ مِن لَمْحِ أصْلِ الوَصْفِيَّةِ؛ لِأنَّها بِمَعْنى الَّتِي تَغْشى النّاسَ فَتَقْدِيرُ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ يَوْمَ إذْ تَغْشى الغاشِيَةُ.
أوْ يَدُلُّ عَلى الجُمْلَةِ سِياقُ الكَلامِ فَتُقَدَّرُ الجُمْلَةُ: يَوْمَ إذْ تَحْدُثُ أوْ تَقَعُ.
وخاشِعَةٌ: ذَلِيلَةٌ يُطْلَقُ الخُشُوعُ عَلى المَذَلَّةِ قالَ تَعالى: ﴿وتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] وقالَ: ﴿خاشِعَةً أبْصارُهم تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣] .
والعامِلَةُ: المُكَلَّفَةُ العَمَلَ مِنَ المَشاقِّ يَوْمَئِذٍ. وناصِبَةٌ: مِنَ النَّصَبِ وهو التَّعَبُ.
وأُوثِرَ وصْفُ خاشِعَةٍ وعامِلَةٍ وناصِبَةٍ تَعْرِيضًا بِأهْلِ الشَّقاءِ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأنَّهم تَرَكُوا الخُشُوعَ لِلَّهِ والعَمَلَ بِما أمَرَ بِهِ والنَّصَبَ في القِيامِ بِطاعَتِهِ، فَجَزائِهِمْ خُشُوعٌ ومَذَلَّةٌ، وعَمَلُ مَشَقَّةٍ، ونَصَبُ إرْهاقٍ.
وجُمْلَةُ ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ وُجُوهٍ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا، يُقالُ: صَلِيَ يَصْلى، إذْ أصابَهُ حَرُّ النّارِ، وعَلَيْهِ فَذَكَرَ نارًا بَعْدَ تَصْلى لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ والإرْهابِ ولِيُجْرى عَلى نارًا وصْفُ حامِيَةٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ تَصْلى بِفَتْحِ التّاءِ أيْ: يُصِيبُها صِلِيُّ النّارِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ويَعْقُوبُ تُصْلى بِضَمِّ التّاءِ مِن أصْلاهُ النّارَ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ إذا أنالَهُ حَرُّها.
ووَصَفَ النّارَ بِـ حامِيَةٍ لِإفادَةِ تَجاوُزِ حَرِّها المِقْدارَ المَعْرُوفَ؛ لِأنَّ الحَمْيَ مِن لَوازِمِ ماهِيَّةِ النّارِ فَلَمّا وُصِفَتْ بِـ حامِيَةٍ كانَ دالًّا عَلى شِدَّةِ الحِمى قالَ تَعالى: ﴿نارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٦] .
وأخْبَرَ عَنْ وُجُوهٍ خَبَرًا خامِسًا بِجُمْلَةِ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أوْ هو حالٌ مِن ضَمِيرٍ تَصْلى؛ لِأنَّ ذِكْرَ الِاحْتِراقِ بِالنّارِ يُحْضِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ إطْفاءِ حَرارَتِها بِالشَّرابِ فَجُعِلَ شَرابُهم مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ.
صفحة ٢٩٧
يُقالُ: أنى إذا بَلَغَ شِدَّةَ الحَرارَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] في سُورَةِ الرَّحْمَنِ.
وذِكْرُ السَّقْيِ يُخْطِرُ في الذِّهْنِ تَطَلُّبَ مَعْرِفَةِ ما يَطْعَمُونَهُ فَجِيءَ بِهِ خَبَرًا سادِسًا أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ تُسْقى بِجُمْلَةِ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾، أيْ: يَطْعَمُونَ طَعامَ إيلامٍ وتَعْذِيبٍ لا نَفْعَ فِيهِ لَهم ولا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمًا.
وجُمْلَةُ ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ﴾ إلَخْ خَبَرٌ سادِسٌ عَنْ وُجُوهٍ.
وضَمِيرُ لَهم عائِدٌ إلى وُجُوهٍ بِاعْتِبارِ تَأْوِيلِهِ بِأصْحابِ الوُجُوهِ ولِذَلِكَ جِيءَ بِهِ ضَمِيرُ جَماعَةِ المُذَكَّرِ. والتَّذْكِيرُ تَغْلِيبٌ لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ.
والضَّرِيعُ: يابِسُ الشِّبْرِقِ بِكَسْرِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ المُوَحَّدَةِ وكَسْرِ الرّاءِ وهو نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ إذا كانَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ سُمِّيَ ضَرِيعًا وحِينَئِذٍ يَصِيرُ مَسْمُومًا وهو مَرْعًى لِلْإبِلِ ولِحُمُرِ الوَحْشِ إذا كانَ رَطْبًا، فَما يُعَذَّبُ بِأهْلِ النّارِ بِأكْلِهِ شُبِّهَ بِالضَّرِيعِ في سُوءِ طَعْمِهِ وسُوءِ مَغَبَّتِهِ.
وقِيلَ: الضَّرِيعُ اسْمٌ سَمّى القُرْآنُ بِهِ شَجَرًا في جَهَنَّمَ وأنَّ هَذا الشَّجَرَ هو الَّذِي يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ الوارِدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ [الحاقة: ٣٥] ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] وعَلَيْهِ فَحَرْفُ مِن لِلِابْتِداءِ، أيْ: لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما يَخْرُجُ مِنَ الضَّرِيعِ والخارِجُ هو الغِسْلِينُ وقَدْ حَصَلَ الجَمْعُ بَيْنَ الآيَتَيْنِ: ووَصْفُ ضَرِيعٍ بِأنَّهُ لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ لِتَشْوِيهِهِ وأنَّهُ تَمَحُّضٌ لِلضُّرِّ فَلا يَعُودُ عَلى آكِلِيهِ بِسِمَنٍ يُصْلِحُ بَعْضَ ما التَفَحَ مِن أجْسادِهِمْ، ولا يُغْنِي عَنْهم دَفْعَ ألَمِ الجُوعِ، ولَعَلَّ الجُوعَ مِن ضُرُوبِ تَعْذِيبِهِمْ فَيَسْألُونَ الطَّعامَ فَيُطْعَمُونَ الضَّرِيعَ فَلا يَدْفَعُ عَنْهم ألَمَ الجُوعِ.
والسِّمَنُ، بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِ المِيمِ: وفْرَةُ اللَّحْمِ والشَّحْمِ لِلْحَيَوانِ يُقالُ: أسْمَنَهُ الطَّعامُ، إذا عادَ عَلَيْهِ بِالسِّمَنِ.
والإغْناءُ: الإكْفاءُ ودَفْعُ الحاجَةِ. ومِن جُوعٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ يُغْنِي وحَرْفُ مِن لِمَعْنى البَدَلِيَّةِ، أيْ: غَناءٌ بَدَلًا عَنِ الجُوعِ.
صفحة ٢٩٨
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] يُؤَيِّدُ أنَّ الضَّرِيعَ اسْمُ شَجَرِ جَهَنَّمَ يَسِيلُ مِنهُ الغِسْلِينُ.
88:8–10Page 592
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ ٨
[Other] faces, that Day, will show pleasure.
لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ ٩
With their effort [they are] satisfied
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ١٠
In an elevated garden,
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ .
يَتَبادَرُ في بادِئِ الرَّأْيِ أنَّ حَقَّ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنْ تُعْطَفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] بِالواوِ لِأنَّها مُشارِكَةٌ لَها في حُكْمِ البَيانِ لِحَدِيثِ الغاشِيَةِ كَما عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] عَلى جُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] في سُورَةِ عَبَسَ. فَيَتَّجِهُ أنْ يُسْألَ عَنْ وجْهِ فَصْلِها عَنِ الَّتِي قَبْلَها، ووَجْهُ الفَصْلِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الِاسْتِفْهامِ في ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] الإعْلامُ بِحالِ المُعَرَّضِ بِتَهْدِيدِهِمْ وهم أصْحابُ الوُجُوهِ الخاشِعَةِ، فَلَمّا حَصَلَ ذَلِكَ الإعْلامُ بِجُمْلَةِ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] إلى آخِرِها تَمَّ المَقْصُودُ، فَجاءَتِ الجُمْلَةُ بَعْدَها مَفْصُولَةً؛ لِأنَّها جُعِلَتِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ تُثِيرُهُ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ فَيَتَساءَلُ السّامِعُ: هَلْ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ ما هو مُغايِرٌ لِهَذا الهَوْلِ ؟ أيْ: ما هو أُنْسٌ ونَعِيمٌ لِقَوْمٍ آخَرِينَ.
ولِهَذا النَّظْمِ صارَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِطْرادِ والتَّتْمِيمِ، لِإظْهارِ الفَرْقِ بَيْنَ حالَيِ الفَرِيقَيْنِ ولِتَعْقِيبِ النِّذارَةِ بِالبِشارَةِ فَمَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ مَوْقِعُ الِاعْتِراضِ ولا تَنافِيَ بَيْنَ الِاسْتِئْنافِ والِاعْتِراضِ وذَلِكَ مُوجِبٌ لِفَصْلِها عَمّا قَبْلَها. وفِيهِ جَرْيُ القُرْآنِ عَلى سُنَنِهِ مِن تَعْقِيبِ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ.
فَأمّا الجُمْلَتانِ اللَّتانِ في سُورَةِ عَبَسَ فَلَمْ يَتَقَدَّمْهُما إبْهامٌ لِأنَّهُما مُتَّصِلَتانِ مَعًا بِالظَّرْفِ وهو ﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] .
وقَدْ عُلِمَ مِن سِياقِ تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى الرَّسُولِ ﷺ أنَّ الوُجُوهَ الأُولى وُجُوهُ المُكَذِّبِينَ بِالرَّسُولِ والوُجُوهَ المَذْكُورَةَ بَعْدَها وُجُوهُ المُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ بِما جاءَ بِهِ.
صفحة ٢٩٩
والقَوْلُ في تَنْكِيرِ (وُجُوهٌ)، والمُرادِ بِها، والإخْبارِ عَنْها بِما بَعْدَها، كالقَوْلِ في الآياتِ الَّتِي سَبَقَتْها.
وناعِمَةٌ: خَبَرٌ عَنْ وُجُوهٍ. يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن نَعُمَ بِضَمِّ العَيْنِ يَنْعُمُ بِضَمِّها الَّذِي مَصْدَرُهُ نُعُومَةٌ وهي اللِّينُ وبَهْجَةُ المَرْأى وحُسْنُ المَنظَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِن نَعِمَ بِكَسْرِ العَيْنِ يَنْعَمُ مِثْلَ حَذِرَ، إذا كانَ ذا نِعْمَةٍ، أيْ: حَسَنُ العَيْشِ والتَّرَفِ.
ويَتَعَلَّقُ لِسَعْيِها بِقَوْلِهِ: راضِيَةٌ، وراضِيَةٌ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ وُجُوهٍ.
والمُرادُ بِالسَّعْيِ: العَمَلُ الَّذِي يَسَعاهُ المَرْءُ لِيَسْتَفِيدَ مِنهُ. وعَبَّرَ بِهِ هُنا مُقابِلَ قَوْلِهِ في ضِدِّهِ عامِلَةٌ.
والرِّضى: ضِدَّ السُّخْطِ، أيْ: هي حامِدَةٌ ما سَعَتْهُ في الدُّنْيا مِنَ العَمَلِ الَّذِي هو امْتِثالُ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ .
والمَجْرُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيةٍ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ عَنْ وُجُوهٍ.
والجَنَّةُ أُرِيدَ بِهِ مَجْمُوعُ دارِ الثَّوابِ الصّادِقِ بِجَنّاتٍ كَثِيرَةٍ أوْ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ مِثْلَ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤] .
ووَصْفُ الجَنَّةِ بِـ عالِيَةٍ لِزِيادَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ أحْسَنَ الجَنّاتِ ما كانَ في المُرْتَفَعاتِ، قالَ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥] فَذَلِكَ يُزِيدُ حُسْنَ باطِنِها بِحُسْنِ ما يُشاهِدُهُ الكائِنُ فِيها مِن مَناظِرَ، وهَذا وصْفٌ شامِلٌ لِحُسْنِ مَوْقِعِ الجَنَّةِ.
﴿لا تُسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ﴾
اللّاغِيَةُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى اللَّغْوِ مِثْلُ الكاذِبَةِ لِلْكَذِبِ. والخائِنَةِ والعافِيَةِ، أيْ: لا يُسْمَعُ فِيها لَغْوٌ، أوْ هو وصْفٌ لِمَوْصُوفٍ مُقَدَّرِ التَّأْنِيثِ، أيْ: كَلِمَةٌ لاغِيَةٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ لاغِيَةٌ مِن أنَّها كَلِماتٌ، ووَصْفُ الكَلِمَةِ بِذَلِكَ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ اللّاغِيَ صاحِبُها.
صفحة ٣٠٠
ونَفْيُ سَماعِ لاغِيَةٍ مُكَنّى بِهِ عَنِ انْتِفاءِ اللَّغْوِ في الجَنَّةِ مِن بابِ:
ولا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرْ
أيْ: لا ضَبَّ بِها، إذِ الضَّبُّ لا يَخْلُو مِنَ الِانْجِحارِ.
واللَّغْوُ: الكَلامُ الَّذِي لا فائِدَةَ لَهُ، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ دارُ جِدٍّ وحَقِيقَةٍ فَلا كَلامَ فِيها إلّا لِفائِدَةٍ؛ لِأنَّ النُّفُوسَ فِيها تَخَلَّصَتْ مِنَ النَّقائِصِ كُلِّها فَلا يَلَذُّ لَها إلّا الحَقائِقُ والسُّمُوُّ العَقْلِيُّ والخُلُقِيُّ، ولا يَنْطِقُونَ إلّا ما يَزِيدُ النُّفُوسَ تَزْكِيَةً.
وجُمْلَةُ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ جَنَّةٍ تُرِكَ عَطْفُها عَلى الصِّفَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ لِأنَّ النُّعُوتَ المُتَعَدِّدَةَ يَجُوزُ أنْ تُعْطَفَ ويَجُوزَ أنْ تُفْصَلَ دُونَ عِطْفٍ قالَ في التَّسْهِيلِ: ويَجُوزُ عَطْفُ بَعْضِ النُّعُوتِ عَلى بَعْضٍ وقالَ المُرادِيُّ في شَرْحِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] . وقالَ: ولا يُعْطَفُ إلّا بِالواوِ ما لَمْ يَكُنْ تَرْتِيبٌ: فَبِالفاءِ كَقَوْلِهِ:
يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِبِ ال ∗∗∗ صّابِحِ فالغانِـمِ فَـالآيِبِ
قالَ السُّهَيْلِيُّ: والعَطْفُ بِـ ثُمَّ جَوازُهُ بَعِيدٌ. اهـ. قالَ الدَّمامِينِيُّ: وكَذا في الجُمَلِ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ يَحْفَظُ القُرْآنَ ويَعْرِفُ الفِقْهَ ويَتَّقِي إلى اللَّهِ، قالَ: ونَصَّ الواحِدِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] . أنْ لا يَأْلُونَكم وما بَعْدَهُ مِنَ الجُمَلِ أيِ: الثَّلاثُ لا يَكُونُ صِفاتٌ، لِعَدَمِ العاطِفِ، لَكِنَّ ظاهِرَ سُكُوتِ الجُمْهُورِ عَنْ وُجُوبِ العَطْفِ يُشْعِرُ بِجَوازِهِ فِيها أيِ: الجُمَلُ كالمُفْرَداتِ اهـ.
ابْتُدِئَ في تَعْدادِ صِفاتِ الجَنَّةِ بِصِفَتِها الذّاتِيَّةَ وهو كَوْنُها عالِيَةً، وثُنِّيَ بِصِفَةِ تَنْزِيهِها عَمّا يُعَدُّ مِن نَقائِصِ مَجامِعِ النّاسِ ومَساكِنِ الجَماعاتِ وهو الغَوْغاءُ واللَّغْوُ، وقَدْ جُرِّدَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن أنْ تُعْطَفَ عَلى عالِيَةٍ مُراعاةً لِعَدَمِ التَّناسُبِ بَيْنَ المُفْرَداتِ والجُمَلِ وذَلِكَ حَقِيقٌ بِعَدَمِ العَطْفِ؛ لِأنَّهُ أشَدُّ مِن كَمالِ الِانْقِطاعِ في عَطْفِ الجُمَلِ.
وهَذا وصْفٌ لِلْجَنَّةِ بِحُسْنِ سُكّانِها.
صفحة ٣٠١
وقَرَأ نافِعٌ لا تُسْمَعُ بِمُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ ولاغِيَةٌ نائِبُ فاعِلٍ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ وبِرَفْعِ لاغِيَةٍ أيْضًا فَأُجْرِيَ الفِعْلُ عَلى التَّذْكِيرِ؛ لِأنَّ لاغِيَةً لَيْسَ حَقِيقِيَّ التَّأْنِيثِ وحَسَّنَهُ وُقُوعُ الفَصْلِ بَيْنَ الفِعْلِ وبَيْنَ المُسْنَدِ إلَيْهِ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ وبِنَصْبِ (لاغِيَةً)، والتّاءُ لِخِطابِ غَيْرِ المُعَيَّنِ.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾
صِفَةٌ ثالِثَةٌ لِـ جَنَّةٍ. فالمُرادُ جِنْسُ العُيُونِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤]، أيْ: عَلِمَتِ النُّفُوسُ، وهَذا وصْفٌ لِلْجَنَّةِ بِاسْتِكْمالِها مَحاسِنَ الجَنّاتِ قالَ تَعالى: ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء: ٩١] .
وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها لِاخْتِلافِهِما بِالفِعْلِيَّةِ في الأُولى والِاسْمِيَّةِ في الثّانِيَةِ، وذَلِكَ الِاخْتِلافُ مِن مُحَسِّناتِ الفَصْلِ ولِأنَّ جُمْلَةَ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] مَقْصُودٌ مِنها التَّنَزُّهَ عَنِ النَّقائِصِ وجُمْلَةَ ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ مَقْصُودٌ مِنها إثْباتَ بَعْضِ مَحاسِنِها.
88:13–16Page 592
فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ ١٣
Within it are couches raised high
وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ ١٤
And cups put in place
وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ ١٥
And cushions lined up
وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ ١٦
And carpets spread around.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ .
صِفَةٌ رابِعَةٌ لِجَنَّةٍ.
وأُعِيدَ قَوْلُهُ: فِيها دُونَ أنْ يُعْطَفَ سُرُرٌ عَلى عَيْنٍ عَطْفَ المُفْرِداتِ؛ لِأنَّ عَطْفَ السُّرُرِ عَلى عَيْنٍ يَبْدُو نابِيًا عَنِ الذَّوْقِ لِعَدِّ الجامِعِ بَيْنَ عَيْنِ الماءِ والسُّرُرِ في الذِّهْنِ لَوْلا أنْ جَمَعَها الكَوْنُ في الجَنَّةِ، فَلِذَلِكَ كُرِّرَ ظَرْفُ فِيها تَصْرِيحًا بِأنَّ تِلْكَ الظَّرْفِيَّةَ هي الجامِعُ، ولِأنَّ بَيْنَ ظَرْفِيَّةِ العَيْنِ الجارِيَةِ في الجَنَّةِ وبَيْنَ ظَرْفِيَّةِ السُّرُرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن مَتاعِ القُصُورِ والأثاثِ تَفاوُتًا ولِذَلِكَ عُطِفَ وأكْوابٌ، ونَمارِقُ، وزَرابِيُّ، لِأنَّها مُتَماثِلَةٌ في أنَّها مِن مَتاعِ المَساكِنِ الفائِقَةِ.
صفحة ٣٠٢
وهَذا وصْفٌ لِمَحاسِنِ الجَنَّةِ بِمَحاسِنِ أثاثِ قُصُورِها، فَضَمِيرُ ”فِيها“ عائِدٌ لِلْجَنَّةِ بِاعْتِبارِ أنَّ ما في قُصُورِها هو مَظْرُوفٌ فِيها بِواسِطَةٍ.
وسُرُرٌ: جَمَعَ سَرِيرٍ، وهو ما يُجْلَسُ عَلَيْهِ ويُضْطَجَعُ فَيَسَعُ الإنْسانَ المُضْطَجِعَ. ويُتَّخَذُ مِن خَشَبٍ أوْ حَدِيدٍ لَهُ قَوائِمُ لِيَكُونَ مُرْتَفِعًا عَنِ الأرْضِ. ولَمّا كانَ الِارْتِفاعُ عَنِ الأرْضِ مَأْخُوذًا في مَفْهُومِ السُّرُرِ كانَ وصْفُها بِـ مَرْفُوعَةٍ لِتَصْوِيرِ حُسْنِها.
والأكْوابُ: جَمْعُ كُوبٍ بِضَمِّ الكافِ، وهو إناءٌ لِلْخَمْرِ لَهُ ساقٌ ولا عُرْوَةَ لَهُ. ومَوْضُوعَةٌ، أيْ: لا تُرْفَعُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ كَما تُرْفَعُ آنِيَةُ الشَّرابِ في الدُّنْيا إذا بَلَغَ الشّارِبُونَ حَدَّ الِاسْتِطالَةِ مَن تَناوَلِ الخَمْرِ، كُنِّيَ بِـ مَوْضُوعَةٍ عَنْ عَدَمِ انْقِطاعِ لَذَّةِ الشَّرابِ طَعْمًا ونَشْوَةً، أيْ: مَوْضُوعَةٌ بِما فِيها مِن أشْرِبَةٍ.
وبَيْنَ مَرْفُوعَةٍ ومَوْضُوعَةٍ إيهامُ الطِّباقِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ مَعْنى الرَّفْعِ ضِدَّ حَقِيقَةِ مَعْنى الوَضْعِ، ولا تَضادَّ بَيْنَ مَجازِ الأوَّلِ وحَقِيقَةِ الثّانِي ولَكِنَّهُ إيهامُ التَّضادِّ.
والنَّمارِقُ: جَمْعُ نُمْرُقَةٍ بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ مِيمٍ بَعْدَها راءٌ مَضْمُومَةٌ وهي الوِسادَةُ الَّتِي يَتَّكِئُ عَلَيْها الجالِسُ والمُضْطَجِعُ.
ومَصْفُوفَةٌ: أيْ: جُعِلَ بَعْضُها قَرِيبًا مِن بَعْضٍ صَفًّا، أيْ: أيْنَما أرادَ الجالِسُ أنْ يَجْلِسَ وجَدَها.
وزَرابِيُّ: جَمْعُ زَرْبِيَّةٍ بِفَتْحِ الزّايِ وسُكُونِ الرّاءِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ وتَشْدِيدِ الياءِ، وهي البِساطُ أوِ الطُّنْفُسَةُ (بِضَمِّ الطّاءِ) المَنسُوجُ مِنَ الصُّوفِ المُلَوَّنِ النّاعِمِ يُفْرَشُ في الأرْضِ لِلزِّينَةِ والجُلُوسِ عَلَيْهِ لِأهْلِ التَّرَفِ واليَسارِ.
والزَّرْبِيَّةُ نِسْبَةٌ إلى (أذْرَبِيجانَ) بَلَدٍ مِن بِلادِ فارِسَ وبُخارى، فَأصْلُ زَرْبِيَّةٍ أذْرَبِيَّةٌ، حُذِفَتْ هَمْزَتُها لِلتَّخْفِيفِ لِثِقَلِ الِاسْمِ لِعُجْمَتِهِ واتِّصالِ ياءِ النَّسَبِ بِهِ، وذالُها مُبْدَلَةٌ عَنِ الزّايِ في كَلامِ العَرَبِ؛ لِأنَّ اسْمَ البَلَدِ في لِسانِ الفُرْسِ أزْرَبِيجانُ بِالزّايِ المُعْجَمَةِ بَعْدَها راءٌ مُهْمَلَةٌ ولَيْسَ في الكَلامِ الفارِسِيِّ حَرْفُ الذّالِ، وبَلَدُ (أذْرَبِيجانَ) مَشْهُورٌ بِنُعُومَةِ صُوفِ أغْنامِهِ. واشْتُهِرَ أيْضًا بِدِقَّةِ صُنْعِ البُسُطِ والطَّنافِسِ ورِقَّةِ خَمْلِها.
صفحة ٣٠٣
والمَبْثُوثَةُ: المُنْتَشِرَةُ عَلى الأرْضِ بِكَثْرَةٍ وذَلِكَ يُفِيدُ كِنايَةً عَنِ الكَثْرَةِ.
وقَدْ قُوبِلَتْ صِفاتُ وُجُوهِ أهْلِ النّارِ بِصِفاتِ وُجُوهِ أهْلِ الجَنَّةِ فَقُوبِلَتْ صِفاتُ (خاشِعَةٌ، عامِلَةٌ، ناصِبَةٌ) بِصِفاتِ ناعِمَةٌ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وقُوبِلَ قَوْلُهُ: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] بِقَوْلِهِ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ [الغاشية: ١٠] . وقُوبِلَ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] بِقَوْلِهِ: ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢]، وقُوبِلَ شَقاءُ عَيْشِ أهْلِ النّارِ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] بِمَقاعِدِ أهْلِ الجَنَّةِ المُشْعِرَةِ بِتَرَفِ العَيْشِ مِن شَرابٍ ومَتاعٍ.
وهَذا وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم في الجَنَّةِ ما يَعْرِفُونَ مِنَ النَعِيمِ في الدُّنْيا وقَدْ عَلِمُوا أنَّ تَرَفَ الجَنَّةِ لا يَبْلُغُهُ الوَصْفُ بِالكَلامِ وجُمِعَ ذَلِكَ بِوَجْهِ الإجْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] ولَكِنَّ الأرْواحَ تَرْتاحُ بِمَأْلُوفاتِها فَتُعْطاها فَتَكُونُ نَعِيمَ أرْواحِ النّاسِ في كُلِّ عَصْرٍ ومِن كُلِّ مِصْرٍ في الدَّرَجَةِ القُصْوى مِمّا ألِفُوهُ ولا سِيَّما ما هو مَأْلُوفٌ لِجَمِيعِ أهْلِ الحَضارَةِ والتَّرَفِ وكانُوا يَتَمَنَّوْنَهُ في الدُّنْيا ثُمَّ يُزادُونَ مِنَ النَعِيمِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences