Ibn 'AshurAt‑Tawbah · 9:100–105

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:100–105

9:100Page 203

وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠

And the first forerunners [in the faith] among the Muhājireen1 and the Anṣār2 and those who followed them with good conduct - Allāh is pleased with them and they are pleased with Him, and He has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.

﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ رِضى اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

عُقِّبَ ذِكْرُ الفِرَقِ المُتَلَبِّسَةِ بِالنَّقائِصِ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنَها في ذَلِكَ بِذِكْرِ القُدْوَةِ الصّالِحَةِ والمَثَلِ الكامِلِ في الإيمانِ والفَضائِلِ والنُّصْرَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ لِيَحْتَذِيَ مُتَطَلِّبُ الصَّلاحِ حَذْوَهم، ولِئَلّا يَخْلُوَ تَقْسِيمُ القَبائِلِ السّاكِنَةِ بِالمَدِينَةِ وحَوالَيْها وبَوادِيها، عَنْ ذِكْرِ أفْضَلِ الأقْسامِ تَنْوِيهًا بِهِ.

وبِهَذا تَمَّ اسْتِقْراءُ الفِرَقِ وأحْوالِها.

فالجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ [التوبة: ٩٨]

والمَقْصُودُ بِالسَّبْقِ السَّبْقُ في الإيمانِ؛ لِأنَّ سِياقَ الآياتِ قَبْلَها في تَمْيِيزِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ الخالِصِينَ، والكُفّارِ الصُّرَحاءِ، والكُفّارِ المُنافِقِينَ؛ فَتَعَيَّنَ أنْ يُرادَ الَّذِينَ سَبَقُوا غَيْرَهم مِن صِنْفِهِمْ، فالسّابِقُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا بِالإيمانِ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ النَّبِيءُ ﷺ إلى المَدِينَةِ، والسّابِقُونَ مِنَ الأنْصارِ هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا قَوْمَهم بِالإيمانِ، وهم أهْلُ العَقَبَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَحْدِيدِ المُدَّةِ الَّتِي عِنْدَها يَنْتَهِي وصْفُ السّابِقِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مَعًا، فَقالَ أبُو مُوسى وابْنُ المُسَيَّبِ وابْنُ سِيرِينَ وقَتادَةُ: مَن صَلّى القِبْلَتَيْنِ. وقالَ عَطاءٌ: مَن شَهِدَ بَدْرًا. وقالَ الشَّعْبِيُّ: مَن أدْرَكُوا بَيْعَةَ الرِّضْوانِ. وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ تَعْتَبِرُ الواوَ في قَوْلِهِ: (والأنْصارِ) لِلْجَمْعِ في وصْفِ السَّبَقِ لِأنَّهُ مُتَّحِدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَرِيقَيْنِ، وهَذا يَخُصُّ المُهاجِرِينَ. وفي أحْكامِ ابْنِ العَرَبِيِّ ما يُشْبِهُ أنَّ رَأْيَهُ أنَّ السّابِقِينَ أصْحابُ العَقَبَتَيْنِ، وذَلِكَ يَخُصُّ الأنْصارَ. وعَنِ الجُبّائِيِّ: أنَّ السّابِقِينَ مَن

صفحة ١٨

أسْلَمُوا قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ. ولَعَلَّهُ اخْتِيارٌ مِنهُ إذْ لَمْ يُسْنِدْهُ إلى قائِلٍ.

واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ السّابِقِينَ هم مَن هاجَرَ قَبْلَ أنْ تَنْقَطِعَ الهِجْرَةُ، أيْ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وهَذا يَقْصُرُ وصْفَ السَّبْقِ عَلى المُهاجِرِينَ. ولا يُلاقِي قِراءَةَ الجُمْهُورِ بِخَفْضِ الأنْصارِ

و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ لا لِلْبَيانِ.

والأنْصارُ: جَمْعُ نَصِيرٍ، وهو النّاصِرُ. والأنْصارُ بِهَذا الجَمْعِ اسْمٌ غَلَبَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ في حَياتِهِ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ وعَلى أبْنائِهِمْ إلى آخِرِ الزَّمانِ. دَعاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِهَذا الوَصْفِ، فَيُطْلَقُ عَلى أوْلادِ المُنافِقِينَ مِنهُمُ الَّذِينَ نَشَئُوا في الإسْلامِ كَوَلَدِ ابْنِ صَيّادٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ والأنْصارِ بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى المُهاجِرِينَ، فَيَكُونُ وصْفُ السّابِقِينَ صِفَةً لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ والأنْصارُ بِالرَّفْعِ، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى وصْفِ (السّابِقُونَ) ويَكُونُ المُقَسَّمُ إلى سابِقِينَ وغَيْرِهِمْ خُصُوصَ المُهاجِرِينَ.

والمُرادُ بِالَّذِينَ اتَّبَعُوهم بَقِيَّةُ المُهاجِرِينَ وبَقِيَّةُ الأنْصارِ اتَّبَعُوهم في الإيمانِ، أيْ آمَنُوا بَعْدَ السّابِقِينَ: مِمَّنْ آمَنُوا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ ومَن آمَنُوا مِنَ المُنافِقِينَ بَعْدَ مُدَّةٍ.

والإحْسانُ: هو العَمَلُ الصّالِحُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ. وإنَّما قُيِّدَ هَذا الفَرِيقُ خاصَّةً لِأنَّ السّابِقِينَ الأوَّلِينَ ما بَعَثَهم عَلى الإيمانِ إلّا الإخْلاصُ، فَهم مُحْسِنُونَ، وأمّا الَّذِينَ اتَّبَعُوهم فَمِن بَيْنِهِمْ مَن آمَنَ اعْتِزازًا بِالمُسْلِمِينَ حِينَ صارُوا أكْثَرَ أهْلِ المَدِينَةِ، فَمِنهم مَن آمَنَ وفي إيمانِهِ ضَعْفٌ وتَرَدُّدٌ، مِثْلُ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، فَرُبَّما نَزَلَ بِهِمْ إلى النِّفاقِ ورُبَّما ارْتَقى بِهِمْ إلى الإيمانِ الكامِلِ، وهُمُ المَذْكُورُونَ مَعَ المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٦٠] فَإذا بَلَغُوا رُتْبَةَ الإحْسانِ دَخَلُوا في وعْدِ الرِّضى مِنَ اللَّهِ وإعْدادِ الجَنّاتِ.

وجُمْلَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم خَبَرٌ عَنِ (السّابِقُونَ) . وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى خَبَرِهِ الفِعْلِيِّ لِقَصْدِ التَّقَوِّي والتَّأْكِيدِ.

صفحة ١٩

ورِضى اللَّهِ عَنْهم عِنايَتُهُ بِهِمْ وإكْرامُهُ إيّاهم ودِفاعُهُ أعْداءَهم، وأمّا رِضاهم عَنْهُ فَهو كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ حَتّى رَضِيَتْ نُفُوسُهم لِما أعْطاهم رَبُّهم.

والإعْدادُ: التَّهْيِئَةُ. وفِيهِ إشْعارٌ بِالعِنايَةِ والكَرامَةِ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى جَرْيِ الأنْهارِ.

وقَدْ خالَفَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ مُعْظَمِ القُرّاءِ أخَواتِها فَلَمْ تُذْكَرْ فِيها (مِن) مَعَ (تَحْتِها) في غالِبِ المَصاحِفِ وفي رِوايَةِ جُمْهُورِ القُرّاءِ، فَتَكُونُ خالِيَةً مِنَ التَّأْكِيدِ إذْ لَيْسَ لِحَرْفِ (مِن) مَعْنًى مَعَ أسْماءِ الظُّرُوفِ إلّا التَّأْكِيدُ، ويَكُونُ خُلُوُّ الجُمْلَةِ مِنَ التَّأْكِيدِ لِحُصُولِ ما يُغْنِي عَنْهُ مِن إفادَةِ التَّقَوِّي بِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، ومِن فِعْلِ (أعَدَّ) المُؤْذِنِ بِكَمالِ العِنايَةِ فَلا يَكُونُ المُعَدُّ إلّا أكْمَلَ نَوْعِهِ.

وثَبَتَتْ (مِن) في مُصْحَفِ مَكَّةَ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ المَكِّيِّ، فَتَكُونُ مُشْتَمِلَةً عَلى زِيادَةِ مُؤَكِّدَيْنِ.

9:101Page 203

وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ ١٠١

And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madīnah. They have persisted in hypocrisy. You, [O Muḥammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.

﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهم سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾

كانَتِ الأعْرابُ الَّذِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ قَدْ خَلَصُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ وأطاعُوهُ وهم جُهَيْنَةُ، وأسْلَمُ، وأشْجَعُ، وغِفارٌ، ولِحْيانُ، وعُصَيَّةُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّ في هَؤُلاءِ مُنافِقِينَ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِكُلِّ مَن يُظْهِرُ لَهُ المَوَدَّةَ.

وكانَتِ المَدِينَةُ قَدْ خَلَصَ أهْلُها لِلنَّبِيءِ ﷺ وأطاعُوهُ فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ فِيهِمْ بَقِيَّةً مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لِأنَّهُ تَأصَّلَ فِيهِمْ مِن وقْتِ دُخُولِ الإسْلامِ بَيْنَهم.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ، لا نَعْتٌ. و(مِن) في قَوْلِهِ: ومِمَّنْ حَوْلَكم لِلتَّبْعِيضِ و(مِن) في قَوْلِهِ: (مِنَ الأعْرابِ) لِبَيانِ (مَن) المَوْصُولَةِ.

صفحة ٢٠

و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ اسْمٌ بِمَعْنى بَعْضٍ. و(مَرَدُوا) خَبَرٌ عَنْهُ، أوْ تُجْعَلُ (مِن) تَبْعِيضِيَّةً مُؤْذِنَةً بِمُبَعَّضٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ جَماعَةٌ مَرَدُوا، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] في سُورَةِ النِّساءِ.

ومَعْنى مَرَدَ عَلى الأمْرِ مَرِنَ عَلَيْهِ ودَرِبَ بِهِ، ومِنهُ الشَّيْطانُ المارِدُ، أيْ في الشَّيْطَنَةِ.

وأُشِيرَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ إلى أنَّ هَذا الفَلَّ الباقِي مِنَ المُنافِقِينَ قَدْ أرادَ اللَّهُ الِاسْتِيثارَ بِعِلْمِهِ ولَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ ﷺ كَما أطْلَعَهُ عَلى كَثِيرٍ مِنَ المُنافِقِينَ مِن قَبْلُ. وإنَّما أعْلَمَهُ بِوُجُودِهِمْ عَلى الإجْمالِ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِهِمُ المُسْلِمُونَ، فالمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ: لا تَعْلَمُهُمْ

وجُمْلَةُ (نَحْنُ نَعْلَمُهم) مُسْتَأْنَفَةٌ. والخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في الوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٩٤]، وإلّا فَإنَّ الحُكْمَ مَعْلُومٌ لِلْمُخاطَبِ فَلا يَحْتاجُ إلى الإخْبارِ بِهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى عَدَمِ الفائِدَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ في عِلْمِهِ بِهِمْ، فَإنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِهِمْ كافٍ. وفِيهِ أيْضًا تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ

وجُمْلَةُ (سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ) اسْتِينافٌ بَيانِيٌّ لِلْجَوابِ عَنْ سُؤالٍ يُثِيرُهُ قَوْلُهُ: (نَحْنُ نَعْلَمُهم)، وهو أنْ يَسْألَ سائِلٌ عَنْ أثَرِ كَوْنِ اللَّهِ - تَعالى - يُعَلِّمُهم، فَأُعْلِمَ أنَّهُ سَيُعَذِّبُهم عَلى نِفاقِهِمْ ولا يُفْلِتُهم مِنهُ عَدَمُ عِلْمِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِهِمْ.

والعَذابُ المَوْصُوفُ بِمَرَّتَيْنِ عَذابٌ في الدُّنْيا لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾

وقَدْ تَحَيَّرَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ المُرادِ مِنَ المَرَّتَيْنِ، وحَمَلُوهُ كُلُّهم عَلى حَقِيقَةِ العَدَدِ، وذَكَرُوا وُجُوهًا لا يَنْشَرِحُ لَها الصَّدْرُ. والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ العَدَدَ مُسْتَعْمَلٌ لِمُجَرَّدِ قَصْدِ التَّكْرِيرِ المُفِيدِ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] أيْ تَأمَّلْ تَأمُّلًا مُتَكَرِّرًا. ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، فاسْمُ التَّثْنِيَةِ نائِبٌ مَنابَ إعادَةِ اللَّفْظِ. والمَعْنى: سَنُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا مُتَكَرِّرًا مُضاعَفًا، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] . وهَذا التَّكَرُّرُ تَخْتَلِفُ أعَدادُهُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ المُنافِقِينَ واخْتِلافِ أزْمانِ عَذابِهِمْ.

والعَذابُ العَظِيمُ: هو عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ.

9:102Page 203

وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٠٢

And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed [i.e., polluted] a righteous deed with another that was bad.1 Perhaps Allāh will turn to them in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

صفحة ٢١

﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

الأظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (ومِمَّنْ حَوْلَكم)، أيْ ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ، ومِن أهْلِ المَدِينَةِ آخَرُونَ أذْنَبُوا بِالتَّخَلُّفِ فاعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ بِالتَّقْصِيرِ. فَقَوْلُهُ: (اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) إيجازٌ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أذْنَبُوا واعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ ولَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِالذُّنُوبِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ يَقْتَضِي أنَّها أعْمالٌ سَيِّئَةٌ في حالَةِ الإيمانِ، وكَذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنِ ارْتِكابِ الذُّنُوبِ بِخَلْطِ العَمَلِ الصّالِحِ بِالسَّيِّئِ.

وكانَ مِن هَؤُلاءِ جَماعَةٌ مِنهُمُ الجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وكَرْدَمٌ، وأرْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، ووَدِيعَةُ بْنُ حِزامٍ، ومِرْداسٌ، وأبُو قَيْسٍ، وأبُو لُبابَةَ في عَشَرَةِ نَفَرٍ اعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ في التَّخَلُّفِ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وتابُوا إلى اللَّهِ ورَبَطُوا أنْفُسَهم في سَوارِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ أيّامًا حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

والِاعْتِرافُ: افْتِعالٌ مِن (عَرَفَ) . وهو لِلْمُبالَغَةِ في المَعْرِفَةِ، ولِذَلِكَ صارَ بِمَعْنى الإقْرارِ بِالشَّيْءِ وتَرْكِ إنْكارِهِ، فالِاعْتِرافُ بِالذَّنْبِ كِنايَةٌ عَنِ التَّوْبَةِ مِنهُ؛ لِأنَّ الإقْرارَ بِالذَّنْبِ الفائِتِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ النَّدَمِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلَيْهِ، ولا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الإقْلاعُ الَّذِي هو مِن أرْكانِ التَّوْبَةِ لِأنَّهُ ذَنْبٌ مَضى، ولَكِنْ يُشْتَرَطُ فِيهِ العَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ.

وخَلْطُهُمُ العَمَلَ الصّالِحَ والسَّيِّئَ هو خَلْطُهم حَسَناتِ أعْمالِهِمْ بِسَيِّئاتِ التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ وعَدَمِ الإنْفاقِ عَلى الجَيْشِ.

وقَوْلُهُ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ جاءَ ذِكْرُ الشَّيْئَيْنِ المُخْتَلِطَيْنِ بِالعَطْفِ بِالواوِ عَلى اعْتِبارِ اسْتِوائِهِما في وُقُوعِ فِعْلِ الخَلْطِ عَلَيْهِما. ويُقالُ: خَلَطَ كَذا بِكَذا عَلى اعْتِبارِ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ المُخْتَلِطَيْنِ مُتَلابِسَيْنِ بِالخَلْطِ، والتَّرْكِيبانِ مُتَساوِيانِ في المَعْنى، ولَكِنَّ العَطْفَ بِالواوِ أوْضَحُ وأحْسَنُ فَهو أفْصَحُ.

صفحة ٢٢

و(عَسى): فِعْلُ رَجاءٍ. وهي مِن كَلامِ اللَّهِ - تَعالى - المُخاطَبِ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ فَهي كِنايَةٌ عَنْ وُقُوعِ المَرْجُوِّ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ تابَ عَلَيْهِمْ؛ ولَكِنَّ ذِكْرَ فِعْلِ الرَّجاءِ يَسْتَتْبِعُ مَعْنى اخْتِيارِ المُتَكَلِّمِ في وُقُوعِ الشَّيْءِ وعَدَمِ وُقُوعِهِ.

ومَعْنى ﴿أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ يَقْبَلَ تَوْبَتَهم، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجُمْلَةُ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تَذْيِيلٌ مُناسِبٌ لِلْمَقامِ.

9:103Page 203

خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٠٣

Take, [O Muḥammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allāh's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allāh is Hearing and Knowing.

﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لَهم واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

لَمّا كانَ مِن شَرْطِ التَّوْبَةِ تَدارُكَ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ مِمّا فاتَ وكانَ التَّخَلُّفُ عَنِ الغَزْوِ مُشْتَمِلًا عَلى أمْرَيْنِ هُما عَدَمُ المُشارَكَةِ في الجِهادِ، وعَدَمُ إنْفاقِ المالِ في الجِهادِ، جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ إرْشادٌ لِطَرِيقِ تَدارُكِهِمْ ما يُمْكِنُ تَدارُكُهُ مِمّا فاتَ وهو نَفْعُ المُسْلِمِينَ بِالمالِ، فالإنْفاقُ العَظِيمُ عَلى غَزْوَةِ تَبُوكَ اسْتَنْفَدَ المالَ المُعَدَّ لِنَوائِبِ المُسْلِمِينَ، فَإذا أُخِذَ مِنَ المُخَلَّفِينَ شَيْءٌ مِنَ المالِ انْجَبَرَ بِهِ بَعْضُ الثَّلْمِ الَّذِي حَلَّ بِمالِ المُسْلِمِينَ.

فَهَذا وجْهُ مُناسَبَةِ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ رُوِيَ أنَّ الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ: هَذِهِ أمْوالُنا الَّتِي بِسَبَبِها تَخَلَّفْنا عَنْكَ خُذْها فَتَصَدَّقْ بِها وطَهِّرْنا واسْتَغْفِرْ لَنا، فَقالَ لَهم: «لَمْ أُؤْمَرْ بِأنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم» . حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأخَذَ مِنهُمُ النَّبِيءُ ﷺ صَدَقاتِهِمْ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى (آخَرِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ) .

والتّاءُ في (تُطَهِّرُهم) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ تاءَ الخِطابِ نَظَرًا لِقَوْلِهِ: (خُذْ)، وأنْ تَكُونَ تاءُ الغائِبَةِ عائِدَةً إلى الصَّدَقَةِ.

وأيًّا ما كانَ فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ تُطَهِّرُ وتُزَكِّي.

صفحة ٢٣

والتَّزْكِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ زَكِيًا، أيْ كَثِيرَ الخَيْراتِ. فَقَوْلُهُ: (تُطَهِّرُهم) إشارَةٌ إلى مَقامِ التَّخْلِيَةِ عَنِ السَّيِّئاتِ. وقَوْلُهُ: (تُزَكِّيهِمْ) إشارَةٌ إلى مَقامِ التَّحْلِيَةِ بِالفَضائِلِ والحَسَناتِ. ولا جَرَمَ أنَّ التَّخْلِيَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى التَّحْلِيَةِ. فالمَعْنى أنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ كَفّارَةٌ لِذُنُوبِهِمْ ومُجْلِبَةٌ لِلثَّوابِ العَظِيمِ.

والصَّلاةُ عَلَيْهِمُ: الدُّعاءُ لَهم. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩] . وقَدْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إذا جاءَهُ أحَدٌ بِصَدَقَتِهِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ فُلانٍ» . كَما ورَدَ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى. يَجْمَعُ النَّبِيءُ ﷺ في دُعائِهِ في هَذا الشَّأْنِ بَيْنَ مَعْنى الصَّلاةِ وبَيْنَ لَفْظِها فَكانَ يَسْألُ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - أنْ يُصَلِّيَ عَلى المُتَصَدِّقِ. والصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، ومِنَ النَّبِيءِ الدُّعاءُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ دُعاءَهُ سَكَنٌ لَهم، أيْ سَبَبُ سَكَنٍ لَهم، أيْ خَيْرٌ. فَإطْلاقُ السَّكَنِ عَلى هَذا الدُّعاءِ مَجازٌ مُرْسَلٌ.

والسَّكَنُ: بِفَتْحَتَيْنِ ما يُسْكَنُ إلَيْهِ، أيْ يُطْمَأنُّ إلَيْهِ ويُرْتاحُ بِهِ. وهو مُشْتَقٌّ مِنَ السُّكُونِ بِالمَعْنى المَجازِيِّ، وهو سُكُونُ النَّفْسِ، أيْ سَلامَتُها مِنَ الخَوْفِ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّ الخَوْفَ يُوجِبُ كَثْرَةَ الحَذَرِ واضْطِرابَ الرَّأْيِ فَتَكُونُ النَّفْسُ كَأنَّها غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ قَلَقًا لِأنَّ القَلَقَ كَثْرَةُ التَّحَرُّكِ. وقالَ - تَعالى: ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] وقالَ ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ [النحل: ٨٠]، ومِن أسْماءِ الزَّوْجَةِ السَّكَنُ، أوْ لِأنَّ دُعاءَهُ لَهم يَزِيدُ نُفُوسَهم صَلاحًا وسُكُونًا إلى الصّالِحاتِ لِأنَّ المَعْصِيَةَ تَرَدُّدٌ واضْطِرابٌ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]، والطّاعَةَ اطْمِئْنانٌ ويَقِينٌ، كَما قالَ - تَعالى: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]

وجُمْلَةُ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ تَذْيِيلٌ مُناسِبٌ لِلْأمْرِ بِالدُّعاءِ لَهم. والمُرادُ بِالسَّمِيعِ هُنا المُجِيبُ لِلدُّعاءِ. وذِكْرُهُ لِلْإشارَةِ إلى قَبُولِ دُعاءِ النَّبِيءِ ﷺ . فَفِيهِ إيماءٌ إلى التَّنْوِيهِ بِدُعائِهِ. وذِكْرُ العَلِيمِ إيماءٌ إلى أنَّهُ ما أمَرَهُ بِالدُّعاءِ لَهم إلّا لِأنَّ في دُعائِهِ لَهم خَيْرًا عَظِيمًا وصَلاحًا في الأُمُورِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ ”صَلَواتِكَ“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وخَلَفٌ

صفحة ٢٤

(صَلاتَكَ) بِصِيغَةِ الإفْرادِ. والقِراءَتانِ سَواءٌ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ جِنْسُ صَلاتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. فَمَن قَرَأ بِالجَمْعِ أفادَ جَمِيعَ أفْرادِ الجِنْسِ بِالمُطابَقَةِ لِأنَّ الجَمْعَ المُعَرَّفَ بِالإضافَةِ يَعُمُّ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فُهِمَتْ أفْرادُ الجِنْسِ بِالِالتِزامِ.

9:104Page 203

أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٤

Do they not know that it is Allāh who accepts repentance from His servants and receives charities and that it is Allāh who is the Accepting of Repentance,1 the Merciful?

﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

إنْ كانَ الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ وعَرَّضُوا أمْوالَهم لِلصَّدَقَةِ قَدْ بَقِيَ في نُفُوسِهِمُ اضْطِرابٌ مِن خَوْفٍ أنْ لا تَكُونَ تَوْبَتُهم مَقْبُولَةً وأنْ لا يَكُونَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدْ رَضِيَ عَنْهم وكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] مُشِيرًا إلى ذَلِكَ، وذَلِكَ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ اقْتِرانُ قَبُولِ التَّوْبَةِ وقَبُولِ الصَّدَقاتِ هُنا لِيُناظِرَ قَوْلَهُ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] وقَوْلَهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] كانَتْ جُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنِ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]؛ لِأنَّهُ يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ مُوجِبِ اضْطِرابِ نُفُوسِهِمْ بَعْدَ أنْ تابُوا، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرًا مَشُوبًا بِتَعْجِيبٍ مِن تَرَدُّدِهِمْ في قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ.

والمَقْصُودُ مِنهُ التَّذْكِيرُ بِأمْرٍ مَعْلُومٍ لِأنَّهم جَرَوْا عَلى حالِ نِسْيانِهِ، ويَكُونُ ضَمِيرُ (يَعْلَمُوا) عائِدًا إلى الَّذِينَ ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]

وإنْ كانَ الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ شَكٌّ في قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ وكانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] مُجَرَّدَ إرْشادٍ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ إلى حِكْمَةِ دُعائِهِ لَهم بِأنَّ دُعاءَهُ يُصْلِحُ نُفُوسَهم ويُقَوِّي إيمانَهم كانَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وكانَتْ جُمْلَةُ (ألَمْ يَعْلَمُوا) مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِطْرادِ لِتَرْغِيبِ أمْثالِ أُولَئِكَ في التَّوْبَةِ مِمَّنْ تَأخَّرُوا عَنْها، وكانَ ضَمِيرُ (ألَمْ يَعْلَمُوا) عائِدًا إلى ما هو مَعْلُومٌ مِن مَقامِ التَّنْزِيلِ وهو الكَلامُ عَلى أحْوالِ الأُمَّةِ، وكانَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا.

ونُزِّلَ جَمِيعُهم مَنزِلَةَ مَن لا يَعْلَمُ قَبُولَ التَّوْبَةِ؛ لِأنَّ حالَهم حالُ مَن لا يَعْلَمُ ذَلِكَ سَواءٌ في ذَلِكَ مَن يَعْلَمُ قَبُولَها ومَن لا يَعْلَمُ حَقِيقَةً، وكانَ الكَلامُ أيْضًا مَسُوقًا لِلتَّحْضِيضِ

صفحة ٢٥

وقَوْلُهُ ﴿وأنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ كَما يَجِبُ العِلْمُ بِأنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ذَلِكَ يَجِبُ العِلْمُ بِأنَّ مِن صِفاتِهِ العُلى أنَّهُ التَّوّابُ الرَّحِيمُ، أيِ المَوْصُوفُ بِالإكْثارِ مِن قَبُولِ تَوْبَةِ التّائِبِينَ، الرَّحِيمُ لِعِبادِهِ. ولا شَكَّ أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ فَتَعْقِيبُ (التَّوّابِ) بِـ (الرَّحِيمِ) في غايَةِ المُناسَبَةِ.

9:105Page 203

وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥

And say, "Do [as you will], for Allāh will see your deeds, and [so will] His Messenger and the believers. And you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you of what you used to do."

﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ وسَتَرُدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ [التوبة: ١٠٤] الَّذِي هو في قُوَّةِ إخْبارِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ وقُلْ لَهُمُ اعْمَلُوا، أيْ بَعْدَ قَبُولِ التَّوْبَةِ، فَإنَّ التَّوْبَةَ إنَّما تَرْفَعُ المُؤاخَذَةَ بِما مَضى فَوَجَبَ عَلى المُؤْمِنِ الرّاغِبِ في الكَمالِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ أنْ يَزِيدَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِيَجْبُرَ ما فاتَهُ مِنَ الأوْقاتِ الَّتِي كانَتْ حَقِيقَةً بِأنْ يُعَمِّرَها بِالحَسَناتِ فَعَمَّرَها بِالسَّيِّئاتِ، فَإذا ورَدَتْ عَلَيْها التَّوْبَةُ زالَتِ السَّيِّئاتُ وأصْبَحَتْ تِلْكَ المُدَّةُ فارِغَةً مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، فَلِذَلِكَ أُمِرُوا بِالعَمَلِ عَقِبَ الإعْلامِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ لِأنَّهم لَمّا قُبِلَتْ تَوْبَتُهم كانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ أنْ يَدُلُّوا عَلى صِدْقِ تَوْبَتِهِمْ وفَرْطِ رَغْبَتِهِمْ في الِارْتِقاءِ إلى مَراتِبِ الكَمالِ حَتّى يَلْحَقُوا بِالَّذِينَ سَبَقُوهم، فَهَذا هو المَقْصُودُ، ولِذَلِكَ كانَ حَذْفُ مَفْعُولِ (اعْمَلُوا) لِأجْلِ التَّعْوِيلِ عَلى القَرِينَةِ، ولِأنَّ الأمْرَ مِنَ اللَّهِ لا يَكُونُ بِعَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ. والمُرادُ بِالعَمَلِ ما يَشْمَلُ العَمَلَ النَّفْسانِيَّ مِنَ الِاعْتِقادِ والنِّيَّةِ. وإطْلاقُ العَمَلِ عَلى ما يَشْمَلُ ذَلِكَ تَغْلِيبٌ.

وتَفْرِيعُ ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ زِيادَةٌ في التَّحْضِيضِ. وفِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ التَّقْصِيرِ أوْ مِنَ ارْتِكابِ المَعاصِي لِأنَّ كَوْنَ عَمَلِهِمْ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ مِمّا يَبْعَثُ عَلى جَعْلِهِ يُرْضِي اللَّهَ تَعالى.

وذَلِكَ تَذْكِيرٌ لَهم بِاطِّلاعِ اللَّهِ - تَعالى - بِعِلْمِهِ عَلى جَمِيعِ الكائِناتِ. وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في بَيانِ الإحْسانِ هو «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ» .

وعَطْفُ (ورَسُولُهُ) عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هو المُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ وهو الَّذِي يَتَوَلّى مُعامَلَتَهم عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ.

صفحة ٢٦

وعَطْفُ (المُؤْمِنُونَ) أيْضًا لِأنَّهم شُهَداءُ اللَّهِ في أرْضِهِ ولِأنَّ هَؤُلاءِ لَمّا تابُوا قَدْ رَجَعُوا إلى حَضِيرَةِ جَماعَةِ الصَّحابَةِ فَإنْ عَمِلُوا مِثْلَهم كانُوا بِمَحَلِّ الكَرامَةِ مِنهم وإلّا كانُوا مَلْحُوظِينَ مِنهم بِعَيْنِ الغَضَبِ والإنْكارِ. وذَلِكَ مِمّا يَحْذَرُهُ كُلُّ أحَدٍ هو مِن قَوْمٍ يَرْمُقُونَهُ شَزْرًا ويَرَوْنَهُ قَدْ جاءَ نُكْرًا.

والرُّؤْيَةُ المُسْنَدَةُ إلى اللَّهِ - تَعالى - رُؤْيَةٌ مَجازِيَّةٌ. وهي تَعَلُّقُ العِلْمِ بِالواقِعاتِ سَواءً كانَتْ ذَواتِ مُبْصِراتٍ أمْ كانَتْ أحْداثًا مَسْمُوعاتٍ ومَعانِيَ مُدْرَكاتٍ، وكَذَلِكَ الرُّؤْيَةُ المُسْنَدَةُ إلى الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ المَعْنى المُجْزى لِقَوْلِهِ (عَمَلَكم)

وجُمْلَةُ ﴿وسَتُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ. وهو وعْدٌ ووَعِيدٌ مَعًا عَلى حَسَبِ الأعْمالِ، ولِذَلِكَ جاءَ فِيهِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ آنِفًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском